مصطفى القرة داغي
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 08:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تَمُر عِلاقة الدول العَربية مَع جارَتِهم اللّدود إيران هذا العام بإحَد أكثر مَراحِلها حَسّاسية وحَسماً، فالصِراع الذي تَفَجّر بَين الولايات المُتّحدة وإسرائيل وبَين نِظام الملالي في فبراير 2026، وَضَع الدول العَربية، لا سِيّما الخليجية، أمام تَحَدّيات جَسيمة. فمَعَ تَزايُد إستِهداف إيران، وَوِكلائِها في اليَمَن والعِراق، للدول العربية، وإكتشافها بأنها قد تُصبِح سَريعاً مَسرَحاً لتَصعيد خارج عَن سَيطرتها، باتَ لِزاماً عَليها تَغيير مَفهومَها للرَدع جَذريّاً، إن أرادَت الحِفاظ على وجودِها. فذيول إيران باتوا يَتَجاسَرون عَلناً بالحَديث عَن زَوال دوَل خليجية مِن الوجود، وهو ليسَ مِن فَراغ، بَل صَدى لِهَمس أسيادِهم في قُم.
قبل أيام مِن تَفَجّر الصِراع، سَعَت دول الخليج الى التَوَسّط لتَجَنُّبه، خِشية أن يُصيبَها رَذاذُه، وَرَغم صِدق حَدسِها إلا أنها لم تَتَوَقّع هذه النَتيجة العَنيفة. فبَعد ثَمان أشهُر مِن إندِلاع الحَرب، تَبَيّن أن فاتورة خَسائِرها، التي لا تَزال مَفتوحة، فادِحة، فقد تَضَرّرَت مَصافي نَفط ومَحَطّات غاز ومُنشآت حَيَوية أخرى، عَلاوة على إغلاق إيران لمَضيق هرمز، شِريان المَنطقة التِجاري. كذلك أثبتَت الحَرب بالفِعل ما أعلَنَه يوماً صَوتاً وصورة غلام إيران أبو مهدي المهندس في تسجيل فديو مع أحد أتباعه وهو يقول له بالفارسية"أتمنى لك الشهادة بعد تدمير إسرائيل"، فيجيبه المهندس بالفارسية"لا، دَع إسرائيل، أريدُها بَعد تَدمير الرياض والسعودية"، بأن دول الخليج هي هَدَف إيران الأول وليسَ أمريكا وإسرائيل، بدَليل أنها إنهالَت عليها بأضعاف المُسَيّرات والصَورايخ التي على إسرائيل، وأنّها لم تقصُف القواعِد الأمريكية في تُركيا وأذربيجان كما فعَلَت مَع التي في الدول العربية، ما جعلها تدرك أن إيران لا يَنفَع مَعَها سِوى الرَدع. لعُقود كان نِظام دول الخليج الأمني يَعتمِد على الولايات المُتّحدة التي وَفَرَت الرَدع اللازم كما فَعَلت بَعد غزو الكويت. لكن إيران إستَغَلّت هذا الوجود الآن ذَريعة لجَرِّها الى الحَرب، ويَبدو أن الولايات المتحدة لم تَعُد راغِبة بهذه المَسؤولية. لذا لم يَعُد مُمكِناً الإعتِماد عليها، بدَليل أنه بَعد توَغّل الحوثيين نَحو باب المَندب، طَلَب الأمير محمد بن سلمان دَعم ترامب، لكنه رَفَض ضَرب الحوثيين!
إيران باتَت كالثور الهائِج، خُصوصاً بَعد إحكام ميليشيات مُرتزقتها العراقية واللبنانية والفلسطينية واليَمينة سَيطرتها على أربَع دول عَرَبية، فالحَشد والحوثي يَحكُمان العراق واليمن فِعلياً، فيما تُدير حَماس وحِزب الله حُكومات ظِل بغَزة وجَنوب لبنان، كل مِنها يَمتلك ترسانة عَسكرية. لذا قَرّرَت مُلاعَبة الولايات المتحدة وحُلفائِها على المَكشوف، لِفَرض نفسها كقوة مُطلقة للمَنطقة. لذا صَعّدَت حِدّة خِطابها الذي بات يَدور حَول السَيطرة والإنتِقام، لِدَرجة أن الحَرس الثوري سَعى لتَخريب الإتِّفاق مَع الولايات المُتّحدة بإطلاق النار على السُفن في مَضيق هرمز، حين كان المُفاوِضون يَضَعون لمَساته الأخيرة.
بالمُقابل تَبَيّنَت حُدود المَظَلّة الأمنية الأمريكية، التي لم تمنَع ضَرب الطائرات المسيّرة الإيرانية لأهداف حَيَويّة في الخليج. لذا، يَنبَغي عليها الإستِثمار بأنظِمة دفاع أقوى، مَع تَحديد خطوط حُمُر مُستعدة للدفاع عنها بشَكل جَماعي. تَزداد الحاجة إلى التنسيق إلحاحاً، فحَتّى لو خَفّت حِدّة القتال، مِن غير المُرَجّح أن تَتَخَلى إيران عَن ستراتجيّتها المُتمثلة بتَهديد جيرانها وإستِخدام مَضيق هرمز وباب المَندب كوَرَقة ضَغط. لذا التَكامُل الخَليجي بجَميع المَجالات لم يعد خَياراً، بل مَسألة وجود حَتمِيّة تستدعي تَحَرّكاً عاجِلاً. كل هذا يَعني أن دول الخَليج لم يَعُد بإمكانها الإعتِماد على واشنطن أو الحِوار مَع طَهران لحل مَشاكلها الأمنية، بَل إن تعزيز التنسيق بَينَها هو السَبيل الأمثّل والأوحَد. عَليها أولاً إقرار مَبدأ أن أي هجوم على أي مِنها يَستدعي رَداً مِن جَميعها، وإستِغلال مَوقِعها القوي لحَشد الدَعم العَسكري والإقتصادي والدبلوماسي ضِد إيران. لكن التَحَدّي الأكبر يَكمُن بمَدى إستِعدادها لإستِخدام هذه الأدَوات فِعلياً. وَحين تَسعى إيران للتَعافي مِن آثار الحَرب، يُفتَرَض حينَها أن تَستَخدِم أدَوات رَدعِها الإقتصادية، التي قد تَشمِل قَطع العِلاقات التجارية التي لا تَزال قائِمة بَين بَعضِها وإيران، وإغلاق الشَركات الوَهمِيّة ومَمَرّات الشَحن السِرّية في الخليج، والتي لَعِبَت دوراً أساسياً بالإلتِفاف على العُقوبات لسَنوات.
تتَمَثّل أحَد المَهام الرَئيسية لدول الخَليج مُستَقبَلاً في تقليل إعتِمادها على مَضيق هرمز، عِبر إنشاء خطوط أنابيب جَديدة لتَصدير النَفط والغاز، والتي بدَورها تَحتاج الى بُنية تَحتِيّة قد يَستغرق إنشائها سَنوات. فقَبل الحَرب كان يَمُر ما يُقارب20 مليون بَرميل عِبر مَضيق هرمز، وهو أمر لا يُمكن تَعويضه بخَط أنابيب جَديد أو إثنين، لذا فالمُحافظة على الإستِمرارية تَحتاج لعِدّة تَدابير بوَقت واحِد. إن زَمَن التَراخي الذي عاشَته دول الخَليج في تَصدير الطاقة وتَراكُم الثَروة والإعتِماد على الولايات المُتّحِدة أمنِيّاً قَد وَلّى، وعَليها الآن تَحَمّل مَسؤولية أمنَها الذاتي، وأن تُسابق الوَقت وتُضاعِف الجُهد وتُوَفّر المال لبناء نِظام جَديد، دون التَعويل على أحَد، كالصين وروسيا مَثلاً، لأنّهُما حَليفتا إيران، أو أوروبا المُنشَغِلة بإنسِحاب أمريكا الوَشيك مِن أوروبا. لذا بَدَأت المَملكة العربية السعودية تَبحَث عَن حُلفاء إقليميين، فكان إتفاق مَكة الذي وَقّعَته السعودية وتركيا وباكستان، والذي تنُص أبرَز بُنودَه أن أي هجوم على إحداها يُعتبَر هجوماً عليها جَميعاً. قد يُصبح هذا الاتفاق لبنة بُنية ستراتيجية جَديدة. فبالنِسبة للرياض، يُتيح لها تَنويع علاقاتها الأمنية وتنمية قُدُراتها العسكرية وإبراز صورتها كقوّة قادِرة على إرساء الإستِقرار الإقليمي، بَدَل الاكتِفاء بمُطالبة واشِنطن. أما تركيا فتَسعى لعِدة أهداف، أهَمّها تُعزيز دَورها كلاعِب أساس في المَنطقة، وتُوسيع حُضورها في الخليج، وتسويق صِناعتها الدفاعية. وبالنسبة لباكستان، يفتح الإتفاق الباب أمام تحويل علاقتها التقليدية مع السعودية إلى شَراكة شامِلة، وتعزيز مكانتها في منطقة مُهمة لإقتصادها وأمنها.
بالمُحَصلة هذا الإتفاق لن يُعَوّض عن أي تَحالف عَربي-عَربي يَجب أن يَسبقه بين الدول العَربية، أو الخليجية على الأقل. إيران لا تَنظُر الى تركيا وباكستان كنَظرتها للدول العربية، وليس لديها حِقد تأريخي عليهما كحِقدَها على الدول العربية. لذا لا نراها تَتَعامَل مع تركيا وباكستان بالفوقية التي تَتَعامَل بها مَع الدول العربية، لأن تركيا وباكستان دول قوية تتَعامَل مَعَها بنِدية، وليس بتبَعِية وخوف كما تَفعَل بَعض الدول العربية. وتركيا وباكستان لديهما جيوش تَعرض قوّتها بين الحين والآخر لرَدع جيرانها، بينما تعجَز الجيوش العربية رَغم عِدّتِها وعَدَدِها أن تَعرض قوّتها أمام إيران. وأخيراً وليسَ آخراً، تركيا وباكستان لا تَحكُمُها، كما العراق واليمن ولبنان وغزة، أحزاب ومليشيا عميلة لإيران، يُجاهِر مُرتزقتها بوَلائِهم لها ولمُرشدها ويُصَرِّحون بأنهم سيقفون مَع إيران إذا قامَت حَرب بَينها وبين العراق!
لقد أثبَتَت الأيام أن إيران لا تَفهَم لغة الكلام ومَبدأ الإحترام، بل لُغة الصِدام ومَبدأ الإرغام كما تَعامَل مَعها صَدّام في حَرب الثمانية أعوام، حينَها فقط قد تَتَجَرّع السُم وتجنَح للسلام. إيران لا تفهَم غير مَبدأ التعامل بنِدية، لا بدونية كما يَفعَل ذيولها وجمهورهم في العراق، ما جَعَلها تُمعِن في غَيّها لأنها شعَرَت بأنها حَقّقَت مُرادَها بإعادة أمجاد دولتها الساسانية الغابرة التي أسقَطَها عَرَب الجزيرة العربية، لِتُصبِح خراسان ولاية عَبّاسية بَعد أن كانت الحيرة ولاية ساسانية! لكن "الأيام دول" مَبدأ لا يَفقهه العَقل السياسي الإيراني المُصاب بلَوثة التفوق العِرقي على الآخرين، وخصوصاً جيرانه. إيران لم تفهم في الماضي البَعيد ولا القريب ولن تفهم يوماً سوى لغة القوة، ففي بداية تأسيس الدولة العِراقية، لم يَعترف حُكام إيران بالدَولة الفتِيّة، لأنّهم لطالما رَأوا العراق جُزئاً مِن دَولتهم، وأرادوا إبتِلاعَه بَعد تَحَرّره مِن الإحتلال العثماني، وعَزّ عَليهم ورُبّما تَجَرّعوا السُم حينَ رَأوه يُصبِح دولة مُعتَرَف بها على يَد أمير حجازي، كما فَعل أجداده قبل1400عام. لكنّهم عادوا وباتوا كالقملة المَفروكة حين أصبَحَ مَملكة يَحكُمُها مَلِك مَهيب وساسة حُكماء يُحسَب لها ولهُم ألف حِساب، فباتوا يتَمَنّون نَسبَه وتَزويج بَناتهم بملوكه وأمَرائه، وقَبِل شاهنشاهاته أن تُصبِح بلادَهُم عُضوَة في حِلف يَحمِل إسم بغداد. وليس كحُكام اليوم مِن ذيول إيران، مِمّن يتوَسّلون رِضاها ويُقَبّلون أقدام زوارها ويقلدون ملاليها ويُعَلقون صورهم في بيوتهم ويَفتخرون ويَعتَزّون بدونيتهم لهُم، حتى بات العراق، وخصوصاً المُدن التي تَحكمها هذه الأحزاب أشبَه بأصغَر حارة إيرانية!
تَحتاج دول الخليج، ومَعَها رُبما الأردن واليَمن بَعد تَحريرها مِن ذيول ومُرتزقة إيران مِن الحوثيين إلى جَبهة موَحّدة في الرَدع، تَشمِل إنشاء مَراكز قيادة مُشتركة وتبادل البيانات وتُنظيم المُناورات وتَحديد إجراءات رَد على هَجَمات الصواريخ والطائرات المُسَيّرة. حينَها سيُصبح التَحالف رادِعاً لإيران، ويُقَلِّل مِن إغراء إختِبارها لنقاط ضَعف الدول المُتحالِفة.
#مصطفى_القرة_داغي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟