أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلال مجاهدي - اليسار الاحتجاجي بين معضلة -تسجيل المواقف- وبراغماتية -فن الممكن-














المزيد.....

اليسار الاحتجاجي بين معضلة -تسجيل المواقف- وبراغماتية -فن الممكن-


جلال مجاهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 02:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يشكل الوجود السياسي لليسار الاحتجاجي المغربي، ممثلاً في تكتل فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد داخل المؤسسات التشريعية، اختباراً عسيراً لقدرة أحزاب أقصى اليسار على التكيف مع إكراهات العمل المؤسساتي والبراغماتية السياسية.

وتتجلى ذروة هذا المأزق في الواقعة السياسية التي شهدتها قبة البرلمان المغربي خلال جلسة انتخاب رئاسة مجلس النواب؛ حيث اختار ممثلو تحالف اليسار الامتناع عن التصويت، والاقتصار على التصويت بورقة بيضاء والاحتجاج الصاخب، مما أسهم ضمناً في ترك الطريق مفتوحاً أمام مرشح الأغلبية، أحمد التويزي عن حزب الأصالة والمعاصرة، لحسم المنصب. هذه النازلة لا تُعد مجرد تفصيل عابر في التكتيك البرلماني، بل هي مرآة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بالثنائية المفاهيمية الحاكمة لأداء اليسار الاحتجاجي: المفاضلة بين "تسجيل المواقف" و"تسجيل النقاط" السياسية.

أولاً: منطق "تسجيل المواقف" في مواجهة إكراهات "فن الممكن".

تُوصَف السياسة عموماً بأنها "فن الممكن"، وتعني بأنه يتعين على الأحزاب الدخول في توافقات وتنازلات تكتيكية واستراتيجية لاستغلال الهوامش المتاحة لتحقيق مكاسب سياسية تدريجية واقتناص اللحظات السياسية المناسبة. غير أنه حينما يشتغل السياسي بيافطة الحقوقي أو رجل الشارع الغاضب، ويرفض الدخول في التسويات المتاحة، مقتصراً دوره على الاحتجاج وتسجيل المواقف الصاخبة عوض احترام قواعد اللعبة السياسية، فإنه يدخل أوتوماتيكياً في خانة "العدمية السياسية".

من منظور "فن الممكن"، تُقاس نجاعة الأحزاب بقدرتها على التموقع في الخريطة السياسية، والتأثير في السياسات العمومية، وتسجيل النقاط السياسية. أما الاكتفاء بتسجيل المواقف والبقاء خارج قواعد اللعبة بمنطق الرفض المطلق والاحتجاج الصاخب، فيجعل الحزب أشبه بـ "مراقب أخلاقي" أو "منظمة حقوقية" أكثر منه حزباً سياسياً فاعلاً.
حين يختار اليسار الاحتجاجي الامتناع أو الانسحاب في محطات حاسمة، فإنه يعبد الطريق أمام الأغلبية العددية المحضة لتمرير أجنداتها دون مقاومة فعالة. وبدل أن يتحول البرلمان إلى فضاء لـ "تسجيل النقاط السياسية"، ينحدر الوجود البرلماني لأحزاب أقصى اليسار ليغدو مجرد "ديكور معارض" يفتقر إلى الأثر العملي في صناعة القرار السياسي.

ثانياً: تكلفة الارتطام بالواقع: لماذا يفضلون "المواقف" على "النقاط"؟

إذا كان المنطق السياسي يقضي بأن تسجيل نقطة سياسية خيرٌ من صياغة ألف بيان احتجاجي وأفضل من رفع ألف شعار، فإن الأمر يبدو معكوساً بالنسبة لأحزاب أقصى اليسار؛ ومرد ذلك إلى ترسبات إيديولوجية منفصلة عن الواقع العملي.

يخشى أقصى اليسار دائماً أن يُتهم بالانحراف نحو اليمين، أو تغيير الجلد، أو التنازل عن المبادئ، أو خيانة الشهداء وما إلى ذلك من مفردات يجود بها القاموس الراديكالي. فإذا ما دخل في تسويات أو حقق نجاحات جزئية بتوافقات سياسية، فإن ذلك يُنظر إليه بوصفه خيانة للمبدأ، وللخط النضالي، وللجماهير والمناضلين. ولذلك، يفضل ممثلوه خسارة المعركة بشرف على ربحها بأنصاف الحلول.

من هنا، تبدو أحزاب أقصى اليسار كأنها لا تمارس السياسة بالمعنى التقليدي؛ فهي تتمترس خارج قواعد هذه الأخيرة. وحتى نظرتها للمعارضة تتسم بالطوباوية المحضة؛ فحسب ما أفصح عنه أحد قيادييهم في لقاء صحفي، فهم يقومون بمعارضة من داخل المؤسسات "للنظام السياسي القائم" لا بمعارضة الحكومة فحسب، ومطلبهم الأسمى هو "الملكية البرلمانية". بل إن معارضتهم تمتد لتشمل النظام الرأسمالي العالمي والنيوليبرالية، وهي سقوف استراتيجية تقع تماماً خارج نطاق "فن الممكن".

خاتمة: الأفق السياسي لأقصى اليسار بين الراديكالية والواقعية.

تختزل نازلة انتخاب رئيس مجلس النواب، وما رافقها من موقف لتحالف اليسار، المعضلة الوجودية الكبرى لليسار الاحتجاجي؛ فهو يقف بين مطرقة الانعزال في برج "المواقف" العالية، وسندان الاندماج في مستنقع "الممكن".
إن التحدي التاريخي والمستقبلي الماثل أمام هذا التيار لا يكمن في براعة الرفض وصخب الاحتجاج، بل في امتلاك الجرأة والشجاعة السياسية لردم الفجوة بين المبدأ النبيل والأداة العملية؛ أي القدرة على التحول من الرفض الاحتجاجي إلى قوة سياسية قادرة على "تسجيل النقاط" التي تصنع الفارق الفعلي في الحياة السياسية. وإلا فإن الإصرار على الاكتفاء بالاحتجاج، والشغب البرلماني، والصخب لـ "تسجيل المواقف"، سيُبقي الفاعل اليساري حبيساً لهامش التاريخ ومتحفاً للمواقف البعيدة عن متغيرات الواقع السياسي.



#جلال_مجاهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أحسن المغرب قراءة آثار حياده في الصراع الخليجي مع قطر ؟
- أوجه قصور مشروع القانون المتعلق بالتوطين
- حملة المقاطعة الاقتصادية بالمغرب و رفض زواج المال بالسلطة
- قانون الاستجابة و تفسير حدوث النشوء و التطور
- مشكل الصحراء الغربية و الحل في اللاحل
- تقرير عن رحلة المستطلع محمد ولد بن المقداد إلى أدرار عام 190 ...
- التخلف الحضاري العرب-إسلامي بين الرؤية الحداثية و التأصيلية
- التشكيل الثقافي كآلية لمواجهة أحادية ثقافة العولمة
- مطالب اليسار المغربي بالملكية البرلمانية و سؤال الإمكانية
- الفيزياء و إشكاليات ما قبل الانفجار العظيم
- وقفة في حدود العلم - ماقبل الانفجار العظيم -
- الحقيقة ما بين التكون الذاتي و الخلق
- الحياة بين الحقيقة المادية و اللامادية
- الاشتراكية التوزيعية كخط ثالث
- هل تتواجد الكرة الأرضية داخل إحدى الثقوب السوداء ؟
- قراءة في تاريخ الإسلام المبكر – الجزء الثاني – الديانات في ا ...
- قراءة في تاريخ الإسلام المبكر- الجزء الأول – من إثباتات وجود ...
- هل تستطيع الأحزاب اليسارية المغربية اختراق دائرة الواقع السي ...
- الانطلاق من الصفرية و فشل محاولة الفيزياء الكمية لتفسير نشأة ...
- عقلنة الحقل الديني – إشكالية تحديد المجال -


المزيد.....




- صاروخان يصيبان مطار عدن والتحالف السعودي يعترض صاروخا متجها ...
- أبرز مرشحة لخلافة غوتيريش تواجه -فيتو مزدوجا- في مجلس الأمن ...
- ترامب يعلق تطبيق بنود من قانون ليندسي غراهام حول تشديد العقو ...
- كوريا الجنوبية.. الادعاء يطالب بسجن الرئيس السابق 30 عاما بق ...
- فريد زكريا يدعو روبيو للاحتفاء بالمبادئ الإنسانية لا بالقوة ...
- رئيسة وزراء اليابان: أعمل أكثر من الرجال بسبب المكياج وأعمال ...
- حريق غابات سريع الانتشار يلتهم منازل في جنوب كاليفورنيا
- ترامب يخفف العقوبات والرسوم المرتبطة بروسيا
- ماكرون يدعو للهدوء قبيل احتجاجات حاشدة في فرنسا
- السلطة المحلية بتعز تحذر من ضغوط حوثية لحصر العسكريين واستدر ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلال مجاهدي - اليسار الاحتجاجي بين معضلة -تسجيل المواقف- وبراغماتية -فن الممكن-