أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عادل امين - حين أفترق الحلم عن الواقع















المزيد.....

حين أفترق الحلم عن الواقع


عادل امين

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 15:10
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في نهاية أكتوبر 1979، وفي مدينة دمشق، التقى بدر الدين بصديقه رشيد، وأخبره بوجود صديقين له، سعيد وأحمد، يعتقد أنهما يقيمان في دمشق آنذاك، وطلب منه عنوانيهما ليلتقي بهما.
يقول أحمد:
أخبرني رشيد بالأمر ودلّه على عنواني. وفي اليوم التالي جاء بدر الدين إلى المنزل، فالتقينا نحن الثلاثة: أنا وسعيد وبدر الدين.
كنتُ أترقب لقاءه بلهفة وشوق ورغبة جامحة. فهو صديق حميم عرفته منذ سنوات طويلة، وعملنا معاً في الحياة السياسية السرية ضد نظام حزب البعث، داخل الوطن وفي بغداد، أيام كنا مطاردين من قبل الأجهزة الأمنية وكانت أرواحنا معلقة على خيط رفيع من النجاة. ولم تقتصر علاقتنا على العمل السياسي فحسب، بل امتدت إلى صداقة راسخة جمعتنا في تفاصيل الحياة اليومية؛ من السباحة في نهر دجلة صيفاً، إلى ارتياد أماكن الترفيه وتناول بعض الوجبات معاً.
كنت متلهفاً للقائه، مدفوعاً بحنيني إلى بغداد وأيامها، وإلى تلك الألفة الصادقة التي جمعتنا. وكان هذا أول لقاء بيننا بعد هروبنا من الوطن.
ولم يكن شوقي إلى الصديق وحده ما يدفعني إلى هذا اللقاء، بل ما كنت آمل أن أستقيه منه من أفكار ورؤى. فقد كنت بحاجة إلى إجابات عن أسئلة كثيرة كانت تشغل بالي وبال الآخرين حول الوطن، ومستجدات الأوضاع في العراق والشرق الأوسط، وآفاق المجهول الذي كنا نلجه حاملين معنا جراحاً تثقل الأرواح.
ويضيف أحمد:
بدأ اللقاء بحرارة الأحضان والترحاب وفرحة النجاة من الجحيم، نحن الذين كنا من بين الآلاف الذين حالفهم الحظ فنجوا بجلودهم. تبادلنا الأحاديث العامة والخاصة، الجميل منها والمؤلم، ثم جلسنا في أحد مقاهي دمشق، وتحديداً في ساحة المرجة.
كانت تلك الحقبة من أشد الفترات اضطراباً وتشوشاً على الصعيدين الفكري والسياسي. ولم يكن بوسع أحد أن يتباهى بامتلاكه الإجابات الصحيحة أو أن يدّعي القدرة على تفسير ما يجري بثقة مطلقة. فقد كانت الأسئلة التي تؤرق المعارضين للنظام آنذاك تحتاج إلى إجابات رصينة ومقنعة، بعيدة عن البهلوانيات السياسية والنرجسيات المتضخمة التي استقرت في نفوس البعض. أما من يدّعي غير ذلك فليس إلا مجافياً للحقيقة.
وبعد أن خفتت نشوة اللقاء وحرارة العناق، أزحنا جانباً عبارات المجاملة وانخرطنا في صلب القضايا السياسية الجدية. كنت قد هيأت نفسي وروحي لتلقي كل ما يمكن أن يقال حول القضايا المصيرية التي ظننت أنها ستكون محور الحديث.
ارتشف بدر الدين، والذي يحلو لي أن أسميه "شيخنا" تقديراً له، ما تبقى من كأس الشاي أمامه. ثم مد يده اليمنى ومسح شاربه بطرفي الإبهام والسبابة، وتنحنح كمن يستعد لإلقاء كلام مهم. عندها حبسنا أنا وسعيد أنفاسنا مترقبين ما سيقوله، وكنت أتطلع بشغف إلى سماع تحليلاته واستنتاجاته، لما كان يتمتع به في ذهني من مكانة معتبرة.
كانت المنطقة آنذاك تغلي بالأحداث. فالحكومة الشيوعية في أفغانستان تتعرض لضغوط هائلة، والثورة الإسلامية في إيران لا تزال تهز المنطقة والعالم، والتوتر بينها وبين العراق يتصاعد، فيما بدا الشرق الأوسط كله حبلى بأحداث لا يستطيع أحد التكهن بمآلاتها، أحداث ستترك آثاراً عميقة في العلاقات الدولية لعقود قادمة.
أمسك بدر الدين بناصية الحديث، وبدأ بالديباجة التقليدية المعهودة عن الأوضاع العامة في البلاد. وقبل أن يدخل في القضايا الراهنة، عاد إلى سنوات سابقة مستعيداً بعض أحداثها. فتحدث عن انهيار الحركة الكردية بعد اتفاقية الجزائر عام 1975، وكيف أنه كان قد اقترح على حزبه، في حال دخوله الجبهة مع حزب البعث، أن ينقسم إلى حزبين: أحدهما يدخل الجبهة، والآخر يتولى جمع شتات قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني ويقود الحركة الكردية.
وأضاف أن حزبه لم يأخذ برأيه حينها، فضاعت فرصة ذهبية كانت ستتيح له قيادة الحركة الكردية بدلاً من بيت البرزاني، معتبراً ذلك أحد أكبر أخطاء حزبه آنذاك.
لم أعر هذه الطروحات اهتماماً كبيراً، ولم أسايره فيها، وكذلك سعيد الذي كان غارقاً في صمته وأفكاره.
ثم انتقل إلى الحديث عن أوضاع حزبه وظروفه التنظيمية والسياسية والجماهيرية. وبدا لي أنه أعاد ترتيب الوقائع في ذهنه كما تُرتب مكعبات لعبة تركيب، فصنع منها صورة تنسجم مع رغباته أكثر مما تعكس الواقع القائم.
وخلاصة ما قاله كانت أن النظام يعيش لحظاته الأخيرة، وأن سقوطه بات وشيكاً، وأن البلاد تقف على أعتاب هبّة جماهيرية لا ينقصها سوى "ركلة" أخيرة لتنهار أركانه. أما من سيوجه تلك الركلة، بحسب رأيه، فهو حزبه الذي كان يعمل على تهيئة مستلزمات تلك اللحظة التاريخية.
ذهلت من حديثه، وكذلك سعيد الذي بقي صامتاً لا أدري أكان موافقاً أم معترضاً.
وبينما كان مسترسلاً في كلامه، لم تعد أذناي تتابعان كل ما يقوله؛ إذ أخذت أفكاري تتجول في محطات من تاريخه المثير للجدل. ثم بلغ تفاؤله حداً أثار في نفسي دهشة عميقة حين قال إن حزبه سيترأس مؤتمر القمة العربية المزمع عقده في بغداد عام 1982، بعد أن يسقط النظام الدكتاتوري عبر انتفاضة جماهيرية ويتولى السلطة في العراق.
كان هذا الكلام يتناقض، في نظري، مع واقع حزبه وما يمر به من ظروف قاسية. لذلك لم أستطع أن أمنع نفسي من الشعور بأنني أجلس أمام رجل أسير صورة متخيلة رسمها لنفسه، صورة مملوءة بالمبالغات البعيدة عن الواقع.
سألته إن كانت هذه رؤية الحزب أم رأيه الشخصي، لكنه لم يعط جواباً حاسماً، بل عاد ليؤكد أن الظروف الموضوعية ناضجة، وأن ما ينقص هو العزم والإرادة، وكأن الأمر قد حُسم سلفاً.
وعاد ثانية إلى الحديث عن الفرصة الضائعة للسيطرة على الحركة الكردية بعد انهيارها، من خلال احتواء مقاتليها وتولي قيادتهم ضد سلطة البعث.
عندها ارتسمت على وجهي ابتسامة خفيفة امتزج فيها الذهول بالأسى. لم تكن ابتسامة سخرية مقصودة، بل انعكاساً لحالة من التعجب وعدم الاقتناع. ولم يكن ببالي أن أجرحه أو أستهجن كلامه علناً، فقد عرفته لسنوات طويلة وعملت معه في ظروف بالغة القسوة، وكنت أحمل له احتراماً حقيقياً، رغم ما كنت أراه من نزعة نرجسية في شخصيته.
لكن تلك الابتسامة خانتني.
لاحظها، فتوقف عن الكلام فجأة، واتسعت حدقتا عينيه وهو ينظر إلي بغضب واضح، ثم قال بلهجة خالية من الود:
ما بك؟ أراك تبتسم باستهزاء. ألم يعجبك كلامي؟
صمتُّ لحظة ثم أجبته بمنتهى الأدب:
عفواً، لقد أعجبني كلامك إن كان على سبيل الدعابة، فهو عندئذ طريف. أما إذا كان حديثاً جاداً، فهو يثير عجبي. كنت أتوقع منك أن تنفذ إلى عمق الصورة لا إلى سطحها، وأن تساعدنا على فهم ما ينتظر العراق والمنطقة، فإذا بي أجد نفسي أمام تصورات يصعب أن تقنع حتى الإنسان البسيط، فكيف بمن يتابع الأحداث ويدرك تعقيداتها؟
عندها استشاط غضباً. وأخذ يتحدث بانفعال، ثم وصف بعضنا، وأنا منهم، بأننا تعبنا من النضال وفقدنا روحنا الثورية، وألفنا حياة المدينة.
فأجبته:
لم أكن فلاحاً كي أتعلم حياة المدينة، مع احترامي الكامل للفلاح. أنا ابن المدينة وإن كنت قد وُلدت في قرية صغيرة قربها. لكنني أحاول أن أرى الصورة كاملة: ما يجري في إيران وتركيا وأفغانستان، وتنامي النفوذ الغربي في المنطقة، والدعم الذي يتلقاه النظام العراقي... كل ذلك لا يمكن تجاهله.
ثم تمتمت في داخلي متعجباً من هذا القدر من الغضب بسبب ملاحظة لم أقصد بها الإساءة.
ساد الصمت لبعض الوقت. ولولا الحرج والاعتبارات الشخصية لكنت غادرت المقهى. فقد أخرجني انفعاله عن هدوئي المعتاد.
وبينما كان يواصل حديثه، أخذتني شرودات بعيدة. تذكرت رواية "دون كيشوت" لسرفانتس، وقلت في نفسي: الشرق الأوسط يقف على حافة تحولات كبرى، وشبح الحرب يخيم على المنطقة، والقوى الدولية تحشد نفوذها ومصالحها، فيما يريد صاحبي أن يواجه كل ذلك بسيف خشبي وبحفنة من الناجين من مجازر صدام حسين.
وخلال ما تبقى من الجلسة، اكتفيت بالإنصات، من دون أن أستسيغ ذلك السيل المتدفق من "الدونكيشوتيات" التي كانت تخرج من فمه.
ومنذ ذلك اليوم انقطع بيننا ذلك الخيط من المودة والاحترام الذي دام سنوات طويلة. وبقيت تهب في داخلي عواصف من الغضب والأسى تجاه شخص كنت أكن له احتراماً كبيراً، ثم اكتشفت، أو هكذا خُيّل إليّ يومها، أن صورته في نفسي لم تعد كما كانت. ومنذ ذلك الحين اقتصرت علاقتنا على حدودها الرسمية، وفقدت دفئها القديم.



#عادل_امين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب المدينة القامشلي في ذاكرة الحز ...
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي ـ 10ـ
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 9
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي ـ 8 ـ
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 7
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 6
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 5
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي ـ 4 ـ
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 3
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي 2
- من الفاكهاني إلى القامشلي
- مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي
- هل مصطفى الكاظمي رجل هذه المرحلة في العراق؟
- حول تحالف ( السائرون) ثانيةً
- حول تحالف (السائرون)
- محادثة قصيرة
- ابو علي التركي (محمد شيرواني)
- إذبَحوهٌمْ أصْلِبوهُمْ على نُطْعِ الحُريّة
- التفكير - المفكر - احمد القبانجي في الميزان
- العلمانية والأسلام وحقوق المرأة ( الحلقة الأولى )


المزيد.....




- الملكة رانيا تستحضر التراث الأردني بالمدرقة الكركية في افتتا ...
- خبير مكياج يظهر بنسخة مطابقة لممثلة أمريكية على السجادة الحم ...
- محمد رمضان يتواصل مع زوج عاملة النظافة لتبرئتها
- ناريشكين: أوروبا تسقط عيوبها التاريخية على روسيا
- الصين تطلق المجموعة 21 من أقمار الاتصالات-SpaceSail-
- مصر.. مودة الأدهم تعود لجمهورها بعد خروجها من السجن
- إسرائيل.. تهديدات بالقتل وتسلل مريب أمام منزل آيزنكوت
- مصر تلغي تسهيلات الدخول لمواطني 3 دول
- عراقجي: إيران لا تكن أي عداء لدول الخليج
- وساطات -مكوكية- لتجنب جولة حرب جديدة في المنطقة، وإيران تقول ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عادل امين - حين أفترق الحلم عن الواقع