أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل الخليفي المحامي - معادلة الوصاية بين حكم اليمن أو تدميره: مصطلحات بين الدلالة اللغوية والجيوسياسية















المزيد.....

معادلة الوصاية بين حكم اليمن أو تدميره: مصطلحات بين الدلالة اللغوية والجيوسياسية


فيصل الخليفي المحامي
كاتب وباحث ومحامي وسياسي يمني

(Faisal Alkhalife)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: فيصل الخليفي

تتحرك الصراعات السياسية المعاصرة في فلك حرب المصطلحات، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي من خلال تمرير مفاهيم ذات دلالات مزدوجة، تعني في ظاهرها فجرًا وإشراقًا، بينما تُبطن في عمقها التفكيك والدمار. إن مصطلح "فجر اليمن" يشكل نموذجًا حيًا لهذا التباين الدلالي؛ فبينما ينصرف ذهن العامة إلى الفجر كمؤشر للولادة والصبح الجديد، فإن التشكيل اللغوي والواقع السياسي يفرضان قراءة مغايرة تمامًا. إن الانتقال من حركة لغوية إلى أخرى (من فجرِ الصبح إلى فجْيرِ التفجير) يحول المفهوم من الأمل إلى التدمير، ليترجم معادلة صفرية صريحة تنتهجها القوى الطامحة في السلطة: "إما أن نعود لحكم اليمن أو ندمره".

ترتبط هذه الديناميكية التدميرية الداخلية بملفات جيوسياسية أوسع نطاقًا، حيث تشير الأدبيات السياسية والدراسات الاستشراقية إلى أن الصهيونية العالمية وبريطانيا والقوى الغربية تضع اليمن في قائمة التهديدات الاستراتيجية الأولى لها. هذا التصنيف ليس وليد المصادفة، بل هو مثبت في أدبيات مفكري هذه القوى ومخططيهم؛ نظرًا للموقع الجيواستراتيجي الاستثنائي الذي يحتله اليمن بإشرافه على مضيق باب المندب، وهو الشريان الحيوي للملاحة والتجارة الدولية والأمن القومي للقوى الإمبراطورية. بناءً على هذا المنظور، يُنظر إلى استقرار اليمن وسيادته كتهديد مباشر للمصالح الاستعمارية وحلفائها في المنطقة، وتثبت الأيام والوقائع المتسارعة على الأرض، أن حدة النزاعات الراهنة ليست إلا انعكاسًا وتنفيذًا دقيقًا لتلك الرؤى التدميرية المصممة في دوائر التخطيط الغربي برعاية عملاء ينفذون سياساتها التدميرية.

المقاربة التاريخية والاستشراقية: اليمن في مخيال القوى الاستعمارية

الحديث عن استهداف اليمن من قبل القوى الاستعمارية التقليدية، وفي مقدمتها بريطانيا، وصولاً إلى الحركة الصهيونية العالمية، ليس مجرد قراءة عاطفية للأحداث، بل هو حقيقة وثقتها مراكز الدراسات وأدبيات الفكر الاستراتيجي الغربي عبر الشواهد التاريخية التالية:

الأهمية الجيواستراتيجية في الأرشيف البريطاني: منذ احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م، أدركت الإمبراطورية أن السيطرة على خطوط الملاحة الدولية تمر حتمًا عبر السواحل اليمنية. وتذكر وثائق وزارة المستعمرات البريطانية (Colonial Office) أن السيطرة على اليمن (وخاصة مضيق باب المندب وجزيرة ميون) هي صمام الأمان لتأمين طريق الهند. ولذلك اعتمدت بريطانيا على إستراتيجية "تأمين الممرات وتفكيك الجغرافيا" عبر صياغة اتفاقيات الحماية وتغذية النزاعات القبلية والمناطقية لإبقاء اليمن في حالة ضعف مستمر.

اليمن في الفكر الصهيوني الاستراتيجي: تنطلق مخاوف الحركة الصهيونية من عقيدة أمنية تعتبر البحر الأحمر شريان الحياة الاقتصادي والعسكري للكيان، وأن أي سيادة وطنية يمنية حقيقية تعني خنقه استراتيجيًا. ويُنقل عن مؤسس الكيان العبري، دافيد بن غوريون، مقولته الشهيرة في خمسينيات القرن الماضي: "إن أمن إسرائيل يعتمد على قدرتنا على السيطرة على الممرات المائية، وإن يمنًا قويًا ومستقلاً يشكل تهديدًا مباشرًا لعمقنا الاستراتيجي في البحر الأحمر". وهو ما تؤكده أدبيات معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني (INSS) بأن إبقاء اليمن في حالة من الفوضى والاقتتال الداخلي هو مصلحة حيوية للكيان.

التوثيق الأكاديمي: اليمن في دراسات مراكز الفكر الدولية

يكشف الفحص الأكاديمي لمراكز الفكر الغربية كيف تحول اليمن في المخيال الاستراتيجي من جغرافيا حضارية إلى "مهدد أمني" يجب احتواؤه أو تفجيره من الداخل:

أطروحات برنارد لويس وتفتيت الجغرافيا: في مشروع المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس (Bernard Lewis) لتفتيت العالم العربي والإسلامي (الذي أقره الكونغرس الأمريكي سراً عام 1983)، اعتبر لويس أن اليمن يمتلك كتلة بشرية حيوية وتاريخاً طويلاً من المقاومة ورفض الهيمنة، ما يجعله خطراً دائماً على المصالح النفطية الغربية وعلى أمن الحلفاء الإقليميين، ورأى أن الحل يكمن في تقسيم اليمن إلى كيانات جغرافية وقبلية متناحرة عبر إذكاء الصراعات الداخلية.

وثائق المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House): تخلص التقارير الحديثة للمعهد البريطاني إلى أن بروز أي سلطة وطنية مستقلة في اليمن تمتلك القدرة على التحكم بالملاحة البحرية سيعيد صياغة موازين القوى ضد مصلحة الغرب. لذلك، توصي المقاربات البريطانية بالاعتماد على إستراتيجية "الإدارة بالأزمات"؛ أي إبقاء اليمن في حالة "لا حرب ولا سلم" تمنعه من النهوض، وتجعل مقدراته مرتهنة للوصاية الخارجية.

دراسات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP): تؤكد دراسات المعهد المرتبط بلوبي المصالح الصهيونية أن أي تهديد ينطلق من السواحل اليمنية يمثل حصاراً وجودياً لإسرائيل، وتخلص توصياته إلى ضرورة استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، والدبلوماسي، وتحريك الوكلاء المحليين لإشغال المجتمع اليمني بالحروب الداخلية وتدمير بناه التحتية.

تقارير مؤسسة راند (RAND Corporation): تشير تقارير المؤسسة (الذراع الفكري للبنتاغون الأمريكي) إلى أن توظيف الصراعات الأهلية في الدول ذات المواقع الاستراتيجية كاليمن هو الوسيلة الأنجع للسيطرة عليها بأقل التكاليف، حيث يقوم "الوكلاء المحليون" بمهمة تفكيك النسيج الاجتماعي وتدمير المقدرات الاقتصادية لبلدانهم نيابة عن الأصيل الاستعماري.

الاستفاقة الكبرى – تحطيم الأغلال وتعرية التحالف التدميري

إن الوقائع الدامية التي عاشها ويعيشها اليمن لم تعد بحاجة إلى تحليلات رمادية أو مواربة دبلوماسية؛ فقد أسقطت الأيام الأقنعة بالكامل، وتكفلت الدماء والدمار ببيان المَخفي في الصدور. إن ما يسمى بـ"التحالف" الذي تدثر بزيف الوعود الإغاثية وإعادة الإعمار، لم يكن في جوهره الإستراتيجي إلا الأداة التنفيذية والمخالب الإقليمية والمحلية التي حركتها أصابع الصهيونية العالمية وبريطانيا والغرب، لإنفاذ تلك المخططات القديمة المكتوبة في أروقة معاهد الفكر الاستعماري. لقد تحول الشعار البراق المضلل من فجر الانعتاق والنهوض، إلى "تـفـجـيـر" ممنهج ومدروس لكيان الدولة، وبنيتها التحتية، ونسيجها الاجتماعي، في تطبيق أعمى وأثيم لمعادلة: "إما أن نتحكم بمصير اليمن وأرضه وثرواته، أو ندفعه إلى غياهب التمزق والتدمير".

إن الرأي العام اليمني والعربي اليوم يقف أمام لحظة الحقيقة التاريخية والمصيرية؛ فالصمت أو التماهي مع هذا المسار التدميري لم يعد مجرد خذلان سياسي، بل هو تواطؤ مباشر في بيع الجغرافيا وتنازل عن السيادة القومية. كيف يستقيم في منطق العروبة والإنسانية أن تُحاصر الموانئ, وتُعطل المطارات، ويُجوّع شعب بأكمله، وتُقسّم الأرض إلى كانتونات متناحرة، بينما تتطلع عيون الغرب والصهيونية باطمئنان إلى مياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب بعد أن أُشغل أهل الأرض بطعن بعضهم بعضاً؟ إنها الخديعة الكبرى التي وظفت أموال وثروات الأمة العربية لضرب عمقها الاستراتيجي، وحصنها الحصين المتمثل في يمن حر، قوي، ومستقل.

لذا، فإن الواجب القومي والديني والأخلاقي يحتم على كل قلم حر، وكل صوت شريف في اليمن والوطن العربي، أن ينهض لقلب الطاولة على هذا التحالف التدميري وأدواته العبثية. إن الفجر الحقيقي لليمن لن يشرق من عواصم الوصاية، ولن تصنعه طائرات القصف أو أموال الارتهان، بل سينبثق من وعي شعبي عارم يرفض التبعية، ويقطع دابر الاختراق الاستخباري، ويعري طبقة العملاء والوكلاء. إنها دعوة للاستفاقة واستعادة زمام المبادرة؛ فاليمن الذي كان عصياً على الغزاة المستعمرين عبر التاريخ، لن يقبل بتبعية مشوهة، وسيثبت للعالم أجمع أن الوعي اليمني والعربي قادر على سحق خطط التفكيك، لتظل الأرض يمنية، والقرار سيادياً، والمستقبل يصنعه الأحرار وحدهم.



#فيصل_الخليفي_المحامي (هاشتاغ)       Faisal_Alkhalife#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجه الآخر للحرب على اليمن ..وما خفي أعظم
- أطروحة سياسية مرجعية: إعادة التأسيس لشرعية الإرادة الشعبية و ...
- صعود اليمين المتطرف في اوروبا والملاحم الغيبية قراءة استشراف ...
- ثروات الجزيرة العربية ثراء للغرب وفقر وحروب للعرب وقتات للبن ...
- حين يعمى القادة ويستثمر الغرباء: -أزمة الفهم- وسوء الظن كوقو ...
- مضيق هرمز ودبلوماسية الترك مقاربة براغماتية لفك عقد الملاحة ...
- نحو استراتيجية دفاعية موحده : دمج المقاومة في الجيش كصمام أم ...
- 15 يناير ميلاد زعيم التحرر العربي
- الذكرى ال5 لأغتيال الدكتورة فايزة البريكي


المزيد.....




- إعصار -إيساياس- يقترب من السواحل الأمريكية.. وتحذيرات من فيض ...
- الحرس الثوري يعلن استهداف سفينة في مضيق هرمز..ماذا عن وضع ال ...
- الطيران السعودي يشن غارات على مواقع في صنعاء وصعدة
- فرنسا تتعهّد بتعيين 3 آلاف معلم إضافي لاحتواء احتجاجات التلا ...
- باكستان تؤكد انتشار -أعداد كبيرة- من قواتها في السعودية.. وت ...
- إنقاذ أنثى أورانغوتان صغيرة من حرائق إندونيسيا.. إصابات في ي ...
- توقيف رجلين من لاتفيا بشبهة اختراق قاعدة عسكرية في بريطانيا. ...
- إعاصير تجتاح صقلية وتخلف سيارات مقلوبة ومبان متضررة
- براد كوبر بين النجاحات العسكرية ومعضلات حرب إيران.. كيف أثّر ...
- اشتباكات عنيفة في باب المندب.. هجوم بري كبير بدعم سعودي لاست ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل الخليفي المحامي - معادلة الوصاية بين حكم اليمن أو تدميره: مصطلحات بين الدلالة اللغوية والجيوسياسية