أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل الخليفي المحامي - الجيوش المستوردة في الخليج: ارتهان القرار، واستنزاف الأموال، وتدمير الشعوب.















المزيد.....

الجيوش المستوردة في الخليج: ارتهان القرار، واستنزاف الأموال، وتدمير الشعوب.


فيصل الخليفي المحامي
كاتب وباحث ومحامي وسياسي يمني

(Faisal Alkhalife)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 08:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم/ فيصل الخليفي

معضلة الأمن البديل
تتشابك المنعطفات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط لتضع الأنظمة السياسية أمام خيارات استراتيجية مصيرية. وتبرز في هذا السياق معضلة "الاعتماد العسكري على القوى الخارجية والجيوش المستوردة" كأحد المرتكزات التي تبنتها بعض دول الخليج العربي لحماية أمنها القومي. غير أن القراءة الأكاديمية العميقة للتاريخ والواقع السياسي تفيد بأن استقدام الجيوش الأجنبية والشركات الأمنية العابرة للحدود غالباً ما يتحول من أداة حماية إلى كارثة استراتيجية ترتد آثارها على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المضيفة، مدفوعةً برغبة قوى دولية غربية في استنزاف المقدرات المالية لهذه الدول وإبقائها في حالة ارتهان دائم.

أولاً: أوهام التهديد واستنزاف الثروات السيادية

تأسست العقيدة الأمنية لبعض قيادات المنطقة على "سرديات وهْم التهديد"، وهي شماعات غير مبررة تاريخياً ولا واقعياً، تم توظيفها لدفع قوى إقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، نحو خوض صراعات استنزافية طويلة. إن استمرار التدخل العسكري والحصار ضد الشعب اليمني لسنوات طوال لم يكن سوى انعكاس لضغوط دولية خارجية وخوف جيوسياسي غير مبرر من العمق اليمني.

لقد أنفقت دول الخليج مليارات الدولارات على صفقات التسلح، والطيران، وتمويل الجماعات الموالية، وهي نفقات طائلة كان يمكن توجيهها للتنمية المستدامة وبناء اقتصاد ما بعد النفط. هذا الإنفاق الهائل لا يخدم سوى المصانع العسكرية الغربية، ويعيد إنتاج سيناريوهات الهيمنة الاستعمارية التقليدية (كالإرث البريطاني القديم المتجدد) الذي يتعامل مع المنطقة كساحة نفوذ وتصفية حسابات تضمن تدفق الثروات نحو التاج والعواصم الغربية.

ثانياً: المآلات الداخلية ومخاطر الفوضى الارتدادية

وفقاً لمنظور العلوم السياسية وعلم الاجتماع العسكري، فإن الجيوش التي لا تنتمي لعقيدة الأرض والمواطنة تمثل خطراً بنيوياً داخلياً؛ إذ تفتقر للولاء الوطني وتتحرك بدافع المنافع النفعية المباشرة. وعند حدوث أي اختلال في التوازنات الاقتصادية أو السياسية، تزداد احتمالية تحول هذه القوى إلى أدوات نهب وفوضى شاملة تمس المواطن الخليجي في أمنه وماله بشكل مباشر.

في المقابل، تبرز الحتمية الجغرافية والتاريخية لتثبت أن روابط الدين، والـجِوار، والقبولة، والعروبة بين الشعبين اليمني والسعودي هي العاصم الحقيقي وقت الأزمات. إن استشراف المآلات الأمنية يشير إلى أنه في حال حدوث الفوضى الناتجة عن تغلغل تلك الجيوش، لن يجد المواطن في الخليج نصيراً حقيقياً سوى أهله وجيرانه في اليمن، انطلاقاً من قيم التضامن الأخوي والقبلي الأصيل، لا المصالح العسكرية المؤقتة. هذا الخلل الأمني المتوقع قد يدفع بالعمالة والمغتربين إلى حماية مدخراتهم وتحويل أموالهم تحسباً لاهتزاز استقرار تلك الأنظمة.

ثالثاً: اليمن في الذاكرة التاريخية العسكرية (مقبرة الغزاة)

تتجاهل السرديات السياسية المعاصرة حقائق الجغرافيا والتاريخ التي تؤكد أن اليمن يمتلك حصانة طبيعية وبشرية تجعل من أي محاولة لإخضاعه عسكرياً انتحاراً استراتيجياً؛ حيث تحولت أرضه تاريخياً إلى ثقب أسود ابتلع أعتى الإمبراطوريات والجيوش العابرة للحدود. والشواهد التاريخية مليئة بالدروس القاسية:

الحملات الحبشية القديمة: ورغم تمكنها من الدخول في فترات معينة مستغلة صراعات داخلية، إلا أنها واجهت مقاومة وطنية شرسة لفظت وجودها وأنهت نفوذها، لتتحول الأرض اليمنية إلى مدفن لطموحاتهم التوسعية.

حملة أوليوس غالوس الرومانية (24 ق.م): التي أرسلها التاج الروماني للسيطرة على طريق البخور، فتاهت وانكسرت في جبال اليمن الشاهقة ومات معظم جنودها جوعاً ومرضاً وتعباً.

الغزوات البرتغالية (القرن السادس عشر): حيث حاولت الإمبراطورية البرتغالية، بأساطيلها البحرية المتطورة آنذاك، غزو السواحل اليمنية والسيطرة على مضيق باب المندب الشريان الاستراتيجي للعالم، وتحصيناتها في عدن والشحر، إلا أن الصمود اليمني البري والبحري ألحق بهم هزائم نكراء وكسر كبرياء سفنهم الحربية على أسوار الثغور اليمنية.

الحملات العثمانية المتكررة: التي كبّدت الخلافة أعداداً هائلة من جندها وضباطها في المرتفعات الجبلية العصية، حتى سُميت اليمن في الأدبيات العسكرية التركية بـ"مقبرة الأناضول".

إن هذه السلسلة الطويلة من الانكسارات لقوى دولية متعددة عبر العصور تُثبت أن محاولة إخضاع الشعب اليمني عبر آلات الدمار والحصار المعاصرة لم تزد الإنسان اليمني إلا صموداً، ليؤكد التاريخ مجدداً أن الأرض اليمنية تلفظ الغزاة والتابعين، وتتحول دائماً إلى مقبرة كبرى وساحة استنزاف لكل من يحاول النيل من سيادتها وكرامتها.

رابعاً: البُعد المعرفي والتحذير الاستشرافي

إن قراءة الواقع الإقليمي تتقاطع مع تحذيرات تراثية واستشرافية عميقة؛ فحين تشتعل الفتن العميقة الناجمة عن سوء التدبير والارتهان للمخططات الأجنبية، تؤول الأمور إلى اضطراب يعود على من أشعله، مصداقاً للأثر الاستشرافي: "منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود". إن السياسات المبنية على استعداء الجار وتدمير مقدراته الاقتصادية والإنسانية لا تنتج أمناً، بل تؤسس لفتنة عمياء قد تعود لتهدد عروش صانعيها وتؤذن ببداية سقوط الأنظمة الهشة التي استبدلت عمقها العربي والإسلامي بجيوش مرتزقة عابرة للحدود.
خامساً: الخاتمة والاستنتاج
يخلص هذا التحليل الأكاديمي إلى أن المخرج الوحيد لدول الخليج من مأزق الفوضى والاستنزاف القادم يكمن في التخلي الكامل عن أوهام العداء وسرديات الخوف الممنهج، والوقف الفوري والشامل لكل أشكال العدوان والحصار مع مغادرة الأراضي اليمنية، والارتكاز على الهوية المشتركة لبناء منظومة أمن إقليمي تكاملي مستقل عن الإملاءات الغربية.
إن اليمن هو الحصن الحصين لكل دول العرب، ولن يكون يوماً ما عدواً لأي دولة شقيقة؛ فهو الموطن الأول والأصل والمهد التاريخي لكل العرب، ولن يكون في تعامله مع محيطه إلا بمثابة الأب الحريص على أبنائه والمحافظ عليهم. ورغم تكالب قوى العالم وبعض الأبناء على هذا البلد الإستراتيجي، فإن اليمن الذي يحب الله ورسوله، والذي جُعل الإيمان يمانياً في بلد المؤمنين، يستند إلى وعد إلهي راسخ بالنصر تم توثيقه في محكم التنزيل؛ مصداقاً لقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقوله عز وجل: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]، وتأكيداً لقوله سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173].

ومن هنا، فإن اليقين التاريخي والإيماني يؤول في نهاية المطاف إلى النصر لليمن وأهله، ليبقى هذا العمق صمام الأمان الحقيقي والدرع الحصين للأمة بأسرها.



#فيصل_الخليفي_المحامي (هاشتاغ)       Faisal_Alkhalife#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معادلة الوصاية بين حكم اليمن أو تدميره: مصطلحات بين الدلالة ...
- الوجه الآخر للحرب على اليمن ..وما خفي أعظم
- أطروحة سياسية مرجعية: إعادة التأسيس لشرعية الإرادة الشعبية و ...
- صعود اليمين المتطرف في اوروبا والملاحم الغيبية قراءة استشراف ...
- ثروات الجزيرة العربية ثراء للغرب وفقر وحروب للعرب وقتات للبن ...
- حين يعمى القادة ويستثمر الغرباء: -أزمة الفهم- وسوء الظن كوقو ...
- مضيق هرمز ودبلوماسية الترك مقاربة براغماتية لفك عقد الملاحة ...
- نحو استراتيجية دفاعية موحده : دمج المقاومة في الجيش كصمام أم ...
- 15 يناير ميلاد زعيم التحرر العربي
- الذكرى ال5 لأغتيال الدكتورة فايزة البريكي


المزيد.....




- مقتل 27 شخصاً في أوكرانيا خلال الساعات الـ24 الماضية
- عراك بين العشرات.. اندلاع شجار كبير في البرلمان الأرميني بسب ...
- إذا فاز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي.. فقد يكون الس ...
- بن غفير يلتقي نتنياهو لبحث سبل الحفاظ على الحكومة اليمينية
- خريف الغضب.. أوروبا فوق صفيح ساخن
- البرهان يحصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة روسية ويشكر بوتي ...
- الولايات المتحدة تصدر تحذيرا لرعاياها في فرنسا
- حافلة مدرسية تقل نحو 20 طفلا تصطدم بجدار منزل في شمال ألماني ...
- صورة للسيسي من داخل الكرملين تكشف محاولته لحل خلاف إفريقي
- أوشاكوف: لا تفاصيل زمنية محددة للمفاوضات الثلاثية المرتقبة ل ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل الخليفي المحامي - الجيوش المستوردة في الخليج: ارتهان القرار، واستنزاف الأموال، وتدمير الشعوب.