أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - صابر الفيتوري - قوة التأويل المضاد















المزيد.....

قوة التأويل المضاد


صابر الفيتوري

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 12:33
المحور: الصحافة والاعلام
    


ساد في التصورات التقليدية للاتصال اعتقادٌ بأن الرسالة تنتقل من المرسل إلى المتلقي، وأن نجاح العملية الاتصالية يتوقف على قدرة المرسل على توصيل المعنى الذي يقصده إلى الجمهور، غير أن هذا التصور، على الرغم من بساطته الظاهرية، يتجاهل إحدى أكثر الحقائق تعقيدًا في الاتصال الإنساني، وهي أن المعنى لا ينتقل من عقل إلى آخر انتقالًا مباشرا دون معوقات ، ولا يستقر داخل الكلمات والصور كما هو مقرر له ، فالرسالة تُنتج في سياق ثقافي واجتماعي معين، ثم تدخل عند استقبالها في سياق آخر الى سياق اخر، مشوب بتداخل المصالح والتجارب والتوقعات وموازين القوة، فتخضع للتفسير وإعادة التأويل، وربما للرفض والمقاومة.
لم يعد السؤال الاتصالي مقتصرًا على ما يريد المرسل قوله، بل يمتد إلى ما يفهمه المتلقي، وكيف يفهمه، ولماذا يقبله أو يرفضه، ومن يمتلك القدرة على فرض تفسير بعينه بوصفه التفسير الصحيح أو المشروع.
ستيوارت هول في دراسته (الترميز وفك الترميز في الخطاب التلفزيوني)، أحدث تحولًا مهمًا عبر الازمان في فهم العلاقة بين الرسالة الإعلامية والجمهور، حدد افتراضاً منطقياً في إن المعنى الذي ينتجه المرسل يصل بالضرورة إلى المتلقي بالصورة التي أرادها، فالرسالة وفق هذا المنظور، تهي ترميز داخل بنية اجتماعية وثقافية تتأثر بمصالح المنتجين والمؤسسات وبالخطابات السائدة، بينما يجري فك ترميزها من جانب الجمهور وفق خبراته ومواقعه الاجتماعية ومعتقداته وشروط حياته، وبذلك لا يكون المتلقي مجرد مستقبل سلبي لما يُعرض عليه، بل طرفًا فاعلًا في إنتاج المعنى وإعادة تشكيله وكم من الرسائل التي لا تصل بسبب هذا التأويل المضاد .
ميّز هول بين ثلاثة مواقع رئيسة لفك الترميز؛ القراءة المهيمنة التي يتبنى فيها المتلقي المعنى المفضل الذي بُنيت الرسالة لتوصيله، والقراءة التفاوضية التي يقبل فيها بعض جوانب هذا المعنى مع تعديله أو التحفظ عليه في جوانب أخرى، والقراءة المعارضة التي يفهم فيها المتلقي الإطار الذي تقدم الرسالة الحدث من خلاله، لكنه يرفض هذا الإطار ويعيد تفسير الحدث انطلاقًا من مرجعية مختلفة، أنها تكشف أن فهم الرسالة لا يؤدي بالضرورة إلى قبولها، وأن إدراك المقصود منها قد يكون بداية الاعتراض عليها بدلًا من أن يكون طريقًا إلى الإذعان لها.
يمكن قراءة هذا المنحنى بـ (قوة التأويل المضاد) بوصفها قدرة الفرد أو الجماعة على رفض المعنى المهيمن الذي تقدمه الرسالة، وإعادة تفسير مضمونها ضمن إطار بديل يعكس خبرة مختلفة أو مصلحة متعارضة أو تصورًا آخر للواقع.
أنها قوة لا يجب اغفالها فهي ليست مجرد خلاف عابر في الرأي، ولا ينبغي اختزالها في سوء الفهم أو ضعف القدرة على استيعاب الرسالة؛ فقد يكون المتلقي قد فهم الرسالة بدقة، وأدرك الغرض الذي تسعى إلى تحقيقه، لكنه يرفض الافتراضات التي تستند إليها أو النتائج التي تريد دفعه إلى قبولها. فتكون النتيجة انه يقول لقد فهمت ما تقصده، لكنني لا أقبل تفسيرك للواقع، ولا أرى أن المعنى الذي تقدمه يستحق أن يتحول إلى حقيقة ملزمة.
تتضح هذه المسألة حين نتأمل الرسائل التي تبدو في ظاهرها محايدة أو ذات منفعة عامة، بينما تخفي في صياغتها توزيعًا غير متكافئ للمسؤوليات أو تتبنى تفسيرًا واحدًا لمشكلة متعددة الأسباب، فقد تحمل حملة إعلامية شعار (وفّر الماء، فالترشيد مسؤولية الجميع)، ويستقبلها الجمهور باعتبارها دعوة مشروعة إلى تقليل الهدر والمحافظة على الموارد، لكن حين يكون المواطن متلقي الرسالة يعيش في منطقة تعاني الانقطاع المتكرر للمياه قد يقرأ الرسالة من زاوية مختلفة؛ فهو لا ينكر أهمية الترشيد، لكنه يتساءل عن جدوى تحميل الأفراد المسؤولية في ظل شبكات متهالكة، أو قصور في الإدارة، أو تفاوت في توزيع الخدمات، ففي هذه الحالة لا يتحدد الخلاف في مضمون الدعوة إلى الترشيد ذاتها، بل في الإطار الذي تُعرَّف المشكلة من خلاله.
ان صياغة الرسالة بأسلوب المهيمنة تجعل السلوك الفردي يستقبلها من خلال ردة فعل مقاومة تكون تأويلا مضادا، فعيد التأويل المضاد توجيه النظر إلى المسؤولية المؤسسية والبنية التحتية والسياسات العامة القاصرة.
وهكذا تصبح الرسالة الواحدة مجالًا لتنافس تفسيرين مختلفين للواقع، أحدهما يركز على مسؤولية الفرد، والآخر يطالب بإدراج المسؤولية المؤسسية ضمن المعالجة.
ويتكرر هذا الصراع على المعنى في التغطية الإعلامية للإضرابات والاحتجاجات، فعندما يُقدَّم إضراب عمالي باعتباره (تعطيلًا للخدمات) أو (إضرارًا بمصالح المواطنين)، يجري توجيه انتباه الجمهور إلى النتائج المباشرة للإضراب، بينما قد تتراجع المطالب التي دفعت العمال إلى اتخاذ هذه الخطوة، وفي المقابل قد يقرأ العمال المشاركون في الإضراب الحدث بوصفه وسيلة للدفاع عن الحقوق وتحسين ظروف العمل، لا مجرد تعطيل للحياة العامة، وهذا ما يضعنا امام تأويلين وهذا لا يعني أن أحد الوصفين صحيح في جميع الحالات أو أن الآخر باطل بالضرورة، لكن الحقيقة ان المفردات الرسالة توجه الانتباه نحو جوانب معينة من الحدث وتهمّش جوانب أخرى.
مصطلح (التعطيل) في هذا المثال يستدعي تصورًا يركز على الضرر الواقع على المستفيدين من الخدمة، في حين يستدعي مصطلح (الإضراب) في فهم وتأويل القائمين عليه سياقًا يتعلق بالحقوق العمالية والعلاقة بين العامل وصاحب العمل. أما وصف الفعل بأنه (مقاومة) فيضعه داخل إطار أوسع يتعلق بموازين القوة والقدرة على الاعتراض، ومن ثم فإن التنافس على تسمية الحدث ليس مسألة لغوية شكلية، بل جزء من الصراع على تفسيره وتحديد الموقف الاجتماعي والأخلاقي منه.
الحقيقة لقد اتسع مجال التأويل المضاد مع انتشار المنصات الرقمية التي منحت الأفراد والجماعات فرصًا أوسع للرد على الرسائل الإعلامية وإعادة تداولها وإنتاج مضامين بديلة تنافس الروايات السائدة، ففي البيئات الإعلامية التقليدية كان الوصول إلى الجمهور الواسع يعتمد بدرجة كبيرة على المؤسسات التي تملك وسائل النشر والبث، أما اليوم فقد يستطيع المستخدم أن يعيد تأطير رسالة تلفزيونية بتعليق أو مقطع مرئي أو وسم رقمي، وأن يربطها بتجارب شخصية وشهادات وشواهد لم تظهر في التغطية الأصلية.
إن جميع التأويلات تمتلك فرصًا متساوية في الانتشار، خصوصا إذا تقابل التأويل مع التأويل المضاد وقدم كل منهما خطابا بقدرة اعلى بهدف الوصول إلى الجمهور.
مثال على ذلك النقاشات التي أعقبت هجوم شارلي إبدو في فرنسا عام 2015 حول معنى التضامن وحدوده، فإلى جانب انتشار الرسالة التضامنية (أنا شارلي)، ظهر رسالة التأويل المضاد (لست شارلي (الذي عبّر بعض مستخدميه عن رفضهم الاندماج الكامل في إطار التضامن السائد، انطلاقًا من اعتراضات مختلفة على دلالاته السياسية أو الثقافية أو على ما رأوا أنه يتجاهل أسئلة تتعلق بحرية التعبير والتمييز والتمثيل.
وتظهر في عالمنا اليوم نقاشات مشابهة بخصوص الصيد التقليدي للفقمات في مجتمعات (الإنويت)، حيث جرى اعداد رسائل عبر المنظمات الدولية في شكل حملات بيئية ركزت حماية الفقمات ومعاناة الحيوانات وحماية الطبيعة، بينما رأى بعض أفراد هذه المجتمعات أن هذه الحملات لا تعكس بصورة كافية تاريخهم الثقافي وسبل عيشهم وحقوقهم.
توضح هذه الحالة كيف يمكن للصورة نفسها أن تحمل دلالات أخلاقية مختلفة تبعًا للموقع الاجتماعي والثقافي لمن يشاهدها أو ينتجها، فالصورة التي تُستخدم لإثارة التعاطف مع الحيوان قد تُقرأ من جانب جماعة أخرى باعتبارها اختزالًا لتاريخها أو تجاهلًا لظروفها المعيشية ومن الضروري هنا ألا يقتضي فهم هذا التعارض إلغاء الاعتبارات البيئية أو الحقوق الثقافية من طرف على حساب الاخر، بل يقتضي تحليل الكيفية التي تنتج بها الأطراف المختلفة معانيها، والبحث في الشروط التي تسمح بنقاش أكثر شمولًا وتعقيدًا.
ولا تقتصر قوة التأويل المضاد على القضايا الإعلامية الكبرى، بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات المهنية والاجتماعية، فعندما يعلن مدير أن قرارًا معينًا اتُّخذ (لمصلحة المؤسسة)، قد يراه الموظفون محاولة لتبرير إجراء يخدم الإدارة على حساب العاملين، وعندما توصف مجموعة احتجاجية بأنها (مخربة)، قد يرى أعضاؤها أنهم يدافعون عن حقوق جرى تجاهلها، وعندما يُفسَّر الفقر باعتباره نتيجة للكسل أو ضعف الطموح، قد يعيد المتضررون تفسيره في ضوء تفاوت الفرص التعليمية والاقتصادية، أو محدودية فرص العمل، أو السياسات التي تؤثر في توزيع الموارد، وفي كل هذه الحالات، لا يدور الخلاف حول الوقائع وحدها، بل حول الإطار الذي تُرتب الوقائع داخله، والمسؤولية التي تُنسب إلى الأطراف، واللغة التي تمنح بعض التفسيرات شرعية أكبر من غيرها.
غير أن الاعتراف بأهمية التأويل المضاد لا يعني اعتباره طريقًا مضمونًا إلى الحقيقة أو العدالة، فالمعارضة ليست دليلًا على الصواب، مثلما أن شيوع تفسير معين لا يثبت صحته، قد يساعد التأويل المضاد على كشف جوانب جرى تهميشها أو فضح خطاب يبرر التمييز، لكنه قد يُستخدم أيضًا لنشر معلومات مضللة أو لتبرير مصالح ضيقة أو لتشويه الخصوم .
ببساطة يسمح التأويل المضاد للجماعات المنظمة أن تنتج روايات مضادة تقاوم وتقدم رد ومبرر ، كما تستطيع المؤسسات المهيمنة توظيف مواردها لتثبيت روايتها الخاصة، ولذلك لا ينبغي أن ينصب التقييم النقدي على موقع التأويل من السلطة وحده، بل يجب أن يشمل الأدلة التي يستند إليها، واتساقه المنطقي، ومدى استعداده لمواجهة الاعتراض، والنتائج التي يترتب عليها في حياة الأفراد والجماعات.
من هنا تبرز ضرورة التمييز بين القوة التأويلية بين الطرفين والقوة الثالثة وهي الفيصل وهي الشرعية المعرفية، فالقوة التأويلية تشير إلى القدرة على جعل تفسير ما حاضرًا ومؤثرًا في المجال العام، أما الشرعية المعرفية فتتعلق بمدى استناد ذلك التفسير إلى الأدلة والوقائع والحجج القابلة للفحص. وقد ينجح خطاب مضاد في الانتشار من دون أن يكون دقيقًا، وقد يكون تفسير مهمش أكثر اتساقًا مع الوقائع لكنه عاجزًا عن الوصول إلى جمهور واسع بسبب نقص الموارد أو ضعف فرص الظهور. وبذلك لا تتطابق القدرة على فرض المعنى مع القدرة على إثبات صحته، كما لا تتطابق مقاومة الخطاب المهيمن مع امتلاك تفسير بديل أفضل.
ولكي يتحول التأويل المضاد من موقف فردي إلى قوة اجتماعية مؤثرة، لا بد أن يتجاوز لحظة الرفض إلى إنتاج خطاب بديل قادر على تفسير الوقائع وتقديم الحجج وإقناع الآخرين، وقد تبدأ العملية حين يشعر أفراد بأن الرسالة السائدة لا تعكس خبراتهم، أو حين يكتشفون أنها تضع المسؤولية على طرف واحد وتتجاهل أدوار أطراف أخرى، ثم يتطور الاعتراض عبر النقاش والشهادات والمقالات والحملات الإعلامية والمنصات الرقمية، وقد يتسع ليصبح إطارًا مشتركًا تتبناه جماعات مختلفة، لكن الانتقال من المعنى إلى الفعل ليس آليًا؛ فهو يتأثر بمدى انتشار الخطاب البديل، ومصداقية مصادره، وقدرة أصحابه على التنظيم، وتوافر الموارد، واستعداد المؤسسات للاستجابة، وطبيعة البيئة السياسية والاجتماعية التي يتحرك فيها.
وتكشف دراسات النشاط الرقمي عن أهمية هذا الانتقال من الاعتراض على التمثيل الإعلامي إلى تنظيم خطاب مضاد قادر على تحديه، فقد درس جاكسون وبيلي وفوكو ويلز (Jackson, Bailey, & Foucault Welles, 2018) أشكال النشاط الاتصالي المضاد على المنصات الاجتماعية، من خلال تحليل الجهود التي استهدفت تحدي الصور الإعلامية المهينة للفقراء والمستفيدين من المساعدات الاجتماعية في بريطانيا، والتي عُرفت في النقاش العام بمصطلح(إباحة الفقر) (Poverty Porn). وتوضح هذه المقاربة كيف يستطيع الناشطون توظيف المنصات الرقمية إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية لإعادة طرح التجارب المهمشة ومساءلة الأطر التي تُقدَّم من خلالها الفئات الاجتماعية، وتكمن أهمية هذا النوع من النشاط في أنه لا يكتفي بالاعتراض على صورة بعينها، بل يحاول تغيير القواعد التي يُعرَّف بها الأشخاص وتُفسَّر وفقها ظروفهم.
ويمكن ملاحظة المسار نفسه في تغطية الاحتجاجات، فعندما يُختزل الحدث في إغلاق الطرق أو تعطيل المصالح العامة، قد يسعى المحتجون إلى تقديم رواية تربط فعلهم بالمطالب التي دفعتهم إليه، وإذا نجح هذا الخطاب في إظهار الجوانب التي غابت عن التغطية الأولى، فقد تتغير طريقة تناول الحدث، وتدخل المطالب في النقاش العام، وتضطر المؤسسات إلى الرد عليها أو التفاوض بشأنها والاقتناع به ، غير أن وصف هذه النتائج بأنها تحول اجتماعي يتطلب أدلة فعلية، فلا يكفي انتشار الرواية المضادة لإثبات تغير المواقف أو السياسات، ومع ذلك قد تنجح الحملة في توسيع النقاش من دون أن تحقق مطالبها، أو تؤدي إلى استقطاب أشد، أو تتراجع بعد فترة قصيرة، ولهذا ينبغي التمييز بين نجاح الخطاب في جذب الانتباه، ونجاحه في تغيير التفسير العام، ونجاحه في إحداث تغيير مؤسسي أو سياسي ملموس.
يمكن النظر إلى قوة التأويل المضاد بوصفها لحظة مهمة في الصراع على تعريف الواقع الاجتماعي، لكنها ليست القوة الوحيدة التي تحكم هذا الصراع وتقدم رسالتها بقوة، فالمعنى يتشكل داخل علاقات غير متكافئة، وتؤثر في انتشاره مؤسسات الإعلام والسلطات السياسية والموارد الاقتصادية والشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، وقد يمتلك الفرد تفسيرًا مقنعًا، لكنه يفتقر إلى الوسائل التي تسمح له بإيصاله إلى الآخرين؛ وقد تنجح جماعة في نشر خطابها بسبب التنظيم والموارد، لا بسبب قوة حجتها وحدها، ومن ثم فإن دراسة التأويل المضاد تقتضي الجمع بين تحليل مضمون الرسائل وتحليل السياق الذي تُنتج فيه وتُتداول، وبين فحص الحجج التي تحملها وتحديد القوى التي تمنحها فرص الظهور والانتشار.
ويترتب على ذلك أن المتلقي لا يمكن وصفه بأنه سلبي لمجرد أنه يستقبل الرسالة لا تجد صدى راجع لها ، كما لا ينبغي افتراض أنه يمتلك دائمًا قدرة متكافئة على مقاومتها، ففاعلية المتلقي تتفاوت بحسب خبرته ومعرفته وموارده وموقعه الاجتماعي وقدرته على الوصول إلى الراي العام، وقد تتخذ المقاومة شكلًا صريحًا في الاعتراض والنقاش، أو شكلًا ضمنيًا في إعادة تفسير الرسالة داخل الحياة اليومية، أو شكلًا جماعيًا من خلال إنتاج سردية بديلة، وكذلك قد يرفض المتلقي المعنى المهيمن من دون أن يعلن ذلك، كما قد يشارك في تداول الرسالة نفسها لكنه يعيد استخدامها لأغراض تختلف عن أهداف منتجها.
وهذه الصور المتنوعة تؤكد أن العلاقة بين المرسل والمتلقي ليست علاقة نقل أحادي الاتجاه، بل عملية تتداخل فيها إنتاجات المعنى والتوقعات والاستجابات وشروط القوة.
وفي ضوء ذلك، يمكن تعريف قوة التأويل المضاد بأنها القدرة على مساءلة المعنى الذي تقدمه الرسالة بوصفه معنى مهيمنًا، وإنتاج تفسير بديل يستند إلى خبرة أو أدلة أو مرجعية مختلفة، ثم السعي إلى إدخاله في التداول الاجتماعي، وتنبع أهميتها من أنها تكشف أن الاتصال ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل مجال للتنافس على المعنى والتمثيل والشرعية.
هذه القوة تظل مشروطة بقدرتها على تجاوز الرفض المجرد إلى تفسير متماسك يمكن مناقشته واختباره، وبقدرتها على التمييز بين نقد الخطاب المهيمن وبين استبداله بخطاب مغلق لا يقبل المراجعة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا عند قراءة أي رسالة لا يقتصر على مضمونها الظاهر الذي أنتجها، والافتراضات التي تستند إليها، والمصالح التي قد تخدمها، والأصوات التي تمنحها مساحة للظهور، والأخرى التي تستبعدها أو تقلل من شأنها، ولا بد من إخضاع الرواية المضادة للأسئلة النقدية نفسها: ما أدلتها؟ وما حدودها؟ وهل تفسر الوقائع بصورة أفضل، أم تستبدل تبسيطًا بتبسيط آخر؟ فالممارسة النقدية الحقيقية لا تمنح خطابًا حصانة لمجرد أنه معارض، ولا تقبل خطابًا لمجرد أنه صادر عن مؤسسة ذات سلطة، إنها تجعل الحجج والوقائع وقابلية المراجعة أساسًا لتقييم المعاني المتنافسة.
تكمن القيمة الأعمق للتأويل المضاد في أنه يحقق انتصار المتلقي على المرسل ويظهر خطأ الرسالة المهيمنة للسلطة الأقوى نفاذا وهذا ما يفتح المجال أمام مساءلة المعاني التي قد تُقدَّم باعتبارها طبيعية أو بديهية أو نهائية، فعندما يرفض المتلقي تفسيرًا معينًا، ويقدم بديلًا قابلًا للنقاش، فإنه يساهم في إعادة النظر في الوقائع والمسؤوليات والعلاقات الاجتماعية مساهماً في فهم اعمق عبر تغيير الفهم المعنى وفرض الاجدر والأكثر صدقية ، قوة التأويل المضاد هذه تناقش الرسالة، صولا للمتلقي ، لخلق رسالة ذات معنى من خلال التأويل في المستوى الأول ، والتأويل المضاد كمستوى ثاني مقاوم لينتجا معا جودة وقيمة للرسالة .



#صابر_الفيتوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطغيان الفكري الناعم
- إنها ليست الميتة الأولى لهذا الشاعر
- هل نترك فكرة البحث عن الأفضل لأننا اشتراكيون ؟
- المدونات ثورة ضد انحصار حرية التعبير
- الرغبة
- مسؤولية المثقف
- قوة المثقف
- شاعر يجمع الحطب ليوقد ناره
- أصحاب المواقف لا يموتون الا وقوفا
- عمر الككلي : كنت ساكون افضل لو لم اسجن ..
- في القَبْل ليبيا
- تفاصيل أنا منذ تلك الماضوية
- الموسيقى .. لغة جامعة للشعوب
- ترنيمة الحب والموت
- رغم الألم والكيد مات الشاعر عزيزا
- الكتاب الالكتروني جليس من نوع اخر
- رواية بثلاثة اوجه يحضر احدها ويغيب الباقي


المزيد.....




- -التحالف- يعلن التعامل مع تهديدات بمسيرات وصواريخ كروز على ا ...
- -أين جثامين أحبائنا؟-.. مفقودون في غزة ورفات عالقة تحت الأنق ...
- الكرملين يرفض التعليق على -هدنة الطاقة-.. الاتصالات مستمرة
- جونسون: سأبقى زعيما للجمهوريين حتى لو خسروا الأغلبية
- مصر.. الذكاء الاصطناعي يتسبب في أزمة بسبب صورة -شادية-
- تمديد تعليق العمليات التشغيلية في مطار الرياض.. وإيران تعرض ...
- الحوثيون يضغطون على السعودية.. -الصواريخ الاعتراضية تتناقص و ...
- ستروين تعيد إحياء طراز 2 سي في عبر نموذج كهربائي جديد
- السعودية : تمديد تعليق العمليات التشغيلية في مطارالرياض
- الرياض وإرهاب المطارات.. بين امتصاص الضربة واستعادة المبادرة ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - صابر الفيتوري - قوة التأويل المضاد