مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد الحروب الحديثة تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع تعطيل شبكات خصمه، واستنزاف موارده، وتعبئة البشر والأفكار، وإعادة تشكيل البيئة التي سيولد منها النظام الدولي بعد الحرب.
من أوكرانيا إلى إيران، ومن البحر الأسود إلى هرمز وباب المندب، تتكشف ملامح تحول يتجاوز تطور الأسلحة. فالمسيّرة الرخيصة يمكن أن تستنزف منظومة دفاع باهظة الثمن، وتهديد ممر بحري يمكن أن يرفع تكلفة التجارة العالمية من دون احتلال شبر من الأرض، وتنظيم مسلح يمكن أن يفتح جبهة جديدة من دون أن ترسل الدولة الداعمة جيشها النظامي، بينما تستطيع حملة دعائية موجهة إلى الشباب أن تحقق أثرًا سياسيًا من دون إطلاق رصاصة واحدة.
هذه ليست حروبًا منفصلة.
إنها مظاهر مختلفة لتحول واحد:
انتقال القوة من المنصات العسكرية وحدها إلى الشبكات التي تربط السلاح بالاقتصاد والجغرافيا والمعلومات والإنسان.
والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد:
من يملك القوة الأكبر؟
بل:
من يستطيع أن يجعل قوة خصمه أقل فاعلية وأكثر كلفة؟
عندما يصبح السلاح الأرخص أكثر تأثيرًا
لعقود، كان التفوق العسكري يعني امتلاك التكنولوجيا الأفضل: الطائرة الأسرع، والصاروخ الأدق، والرادار الأكثر تطورًا.
لكن التكنولوجيا نفسها بدأت تنتج مفارقة.
فكلما أصبحت أدوات الحرب أرخص وأكثر انتشارًا، انخفضت كلفة الدخول إلى ساحة الصراع. ولم تعد الدولة بحاجة دائمًا إلى امتلاك سلاح يضاهي سلاح خصمها كي تؤثر في حساباته.
الطائرة المسيّرة مثال واضح.
هي لا تحتاج إلى إسقاط مقاتلة حديثة كي تنجح. يكفي أحيانًا أن تجبر الخصم على تشغيل منظومة دفاع، أو إطلاق صاروخ اعتراضي، أو حماية منشأة، أو تغيير مسار سفينة.
وهنا تظهر اقتصاديات الاستنزاف غير المتكافئ.
فالمعادلة لم تعد بين تكلفة السلاح وتكلفة السلاح المضاد فقط، بل بين تكلفة الهجوم وتكلفة حماية الشبكة بأكملها.
ولهذا فإن السلاح الرخيص لا يحتاج إلى هزيمة السلاح الأغلى؛ يكفي أن يجعل استخدامه مكلفًا.
هذه واحدة من أهم دروس الحرب الأوكرانية.
أوكرانيا: الحرب التي تتعلم أسرع من الجيوش
أصبحت أوكرانيا مختبرًا مفتوحًا للحرب الحديثة.
المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع، والبرمجيات، وأنظمة الدفاع والهجوم تتطور هناك ضمن دورة متسارعة: يظهر سلاح أو تكتيك، فيظهر مضاد له، ثم يجري تعديل السلاح أو البرمجية، فتبدأ دورة جديدة.
وهذا يغير مفهوم التفوق العسكري.
في الحروب السابقة، كان امتلاك منظومة أفضل قد يمنح صاحبها أفضلية تمتد لسنوات. أما اليوم، فقد تكون الأفضلية مؤقتة، لأن الخصم يستطيع دراسة النظام وتطوير وسيلة للتغلب عليه خلال أشهر أو حتى أسابيع.
ولهذا أصبحت سرعة التعلم جزءًا من القوة.
ليس السؤال فقط من يملك التكنولوجيا ؟ الأفضل، بل من يستطيع إنتاج النسخة التالية منها أسرع ؟.
وهذا يفسر أهمية الصناعة العسكرية، وسلاسل الإمداد، والقدرة على إصلاح السلاح وتعديله، لا تقل أهمية عن السلاح نفسه.
الحرب الحديثة لا تختبر الجيش فقط.
إنها تختبر قدرة الدولة على التعلم والإنتاج والتكيف والاستمرار.
من البحر الأسود إلى هرمز: الجغرافيا كسلاح
إذا كانت أوكرانيا تكشف التحول التكنولوجي، فإن الشرق الأوسط يكشف التحول الجغرافي والاقتصادي.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه عقدة في شبكة الطاقة العالمية. وأي تهديد مستمر لحركة الملاحة فيه يمكن أن ينتقل بسرعة من مشكلة أمنية إقليمية إلى أزمة في أسعار النفط والتجارة والتضخم وسلاسل الإمداد.
والأمر نفسه، بدرجات مختلفة، ينطبق على باب المندب والبحر الأحمر.
هنا تظهر إحدى أهم خصائص الحرب الشبكية:
لا تحتاج إلى تدمير الشبكة كلها؛ يكفي أن تعطل عقدة مهمة فيها.
قد تكون العقدة مضيقًا أو ميناءً أو منشأة طاقة أو خط أنابيب أو كابلًا بحريًا أو مركز بيانات.
وكلما كانت العقدة أكثر أهمية، ارتفعت تكلفة حمايتها.
ولهذا يستطيع طرف يمتلك وسائل محدودة أن يفرض على خصم أكثر قوة عسكريًا تكلفة هائلة لحماية حركة التجارة والطاقة.
إنه شكل جديد من القوة يمكن تسميته القوة المعطِّلة.
وهي ليست القدرة على احتلال أرض الخصم، بل القدرة على تعطيل مشروعه أو إبطائه أو رفع تكلفته.
الحرب تنتقل إلى السوق
في هذه البيئة، لا تحتاج الحرب إلى تدمير اقتصاد الخصم.
يكفي أحيانًا أن ترفع تكلفته:
زيادة التأمين.
إطالة طرق النقل.
تغيير مسارات السفن.
ارتفاع أسعار الطاقة.
زيادة الإنفاق الدفاعي.
استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية.
تعطيل منشأة حيوية.
كل ذلك يمكن أن يحدث دون احتلال مدينة واحدة.
وهنا يصبح السوق جزءًا من ساحة المعركة.
شركة التأمين تدخل في الحساب الاستراتيجي.
وسعر النفط يصبح مؤشرًا على مستوى التصعيد.
وسلاسل الإمداد تصبح جزءًا من الأمن القومي.
والميناء المدني يمكن أن يتحول إلى عقدة عسكرية.
وهكذا لم يعد الاقتصاد مجرد ضحية للحرب.
بل أصبح أحد ميادينها.
الإنسان: السلاح الذي لا يحتاج إلى مصنع
لكن التركيز على التكنولوجيا قد يحجب وجهًا آخر للحرب الشبكية أكثر خطورة: استخدام الإنسان نفسه كأداة استراتيجية.
فالدول ليست مضطرة دائمًا إلى إرسال جيوشها النظامية إلى كل جبهة. وفي عدد من الصراعات الحديثة، ظهرت أهمية الفاعلين المسلحين غير الدولتيين الذين يمتلكون شبكات عسكرية واجتماعية وأيديولوجية ومالية عابرة للحدود.
الحالة الإيرانية تقدم مثالًا واضحًا على هذا النموذج.
فالتقارير الرسمية الأمريكية توثق منذ سنوات دعم الحرس الثوري، ولا سيما فيلق القدس، لجماعات مسلحة تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، من خلال التمويل والتدريب والتسليح ونقل التكنولوجيا. ويذكر تقرير وزارة الخارجية لعام 2023 تحديدًا دعم حزب الله، والحوثيين، وحماس، وجماعات مسلحة موالية لإيران في العراق وسوريا، كما يوثق استخدام المسيّرات والصواريخ ضمن بعض هذه الشبكات.
كما وثق الاتحاد الأوروبي في 2025 استخدام جهات إيرانية لشبكات إجرامية ووكلاء في عمليات قمع عابرة للحدود استهدفت معارضين ومنتقدين للنظام الإيراني.
لكن الأهم من تفاصيل هذه الحالات هو النموذج نفسه.
فالدولة تستطيع عبر شبكة من الفاعلين غير الدولتيين أن تحصل على عمق استراتيجي بتكلفة أقل من نشر جيش نظامي في كل مكان.
والشبكة تمنحها شيئًا آخر: القدرة على توزيع المخاطر.
لكنها تحمل خطرًا في الاتجاه المعاكس.
فالفاعل الذي تستخدمه الدولة قد تكون له أهدافه الخاصة.
وقد يرفض التسوية عندما تقرر الدولة التفاوض.
وقد يتحول من أداة إلى مركز قوة مستقل.
وهنا تصبح الحرب الشبكية أقل قابلية للسيطرة من الحرب التقليدية.
الأيديولوجيا كسلاح
هناك مستوى أعمق من السلاح البشري: الفكرة التي تحرك الإنسان.
الأيديولوجيات الدينية المتطرفة، والطائفية، والقومية الراديكالية، وغيرها من أشكال التعبئة يمكن، في ظروف معينة، أن تتحول من خطاب سياسي إلى بنية للتجنيد والتحشيد والتبرير.
عندها لا يعود الإنسان مجرد مقاتل.
يصبح جزءًا من شبكة.
شبكة تجنيد.
وشبكة إعلام.
وشبكة تمويل.
وشبكة علاقات اجتماعية.
وشبكة ولاء.
وهذا ما يجعل الأيديولوجيا مختلفة عن السلاح التقليدي.
الصاروخ يمكن اعتراضه.
أما الفكرة، فإذا وجدت بيئة اجتماعية مناسبة، فقد تعيد إنتاج نفسها.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المعركة على وعي الشباب.
أخطر ما في الدعاية أنها تبدأ بحقيقة
الدعاية الأكثر فاعلية ليست بالضرورة الكذبة الكاملة.
قد تبدأ بحقيقة.
طفل قُتل.
مدينة دُمرت.
شعب تعرض للظلم.
أسرة فقدت منزلها.
كل هذه المآسي يمكن أن تكون حقيقية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تُستخدم الحقيقة الإنسانية كبوابة لإدخال رواية سياسية مغلقة.
ثم تتحول الرواية إلى تقسيم العالم إلى "نحن" و"هم".
ثم يتحول الغضب إلى كراهية.
والكراهية إلى تبرير للعنف.
والعنف إلى بطولة.
وهكذا يمكن أن يتحول شاب لم يحمل سلاحًا في حياته إلى جزء من معركة لم يخترها، وربما لا يعرف حتى من يستفيد منها.
لهذا فإن مواجهة التطرف لا تعني منع الشباب من التعاطف مع ضحايا الحروب.
العكس هو الصحيح.
يجب أن نحافظ على التعاطف، لكن نفصل بين التعاطف الإنساني وبين التبني الأيديولوجي.
يمكن أن تتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين دون أن تتبنى حماس.
ويمكن أن تتعاطف مع المدنيين السوريين دون أن تتبنى فصيلًا مسلحًا.
ويمكن أن ترفض سياسات حكومة دون أن تتحول إلى أداة دعائية لخصومها.
هذه القدرة على الفصل هي جوهر المناعة الفكرية.
تركيا: مثال مختلف يجب ألا يُخلط بالحالة الإيرانية
هنا أيضًا ينبغي أن نكون دقيقين.
تركيا ليست حالة مطابقة لإيران، ولا يصح اختزال سياستها الإقليمية في "رعاية الإرهاب".
لكن الوثائق الدولية توضح أن أنقرة دعمت فصائل مسلحة سورية، وأن بعض الفصائل المدعومة تركيًا ارتكبت انتهاكات خطيرة.
فقد وثقت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية عمليات قتل خارج القانون واعتقال تعسفي واختفاء قسري وتعذيب وعنف جنسي ونهبًا وتجنيدًا للأطفال من جانب فصائل سورية مسلحة مدعومة من تركيا، كما أشارت إلى أدلة على نفوذ تركي فعلي في بعض المناطق التي عملت فيها هذه الفصائل.
والهدف من ذكر الحالة التركية هنا ليس مساواتها بالحالة الإيرانية.
بل إظهار ظاهرة أوسع:
استخدام الفاعلين المحليين لتحقيق أهداف استراتيجية خارج الحدود أصبح أداة شائعة في السياسة الدولية، لكن طبيعة العلاقة ودرجة السيطرة والأهداف تختلف من حالة إلى أخرى.
وهذه الدقة مهمة، لأنها تمنع المقال من التحول إلى دعاية مضادة للدعاية.
الحرب على الوعي
في الماضي، كان التضليل يحتاج إلى صحيفة أو محطة تلفزيون أو جهاز استخبارات.
اليوم يمكن أن يبدأ من هاتف شخص واحد.
فيديو قديم يقدم باعتباره جديدًا.
صورة حقيقية من حرب أخرى.
مقطع مجتزأ من سياقه.
حساب مجهول يكرر الرواية نفسها.
مؤثر يضيف إليها الشحنة العاطفية.
ثم تنتشر.
وقد وثقت المؤسسات الأوروبية تصاعد عمليات التلاعب والتدخل الأجنبي في المجال المعلوماتي، فيما تشير التقارير الأمنية الأوروبية إلى استخدام منصات رقمية للوصول إلى الشباب ونشر الدعاية المتطرفة.
وهنا يصبح الهاتف المحمول جزءًا من ساحة المعركة.
ليس لأنه سلاح بالمعنى التقليدي، بل لأنه قد يكون بوابة إلى الوعي.
وهذا يقود إلى واحدة من أهم معارك الأمن في القرن الحادي والعشرين:
مناعة المجتمع ضد التلاعب.
من الحرب بالوكالة إلى الحرب الشبكية
لهذا قد لا يكون مصطلح "الحرب بالوكالة" كافيًا لوصف المرحلة الجديدة.
الوكيل يفترض وجود مركز يأمر وطرف ينفذ.
أما الشبكة فهي أكثر تعقيدًا.
دولة.
تنظيم مسلح.
ممول.
منصة إعلامية.
شبكة اجتماعية.
أيديولوجيا.
سلاح.
ممر تهريب.
وحسابات رقمية.
وقد لا يعرف بعض المشاركين حتى أنهم أصبحوا جزءًا من مشروع أكبر.
هذه هي قوة الشبكة.
وهذه أيضًا خطورتها.
الدولة قد تستخدم التنظيم المسلح، لكن التنظيم قد يستخدم الدولة.
والدولة قد تستخدم الأيديولوجيا، لكن الأيديولوجيا قد تتطور إلى قوة مستقلة.
والحملة الإعلامية قد تخدم هدفًا سياسيًا، لكنها قد تنتج استقطابًا لا يستطيع أحد السيطرة عليه لاحقًا.
هل الفوضى نتيجة أم أداة؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر.
هل الفوضى الحالية مجرد نتيجة لسلسلة من الحروب وسوء الحسابات؟
أم أن بعض القوى بدأت تنظر إلى الفوضى باعتبارها بيئة يمكن استثمارها لإعادة تشكيل النظام الدولي؟
لا توجد حاجة إلى افتراض "غرفة عمليات" واحدة تدير كل ما يحدث.
قد تبدأ الأزمة بخطأ في الحسابات.
ثم تستغلها دولة.
وتستفيد منها قوة ثانية اقتصاديًا.
وتعيد قوة ثالثة بناء تحالفاتها.
وبعد سنوات تصبح الفوضى نفسها جزءًا من البيئة الاستراتيجية.
لذلك قد يكون التعبير الأدق هو إدارة الفوضى الجيوسياسية: أي القدرة على استثمار الاضطراب، أو احتوائه، أو توجيه بعض مساراته، أو استخدام نتائجه لإعادة توزيع النفوذ.
وهنا لا يعود السؤال فقط: من بدأ الحرب؟
بل:
من يستطيع تحويل نتائج الحرب إلى قوة؟
الحرب القصيرة والنظام الطويل
هذه ربما أهم نقطة في فهم المرحلة.
قد تنتهي الحرب خلال أشهر.
لكن النظام الذي تنتجه قد يعيش عقودًا.
إذا انتهت حرب أوكرانيا، فلن تعود أوروبا بالضرورة إلى ترتيبات الأمن والطاقة والعلاقة مع روسيا التي كانت قائمة قبل 2022.
وإذا انتهى صراع واسع مع إيران، فلن تعود منطقة الخليج والعراق وسوريا واليمن ولبنان والملاحة والطاقة إلى نقطة الصفر.
الحروب تغير التحالفات.
وتغير الصناعات.
وتغير الجغرافيا الاقتصادية.
وتغير تصور الدول لخصومها وحلفائها.
ولهذا يمكن أن تكون الحرب قصيرة، بينما تكون نتائجها الجيوسياسية طويلة الأمد.
الولايات المتحدة والاختبار الأصعب
في هذا النظام، لا تواجه الولايات المتحدة مشكلة نقص القوة بقدر ما تواجه مشكلة توزيعها.
أوروبا.
الشرق الأوسط.
المحيط الهادئ.
الأمن السيبراني.
المنافسة التكنولوجية مع الصين.
حماية طرق التجارة.
ودعم الحلفاء.
كلها ساحات متزامنة.
ولهذا قد لا يحتاج خصوم واشنطن إلى هزيمتها عسكريًا.
قد يكفي أن يفرضوا عليها عددًا متزايدًا من الأزمات، بحيث تصبح تكلفة إدارة القوة أعلى.
وهنا يصبح تشتيت القوة هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته.
عالم التحالفات المرنة
وربما يكون أحد أكبر التغيرات القادمة هو شكل التحالفات.
قد لا يعود العالم إلى حرب باردة جديدة بين معسكرين صلبين.
قد نرى بدلًا من ذلك عالمًا من الاصطفافات المرنة.
دولة تتعاون مع الصين اقتصاديًا، ومع الولايات المتحدة أمنيًا، ومع روسيا في مجال الطاقة أو التسليح، وتحافظ على علاقات مع قوى إقليمية متنافسة.
وهذا يجعل العالم أكثر شبكية وأقل قابلية للتصنيف.
حتى الشراكات التي توصف أحيانًا بأنها "محاور" متماسكة تحتاج إلى اختبار الواقع.
فالاختبار الحقيقي للتحالف ليس البيان السياسي.
بل لحظة الأزمة:
من يرسل السلاح؟
من يقدم المعلومات؟
من يتحمل العقوبات؟
من يفتح الموانئ؟
ومن يبقى بعيدًا عندما تصبح تكلفة الحرب مرتفعة؟
هناك فقط تظهر التحالفات الحقيقية.
الخاتمة: المعركة ليست فقط على الأرض
من أوكرانيا إلى إيران، ومن البحر الأسود إلى هرمز وباب المندب، ومن المسيّرات إلى التنظيمات المسلحة، ومن الصواريخ إلى منصات التواصل، تتكرر القاعدة نفسها:
القوة أصبحت شبكة.
شبكة من التكنولوجيا.
والاقتصاد.
والجغرافيا.
والطاقة.
والسلاح.
والإنسان.
والأيديولوجيا.
والمعلومة.
والتحالفات.
ومن يستطيع الربط بين هذه العناصر يستطيع التأثير في النظام الدولي بما يتجاوز بكثير حجم جيشه أو اقتصاده.
ولهذا فإن العالم لا يعيش فقط سباق تسلح.
إنه يعيش سباقًا على القدرة على تعطيل الشبكات، والسيطرة على السرديات، وإعادة تشكيل التحالفات، وتحديد قواعد النظام الذي سيأتي بعد الحروب.
لكن هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الوعي.
فأخطر ما يمكن أن يحدث لجيل جديد ليس أن يحمل سلاحًا ضد دولة أخرى.
بل أن يحمل فكرة لم يفحصها، ويقاتل من أجل هدف لم يفهمه، ويكره مجتمعًا لم يعرفه، ويتحول إلى أداة في مشروع جيوسياسي يجهل حتى وجوده.
لذلك فإن الدفاع عن المجتمع لا يبدأ فقط من الحدود.
يبدأ أيضًا من العقل.
من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة والمنصات الرقمية.
ومن القدرة على طرح أسئلة بسيطة لكنها حاسمة:
من يقول هذا؟
من يموله؟
ما الذي يريد مني أن أشعر به؟
ما الذي لم يخبرني به؟
ولمن ستخدم أفعالي إذا صدقت هذه الرواية؟
هذه ليست أسئلة صحفية فقط.
إنها أسئلة أمن قومي.
لأن حروب القرن الحادي والعشرين لا تُخاض فقط على الأرض وفي السماء والبحر والفضاء السيبراني.
جزء منها يُخاض داخل عقل الإنسان.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة:
من سينتصر في الحرب؟
بل:
من سيعيد تشكيل العالم، ومن سيعيد تشكيل وعي الأجيال التي ستعيش في العالم الجديد؟
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟