|
|
خلاص المجتمع من مأزق الوضع الراهن، نتيجة أي مسار؟
مؤيد احمد
(Muayad Ahmed)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 16:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مؤيد أحمد
أزمة النظام السياسية الحالية، امتداد لأزمته السياسية البنيوية! إن ما يسود على النظام السياسي الإسلامي والقومي في العراق، منذ بداية تأسيسه وحتى الآن، هو أزمة سياسية عميقة ومتعددة الأبعاد. تعود جذور هذه الأزمة إلى علاقة النظام بالمجتمع، وإلى كون قواه عبارة عن ميليشيات إسلامية وقومية سُلّمت إليها السلطة بعد احتلال العراق من قبل أمريكا وإسقاط نظام البعث الفاشي؛ حيث شرعت في حكم مجتمع يتكون من عشرات الملايين من السكان، وبدأت العمل على إعادة بناء دولة بورجوازية قمعية لحماية النظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي لهذا المجتمع. وبالطبع، كان على هذه القوى بناء هذا النظام بحيث يكون دولة ضمن النظام البورجوازي الدولي من جهة، ويخدم المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية للإمبريالية الأمريكية في العراق والمنطقة، من جهة أخرى. وكما هو معلوم، فإن الاحتلال الأمريكي للعراق، وعلى الرغم من اعتماده على هذا النظام السياسي القومي والإسلامي الذي شكله لإدارة شؤون البلاد، لم يستمر؛ إذ واجه إخفاقات كبيرة أدت في النهاية إلى إنهاء الاحتلال المباشر وخروج القوات الأمريكية من العراق في عام (2011). وفي إطار هذه التطورات، وإلى حد ما قبل ذلك أيضاً، أصبح النظام الإيراني بدوره، بصفته قطباً إقليمياً، صانع قرار آخر في مسار الحياة السياسية في العراق لعدة أسباب؛ منها بالدرجة الأولى ارتباط تيارات الإسلام السياسي الشيعي به، وتلاقي مصالح هذه التيارات مع مصالح هذا القطب، فضلاً عن عوامل أخرى مثل تشكيل ميليشيات تابعة له في العراق، وتنفيذ عمليات إرهابية من قبل أجهزة النظام الإيراني داخل العراق، وغير ذلك من العوامل. وبناءً على ذلك، دخلت البلاد مرحلة من المسار السياسي اتسم طابعها بخضوع النظام السياسي لمراعاة المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لكل من أمريكا وإيران في العراق، وذلك في إطار الصراع الجيوسياسي والاستراتيجي الأوسع بينهما. ومع العودة المجددة للقوة العسكرية لـ "التحالف الدولي" بقيادة أمريكا إلى العراق بذريعة الحرب ضد داعش عام (2014)، ومع تشكيل "الحشد الشعبي"، توسع نفوذ القوى الميليشية المرتبطة بالجمهورية الإسلامية داخل العراق بشكل كبير، كما أصبح التنسيق العسكري بين أمريكا والنظام الإيراني في الحرب ضد داعش الأجندة المعمول بها خلال تلك الفترات. ومن خلال هذه التطورات، ازدادت القوى الٌقمعية الأمنية والعسكرية للنظام السياسي والقوى الميليشية في العراق يوماً بعد يوم، وأحكمت قبضة حكمهما على الحياة السياسية للمجتمع أكثر فأكثر وبهذا الشكل، اطال النظام، كـ نظام سياسي قمعي وميليشي، عمره في إطار هذا الصراع الأوسع بين النظامين الأمريكي والإيراني على العراق. اليوم، وفي ظل تطورات حرب أمريكا واسرائيل ضد إيران وتراجع دور القوى التابعة للنظام الإسلامي في المنطقة، تعيش قوى النظام في العراق، وبالأخص تيارات الإسلام السياسي الشيعي، لحظات أزمة عميقة. إن سبب بروز هذه الأزمة بالدرجة الأولى هو التغير في ميزان النفوذ السياسي والعسكري لصالح أمريكا في العراق، وتزايد ضغوط إدارة ترامب لنزع سلاح الميليشيات التابعة مباشرة للنظام الإسلامي في إيران ودمجها داخل المؤسسات العسكرية للدولة و"الحشد"، إلى جانب الضغوط الأخرى التي أدت سابقاً إلى مجيء علي الزيدي كـ رئيس للوزراء. إن الأزمة السياسية الحالية للنظام هي امتداد لأزمته السياسية البنيوية المزمنة، لكنها متفاقمة الان أكثر؛ أي إنها امتداد للأزمة السياسية للنظام في ظروف نوعية أخرى ومختلفة عن سابقاتها، دون أن يكون هناك أي تغيير في سياسة واستراتيجية البورجوازية الإمبريالية الأمريكية تجاه النظام الذي بُني في الأصل عليها، ولا أي تغيير في العملية السياسية الأساسية التي أسست هذا النظام البرجوازي الإسلامي والقومي والدوافع الرئيسية خلفها، بل ولا حتى تغيير أساسي ونوعي في مدى نفوذ النظام في ايران على المسار السياسي في العراق.
أزمة النظام السياسي وعلاقتها بالبروليتاريا ونضالها أخذت أبعاد ومظاهر أزمة النظام تبرز وتتضح يوماً بعد يوم حتى أصبحت أزمة شاملة، وذلك عندما واجه النظام تحديات تتمثل في الاستجابة لتوفير العمل والتوظيف والوضع الاقتصادي الآمن للجيل الجديد من البروليتاريا، من الشباب والشابات، الذين نشأوا وترعرعوا في ظل ثلاثة وعشرين عاماً من حكم هذه الطغمة المتسلطة على رقابهم. إن الأحزاب والتيارات البورجوازية الإسلامية والقومية الحاكمة لا تربطها أي صلة بالحياة المادية والاقتصادية لهذا الجيل من البروليتاريا وعموم جماهير العمال والشغيلة والمضطهدين، باستثناء صلة حماية النظام الرأسمالي المتأزم الذي يضيق طوق أغلاله بشكل متزايد حول أعناق هذه الجماهير، ويفرض عليها أصعب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وبتعبير آخر، فإن المهمة الرئيسية لهذه القوى هي حماية النظام الاقتصادي والسياسي الرأسمالي من أي تدخل سياسي مستقل ومؤثر لهذه الجماهير للخلاص من سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك منع أي محاولة منظمة وفاعلة منها على ترسيم مسار الحياة السياسية والثقافية في البلاد. كما ان أبعاد هذه الأزمة تتضح أكثر عند أخذ ذلك في الاعتبار، أنه بالتزامن مع تأسيس النظام السياسي، نُفِذت عملية اندماج الرأسمالية في العراق براس المال العالمي بشكل أوسع وأعمق بكثير مما كان عليه في ظل نظام البعث الفاشي، وذلك عبر الإجراءات والسياسات الاقتصادية النيو ليبرالية والقوانين التي أصدرها "بول بريمر" الحاكم الأمريكي للعراق بهذا الخصوص، واستمرار النظام والحكومات المتعاقبة حتى اليوم على هذا النهج والأجندة.
وقد ساعد ذلك على دمج الاقتصاد العراقي برأس المال العالمي، وتداخل حركة وتراكم رأس المال في العراق داخل دورة التراكم الرأسمالي العالمي بصورة أوسع، وبالدرجة الأولى من خلال الاستثمار الرأسمالي في قطاع استخراج وتصدير النفط والغاز وإنتاج الكهرباء وفي مجالات الاتصالات والمواصلات والاستثمارات المالية وغيرها. أضف إلى ذلك تطبيق السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية في شتى المجالات الحياة الاقتصادية والخدمية بما فيها خصخصة القطاع العام وإعادة هيكلة الشركات التابعة وبيع مؤسسات الدولة بالجملة للرأسمال الخاص المرتبط أساساً بقوى النظام. وفي نفس الاتجاه، جرى التمهيد لاقتصاد السوق والتجارة الحرة وإزالة العقبات أمام تطور السوق المحلي بحيث يرتبط عضوياً بحركة الرأس مال العالمي ويخضع لتقلباته وأزماته وديناميكية حركته. إن تاريخ السنوات الثلاث والعشرين الماضية للمجتمع العراقي كان تاريخ صراع ونضال جماهير العمال والشغيلة والشباب والنساء بوجه هذا النظام السياسي، وبوجه تدهور أوضاعهم الاقتصادية في ظله وفي ظل الرأسمالية ونمطها الاقتصادي النيو ليبرالي، التي عمّقت بدورها الأزمة السياسية للنظام باستمرار. وقد فرضت على الجماهير في هذه المرحلة أشد المصاعب الاقتصادية وأوسع نطاق للبطالة وتواجه، في الوقت ذاته، قمع حقوقها وحرياتها، ولا سيما حقوق وحريات المرأة، وسلب حق العمال في استخدام أدواتهم النضالية الجمعية، وخاصة العمل النقابي في مؤسسات الدولة ومرافقها الاقتصادية والخدمية. إن نضال عمال قطاع الصناعة بوجه سياسات الخصخصة وبيع شركات هذا القطاع وإعادة هيكلتها وتسريح العمال منذ عام 2004 والأعوام التي تلته كان بحد ذاته بداية قيادة هذه الفئة من الطبقة العاملة لمجمل النضال الجماهيري ضد الخصخصة والسياسات النيو ليبرالية للدولة، لكنه للأسف لم يتطور بالشكل الذي يكون له تأثير بارز في توسيع هذا النضال ليشمل مساعي الفئات الأخرى للطبقة العاملة في مختلف المواقع الاقتصادية والخدمية الأخرى التي وقعت هي الأخرى تحت ثقل كابوس نفس السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية للدولة. وهذا يعود الى أسباب عدة، ليس بالإمكان الخوض في تفاصيلها هنا اذ يحتاج الى بحث منفصل، او بالأحرى أبحاث، من اجل تحديد ما كان تنقصه هذه النضالات؛ من ضرورة تبلور آفاق سياسية طبقية مستقلة وسياسة اشتراكية واضحة المعالم داخل هذه الحركة الى وجود حزب بروليتاري اشتراكي نشط ذو استراتيجية سياسية بروليتارية اشتراكية ينظم هذه النضالات في محطاتها المختلفة وعلى صعيد المجتمع.. من المعلوم، ان وقوف العمال بوجه سياسة الخصخصة وإعادة هيكلة الشركات وغيرها، يحمل بحد ذاته بذور نقد طبقي بروليتاري شامل بحيث يمكن ان يتطور الى نقد بروليتاري اشتراكي للرأسمالية ومجمل المنظومة القائمة وسياسات الدولة العامة، الذي كان قد يدفع بدوره بالحركة العمالية الى حركة تقود نضالات الجماهير في المجتمع ككل للخلاص من مأزق وضعه الحالي. ولم يخْلُ العراق طوال هذه السنوات، وخاصة منذ عام (2011)، أي في فترة تصاعد الانتفاضات الثورية في تونس ومصر، من حركة الاحتجاجات الشبابية والشغيلة ومختلف فئات الطبقة العاملة، ومن دفاع النساء والجيل الشاب عن حرياتهم وحقوقهم ومن أجل فرص العمل. وقد وصلت هذه الاحتجاجات والنضالات الجماهيرية إلى ذروتها في (انتفاضة أكتوبر 2019).
وإثر قمع هذه الانتفاضة، استطاع النظام الاستمرار في حكمه، وتمكنت قوى الثورة المضادة من إحكام قبضتها على حكم البلاد. ومنذ ذلك الحين وفي المرحلة التي تلتها، يمكننا القول إنها أصبحت حقبة من تزايد نطاق الرجعية السياسية واتساع أكثر للهيمنة الأيديولوجية الدينية الطائفية والقومية على المجتمع، وسلب متزايد لحقوق وحريات المرأة وفرض "القانون الجعفري". إن حركات الاحتجاج الجديدة الواسعة والمتكررة يومياً الآن بوجه البطالة وللحصول على فرص العمل والتوظيف الحكومي، وحركة خريجي الكليات والجامعات من أجل التعيين، واحتجاجات العمال لمطالب مختلفة متعلقة بالأجور وظروف العمل الأنسب، والاحتجاجات لتعديل سلم الرواتب وغيرها، تشكل موجة من حركة الاحتجاج العمالية الجديدة والواسعة، وهي امتداد لتاريخ مستمر من الصراع الطبقي البروليتاري في هذا المجتمع، وتظهر عمق ارتباط أزمة النظام السياسي بهذا الصراع الطبقي وبواقع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة والشغيلة. من الواضح أن حركة الاحتجاج العمالية الحالية تجري في خضم تطورات الحرب بين أمريكا وإيران وآثارها على العراق، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل من الناحية السياسية أيضاً، خاصة على قوى النظام من تيارات الإسلام السياسي الشيعي التي وقعت تحت ضغط إعادة ترتيب مواقفها وسياساتها في ظل هذا الظرف الجيوسياسي الجديد. إن الاحتجاجات الجماهيرية الحالية في العراق هي في الأصل احتجاجات لفئات البروليتاريا ونضال للعمال المشتغلين وفئات الشغيلة والشباب المعطلين عن العمل، من كلا الجنسين، وميزتها هي أنها نضال مطلبي اقتصادي للطبقة العاملة والشرائح الاجتماعية المحيطة بها، وهو نضال يمكن أن يتطور إلى حركة طبقية منظمة لتحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية، ويعطي زخماً لرفع القوة والقدرة الطبقية للبروليتاريا في المجتمع ولعب دورها في تصاعد الدور السياسي الطبقي المستقل للطبقة العاملة.
سياسة علي الزيدي الاقتصادية ليست حلاً لأزمة النظام الرأسمالي في العراق، بل هي تعميق متزايد لها! إن السياسة والخطة والأطروحات الاقتصادية لـ علي الزيدي، رئيس الوزراء الحالي في العراق، ليست سوى أطروحات وسياسات اقتصادية برجوازية مسدودة الافاق اصلا. وكل ما لديه هو تطوير القطاع الخاص ومزيد من النيو ليبرالية الاقتصادية وتوسيع نطاق تطبيق مشروع "الورقة البيضاء"! أي الورقة التي ليست سوى نيو ليبرالية غير مقيدة باي عائق، وتؤدي بالنتيجة إلى مزيد من تعميق الاستقطاب الاقتصادي الطبقي؛ تراكم الثروة والمال في قطب، وتراكم الفقر الفاقة في القطب الآخر. إن عملية التطور الرأسمالي، كما يؤكد ماركس، هي عملية تراكم رأس المال والثروة في قطب من المجتمع، وفرض الفقر والبؤس الاقتصادي في القطب الآخر، وهذا بطبيعته يشكل قوانين حركة رأس المال والنمو الرأسمالي اليوم في جميع البلدان وعلى المستوى العالمي، وهو ما أخذ أبعاداً كارثية في النظام الرأسمالي العالمي المعاصر الذي يمر بأزمة شاملة ومركبة. يركز علي الزيدي على اقتصاد السوق للإجابة على المشاكل الاقتصادية للمجتمع العراقي، ويسخر من اعتبار "الاشتراكية"! حلاً للمشاكل الاقتصادية، وينحي دور الدولة جانباً في تقديم الخدمات العامة وفي تنمية اقتصادية تهدف الى تحقيق مصلحة الجماهير، في حين يلجأ هو نفسه إلى الدولة ذاتها، أي أداة الطبقة البورجوازية لاضطهاد الطبقة العاملة، لتطبيق سياساته الاقتصادية النيو ليبرالية. ومن الواضح أنه كممثل لرأس المال والنظام، لا يستخدم القوانين والسلطة وإيرادات الدولة للاستجابة لمتطلبات توفير العمل وتحسين المعيشة وظروف العمل للطبقة العاملة والجماهير، بل يستخدمها لتوسيع نمط اقتصادي قائم على مصالح رأس المال الخاص وتراكمه. وهذا يجلب معه توسع مساحة الفساد والنهب وحماية أشد لمصالح التيارات والأحزاب السياسية الإسلامية والقومية الحاكمة، على حساب التدهور المتزايد للأوضاع المعيشية للطبقة العاملة، وتحويل شرائح متزايدة من السكان إلى أوساط البروليتاريا المعرضة اصلا لمعاناة هذا التدهور في أوضاعها المعيشية. إن هذه السياسات الاقتصادية لـ علي الزيدي التي تهدف إلى تطوير الرأسمالية في العراق، وهي رأسمالية متأزمة، تتحقق على حساب الإفقار المتزايد لغالبية الجماهير، وهذا يتحقق عبر وضع ثقل ازمة النظام الاقتصادية على كاهل الطبقة العاملة والجماهير مستخدما مختلف آليات تنظيم وإدارة الاقتصاد الرأسمالي وسوق راس المال عبر تدخل الدولة، المتبعة من قبل البرجوازية العالمية ايضا، بما فيها تحرير القيود على الأسعار، ورفع الدعم الحكومي عن السلع الاستهلاكية الضرورية للسكان، وتغيير سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي متى ما حان وقته كي يضع آثار ازمة النظام الاقتصادية على كاهل معظم الجماهير، وكذلك إبقاء البروليتاريا الشابة المعطلة عن العمل على حالها وتوسيع نطاق البطالة بينهم وكل الأعباء المعيشية الأخرى لغالبية السكان. وفي هذا السياق، فإن حملاته الصورية ضد الفساد المستشري في هيكل النظام ليست سوى تضليل لهذه الطبقة ولغالبية الجماهير وصرف أنظارهم عن مشاكلهم الكبرى. في هذا المسار، يريد علي الزيدي، كجزء من قوى النظام، أن يحصد لنفسه ولنظامه ثمار كل ما هو رجعي في المجتمع، من سيادة الأفق القومي والديني والطائفي وكل ما فرضه هذا النظام من قمع الطبقة العاملة ومنع نضالها الجمعي، بما في ذلك حظر العمل النقابي في مؤسسات الدولة والأجهزة الاقتصادية والخدمية. وإضافة إلى ذلك، يحصد ثمار فرض القوانين الإسلامية الطائفية الرجعية و"القانون الجعفري" الذي يقمع المرأة ويجردها من حقوقها، والمفروض من قبل تيارات الإسلام السياسي الشيعي، ومن ضمن ذلك ما ينتج عن هذه القوانين من تشتيت لصفوف النضال المشترك للطبقة العاملة وخنق حقوق وحريات الشابات من البروليتاريا. تلك هي علاقة هذا النظام السياسي والاستراتيجية الاقتصادية لرئيس حكومته بغالبية الجماهير، وهذا بالضبط ما يعمق ويوسع الأزمة السياسية للنظام في علاقته بالمجتمع.
أزمة النظام السياسي وأزمة الرأسمالية في العراق، تشكلان كلاعضويا واحدا! إن أزمة النظام السياسي وأزمة النظام الرأسمالي في العراق، والثقل المتزايد الذي نتج عن السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية على حياة العمال وغالبية الجماهير، تشكلان كُلاً عضوياً واحداً وتكملان بعضهما البعض. إن ذلك التنوع الكبير الموجود في تركيبة القوى السياسية القومية والإسلامية وقواتها الميليشية التي تحكم البلاد، وعمق وسعة المحاصصة على أساس القومية والطائفية والمذهبية، يشكل في حد ذاته تقسيماً ثانوياً وتوزيعاً للأدوار والمواقع داخل هذا الكيان السياسي المتأزم العام، كـ "العام" عند هيجل، وهو الدولة، ونظام سياسي ينتشر الفساد في كامل بنيته ويلقي بظلاله على كافة الأجزاء التي يتكون منها. إن الخلافات والصراعات داخل هذا النظام، أي الصراع بين أجزائه، هي واقعية، لكن ميدان حسم هذه الصراعات فيما بينها ليس بين الواحد والآخر بقدر ما هو داخل الكيان السياسي العام الموجود، أي داخل النظام السياسي القائم. وذلك من خلال المحاولة لفرض مصالح كل قوة قومية وإسلامية طائفية وكل حزب وتيار عن طريق أخذ حصته من السلطة والثروة والمال من السلطة العامة، من الدولة، أي من النظام الحاكم. علاوة على ذلك، فإن لهذه القوى امتدادات إقليمية، ولهذا فإن النظام السياسي ليس نتاج جمع رياضي بسيط لأجزائه، بل يحمل ومنذ البدء طابع نفوذ كل من الإمبريالية الأمريكية والنظام الإيراني. ولهذا فإن النظام السياسي هو محصلة تتعدل وتتغير اتجاهاتها السياسية وفقاً لمدى قدرة كل من هاتين الدولتين على فرض مصالحهما الجيوسياسية واستراتيجية والجيو اقتصادية على النظام السياسي في العراق. إن أزمة النظام السياسي وأزمة الرأسمالية في العراق تكملان بعضهما البعض وتتفاعلان باستمرار، وتخلقان باستمرار معضلة تشمل المجتمع بأكمله، وحلها يكون بالضرورة داخل المجتمع نفسه؛ وكما يقول ماركس، فإن الإنسانية لا تضع أمام نفسها معضلة إلا وتكون قد وفرت حلاها مسبقاً. والبروليتاريا التي هي في تصاعد مستمر في العراق هي تلك القوة الطبقية التي تنمو في قلب هذه العملية بحكم منطق نمو رأس المال والرأسمالية، وفي وسط أزمة سياسية واقتصادية مدمرة يعيشها المجتمع. إن السياسة الطبقية البروليتارية التي يمكن أن تكون ثورية وعامة وتجسد تطلعات هذه الطبقة، هي تلك السياسة التي توجه نضال هذه الطبقة في مواجهة النظام الاقتصادي والاجتماعي والدولة ككل عام، ومن أجل إرساء بديلها الطبقي العمالي في مجال الدولة والنظام الاقتصادي والفكر البروليتاري التحرري. إن التيارات الفكرية والأحزاب والمنظمات السياسية البورجوازية القومية شبه-الليبرالية وأحزاب البورجوازية المتوسطة والصغيرة التي تنادي بالإصلاح السياسي وإنهاء الفساد، وتولي الدولة البرجوازية في رعاية المجتمع، وحصر السلاح بيد الدولة، وتتحدث عن بناء عما يسمى "الدولة المدنية"، باسم اليسار أو أي اسم آخر، لا تصمد أمام واقع وجسامة المهام والتحديات. وهم بسياساتهم وأفعالهم هذه كأنما يشاركون في سيناريو أقرب إلى المهزلة، بدلاً من المشاركة كفاعل مؤثر في تغيير العالم من حولهم. إن السياسة الطبقية البروليتارية ورفع راية البديل الشيوعي هو الجواب، وهو الذي يمكن ان يكسب عالما محررا من البؤس الاقتصادي ومن القمع والحرب والخرافات.
خلاص المجتمع من مأزق الوضع الراهن، محصلة للصراع الطبقي؟ إن صاحب المصلحة الفعلية في تحسين وضع المجتمع وتخليصه من هذا الوضع المزرى والكارثي الحالي، هم جماهير الطبقة العاملة والشغيلة والجيل المتصاعد من البروليتاريا الشابة التي تنتمي إلى صفوف هذه الطبقة الواسعة، والذين وقعوا أنفسهم في ظل هذا الوضع في مصيدة الفقر والهلاك الاقتصادي. إن من يريد بناء المجتمع وتطويره اقتصادياً بحيث يوفر الرفاه للجميع ويحقق التقدم الاجتماعي، هم هؤلاء الجماهير، وهذه القوة الطبقية التي تتوافق مصالحها مع مصالح المجتمع بشكل عام. هذه هي الطبقة التي تقف على مسار التطور التاريخي للمجتمع، وتستطيع الحفاظ على استمرارية تطور المجتمع، ولكن هذا يتقدم من خلال تعزيز نضالها الطبقي المستقل وكسب السلطة السياسية لإضفاء طابع وسيماء تحرري على الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية للمجتمع، بكلمة واحدة؛ لتحقيق الاشتراكية. هذه الطبقة لم تقصر في سعة الاحتجاجات، وتداخل مصالح نضالها التحرري مع مصالح تقدم وتطور المجتمع، بل إن ما ينقصها هو عدم تحول بديلها السياسي والاقتصادي الاشتراكي إلى أفق سائد داخل نضالها الطبقي وعلى مستوى المجتمع. إن هذه الحركة البروليتارية التي يجب أن تكون راسخة نظرياً ومستقلة سياسياً ومنظمة حزبياً حول مصالحها الطبقية الاشتراكية، لا تتحقق من خلال برنامج معد من خارج الحركة؛ أي لا تتشكل بمشروع جاهز لمجموعة ديماغوجية غير حزبية وغير بروليتارية خارج صفوف نضال هذه الحركة، ولا تتحقق بمجموعة قرارات معلنة مصاغة بدقة، بل تنمو ويستكمل سيماءها في قلب النضالات البروليتارية المستمرة داخل المجتمع وللاستجابة لأهداف هذه الحركة. باختصار، يتحقق هذا في قلب هذه الحركة البروليتارية ذاتها، من خلال توحيد نضالها الاقتصادي والسياسي والفكري في نضال طبقي شيوعي واحد، وداخل حركة حزبية منظمة تثبت بنيتها وأركانها داخل الحركة ذاتها لا خارجها. وهذا ما يشكل جوهر القضية التحررية للمجتمع. ملاحظة: كُتب المقال في 15/9/2026 باللغة الكوردية وتمت ترجمته الى اللغة العربية مع اضافة قليلة لها في فقرتين وذلك يوم 7 /10/2026
#مؤيد_احمد (هاشتاغ)
Muayad_Ahmed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القوم
...
-
كلمة مؤيد احمد، نيابة عن منظمة البديل الشيوعي في العراق، في
...
-
العزيزة ينار! اليوم هو يوم نضال المرأة العالمي!
-
مجلة -رابه ر- و-حلقة الادباء الشيوعيين-، ذكريات وتقييم*
-
انتخابات برلمان العراق، موقف الطبقات والأحزاب منها
-
شبح الثورة الاجتماعية في اجندات البرجوازية، ملاحظات حول مؤتم
...
-
بصدد الموقف تجاه الحرب والهدنة في حرب إسرائيل وأمريكا على اي
...
-
على هامش قيام عمال ميناء (فوس سور مير) الفرنسية برفض تحميل ا
...
-
رسالة عبد الله أوجلان ومستقبل الاضطهاد القومي في كوردستان حو
...
-
ترامب والمد الرجعي العالمي، تغييرات في النظام السياسي البرجو
...
-
ما بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق مرحلة جديدة في
...
-
احداث سوريا ومنطقة الشرق الأوسط ما بعد سقوط نظام الأسد
-
الخطوة الأولى هي فضح الطابع البرجوازي للنظام وانتخاباته في
...
-
الماركسيون والموقف من الحرب الحالية في الشرق الأوسط
-
تعديل قانون الأحوال الشخصية! لماذا؟ الإسلام السياسي والرعب م
...
-
في الذكرى السنوية الخامسة لانتفاضة أكتوبر 2019، شعار (كل الس
...
-
التيار الماركسي ومسارات الأوضاع السياسية الراهنة في العراق
-
التعديل الرجعي لقانون الاحوال الشخصية؛ هدية الامبريالية الام
...
-
في الذكرى السنوية السادسة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في الع
...
-
الرأسمالية النيوليبرالية وبيع “مكان الصلاة” في إقليم كردستان
المزيد.....
-
لكمات واشتباكات بالأيدي.. فوضى بعد تأجيل التصويت على قرار تج
...
-
نحو مليون طلب للدعم النفسي في إسرائيل منذ 7 أكتوبر.. والشعور
...
-
أملا في استعادة القدرة على الإنجاب.. مراهق بريطاني يخضع لعمل
...
-
الشرطة الألمانية تقتل مسلحا أطلق النار على عناصرها في ولاية
...
-
انشقاق قائد العمليات الخاصة بـ-الدعم السريع-
-
الجمهوريون في الولايات المتحدة يواجهون عاصفة انتخابية وأوروب
...
-
التعليم العالي: طلاب حاسبات ومعلومات جامعة دمنهور يجتازون من
...
-
تنفيذاً لتوجيهات وزيرة التنمية المحلية والبيئة.. جهاز تنظيم
...
-
البصريات الوراثية.. أمل جديد لاستعادة جزء من البصر
-
هل لاقت كلمة رئيس الحكومة الفرنسية آذانا صاغية عند الطلاب ال
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|