أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - جواب الإدارة من خلف الستارة















المزيد.....

جواب الإدارة من خلف الستارة


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 19:14
المحور: الادب والفن
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

طرقتُ بابَ الإدارةِ ذاتَ صباحٍ،
وفي يدي ورقةٌ،
وفي صدري سؤالٌ،
وفي عينيَّ وطنٌ
علَّمني أنَّ الحقَّ لا يحتاجُ إلى وساطة،
وأنَّ القانونَ لا ينامُ
حين يستيقظُ المواطنُ باحثًا عن جواب.
دخلتُ...
كان البابُ مفتوحًا،
لكنَّ الطريقَ إلى الجوابِ مغلقٌ،
والوجوهُ كثيرةٌ،
والكراسيُّ أكثرُ من الوجوه،
والملفاتُ تنامُ فوق الرفوف،
كأنَّها جثثُ أحلامٍ
لم تجدْ من يكتبُ شهادةَ وفاتِها.
سألتُ الموظفَ:
أين جوابُ الإدارة؟
قال:
انتظرْ قليلًا...
فالمسؤولُ في اجتماع،
والاجتماعُ في انتظار اجتماع،
والقرارُ يحتاجُ إلى توقيع،
والتوقيعُ ينتظرُ التعليمات،
والتعليماتُ تأتي من فوق،
وفوقَ هذا الفوقِ
فوقٌ آخرُ
لا يعرفُه أحد!
---
عدتُ بعد أسبوع،
فقالوا:
الملفُّ في طور الدراسة.
عدتُ بعد شهر،
فقالوا:
ما زالت الدراسةُ جارية.
عدتُ بعد عام،
فوجدتُ الدراسةَ قد شاخت،
والملفَّ قد اصفرَّ،
والحبرَ قد جفَّ،
لكنَّ الجوابَ
ما زال طفلًا لم يولد!
سألتُ:
هل تحتاجُ الحقيقةُ
إلى كلِّ هذا الحملِ الطويل؟
وهل تحتاجُ كلمةُ «نعم»
إلى تسعةِ أشهرٍ من المخاض؟
وهل تحتاجُ كلمةُ «لا»
إلى لجنةٍ
تبحثُ عن شجاعةِ النطقِ بها؟
---
من خلفِ الستارةِ
جاءني صوتٌ
لا وجهَ له،
لا اسمَ،
لا توقيعَ،
ولا عنوان...
قال:
طلبُكَ غيرُ ممكن.
قلتُ:
ولماذا؟
قال:
هكذا تقرَّر!
قلتُ:
ومن قرَّر؟
قال:
من له حقُّ القرار!
قلتُ:
وأين القانون؟
فسادَ الصمتُ...
ثم ارتجفتِ الستارةُ قليلًا،
كأنَّ الريحَ التي دخلتْ
كانت تخشى هي الأخرى
أن تطلبَ الإذن!
---
يا سادةَ المكاتب،
يا حرَّاسَ الأختام،
يا مَن جعلتم من الكرسيِّ عرشًا،
ومن النافذةِ حدودًا،
ومن البابِ امتحانًا
لصبرِ العابرين...
لسنا ضيوفًا على وطنِنا،
ولا غرباءَ عن مؤسساتِه،
ولا متسوِّلينَ على أبوابِ حقوقِنا.
نحن الذين ندفعُ
من أعمارِنا وعرقِنا
ثمنَ المصابيحِ المضيئة،
والأوراقِ البيضاء،
والحواسيبِ الصامتة،
والكراسيِّ التي تجلسون عليها.
لم نأتِ نطلبُ صدقةً،
ولا منحةً من جيبِ مسؤول،
ولا فضلًا من صاحبِ نفوذ.
جئنا نسألُ عن حقٍّ،
أو نستفسرُ عن واجب،
أو نبحثُ عن تفسيرٍ
لقرارٍ يمسُّ حياتَنا.
فلماذا تُعاملون السؤالَ
كما لو كان جريمة؟
ولماذا يتحوَّلُ الاستفسارُ
إلى شبهة،
والإلحاحُ إلى وقاحة،
والمطالبةُ بالجوابِ
إلى تمرُّدٍ على الهيبة؟
---
رأيتُ شيخًا
يستندُ إلى عصاه،
يحملُ ملفَّ تعويضٍ
أقدمَ من تجاعيدِ جبينِه.
قالوا له:
عُدْ غدًا.
قال:
وإن لم يأتِ غدي؟
لم يُجبْه أحد.
ورأيتُ أرملةً
تخبِّئُ دمعتَها
بين شهادةِ وفاة،
ونسخةِ بطاقة،
ووثيقةٍ ناقصة.
قالوا لها:
أحضري شهادةً أخرى!
قالت:
أيُّ شهادةٍ تريدون؟
لقد شهدَ الموتُ على رحيلِ زوجي،
وشهدَ الفقرُ على يتمِ أطفالي،
فما الذي لم يشهدْ بعد؟
ورأيتُ شابًّا
يحملُ مشروعًا
أكبرَ من جيوبِه،
وأصغرَ من أحلامِه،
يدورُ بين المكاتبِ
حتى ضاعَ نصفُ عمرِه
في البحثِ عن ختم.
قالوا له:
الملفُّ ناقص.
سألهم:
ما الذي ينقصُه؟
قالوا:
ارجعْ غدًا،
سنخبرُكَ بما ينقص!
---
من خلفِ الستارةِ
تُصنعُ أحيانًا قراراتٌ
لا يعرفُ أصحابُها
وجوهَ الذين ستكسرُهم.
من خلفِ الستارةِ
قد تُفتحُ الأبوابُ
لمن يعرفُ الطريقَ إلى الأشخاص،
وتُغلقُ في وجهِ من لا يعرفُ
إلا الطريقَ إلى القانون.
من خلفِ الستارةِ
قد يصبحُ الهاتفُ
أقوى من الملف،
والقرابةُ
أسرعَ من الاستحقاق،
والهمسةُ
أبلغَ من ألفِ توقيع.
لكنني أعرفُ أيضًا
أنَّ في الإدارةِ رجالًا ونساءً
لا يبيعون الضمير،
ولا يخافون الحقيقة،
يفتحون أبوابَهم
قبل ملفاتِهم،
ويحملون همومَ الناسِ
دون أن يطلبوا تصفيقًا.
لهؤلاءِ أنحني احترامًا،
فهم وجهُ الدولةِ
حين تبتسمُ لمواطنيها،
وهم صوتُ القانونِ
حين ينطقُ بالعدل.
---
أيُّها المسؤولُ
الواقفُ خلفَ الستارة...
اخرجْ!
لا أطلبُ منك أن توافقَ على طلبي،
ولا أن تمنحَني
ما لا يسمحُ به القانون.
ارفضْ إن كان الرفضُ حقًّا،
واقبلْ إن كان القبولُ واجبًا،
لكن لا تجعلِ الغموضَ قرارًا،
ولا الصمتَ جوابًا،
ولا التأجيلَ عقوبةً،
ولا السلطةَ ستارًا
يختبئُ خلفَه الخوفُ من المسؤولية.
قلْ لي:
نعم، ولماذا نعم.
أو قلْ:
لا، ولماذا لا.
أعطني جوابًا مكتوبًا،
واضحًا،
معلَّلًا،
يحملُ توقيعَ مَن قرَّر،
حتى أعرفَ أين أقف،
وإلى مَن أشتكي،
وكيف أدافعُ عن حقي
دون أن أبحثَ عن بابٍ خلفَ باب.
---
فالإدارةُ ليستْ قلعةً
تحاصرُها أسئلةُ المواطنين،
وليستْ مملكةً
يتوارثُ موظفوها مفاتيحَ الصمت.
الإدارةُ بيتُ الجميع،
مَن دخلَه غنيًّا
أو فقيرًا،
معروفًا
أو مجهولًا،
يجبُ أن يجدَ
القانونَ نفسَه،
والاحترامَ نفسَه،
والجوابَ نفسَه.
فلا قيمةَ لدستورٍ
تختبئُ حقوقُه في الأدراج،
ولا معنى لشفافيةٍ
تحجبُها الستائر،
ولا كرامةَ لمواطنٍ
يضطرُّ كلَّ صباحٍ
إلى إثباتِ أنَّه مواطن!
---
سأعودُ غدًا...
لا لأنني أحبُّ الانتظار،
ولا لأنَّ وقتي بلا ثمن،
ولا لأنَّ الصبرَ مهنةٌ
ورثتُها عن آبائي.
سأعودُ
لأنَّ وراءَ طلبي حقًّا،
ووراءَ الحقِّ قانونًا،
ووراءَ القانونِ وطنًا
لا أريدُ له أن يُختزلَ
في مزاجِ موظف،
أو صمتِ مسؤول،
أو تعليماتٍ مجهولةِ المصدر.
سأعودُ
حتى أعرفَ
كيف يُولدُ القرار،
ومَن يوقِّعُ عليه،
ولماذا يختبئُ الجوابُ
حين يكونُ المواطنُ
هو صاحبَ السؤال.
---
وفي آخرِ الممر،
وقفتُ أمامَ الستارة،
لم أمزِّقْها،
ولم أرفعْ صوتي،
ولم أطلبْ من أحدٍ
أن يمنحَني ما ليس لي.
قلتُ فقط:
ارفعوا الستارة!
فالشمسُ لا تحتاجُ إلى ترخيص،
والحقُّ لا يحتاجُ إلى سمسار،
والعدلُ لا يعيشُ في الظلام،
والإدارةُ التي تخشى الأسئلةَ
لن تصنعَ الثقةَ بالأجوبةِ الغامضة.
ارفعوا الستارة...
ليظهرَ وجهُ القرار،
وليُعرفَ صاحبُ التوقيع،
وليخرجَ القانونُ
من حبرِ الخطبِ والبلاغات
إلى حياةِ الناس.
ارفعوها...
فقد تعبَ المواطنُ
من مطاردةِ الظلال،
وتعبَ الوطنُ
من تبريرِ الصمت.
وأخبروا مَن يقفُ خلفَها
أنَّ الكرسيَّ لا يمنحُ الخلود،
وأنَّ السلطةَ تكليفٌ لا امتياز،
وأنَّ المسؤولَ قد يغادرُ مكتبَه،
لكنَّ أثرَ قراراتِه
يبقى في ذاكرةِ الناس.
وإن سألتموني يومًا
عن أصعبِ ما واجهتُه
في دهاليزِ الإدارة،
فلن أقولَ الرفض،
ولن أقولَ الانتظار،
ولن أقولَ طولَ الطريق.
سأقول:
أصعبُ ما واجهتُه
أن أبحثَ عن جوابٍ واضح،
فيجدَني الجوابُ
واقفًا أمامَ ستارة،
خلفَها إدارةٌ تتكلَّم...
ولا أحدَ يتحمَّلُ الكلام!



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أعطى القضاء البشري حق إنهاء حياة الإنسان ؟ .. في اليوم ال ...
- أكتوبر المرأة في زمن أول رئيسة للحكومة… .... هل تتساوى الكفت ...
- أوروبا تريد سمك المغرب وتعلن سبتة أوروبية… هل بدأت معركة الأ ...
- تونس على أبواب 17 أكتوبر.. قيس سعيّد بين غضب الداخل وثقل الج ...
- الجزائر تُخرج الطائرات العسكرية والمغرب يفتح الأطلسي… الساحل ...
- شرود... بحثًا عن بديل لعالمنا القذر
- فرنسا على صفيح ساخن.. مدارس تغلي وتقشف يضغط على الشارع قبل ر ...
- 2 أكتوبر 1955… تكلم المغاربة بلغة الانتفاضة وكتب جيش التحرير ...
- فيليبي السادس يدخل سبتة ومليلية… لكن أرشيف إسبانيا نفسه يفتح ...
- 7 و8 أكتوبر في مجلس الأمن… الحكم الذاتي على الطاولة، فماذا ب ...
- أساتذة التربية الإسلامية يترافعون من أجل مكانة المادة والقيم ...
- رسالة إلى الحكومة المقبلة: كونوا جدارًا واقيًا للمغاربة… لا ...
- اليوم العالمي للمدرس يساءلنا … هل نحسن صناعة الاستاذ ونكرمه ...
- رئيسة الحكومة المنصوري أمام امتحان : استووا واعتدلوا وتراصوا ...
- البوليساريو في نيويورك… بين دبلوماسية الصور وحقيقة المواقف . ...
- كم من الوجع يحتاج العالم ليعترف بفلسطين كاملة… ويكفّ عن تجزئ ...
- المغرب يريد العودة إلى مجلس الأمن… ترشيح تسنده الخبرة وحفظ ا ...
- بين حكومة المونديال وحكومة المواطن… من سيضمن أن تتحول أوراش ...
- «تأثير العربة» في الانتخابات… تصنع الفائز قبل أن تُفتح صنادي ...
- 38,02% فقط شاركوا والبقية غابوا… هل نستعيد الثقة قبل انتخابا ...


المزيد.....




- خطوات بالانجليزي لإنتاج فيلم Fantastic Four: First Steps وإي ...
- مهرجان تطوان الـ31 يختتم أعماله.. الجائزة الكبرى لـفيلم -اغت ...
- فيلم -Crazy Rich Asians- يتحول لمسلسل بمشاركة نجومه الأصليين ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يستعين بمنظمة الفنون القتالية لتدري ...
- أندرو محسن للجزيرة نت: فلسطين حاضرة في الجونة وسينما محمد خا ...
- حمى البحر المتوسط: دليل شامل للأمراض والفيلم المرتبط بهذا ال ...
- المتحف الزراعي ومعرض “زهور مصر” يواصلان استقبال الزوار بالكر ...
- رئيس وزراء ماليزيا: الشارع في بلادنا يعرف مكانة مصر والأزهر ...
- ترجمة الأفلام: الفن الخفي لإعادة إبداع السينما
- رئيس الحكومة اللبنانية: النهضة الفكرية تتطلب استعادة سيادة ا ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - جواب الإدارة من خلف الستارة