|
|
الأمن الوطني العراقي: حين تتقدّم المصلحة الوطنية على المذهب والقومية والأيديولوجيا
رياض سعد
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 09:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقالة في الاستراتيجية الوطنية والسيادة وتحرير القرار الوطني من سطوة العواطف والانتماءات العابرة للحدود أولاً: الأمن الوطني ليس قضية عاطفية، بل منظومة مصالح ومخاطر تُخطئ الدول التي تجعل عواطفها الدينية أو روابطها المذهبية أو انتماءاتها القومية أساساً وحيداً لتحديد أصدقائها وأعدائها؛ لأن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق القرابة الروحية أو التشابه الثقافي، وإنما بمنطق المصالح الاستراتيجية، وموازين القوى، وحسابات الأمن، وتقدير المخاطر والفرص. فالدولة التي تريد البقاء والاستمرار لا تستطيع أن تبني سياستها الخارجية على افتراض أن من يشاركها العقيدة سيكون حليفاً دائماً، أو أن من يختلف معها في الدين أو القومية سيكون عدواً بالضرورة... ؛ فالتاريخ السياسي مليء بحالات تعاونت فيها دول مختلفة دينياً وقومياً، وتصارعت فيها دول تنتمي إلى الدين نفسه أو القومية ذاتها... ؛ وقد تتحول العلاقة بين دولتين من التحالف إلى التنافس، أو من التعاون إلى الصراع، حين تتغير المصالح والظروف وموازين القوى. ومن هنا، ينبغي فهم القاعدة الجوهرية التي تقوم عليها الدراسات الاستراتيجية: لا يجوز للدولة أن تستبعد أي احتمال أمني لمجرد وجود روابط دينية أو مذهبية أو قومية أو اجتماعية بينها وبين دولة أخرى. وهذا لا يعني أن جميع دول الجوار أعداء، ولا أن العداء معها أمر حتمي، بل يعني أن القرب الجغرافي يفرض على الدولة دراسة قدرات جيرانها، ونواياهم المحتملة، ومصادر قوتهم وضعفهم، والسيناريوهات التي قد تنشأ عن تغير سياساتهم أو مصالحهم... ؛ فالدولة الرشيدة لا تفترض الشر في الجميع، لكنها لا تبني أمنها على حسن الظن وحده. إن إعداد الخطط الدفاعية والسيناريوهات البديلة ليس إعلاناً للعداء، وإنما هو تعبير عن المسؤولية... ؛ فالدول قد تتعاون اليوم، لكنها تحتاج إلى الاستعداد لاحتمال اختلافها غداً، من دون أن يتحول ذلك إلى عداء مجاني أو سياسة استفزازية. والقاعدة الأهم هنا أن الثقة السياسية لا تُغني عن التقدير الأمني، والتحالف لا يُلغي ضرورة الاستعداد، والتشابه العقائدي لا يشكّل ضمانة أبدية للمصالح المشتركة. ثانياً: الفصل بين الانتماء العقائدي والحساب الاستراتيجي تتمثل إحدى المشكلات الكبرى التي تواجه الدول والمجتمعات في الخلط بين الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي وبين المصلحة الوطنية... ؛ فعندما يتحول التشابه العقائدي إلى معيار لتحديد الولاء السياسي، يصبح من السهل تبرير تدخلات الدول الأخرى، أو التغاضي عن سياساتها الضارة، أو الدفاع عن مواقفها حتى عندما تتعارض مع مصالح الوطن والمواطن . وقد تنشأ هذه المشكلة عندما يتعامل بعض الأفراد أو الأحزاب مع دولة أجنبية باعتبارها امتداداً لمذهبهم أو قوميتهم أو مشروعهم الأيديولوجي، فيمنحون سياساتها حصانة عاطفية لا يمنحونها للدول الأخرى... ؛ عندئذٍ لا يعود السؤال: هل يخدم هذا الموقف أمن العراق واقتصاده وسيادته؟! بل يصبح: هل يخدم الدولة التي نميل إليها عقائدياً أو فكرياً؟! وهذا انقلاب في ترتيب الأولويات؛ لأن الدولة الوطنية ليست مؤسسة دينية أو عرقية عابرة للحدود، وإنما كيان سياسي مسؤول عن حماية مواطنيه، وصيانة أراضيه، وإدارة موارده، والدفاع عن استقلال قراره. ولا يعني ذلك أن الدين أو القومية أو الروابط الثقافية أمور عديمة القيمة، أو أن على الإنسان التخلي عن معتقداته وهويته، بل يعني وضع كل منها في موضعه الصحيح... ؛ فالدين مجال للإيمان والقيم، والقومية رابطة ثقافية أو تاريخية، والأيديولوجيا إطار لتفسير المجتمع والسياسة؛ أما الأمن الوطني فهو مسؤولية الدولة تجاه مجموع مواطنيها، بصرف النظر عن مذاهبهم وأصولهم وانتماءاتهم. ومن الضروري هنا التمييز بين التضامن الإنساني أو الديني المشروع وبين تحويل ذلك التضامن إلى تبعية سياسية... ؛ فمن حق العراقي أن يتعاطف مع شعب يتعرض للعدوان أو الظلم، ومن حقه أن يعتز بروابطه الثقافية والدينية مع شعوب أخرى، لكن ليس من حق أي حزب أو جماعة أن يجعل مصالح دولة أجنبية مقدّمة على سلامة العراق وسيادته. فالمواطنة لا تقتضي أن يتخلى الإنسان عن انتماءاته، وإنما تقتضي ألا يسمح لتلك الانتماءات بأن تتحول إلى سلطة فوق الدولة والقانون والمصلحة الوطنية. ثالثاً: العراق نموذجاً لصراع الهويات وتضارب المصالح تزداد أهمية هذه المسألة في العراق؛ بسبب موقعه الجغرافي، وثرواته الطبيعية، وتاريخه السياسي، وتعدد مكوناته الاجتماعية والدينية والقومية، فضلاً عن تعرضه المتكرر للتنافس الإقليمي والدولي. فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، وتجاوره دول تختلف في أنظمتها السياسية وتصوراتها الأمنية وأهدافها الإقليمية... ؛ كما يمتلك موارد اقتصادية ومائية وطاقوية، وموقعاً جغرافياً يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة.. , ولذلك، فإن أي ضعف في مؤسساته أو اضطراب في قراره السيادي قد يتحول إلى فرصة لقوى أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها أو حماية مصالحها على حساب مصالحه. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الخطأ أن ينظر العراقي إلى العلاقات مع دول الجوار من خلال الانتماء المذهبي أو القومي وحده؛ لأن الدولة المجاورة، مهما كانت الروابط التي تجمعها بجزء من المجتمع العراقي، تظل دولة لها مصالحها الخاصة، وأجهزتها ومؤسساتها وحساباتها الأمنية والاقتصادية. وقد تتوافق مصالحها مع العراق في قضية معينة، وتختلف معه في قضية أخرى... ؛ وقد يكون التعاون معها مفيداً في مجال التجارة أو الطاقة أو الأمن الحدودي، بينما يتطلب التعامل معها في ملفات المياه أو المنافذ أو التدخل السياسي مفاوضات حازمة وضمانات واضحة... ؛ وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، ولا ينبغي تفسيره بمنطق الحب والعداء المطلقين... ؛ فالدولة التي تتعامل مع العراق ليست مطالبة بأن تضع مصلحة العراقيين فوق مصلحة مواطنيها؛ بل إن واجبها الأول هو خدمة مصالحها الوطنية... ؛ وفي المقابل، فإن واجب الدولة العراقية هو الدفاع عن مصالح العراقيين، لا افتراض أن الآخرين سيقومون بهذه المهمة نيابة عنها. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل موقف سياسي عراقي هو: ما الذي سيكسبه العراق من هذه العلاقة؟ وما الذي قد يخسره؟ وما الضمانات التي تحمي مصالحه إذا تغيرت الظروف؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يعكس عداءً لدولة بعينها، بل يعكس نضجاً في التفكير السياسي، ويمنع تحويل العلاقات الخارجية إلى علاقات عاطفية غير متكافئة. رابعاً: الولاء المذهبي العابر للحدود ومشكلة ازدواجية القرار من أخطر التحديات التي تواجه الأمن الوطني أن تتحول الانتماءات المذهبية أو القومية إلى قنوات للتأثير السياسي الخارجي، بحيث يصبح بعض الفاعلين المحليين أكثر استجابة لمطالب حليف إقليمي من استجابتهم لحاجات مجتمعهم ودولتهم. وقد تتخذ هذه الظاهرة صوراً متعددة؛ منها تبرير تدخل دولة أجنبية في الشأن العراقي بحجة حماية مذهب معين، أو الدفاع عن سياساتها الإقليمية من دون تقييم مستقل لنتائجها على العراق، أو التعامل مع الخلافات السياسية الداخلية باعتبارها امتداداً لصراعات خارجية. ولا تقتصر هذه الإشكالية على مذهب معين أو قومية بعينها؛ إذ يمكن أن تظهر في البيئات الشيعية أو السنية، أو في الأوساط القومية العربية أو الكردية أو التركمانية، كما يمكن أن تتخذ شكلاً علمانياً أو يسارياً أو قومياً أو دينياً... ؛ فالمشكلة ليست في هوية الجماعة، بل في تحويل ولائها الخارجي إلى مرجعية تتقدم على سيادة الدولة ومصالح مواطنيها. وعليه، ينبغي ألا يُقاس الولاء الوطني باسم الحزب، أو الخطاب الديني، أو الشعارات القومية، أو الموقف المعلن من دولة ما، وإنما بالسلوك السياسي الفعلي: هل يحترم صاحبه الدستور؟ هل يخضع للقانون؟ هل يرفض التدخل الخارجي عندما يضر بالعراق؟ هل يقبل إخضاع السلاح والقرار الأمني لسلطة الدولة الشرعية ؟ وهل يقدّم مصلحة المواطنين على حسابات المحاور الإقليمية؟ إن الانتماء المذهبي ليس دليلاً على الخيانة، مثلما أن الانتماء القومي ليس دليلاً على الوطنية، ولا الاختلاف الديني دليل على العداء... ؛ لكن أياً من هذه الانتماءات لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة إذا تورط في انتهاك السيادة أو الإضرار بالأمن الوطني. ومن الضروري أيضاً ألا تتحول مكافحة النفوذ الخارجي إلى ذريعة لاستهداف مكوّن اجتماعي أو التشكيك الجماعي في ولائه... ؛ فهذه السياسة لا تحمي العراق، بل تمزق مجتمعه وتمنح التدخلات الأجنبية بيئة مناسبة للتوسع. إن المعيار العادل والفعّال هو مساءلة الأفراد والتنظيمات عن أفعالهم وأدلتها، لا محاكمتهم على هوياتهم أو افتراض مواقفهم مسبقاً. خامساً: العواطف السياسية وكيف تُستغل في صناعة التبعية العاطفة جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية، ولا يمكن إلغاؤها من الحياة السياسية... ؛ فالانتماء الديني والقومي والتاريخي قد يمنح الإنسان شعوراً بالتضامن، وقد يدفعه إلى مساندة المظلومين أو الدفاع عن قضايا عادلة... ؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العاطفة إلى بديل عن التفكير النقدي، وعندما يصبح الدفاع عن الجماعة أهم من معرفة الحقيقة، وتبرير مواقفها أهم من تقييم نتائجها. وقد تستثمر القوى السياسية هذه النزعة من خلال تقديم الصراعات بوصفها معارك وجودية بين المذاهب أو القوميات، أو من خلال تصوير النقد السياسي لدولة ما على أنه عداء للدين أو للمذهب أو للأمة... ؛ وبهذه الطريقة، يُنقل النقاش من ميدان المصالح والوقائع إلى ميدان الولاء العاطفي، حيث يصبح الاعتراض خيانة، والمراجعة تراجعاً، والمحاسبة استهدافاً للجماعة. وفي العراق، يمكن أن يؤدي هذا النمط من التفكير إلى تبرير سياسات تضر بالاقتصاد الوطني، أو السكوت عن انتهاكات السيادة، أو التغاضي عن استنزاف الموارد، لمجرد أن الجهة المستفيدة ترفع شعارات دينية أو قومية مألوفة لدى جمهورها. والخروج من هذا المأزق لا يتطلب إلغاء العاطفة، بل إخضاع القرار السياسي لمعايير موضوعية قابلة للفحص والمحاسبة. فبدلاً من السؤال: هل هذه الدولة قريبة منا مذهبياً أو قومياً؟ ينبغي السؤال: هل تحترم سيادة العراق؟ وهل تلتزم بالاتفاقيات؟ وهل تتعامل معه على أساس المصالح المتبادلة؟ وهل تسهم في استقراره أم توظف أزماته لتحقيق أهدافها؟ وبدلاً من السؤال: هل ينتمي هذا الحزب إلى جماعتنا؟ ينبغي السؤال: هل يحارب الفساد؟ وهل يحمي المال العام؟ وهل يخضع للقانون؟ وهل يضع مصالح المواطنين فوق مصالح قياداته وشبكاته السياسية؟ إن الانتقال من منطق الهوية وحدها إلى منطق المصالح والأدلة لا يعني التخلي عن الهوية، وإنما يعني منع التلاعب بها. سادساً: الأمن الوطني أوسع من الجيش والأجهزة الأمنية من الأخطاء الشائعة اختزال الأمن الوطني في القوة العسكرية أو في قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة التهديدات... ؛ فالأمن الوطني مفهوم شامل يتضمن حماية الحدود، واستقلال القرار السياسي، والأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة والمياه والغذاء، والأمن السيبراني، واستقرار المؤسسات، وتماسك المجتمع، وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات. فالدولة التي تمتلك جيشاً قوياً لكنها تعتمد على الخارج في احتياجاتها الأساسية من الطاقة أو الغذاء أو التكنولوجيا قد تواجه ضغوطاً استراتيجية تحدّ من استقلال قرارها.. , والدولة التي تمتلك ثروة نفطية ضخمة لكنها تعاني فساداً مؤسسياً وضعفاً في الإنتاج وتهالكاً في البنية التحتية قد تجد نفسها عاجزة عن تحويل مواردها إلى قوة وطنية مستدامة. وكذلك، فإن الدولة التي تتآكل فيها الثقة بين مواطنيها ومؤسساتها تصبح أكثر عرضة للاختراق السياسي والاجتماعي؛ لأن الانقسامات الداخلية قد توفر للقوى الخارجية فرصاً للتأثير في قراراتها أو توجيه صراعاتها. وفي الحالة العراقية، تقتضي هذه الرؤية الاهتمام بعدد من الملفات الأساسية: 1-. السيادة الأمنية: حصر قرار الحرب والسلم وإدارة القوة المسلحة بيد المؤسسات الدستورية، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة للقانون وسلطة الدولة. 2-. السيادة الاقتصادية: تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد المفرط على النفط والاستيراد، وحماية النظام المالي من الفساد والتهريب وغسل الأموال... ؛ وتشجيع الصناعة الوطنية والزراعة والسياحة والاهتمام بالبنى التحتية الرصينة . 3-. الأمن المائي والطاقوي: بناء سياسات تفاوضية مستدامة بشأن المياه، وتعزيز قدرة العراق على إنتاج الطاقة وتأمين احتياجاته، وتقليل مواطن الابتزاز والاعتماد غير المتوازن. 4-. الأمن السياسي والمؤسسي: بناء مؤسسات مهنية مستقلة عن المحاصصة الحزبية، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في إدارة أجهزة الدولة. 5-. الأمن المجتمعي: حماية التعددية الدينية والقومية، ومنع التحريض الطائفي، وتعزيز المواطنة بوصفها رابطة قانونية وسياسية مشتركة. 6-. الأمن المعلوماتي: تطوير قدرات الدولة على مواجهة التجسس والهجمات السيبرانية وحملات التضليل والتأثير السياسي، مع حماية حرية التعبير ومنع توظيف الأمن ذريعة لقمع النقد المشروع. إن هذه الملفات مترابطة؛ فضعف الاقتصاد قد يحد من الاستقلال السياسي، والفساد قد يخترق المؤسسات الأمنية، والانقسام الاجتماعي قد يعرقل بناء سياسة خارجية متماسكة... , والصناعة مرتبطة بالطاقة ؛ لذلك لا يمكن تحقيق الأمن الوطني من خلال المعالجة العسكرية وحدها، بل من خلال بناء دولة قادرة وعادلة وذات مؤسسات فعالة. سابعاً: ماذا نتعلم من المثال الأمريكي المتعلق بدراسة العراق قبل غزوه؟ هنالك نص يشير إلى دليل استخباري أو عسكري أمريكي سابق لغزو العراق، قيل إنه اشتمل على معلومات تفصيلية عن المجتمع العراقي، من نظامه السياسي وجيشه إلى بيئته الطبيعية وعشائره ومعتقداته الدينية. والفكرة الاستراتيجية التي يستحق هذا المثال تسليط الضوء عليها هي أن التخطيط العسكري الجاد يتطلب دراسة المجتمع المستهدف دراسة متعددة المستويات؛ فلا يكفي معرفة عدد القوات أو أنواع الأسلحة، بل ينبغي فهم الجغرافيا، والبيئة، والبنية الاجتماعية، والموارد، والثقافة السياسية، ومصادر القوة والضعف. فالمعرفة التفصيلية بالمجتمع ليست ترفاً أكاديمياً، وإنما عنصر من عناصر تقدير الموقف والتخطيط للعمليات وإدارة المخاطر. ولم يأبه الأمريكيون بمصير المسيحيين العراقيين، علماً أن أغلب الأمريكيين مسيحيون... ؛ عندما احتلّوا العراق ومارسوا سياساتهم الخطيرة. ومع ذلك، فإن الدرس الاستراتيجي الأوسع يبقى قائماً: قد تدرس الدول الأخرى المجتمع العراقي بتفاصيل دقيقة، بينما يعجز بعض الفاعلين العراقيين عن دراسة مصالح بلدهم بالقدر نفسه من الجدية، أو يسمحون للعواطف والشعارات بأن تحجب عنهم حقيقة التوازنات المحيطة بهم. وهنا تكمن المفارقة: قد يعرف الآخرون عن العراق ما يساعدهم على إدارة صراعهم معه أو التأثير فيه، بينما لا يمتلك العراق دائماً استراتيجية وطنية متكاملة توظف المعرفة لحماية مصالحه. ولهذا ينبغي للعراق أن يستثمر في مراكز الدراسات الاستراتيجية، وتحليل المعلومات، والبحوث الاجتماعية والاقتصادية، ودراسة السياسات الإقليمية، وأن يجعل تقدير المخاطر عملية مؤسسية مستمرة لا رد فعل مؤقتاً على الأزمات. ثامناً: لا عداوة دائمة ولا صداقة مطلقة، بل مصالح تخضع للتقييم إن القول إن المصالح تحكم العلاقات الدولية لا يعني أن الدول لا تعرف المبادئ أو الالتزامات الأخلاقية، ولا يعني أن جميع العلاقات مجرد صفقات مادية... ؛ فالقانون الدولي، والاتفاقيات، والثقة المتبادلة، والقيم المشتركة، والروابط الاجتماعية، كلها عوامل مؤثرة في السياسة الخارجية. لكن هذه العوامل لا تُلغي الحاجة إلى التقييم الواقعي؛ إذ ينبغي للدولة أن تعرف حدود التزاماتها، وأن تميّز بين المصالح المشتركة والمصالح المتعارضة، وأن تضع آليات واضحة للتعامل مع الخلافات. ومن ثم، لا ينبغي للعراق أن يتبنى سياسة عداء دائم مع دول الجوار، كما لا ينبغي له أن يمنح أي دولة تفويضاً مفتوحاً للتأثير في قراراته... ؛ المطلوب هو سياسة خارجية متوازنة، تقوم على التعاون حين تتوافق المصالح، والتفاوض حين تتعارض، والردع القانوني والسياسي والأمني حين تتعرض السيادة للانتهاك. ويشمل ذلك التعامل مع إيران وتركيا والدول العربية وسائر القوى الإقليمية والدولية وفق معايير وطنية ثابتة، من دون شيطنة الشعوب أو منح الحكومات حصانة بسبب التقارب الديني أو القومي. فالعلاقة مع إيران، مثلاً، ينبغي أن تُقيّم وفق أثرها في أمن العراق واقتصاده ومياهه وقراره السياسي، لا وفق الانتماء المذهبي لبعض العراقيين... ؛ والعلاقة مع تركيا ينبغي أن تخضع للمعايير نفسها، بما فيها ملفات المياه والتجارة والأمن والحدود... ؛ وكذلك العلاقات مع الدول العربية والغربية، فلا تُمنح صفة التحالف الموثوق لمجرد الاشتراك في اللغة أو الثقافة أو المصالح المعلنة. إن المعيار واحد، وتطبيقه يجب أن يكون متسقاً: ما يعترض عليه العراق عندما يصدر عن دولة ما ينبغي أن يخضع للتقييم نفسه عندما يصدر عن دولة أخرى. فالسيادة لا تتجزأ، ولا تصبح انتهاكاتها مقبولة عندما يرتكبها حليف نميل إليه، ولا تتحول إلى قضية وطنية فقط عندما يرتكبها خصم نختلف معه. تاسعاً: كيف يبني العراق عقيدة أمن وطني مستقلة؟ إن تجاوز التبعية العاطفية والأيديولوجية لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الوطنية، بل يحتاج إلى استراتيجية واضحة ومؤسسات قادرة على تنفيذها. ويمكن تحديد أبرز متطلبات ذلك في المحاور الآتية: أولاً: صياغة استراتيجية أمن وطني معلنة المبادئ. ينبغي أن تحدد الدولة العراقية مصالحها العليا، ومصادر التهديد، وأولوياتها الاقتصادية والأمنية، وخطوطها الحمراء في التعامل مع القوى الخارجية... ؛ كما ينبغي مراجعة هذه الاستراتيجية دورياً، وفق تغير الظروف الإقليمية والدولية. ثانياً: بناء تقدير مستقل للمخاطر. على المؤسسات المختصة دراسة قدرات الدول الأخرى ونواياها المحتملة وسلوكها الفعلي، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والتقديرات والافتراضات.. , ويجب ألا تُبنى القرارات على الانطباعات الشخصية أو الرغبات الحزبية. ثالثاً: إخضاع العلاقات الخارجية للمساءلة المؤسسية. ينبغي أن تكون الاتفاقيات والتفاهمات ذات الأثر الاستراتيجي خاضعة للأطر الدستورية والقانونية، وأن تخضع الالتزامات المالية والأمنية للرقابة المختصة، بما يحول دون احتكار الأحزاب أو الجماعات قراراً يمس مستقبل الدولة. رابعاً: تحييد مؤسسات الدولة عن الولاءات الحزبية العابرة للحدود. يجب أن تقوم مؤسسات الجيش والأمن والدبلوماسية والاقتصاد على المهنية والكفاءة والولاء للدستور، لا على الانتماءات الطائفية أو الحزبية... ؛ فالدولة لا تستطيع حماية سيادتها إذا كانت مراكز القرار فيها موزعة بين ولاءات متنافسة. خامساً: تعزيز الاستقلال الاقتصادي. كلما ازدادت قدرة العراق على إنتاج احتياجاته الأساسية وتنويع شراكاته وحماية موارده، اتسعت مساحة قراره السياسي.. , فالاستقلال الاقتصادي ليس ترفاً، بل أحد شروط الأمن الوطني. سادساً: ترسيخ المواطنة الجامعة. لا يمكن بناء أمن وطني مستقر على أساس إقصاء المكونات أو التشكيك الجماعي في ولائها... , بل يجب أن يشعر العراقي بأن حقوقه وواجباته تحكمها المواطنة والقانون، وأن الدولة تحميه من التمييز والاستغلال، أياً كان مذهبه أو قوميته. سابعاً: نشر الثقافة الاستراتيجية في المجتمع. من الضروري أن يدرك المواطنون أن السياسة ليست شعارات عاطفية، وأن الموقف الوطني لا يُقاس بحدة الخطاب أو كثرة الاتهامات، بل بالنتائج التي يحققها.. ؛ فالمجتمع الواعي أقل قابلية للتلاعب بخلافاته الداخلية، وأكثر قدرة على محاسبة القوى السياسية عندما تقدم مصالح الخارج على مصالح البلاد. عاشراً: الوطنية ليست شعاراً ضد الآخرين، بل مسؤولية تجاه العراق إن الوطنية الحقيقية لا تتمثل في رفع الشعارات المعادية لدولة أجنبية، ولا في إظهار الولاء لدولة أخرى، وإنما في الالتزام بمصالح العراق وحقوق العراقيين، والدفاع عن سيادة مؤسساته، وحماية موارده، وصيانة كرامة مواطنيه. وقد يكون الشخص كثير الحديث عن الوطن، لكنه يسهم عملياً في إضعاف مؤسساته أو تبرير التدخلات الخارجية... ؛ وقد يكون شخص آخر قليل الشعارات، لكنه يؤدي واجبه بإخلاص، ويحارب الفساد، ويحترم القانون، ويرفض تحويل الدولة إلى أداة لخدمة حزب أو محور خارجي أو دولة اجنبية .. ؛ لذلك، لا بد من التمييز بين الوطنية بوصفها سلوكاً وممارسة، والوطنية بوصفها خطاباً دعائياً. إن العراق لا يحتاج إلى أن يتخلى أبناؤه عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم، بل يحتاج إلى أن يتعلموا كيف يتعايشون في دولة واحدة، وكيف يمنعون خلافاتهم وانتماءاتهم من التحول إلى أدوات بيد القوى الخارجية.. , ولا يحتاج إلى قطع علاقاته بشعوب المنطقة، بل إلى إقامة علاقات متوازنة تحترم المصالح المتبادلة وتحفظ استقلال القرار. كما لا يحتاج إلى استبدال تبعية بأخرى، أو الانتقال من محور إلى محور، بل إلى بناء مركز وطني مستقل يستطيع التعامل مع الجميع من موقع الدولة التي تعرف مصالحها، وتحدد أولوياتها، وتفاوض على أساسها. فالمشكلة ليست في أن يكون للعراقي امتداد ثقافي أو ديني أو قومي خارج الحدود؛ فهذه الروابط جزء من التاريخ الإنساني... ؛ المشكلة في أن يصبح هذا الامتداد أقوى من الرابطة السياسية والقانونية التي تجمع المواطنين داخل وطنهم، أو أن يُستخدم لتبرير قرارات تضر بالعراق. إن أمن العراق يبدأ عندما يصبح العراقي قادراً على نقد الدولة التي يتعاطف معها إذا أخطأت، وعلى الاعتراف بموقف إيجابي من دولة يختلف معها إذا خدم مصلحة وطنه، وعلى رفض التدخل الخارجي مهما كان مصدره، من دون أن يتحول ذلك إلى عداء للشعوب أو ازدراء لهوياتها. خاتمة: العراق أولاً، لا بمعنى العزلة بل بمعنى المسؤولية إن العالم لا ينتظر من العراق أن يحسم صراعات الآخرين نيابة عنهم، ولا أن يقدّم موارده ومصالحه ثمناً لإرضاء حليف أو محور، ولا أن يجعل أرضه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية... ؛ ما يحتاج إليه العراق هو دولة تعرف ما تريد، وتمتلك القدرة على حماية خياراتها، وتتعامل مع الآخرين وفق مصالح واضحة وقواعد قانونية ثابتة. ومن هنا، فإن الفصل بين التوجهات الدينية والمذهبية والقومية وبين المصالح والاستراتيجيات الوطنية ليس دعوة إلى محاربة الدين أو القومية أو الأيديولوجيا، بل دعوة إلى منع توظيفها في إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع... ؛ إنه انتقال من الولاء العاطفي غير المشروط إلى التضامن الواعي، ومن التبعية إلى الشراكة، ومن الشعارات إلى الحسابات، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي. وعلى العراقيين أن يدركوا أن الدولة التي لا تحدد مصالحها بنفسها قد تجد الآخرين يحددونها نيابة عنها، وأن المجتمع الذي يسمح لانقساماته الداخلية بأن تتقدم على مصالحه المشتركة يمنح القوى الخارجية فرصاً للتأثير في مستقبله. ليس المطلوب أن يعادي العراق جيرانه، بل أن يعرف كيف يتعامل معهم... ؛ وليس المطلوب أن يتخلى العراقي عن مذهبه أو دينه أو قوميته، بل ألا يسمح لأي جهة بأن تجعل هذه الانتماءات مبرراً للانتقاص من سيادة بلاده... ؛ وليس المطلوب أن ينكر التاريخ أو الروابط الثقافية، بل أن يمنع تحويلها إلى التزامات سياسية غير محسوبة. فالدول لا تُحمى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا تُصان السيادة بالشعارات، ولا تُبنى الاستراتيجيات على العواطف المجردة.. ؛ إنها تُحمى بالمؤسسات القوية، والمعرفة الدقيقة، والاقتصاد القادر، والقرار المستقل، والمواطنة المتساوية. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يكون السؤال الحاكم لكل قرار سياسي أو اقتصادي أو أمني عراقي هو: هل يخدم هذا القرار العراق، ويحمي سيادته، ويصون مصالح مواطنيه، أم أنه يضع البلاد في خدمة مشروع آخر؟ عندما يصبح هذا السؤال معياراً ثابتاً للحكم على الأحزاب والتحالفات والعلاقات الخارجية، يمكن للعراق أن ينتقل من موقع الساحة التي تتنافس فوقها القوى إلى موقع الدولة التي تدير علاقاتها بإرادتها، وتحمي مصالحها بعقل استراتيجي مستقل. فالعقيدة حقٌّ لأصحابها، والقومية رابطة لأبنائها، والأيديولوجيا اجتهاد سياسي وفكري؛ أما العراق، فهو الوطن الذي تقع على عاتق أبنائه مسؤولية حمايته، ولا يجوز أن يكون أمنه وسيادته ومصالح شعبه ثمناً لأي ولاء يتجاوز حدوده الوطنية.
#رياض_سعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العراق بعد عام 2003: رأسمالية الافتراس وتجار الأزمات واغتيال
...
-
الفئة الهجينة والخط المنكوس: حين تنقلب علاقة الدولة بالهوية
...
-
الدولار العراقي بين السوق السوداء وتهريب العملة إلى إيران
-
الطالب العراقي والمدرسة: رحلة يومية بين الخوف والرتابة والأم
...
-
ثروة العراق في خدمة اجندات نظام البعث المنكوسة : مساعدات للد
...
-
العراق... أين تذهب أموال الدولة؟
-
العراق أولاً: بين التضامن المذهبي والسيادة الوطنية ومخاطر ال
...
-
الأخلاق قبل العقيدة الدينية وبعدها
-
إجازة الموظف الطويلة .. معالجة للعجز المالي أم تحميل الموظف
...
-
عندما تخاف السلطة من العقول .. العراق بين إقصاء الكفاءة وصنا
...
-
المثقف العضوي... هادم الأصنام وباني الوعي
-
الهيبة في البيئات الجاهلة... حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الا
...
-
من خدمة المواطن إلى مطاردته : حين تتحول الدولة إلى خصم
-
بريطانيا وصناعة الدولة العراقية
-
حين تأتي الدولة بالشفلّ الاصفر ... متأخرةً مئة عام
-
المعادلة المنكوسة : كيف أصبح العراقي غريباً في وطنه ؟!
-
الدولة العراقية : سوسيولوجيا الهجنة وصراع الأصيل مع الدخيل
-
القراءة التي لا تترك الإنسان كما كان
-
سبايا الإمبراطورية العثمانية .. الأسر والرق والاتجار بالنساء
...
-
العراقي المتوتر... حين تتحول الحياة اليومية إلى معركة استنزا
...
المزيد.....
-
بسبب عطل فني.. -التحالف- يعلن سقوط طائرة في نجران ومقتل طيار
...
-
وزيرا خارجية مصر وإيران يلتقيان بالعراق.. ماذا دار بينهما؟
-
مسيرات أوكرانية تستهدف محطة نفط ومركز بيانات ومرافق مدنية أخ
...
-
ترامب يتعهد باتخاذ قرار -جيد جدا- بشأن العقوبات ضد روسيا
-
الرئاسة اللبنانية: وفد عسكري لبناني سيشارك بمحادثات ثلاثية ف
...
-
روبيو: واشنطن تتفق مع تصريحات لندن حول مسؤولية طهران عن الهج
...
-
تجميد العقوبات على روسيا.. زيلينسكي يحذّر وروبيو يشرح مبررات
...
-
ترامب يزداد نفورا من زيلينسكي
-
مكيال واشنطن للنفط الروسي يُثير استياء دلهي
-
روسيا..ابتكار إسفنج جديد لوقف النزيف وتطهير الجروح
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|