أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاوه كريم - جائزة -نوبل- وحدود الحلول الرأسمالية















المزيد.....

جائزة -نوبل- وحدود الحلول الرأسمالية


كاوه كريم
(Kawa Karem)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 20:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في 12 أكتوبر 2026، منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة بنك السويد المركزي في العلوم الاقتصادية لكل من "روبرت إي. هول" و"مايكل وودفورد"، وذلك لتطويرهما "الأسس الاقتصاد الجزئي لتحقيق الاستقرار الاقتصاد الكلي " يكمن الهدف الرئيسي للنماذج التي طورها هذان الاقتصاديان في تقديم إطار نظري يساعد الدول والبنوك المركزية على تعديل السياسات النقدية والمالية للحد من شدة التقلبات الاقتصادية والحفاظ على التوازن الاقتصادي العام أثناء الصدمات.
إن هذا القرار يتجاوز مجرد تقديم جائزة، ليطرح سؤالاً سياسياً ونظرياً وتاريخياً جوهرياً: إلى أي مدى تستطيع النماذج الاقتصادية السائدة (البورجوازية) إدارة الأزمات الهيكلية للرأسمالية والسيطرة عليها؟ وهل يعني تحقيق الاستقرار الاقتصادي علاجاً جذرياً لأسباب الأزمة، أم أنه مجرد محاولة تقنية لتقليل آثارها في إطار النظام الاجتماعي نفسه؟
ولصياغة إجابة علمية عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل:المستوى الأول: الإدارة التقنية للاقتصاد، والحد من اضطرابات السوق، وتقليل أعراض الأزمات على المدى القصير. المستوى الثاني: تحليل العلاقات الاجتماعية والتاريخية والطبقية التي يُبنى عليها النظام الرأسمالي برُمته.
وعلى الرغم من وجود ترابط وثيق بين هذين المستويين، إلا أنهما ليسا شيئاً واحداً بأي حال من الأحوال. فقد يساعد النموذج الاقتصادي –من الناحية التقنية– بنكاً مركزياً أو حكومة ما على السيطرة المؤقتة على معدلات التضخم أو أسعار الفائدة، ولكن هذا النجاح التقني لا يعني بأي حال من الأحوال أن النموذج قد فسر أو عالج الجذور التاريخية والاجتماعية لنشوء الأزمة. ومن هنا يبدأ النقد الماركسي، لا بهدف رفض الأدوات الرياضية أو الاقتصادية، بل بالتشكيك في حدود هذه النظريات وطرح العلاقات الهيكلية التي تتركها النماذج السائدة خارج إطار تحليلها.
التطور التاريخي: من الإدارة "الكينزية" إلى الأفق "النيوليبرال"
يشهد النظام الرأسمالي خلال القرن العشرين تحولات تاريخية وأزمات عميقة وتغيرات هيكلية متعددة. فقد أدت الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 –وما رافقها من بطالة واسعة النطاق وانهيار للأسواق وشلل في الإنتاج– إلى حقيقة مفادها أن السوق الحر لا يمكنه بمفرده، ودون تدخل الدولة، الحفاظ على توازنه أو حل أزماته الداخلية تلقائياً. في تلك المرحلة الحجة، اكتسبت أفكار "جون ماينارد كينز" أهمية بالغة. وأوضح "كينز" أنه عندما ينخفض الطلب الكلي ويتراجع الاستثمار في القطاع الخاص، لا تملك آليات السوق القدرة على إعادة الإنتاج إلى مساره الطبيعي بسرعة. وبناءً على ذلك، يصبح من واجب الدولة التدخل عبر زيادة الإنفاق العام، وتحفيز الطلب، واستخدام الأدوات النقدية والمالية لتحريك الاقتصاد وتقليل البطالة. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبحت السياسات الكينزية جزءاً أساسياً من صياغة السياسة الاقتصادية في الدول الغربية. وفي الوقت نفسه، ونتيجة لضغط الحركة العمالية والشيوعية وتغير ميزان القوى السياسي لصالح الطبقات العاملة، ترخس نموذج "دولة الرفاه" (Welfare State). ولعبت هذه السياسات دوراً مهماً في تقديم الخدمات العامة، وتوفير الحماية الاجتماعية، والحد من التفاوت الاقتصادي. لكن هذا الاستقرار لم يدُم طويلاً. ففي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، حدثت سلسلة من التغيرات الهيكلية: تراجع وانحسار نموذج رأسمالية الدولة في شرق أوروبا، ظهور التضخم الركودي (Stagflation)، أي ارتفاع معدلات التضخم بالتزامن مع ركود النمو الاقتصادي و تفاقم الأزمات العميقة في الإنتاج العالمي. أدت هذه العوامل إلى تراجع السياسات الكينزية وصعود أفكار "النيوليبرالية"، التي ركزت على خصخصة القطاع العام، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وتحرير الأسواق، والحد من دور الدولة الرقابي. ومن الناحية التاريخية، كان منح جائزة نوبل لـ "فريدريش هايك" عام 1974 مؤشراً واضحاً على هذا التحول الفكري. فقد كان هايك ناقداً لا يرحم للتخطيط المركزي وتدخل الدولة في الاقتصاد، معتبراً السوق الحر الآلية الوحيدة الناجعة. وشكّل تكريمه حقيقة سيادة الاتجاه النيوليبرالي في الصراع الفكري والسياسي، ممّا غير ميزان القوى بين الدولة ورأس المال والطبقة العاملة لصالح رأس المال. وهنا يبرز سؤال محوري: هل أدى تحرير الأسواق وتقليص تدخل الدولة إلى زيادة قدرة الرأسمالية على حل أزماتها، أم أنه غير فقط طريقة إعادة توزيع أعباء وتكاليف الأزمات على كاهل الطبقة العاملة؟ فالقضية ليست مجرد تقييم أي السياسات أكثر كفاءة من الناحية الإحصائية، بل في معرفة من المستفيد من هذه السياسات ومن الذي يتحمل تكاليفها الهيكلية.
حدود التحليل الجزئي والجانب الخفي من التاريخ
من الخصائص البارزة لنماذج "روبرت هول وميكائيل وودفورد" محاولتها تفسير الظواهر الاقتصادية الكلية مثل التضخم، وتقلبات الإنتاج، والدورات الاقتصادية، بالاستناد إلى "الأسس الاقتصادية الجزئية" (Microeconomic Foundations). وفي هذا الإطار، تُعتبر قرارات الأسر والشركات، وتوقعاتهم بشأن الأسعار وسياسات البنوك المركزية في المستقبل، المتغيرات الرئيسية لتفسير التغيرات الاقتصادية. ورغم أن مراعاة توقعات الأفراد تُعد جزءاً مهماً في التحليل الاقتصادي، إلا أن سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه: هل يأخذ هذا النهج التحليلي في الاعتبار العلاقات التاريخية والطبقية للإنتاج إلى جانب القرارات الفردية؟ أم أنه يتعامل مع هذه العلاقات الاجتماعية كشروط خارجية وثابتة ومعطاة مسبقاً؟
في الرؤية النقدیة لـ "ماركس"، لا يمكن اختزال الاقتصاد في مجموع القرارات المستقلة والحرة للأفراد. فالنظام الرأسمالي يقوم في أصله على علاقات تاريخية ومحددة للملكية والإنتاج: فمن جهة، يوجد الرأسماليون الذين يمتلكون وسائل الإنتاج. ومن جهة أخرى، يوجد العمال الذين لا يملكون وسائل الإنتاج ويضطرون لبيع قوة عملهم للبقاء على قيد الحياة. وهذان الموقعان ليسا نتاج رغبات أو خيارات شخصية محايدة، بل هما حصيلة تاريخ اجتماعي وزّع الملكية والسلطة وقدرة اتخاذ القرار بشكل غير عادل. فعلى سبيل المثال، يتخذ صاحب الشركة قرار الاستثمار بناءً على توقعات الأرباح، بينما يتخذ العامل قرار العمل تحت ضغط تأمين القوت اليومي لعينته. كلاهما يتخذ قرارات في السوق، لكنهما ينطلقان من موقعين اقتصاديين واجتماعيين غير متكافئين. وبإخفاء هذا التباين الهيكلي، تختزل النماذج الاقتصادية السائدة العلاقات الطبقية التاريخية إلى مجرد خيارات فردية مبسطة. إن النقد الماركسي لهذه النماذج لا يعني رفض التحليل "الجزئي"، بل يوضح أن تجاهل العلاقات الطبقية يضر بشكل كبير بصحة النتائج النظرية وتطبيقاتها. ويبقى السؤال المركزي: هل تضع النظرية علاقات الإنتاج وتراكم رأس المال والسلطة الطبقية في صلب تحليلها، أم تتركها خارج نطاق البحث؟
الأزمة العالمية، ميل معدل الربح للهبوط، وحدود السياسة النقدية
في عصرنا الحالي، تعاني الرأسمالية العالمية أزمة هيكلية واسعة النطاق. وتتحدى المشاكل المستمرة –مثل ميل معدل الربح للهبوط، وعبء الديون الثقيل، وعدم استقرار الأسواق، وتفاقم التفاوت في الثروة والدخل– قدرة النظام الرأسمالي على إدارة نفسه. إن الإنتاج الرأسمالي يخضع لميل معدل الربح للهبوط. ورداً على ذلك، تحاول الدول والبنوك المركزية تغيير أدوات الإدارة الاقتصادية الكلية، غير أن تعديل هذه الأدوات لا يعني خلاص النظام من أزماته الهيكلية. فالسياسات الاقتصادية الكلية لا تفعل سوى تغيير أدوات السيطرة للحفاظ على العلاقات الاقتصادية القائمة، دون أن تغير علاقات الإنتاج نفسها. ومن المشاكل الرئيسية أثناء الأزمات أن الاستثمار والإنتاج لا يمكن أن يستمرا بمجرد توفر الأدوات النقدية (مثل تقليل أسعار الفائدة أو تسهيل الإقراض): خفض أسعار الفائدة لتسهيل الاقتراض لا يضمن بحد ذاته زيادة الاستثمار الحقيقي في القطاعات الإنتاجية. فإذا كانت الشركات تعاني من انخفاض معدلات الربح أو ضعف الطلب، فلن يؤدي خفض الفائدة وحده إلى زيادة الاستثمار. وعلى العكس من ذلك، فإن رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم يؤدي إلى زيادة تكلفة القروض، مما يضغط على الإنتاج والاستثمار ويصيبهما بالشلل. وهكذا تبقى السلطات النقدية محاصرة بين هدفين متناقضين: السيطرة على التضخم أو الحفاظ على النشاط الاقتصادي. فضلاً عن ذلك، عندما يتحقق استقرار الأسعار عبر سياسات تزيد من البطالة، أو تضغط على الأجور، أو تضعف قدرة الطبقة العاملة على الدفاع عن حقوقها، فلا يمكن اعتبار هذا الاستقرار نجاحاً اقتصادياً محايداً، بل هو نتيجة تُحقق على حساب تكلفة اجتماعية باهظة تتحملها الطبقة العاملة. والدولة في هذه العملية ليست طرفاً محايداً، بل هي جزء من الإطار المؤسسي الذي ينظم الإنتاج وتراكم رأس المال، حتى وإن تغيرت اتجاهاتها تحت ضغط الصراع الطبقي.
الخاتمة
في النهاية، لا يمكن لجائزة نوبل في الاقتصاد أن تقدم إجابات حاسمة للأزمات الهيكلية للرأسمالية. والتفسير التقني لبعض آليات السوق لا يعني حل الأسباب التاريخية والطبقية للأزمات. فالمسألة لا تقتصر على كيفية إدارة الرأسمالية بشكل أفضل، بل تتلخص في السؤال التالي: هل ستظل العلاقات الأساسية لهذا النظام تنتج الأزمات ذاتها باستمرار؟ وهذا الواقع يسلط الضوء على الحاجة إلى البحث عن بديل يتجاوز الاستقرار المؤقت للنظام ليطرح أسئلة حول علاقات الإنتاج وتوزيع السلطة والثروة. وكما أشار "جورج ماغنوس" (المستشار الاقتصادي السابق لبنك UBS) في عام 2011 عبر بلومبرغ: "اعطوا فرصة لكارل ماركس لإنقاذ الاقتصاد العالمي". وتأتي هذه المقولة كإشارة إلى أهمية العودة إلى نقد ماركس الجوهري للأزمات والأرباح ومستقبل النظام الرأسمالي



#كاوه_كريم (هاشتاغ)       Kawa_Karem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منطق حقوق الإنسان ورؤية أخرى!
- -الإفراط في الإنتاج- و-التراكم- والأزمات
- خيار الحرب والأزمة الرأسمالية!
- الإنتاجية ل -العمل الرقمي- من منظور ماركسية!
- على هامش إجراءات دونالد ترامب -العائق أمام رأس المال هو رأس ...
- قانون سلامة اماكن العمل!


المزيد.....




- باشينيان يحدد موعدا لطلب انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي ...
- رئيس مجلس النواب الليبي الجديد يؤيد بقاء العائب رئيسا لجهاز ...
- رصد مقاتلات بريطانية وطائرات شحن أمريكية وتحركات عسكرية لافت ...
- دول الخليج تلوح برد جماعي على أي هجمات إيرانية
- طائرات تزويد بالوقود أمريكية تحلق فوق مياه الخليج
- العدل الأمريكية تؤكد أنها لن تنتزع صلاحيات ألاسكا في الانتخا ...
- لحظة بلحظة.. الأمريكيون يصوتون في انتخابات التجديد النصفي
- 7 تهديدات بقنابل تضرب مطارات أوروبا.. مقاتلات حربية تواكب طا ...
- أجهزة الاستخبارات الأميركية في أزمة بسبب ترامب.. خلافات تعطل ...
- قرار ترامب بوقف المساعدات لإسرائيل يفاجئ تل أبيب.. 8 مليارات ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاوه كريم - جائزة -نوبل- وحدود الحلول الرأسمالية