أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مؤيد احمد - بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية - مع مقدمة















المزيد.....



بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية - مع مقدمة


مؤيد احمد
(Muayad Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 21:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية

مقدمة
مؤيد احمد
31/8/2026

كتبت المقال ادناه اثناء قيام الحكومة الداعشية لـ أحمد الشرع في سوريا بحملة عسكرية على المناطق الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال وشمال شرق سوريا بداية العام الحالي والتي انتهت بعقد صلح بين قوات “قسد” والحكومة السورية آنذاك. ونظرا للتطورات الجديدة بخصوص هذه الأوضاع وجدت من الضروري كتابة هذه المقدمة للمقال التالي والتي أركز فيها على بعض المحاور الأساسية لهذه التطورات.
أعلن مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية في اجتماع حكومي في دمشق وبحضور وزير خارجية حكومة احمد الشرع يوم 25 من الشهر الجاري (اب 2026) عن حل قوات سوريا الديمقراطية وضمها الى قوات الجيش السوري وانهاء وجودها كقوة مسلحة مستقلة. كما وتضمنت هذه التحولات تعيين مظلوم عبدي مستشارا لـ احمد الشرع وتعيين الهام احمد من "مجلس الإدارة الذاتية" في كوردستان سوريا ضمن الهيئة الاستشارية لوزارة الخارجية للحكومة السورية.
ما قام به مظلوم عبدي، بطبيعة الحال، ادامة لسياسة تياره وحزبه الذي يسودهما افقا وسياسة واستراتيجية ونظرية برجوازية قومية كوردية، فلا يمكن تقييم ما فعله وكأنه خيانة لقضية الحركة القومية في كوردستان سوريا، كما يدعي بعض اليسار القومي الكوردي، ولا كأنه شيوعي ثوري سلّم امر الثورة البروليتارية في سوريا للإرهابي احمد الشرع كما يدعي بعض اليساريين الاخريين. ان ما قام به عبدي تطبيق لحسابات استراتيجية وتكتيكية خاصة بتياره القومي وحزبه وقواته.
وفي هذا السياق، سواء اتفاقه مع احمد الشرع او الحرب ضده، لا يشكل فرقا في جوهر العلاقة الطبقية المتضادة بين هذا التيار وهذا الحزب القومي وبين الطبقة العاملة والكادحين ونضالهما الشيوعي والتحرري في كل من كوردستان سوريا او عموم البلاد. انه ليس شيوعي وماركسي كي يكون قد خان قضية الشيوعية والبروليتاريا، ولا هو اممي كي يهمه بالدرجة الأساس مصالح النضال الاشتراكي لبروليتاريا مختلف القوميات والدول. انه قائد عسكري لحركة قومية كوردية برجوازية في كوردستان سوريا يهمه إنجاح هذه الحركة وهذه القوة وتقدمها سواء أكان ذلك كقوة مستقلة او منحلة ضمن تشكيلات الجيش السوري.
مع اخذ كل ذلك بنظر الاعتبار، فان تقييم هذه التطورات من وجهة نظر مصالح نضال البروليتاريا الاشتراكي لا يقف عند هذه الحقائق السياسية العامة فقط، بل يشخص كل فعل سياسي لاي من الأحزاب والقوى والتيارات والدول بما فيها الحروب وتكتيكات هذه القوى السياسية والدول، حسب ما يؤثر ذلك على مصالح هذا النضال الاشتراكي والتحرري للطبقة العاملة. وهذا ينطبق على ما قام به عبدي، وذلك لان الطبقة العاملة طبقة اجتماعية وهي ليست منفصلة عن تأثير ما تفعله الطبقات والحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى وما تجري بينهم من صراعات، على حياة ونضال البروليتاريا اليومي والاشتراكي.
كما وعلى العكس من المدافعين القوميين عن مظلوم عبدي، فان ما قام به ليس انتصارا لـه، انما هو قبول بالأمر الواقع الذي يعيشه هو وتعيشه قواه والذي يرى ذلك طريقا لاستمرار تحكمه بالقضية القومية في كوردستان سوريا بشكلها الحالي. وفي هذا السياق أيضا، فان ما سيتحقق من بعض المكاسب الحقوقية للجماهير في كوردستان سوريا من الاعتراف بحقها كـ "اقلية قومية" ضمن البلاد وكسب حق التعليم باللغة الكوردية وغيرهأ، يشكل جزءً من الصفقة المعقودة مع احمد الشرع واعترافا منه لتقاسم جزئي للسلطة مع عبدي بالارتباط مع القضية والمطالب القومية الكوردية.
من موقع البروليتاريا الثورية، فان الوضع الحالي هو نتيجة لانهيار النهوض الجماهيري الثوري في سوريا والاجهاز عليه في بداياته الأولى من قبل قوى الثورة المضادة الإرهابية الإسلامية المدعومة من قبل الدول الامبريالية الغربية وتركيا، وتحول نفس هذا النهوض الثوري في كوردستان سوريا، ومنذ البدء، الى اتخاذ شكل النضال بالضد من الظلم القومي وبشكل أساس تحت قيادة "حزب الاتحاد الديمقراطي" والقوى المنضوية تحت مظلة هذا الحزب من "قسد" و”الإدارة الذاتية” و"قوات حماية المرأة".
لقد توجت كل تلك التطورات والاحداث وكل تلك الانهر من الدماء وهلاك المجتمع وتهجير الملايين من السكان بالوضع الحالي الذي هو إعادة بناء الدولة البرجوازية في سوريا تحت قيادة نفس تلك القوى الإرهابية التي اجهزت على الثورة وعلى ايدي قياديها من امثال احمد الشرع وبدعم أمريكا وتركيا وإسرائيل الكامل. ان حل “قسد” في جيش هذه الدولة واحتواء “الإدارة الذاتية” في كوردستان سوريا في الآلة البيروقراطية لهذه الدولة وبقاء مصير "قوات حماية المرأة" معلقا بعد رفض القوى الإسلامية في دمشق اندماجها بالجيش، يشكل بمجمله، من وجهة نظر مصالح نضال البروليتاريا في عموم سوريا، تطورات باتجاه إرساء دكتاتورية الدولة البرجوازية ونظام سياسي استبدادي رجعي ضمن المنظومة السياسية الدكتاتورية المتسلطة على رقاب الجماهير في منطقة الشرق الأوسط وتحت رعاية أمريكا وحلفائها الإمبريالين والإقليميين وإسرائيل.
ان هذا التقاسم للسلطات بين القوى البرجوازية ضمن النظام السياسي الحالي في سوريا، يعني المزيد من ترسيخ قبضة الحركة القومية وتيارها على مسارات الحياة السياسية في كوردستان سوريا، والمزيد من انكسار المحاولات الأولى لتنظيم الحكم وفق مبدأ “الإدارة الذاتية” والتراجع في موقع المرأة في الحياة السياسية في هذه المنطقة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، تعني تقوية قبضة احمد الشرع ونظامه السياسي في سوريا من خلال هذه الصفقة لاجتياز المرحلة الانتقالية في سوريا تحت قيادة هذه القوة الإرهابية كما حدث في العراق بداية السبعينات من القرن الماضي نتيجة للمفاوضات التي جرت بين الحركة القومية المسلحة تحت قيادة مصطفى البارزاني ونظام البعث الفاشي في العراق كعتبة لتثبيت اركان حكم البعث والذي جرى أيضا فيما بعد تشكيل "الجبهة الوطنية التقدمية" بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي التي استمرت لنهاية السبعينات.
ان قضية البروليتاريا وتحررها وبناء الاشتراكية ومصالح النضال البروليتاري الموحد بين جميع القوميات في بلد مثل سوريا ومجمل بلدان منطقة الشرق الأوسط هي العامل المحدد لتقييم هذه التحولات وهذا ما يصل بنا الى نتائج محددة مغايرة لمن ينطلق من موقع برجوازي ليبرالي، او إصلاحي، او قومي او يساري مرتبط، بشكل او باخر، بإحدى هذه التيارات الليبرالية او الإصلاحية او القومية، لتقييم هذه التطورات في سوريا.
ان التحولات الرجعية التي تحدث في المسارات السياسية في سوريا حاليا، تجعل النضال البروليتاري من اجل التحرر من قبضة النظام الرأسمالي أصعب واشد احاطة بالمخاطر. ولكن هذا لا ينهي لا هذا الصراع ولا الاشكال الأخرى التي ستنبعث من قلب كل هذه التطورات والاوضاع. لا زالت المهمة الأساسية هي توحيد نضال الطبقة العاملة ومختلف الفئات الكادحة في سوريا في نضال سياسي طبقي مستقل عن جميع التيارات والأحزاب البرجوازية بمختلف عناوينها وبناء حزب شيوعي ينظم هذا النضال ويلعب دوره القيادي في الوصول به الى الانتصار عبر مختلف محطات النضال، بما فيها المشاركة في نضال الجماهير البروليتارية في النضال بالضد من الظلم القومي والعمل على إيجاد حل للقضية القومية الكوردية ضمن مسار تحقيق الاشتراكية في كل من سوريا وبلدان المنطقة عبر النضال الموحد الاممي لعموم البروليتاريا.

بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية

مؤيد احمد
23 شباط 2026

بعد ما شنت القوى الداعشية لحكومة احمد الشرع(الجولاني) في سوريا وجيشها، بمشاركة الميليشيات الإرهابية التركية وبخطة مشتركة مع الامبريالية الامريكية ونظام إسرائيل الفاشي، هجوما عسكريا (يوم 6 كانون الثاني 2026) على حيي (الاشرفية) و(شيخ مقصود) في مدينة حلب بسوريا، وسّعت هذه القوى نطاق هجومها بشن حملة على المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مرتكبة المجازر والتهجير والاهانات بحق الجماهير بالأخص ضد النساء في هذه المدن. ادت هذه الحملة الإرهابية الوحشية المدعومة من قبل تلك الدول الى فرض التراجع على قوات قسد الى مناطق كوردستان سوريا في شمال شرق البلاد.
في سياق هذه التطورات العسكرية والسياسية تم يوم 30 من كانون الثاني 2026 عقد اتفاق جديد بين مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية واحمد الشرع ينص على اندماج قوات سوريا الديمقراطية بالجيش السوري وتامين سيطرة الحكومة المركزية من الناحية الإدارية في هذه المناطق. وبذلك انتهت فترة من معادلة سياسية وعسكرية كانت قائمة قبل ذلك لتحل محلها معادلة أخرى تتسم بالغموض ومليئة بالتناقضات.
لقد كانت الانتفاضة الجماهيرية في كوردستان سوريا عام 2011 تتطلع الى التحرر من البؤس الاقتصادي والقمع السياسي والاضطهاد القومي، ولكن سرعان ما اتخذت طابعا يسود عليه شكل النضال من اجل التحرر من الاضطهاد القومي وبات نضال القوى المسلحة لـ (حزب الاتحاد الديمقراطي) و(قسد) ومنظومتهم الإدارية والسياسية تهمين على المسارات السياسية في هذه المنطقة بحيث غدت آخر بقايا الانتفاضة الجماهيرية في كوردستان سوريا وتحولاتها مقيدة بهذا الشكل السياسي الذي يقوده التيار القومي الكوردي بالأساس، والذي اصبح يواجه اشد التحديات في الوقت الحالي.
على أي حال، فان هذه الحملة الداعشية لم تحسم القضية الكوردية في كوردستان سوريا، بل ستبقيها قائمة ضمن ظروف جديدة عسكرية وسياسيةً ومعادلات قوى إقليمية معينة. كما أنه من الواضح بانها لا تنهي الصراع الطبقي والاجتماعي وكذلك تطلعات الجماهير للحرية والعيش بأمان ورفاهية والتي عبرت عن نفسها بشكل ما انتفاضة 2011 في هذه المنطقة.
ما اود التركيز عليه في هذا المقال، ولو بإيجاز، هو تناول الأفق السياسي والايديولوجي والتعصب القومي، الذي ساد، ولايزال، على هذه التطورات والاحداث، وانتقادات بصدد رؤية التيار القومي للعالم وايديولوجيته ومفاهيمه والاستراتيجية السياسية للتيار القومي الكوردي المعاصر والمحتوى الاقتصادي الرأسمالي له.
الصراع الأيديولوجي والتعصب القومي
في خضم الحملة الإرهابية والاحتجاجات الجماهيرية
ان الحملة الإرهابية لحكومة الشرع لم تكن سياسية-استراتيجية وعسكرية فحسب، بل ايديولوجية أيضا اذ كانت مغطاة بغلاف أيديولوجي قومي-إسلامي وحملة إعلامية لترويج الأفكار والنعرات القومية والتعصب القومي العربي بالضد من القوميات والأقليات القومية والمذهبية الأخرى داخل سوريا، وبالأخص القومية الكوردية، ومجمل ذلك في ظل شعار توحيد البلاد "العربية السورية".
كما ولم يكن منفذو هذه الحملة الايديولوجية مقتصرين على تيارات الإسلام السياسي والسلطات الإرهابية الحاكمة في دمشق واعوانهم من البرجوازيين القوميين الإسلاميين والقوميين العروبيين في داخل سوريا وخارجها، بل شمل أيضا طيفا واسعا نسبيا من الانتلجنسيا(المثقفين) ذو النزعة القومية العربية الراديكالية، أي تلك الشريحة التي تخلت عن أي ادعاءات يسارية او اشتراكية، وكذلك القوميين المدافعين عن النيو ليبرالية الاقتصادية المتطلعة الى ترسيخ اركان الرأسمالية في سوريا بنمطها الاقتصادي النيو ليبرالي، والساعون الى اندماجها بالرأسمال العالمي والإقليمي العربي ضمن منظومة الرأسمالية الامبريالية الغربية بقيادة أمريكا.
في مقابل ذلك، وللوقوف بوجه المجازر والتهجير الجماعي، التي تعرضت لها الجماهير في كوردستان على مر التاريخ الحديث، وللدفاع عن سلطة التيار القومي الكوردي وقواها المسلحة و(قسد)، و”الإدارة الذاتية” المحلية التي تحميها هذه القوى ، ودفاعا عن حق الجماهير في ممارسة نشاطاتها السياسية بحرية في تلك المناطق وللدفاع عن الحرية النسبية الموجودة للنساء ومساواتها مع الرجال، انطلقت احتجاجات جماهيرية واسعة ليس فقط في كوردستان سوريا المعروفة بـ (ڕۆژ ئاڤا)، بل أيضا في بقية مناطق كوردستان؛ في العراق وإيران وتركيا، وكذلك في بلدان كثيرة في العالم وبالأخص في أوروبا.
ان هذه الاحتجاجات الجماهيرية التي شارك فيها الجيل الشاب بقوة، وبحضور فعال وواسع للشابات، اتسمت بشكل عام بطابع سياسي تقدمي لكونها تصدي للقوى الداعشية الإرهابية وللتيارات والأحزاب الإسلامية الداعمة للإرهاب الداعشي داخل مناطق كوردستان المختلفة، ولكونها رد على الاضطهاد والتمييز القومي ومدافعة عن حرية المرأة. غيران ذلك لا ينفي حقيقة بينة وهي ان الافق السياسي والايديولوجي للحركة البرجوازية القومية الكوردية قد اضفى، ومنذ البدء، بطابعه على هذه الاحتجاجات نظرا للسيادة المسبقة لهذا الأفق على مسارات الحياة السياسية والفكرية والثقافية الرئيسية في جميع أجزاء كوردستان.
كما وان هذه الاحتجاجات لم تكن خالية من التعصب القومي، بل رافقتها موجة من تصاعد النعرات القومية الكوردية بالضد من القوميات الأخرى وبالأخص العربية والتركية. ففي خضم هذه الأوضاع والمزاج السائد العام دفع بالبعض، ولو كان ذلك على هامش هذه الاحتجاجات، الى التطاول على العمال السوريين الناطقين بالعربية الذين يعملون في كوردستان حيث أقدم بعض الرأسماليين على طرد عدد منهم من العمل في مدينة أربيل.
وهكذا، وفي ظل هذا المشهد، فان الشوفينيين من ضمن التيار القومي العربي والإسلامي وكذلك التيار القومي الكوردي، والمثقفون من أوساط هذه التيارات المشبعين بالكراهية القومية، لم يعودوا يطيقون الواحد الاخر او أدني معارضة لأيديولوجيتهم او رؤيتهم للعالم، هذا وكانوا يواجهون أي طرف تحرري او شيوعي لا ينصاع لفكرهم البرجوازي القومي ومُثلهمْ العليا، سواء أكان هذا الفكر القومي كوردياً، عربياً أو تركيا.
الطابع القسري للأيديولوجيا البرجوازية القومية
ان الاستبداد الايديولوجي الذي يتميز به التيار القومي، على نمط الإسلاميين، يتجلى بوضوح عندما نرى كيف ان هذا التيار يريد اخضاع الكل للقبول بنظرته للعالم وبتبني مفاهيمه ومصطلحاته السياسية ونظريته القومية. ما يريد هذا التيار املائه على الاخرين ليس فقط آفاقه واهدافه السياسية وسياسته العملية انما فرض ايديولوجيته ونظام نظراته للعالم ايضا.
لذا نرى ان هذا التيار لا يقف عند حد السياسة، وهو لا يكتفي بما يقوم به الشيوعيون، على سبيل المثال، من نضال سياسي لحل المسالة القومية واصرارهم على تامين المساواة بين القوميات والنضال بالضد من الاضطهاد القومي وكل اشكال القهر القومي والتمييز والعنف والإلحاقات، ولا تروي غليله اجندة هؤلاء الشيوعيين السياسية والعملية في حل المسالة القومية التي تتضمن حق القومية المضطهدة في الانفصال وتشكيل الدولة المستقلة.
ان التيار القومي لا يكتفي بذلك لأنه يريد ايضا انصياع الشيوعيين والتحررين الأيديولوجي والمنهجي لرؤيته للعالم ونظام مفاهيمه والانصياع الكامل لسياساته ومشاريعه، اذ في حال عدم تحقيق ما يريده هو يطلق على الاخرين بأنهم شوفينيون ومناصرو القمع والاضطهاد القومي، او في أحسن الأحوال يعتبرونهم متمسكين بشعارات مجردة غير ذو معنى عملي ملموس بالنسبة لهذا التيار. وهذا النمط من الصراع الايديولوجي ليس بجديد اذ ان تاريخ الصراع بين الاشتراكيين الامميين والقوميين لم يكن خاليا من هذا النمط من تعامل القوميين مع السياسة والأيديولوجيا في تاريخ الحركة البروليتارية الاشتراكية. ان نقد لينين بصدد "“الروح العملي" في مسألة القوميات" في مقالته "حق الأمم في تقرير مصيرها" أحد الأمثلة على ذلك. (لينين- المختارات في 10 مجلدات- المجلد 5 – ص 162 دار التقدم- موسكو 1976).
ان الاستبداد الأيديولوجي للقوميين لا حدود له، فعلى نفس منوال الإسلاميين والدينيين، يريدون اخضاع الجميع، ليس للقبول بتبني ايديولوجيتهم ومقدساتهم وتصورهم للعالم فحسب، بل يريدون ايضا التصفيق لزعمائهم وعلمهم وارضهم و"اصالتهم القومية" وفنهم وتراثهم القومي حتى وان يكن هذا التراث تراثا استعباديا متخلفا وغارقا في الكراهية القومية ومناهض للإنسان الكادح ومهين للمرأة ومتجاوز على حقوق الاطفال وغيرها. انهم ومن اعلى الابراج العالية ينظرون بكراهية واستصغار الى كل من يقف في طريقهم او يجادل سفسطتهم المتخلفة الخالية من أي افق رحب انساني تحرري.
غير ان أيديولوجيا الحركة القومية وطابعها القسري، ليس معلقا في السماء انما يقف على ارضية المصالح الطبقية البرجوازية الواقعية. لقد اكدتُ في إحدى مقالاتي في أيلول 2024 ضمن نضالنا بالضد من امرار "مدونة الاحكام الجعفرية" في البرلمان العراقي "ان السياسي الإسلامي هو سياسي إسلامي لكونه هو وقبل كل شيء سياسي برجوازي، وليس العكس، وهو المدافع عن راس المال والملكية الرأسمالية، ويدخل الساحة السياسية بوصفه كذلك، أي بوصفه مدافعا عن المُلكية الرأسمالية وأركانها "الدينية" و"الأخلاقية" ومتطلباتها القمعية بوجه الطبقة المضطَهًدة." (تعديل قانون الأحوال الشخصية 188 لماذا؟ الإسلام السياسي والرعب من الثورة البروليتارية – منظمة البديل الشيوعي في العراق)
وهذا ينطبق على القومي كذلك اذ ان السياسي القومي هو سياسي برجوازي قبل ان يكون سياسي قومي، وان الطابع القسري لإيديولوجيته مبعثه الحياة الاقتصادية الواقعية والعلاقات الطبقية المتضادة وسيادة الطبقة البرجوازية واحتكارها لثروات المجتمع ووسائل انتاجها.
ان الشكل الايديولوجي القومي البرجوازي بوصفه ايديولوجيا تحمل في طياتها كل تعقيدات الحياة المادية وتناقضاتها لكنها تبدو في الظاهر وكأنها منفصلة عنها. مهما يكن الامر ففي النهاية ترجع هذا الأيديولوجيا الى الأرض وتفضح جميع تناقضاتها وتفقد بريق هالتها "المقدسة".
ان الوعي الاشتراكي الجنيني البروليتاري، منشاءه الحياة المادية والعلاقات الطبقية التناحرية في المجتمع الرأسمالي، موجود ايضا داخل نفس القومية التي تريد البرجوازية القومية نفي وجوده أي داخل نفس القومية او الامة التي تريد البرجوازية تجريدها من الطبقات وخلقها ذهنيا على صورتها بانها قومية صافية، وكائن موجود قائم بذاته، بدون الطبقات والتناحر الطبقي وبدون الفكر والتراث والثقافة الطبقية المتضادة.
ان الفكر البرجوازي القومي والفكر الشيوعي الأممي يشكلان جزئين من ايديولوجيتين مختلفتين طبقيتين لطبقتين اجتماعيتين مختلفتين في قلب الحياة المادية للمجتمعات؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ان الأممية مرتبطة بحركة الواقع الى الامام وتمثل مستقبل الإنسانية بالرغم من ان القومية تسود المشهد الان، ان الصراع الأيديولوجي بينهما انعكاس لهذه الحركة التاريخية الموضوعية الموجودة على أرض الواقع.

اليسار وأيديولوجيا التيار القومي الكوردي
ونقدهم للشيوعيين الامميين
بالرغم من ان نقاشا وصراعا ايديولوجيا واسعا نسبيا لم يحدث ولم يتبلور داخل الحركة الشيوعية في المنطقة وبالأخص في كوردستان العراق حول المسالة القومية عموما والحركة الاحتجاجية الجماهيرية خصوصا، ولكن التوتر السياسي والأيديولوجي كان واضحا منذ البدء حيث رأينا كيف ان الكثيرين من أوساط اليسار انجروا وبدون أي نقد في اعقاب الموجة الاحتجاجية الجماهيرية وآفاقها السياسية البرجوازية القومية الكوردية والدفاع غير المشروط عن تجربة قسد في كوردستان سوريا.
وفي هذا السياق، فان عددا من الشيوعين والماركسيين، في الاغلب من باب الإخلاص للحركة الشيوعية الأممية والتيار الماركسي، اعتبروا الشيوعيين الامميين مخطئين فيما يخص نقدهم للأفق السياسي القومي السائد على الحركة الاحتجاجية الأخيرة بوجه الحملة الداعشية والتعصبات القومية التي رافقت هذه الاحتجاجات. يضاف الى ذلك اعتبروا أن هؤلاء الشيوعيين الامميين هامشيين اذ لا يقدمون برنامج عمل فيما يخص مهامهم تجاه القضية القومية التي تهيمن على اذهان الجماهير البروليتارية ولا يلعبون دورا مؤثرا في هذه الحركة الاحتجاجية الجماهيرية في كوردستان.
غير ان طيفا آخرا من الانتقاد هو ما يخص القوميين الشوفينيين من كل القوميات، فهؤلاء وكالعادة يوجهون راس رمحهم بالضد من الشيوعيين الأمميين وخاصة إذا احسوا ان الأخير يضع اصغر حجرة عثرة امام حركتهم القومية وتيارهم، وهم يعرفون جيدا بان الشيوعيين الامميين ليسوا فقط حازمين على مبدا المساواة بين القوميات، بل داعين الى تحرر الانسان من أي هالة مقدسة قد تصنعها البرجوازية القومية حول الانتماء القومي مهما كان موقع تلك القومية في نظام الدول القومية، مضطِهدة كانت او مضطَهدة، وهذا ما لا يعجبهم ان يسمعونه وهذا هو ما يكرهونه.
ان التوتر السياسي والأيديولوجي الذي شهده مسار الصراع السياسي والأيديولوجي في كوردستان العراق، ولو على مستوى محدود، امتد الى الميدان الأيديولوجي او الرؤية، الفلسفية ان شئت، للعالم، وميدان المصطلحات والمفاهيم السياسية لتعريف الانسان وتحرره.
ان التيار البرجوازي القومي ضمن مختلف القوميات يلصق الهويات الاثنية بالافراد ويطلق عليهم العرب والكورد والترك والتركمان وغيرهم وذلك ليس انطلاقا من ضرورات التسمية ووضع اسم للأفراد او مجموعات، بل كمفهوم سياسي وايديولوجي ونظرة فلسفية للعالم مبنية على تقسيم البشر والافراد على أساس الهوية القومية والاثنية. وفي هذا السياق، يرى القومي ان ذلك ضروري ان يُعّرف افراد القطب المقابل او المناهض لقوميته على نفس المنوال بعرب او كورد او ترك و...ألخ، لكي يعطي الحق لنفسه بتطبيق رؤيته للعالم تجاه تعريف الانسان بوصفه انسان مقيد بقوميته واثنيته وليس حرا كفرد مواطن العالم يعيش في إحدى بقاع الكرة الأرضية، هذا من جانب، ومن جانب آخر، لتحقيق مشروعه السياسي واستراتيجيته في بناء الدولة البرجوازية القومية وتقوية حركته القومية.
كما وعلى نفس المنوال ومن حيث الاساس لدواع استراتيجية سياسية هذه المرة، يطلِق التيار القومي الكوردي على كل جزء من أجزاء كوردستان المقسمة على دول منطقة الشرق الأوسط، ليس وفق الوجود الجغرافي الحالي، بل وفق مشروعهم السياسي المستقبلي لتشكيل دولة كوردستان الكبرى الموحدة؛ شرق كوردستان، غربها (روج آفا)، شمالها، وجنوبها. على أي حال، ان تسمية أجزاء كوردستان بمناطق مختلفة بهذا الشكل مبعثه سياسي استراتيجي فلا يدخل البعد الفلسفي والأيديولوجي في هذه التسميات كما هو الحال بالنسبة لتعريف الانسان حسب هويته القومية. غير ان استخدامه في الوقت الحالي من قبل حزب شيوعي اممي يناضل داخل جغرافيا معينة وبلد معين تضم جزءا من كوردستان، يعطي معنى سياسي مغاير واستراتيجية وتكتيك مغايران لما على هذا الحزب إنجازه داخل البلد المعني. وهو بالتالي يعني تبني سياسة واستراتيجية التيار القومي الكوردي بدل سياسة واستراتيجية مستقلة للحزب الشيوعي الاممي المعني.
بمعزل عن احتمالات تحول جيوسياسي كبير في الشرق الأوسط، يدرك القوميون الكورد تماماً أن مشروع (دولة كوردستان الكبرى) غير قابل للتحقق في المنظور القريب؛ ليس فقط بسبب التعقيدات الإقليمية الحالية، بل ايضا نتيجة للتناحر الداخلي بين أقطاب البرجوازية الكوردية وتضارب مصالح أحزابها الحاكمة والمعارضة. لذا، فإن إصرارهم على تسويق هذه المصطلحات ليس سوى جزء من استراتيجية لترويج الأهداف والآفاق السياسية للتيار البرجوازي القومي، ولتزييف وعي الجماهير البروليتارية وعزلها عن قضيتها الطبقية التحررية عبر إغراقها في الأوهام القومية.
لا شك انه لا يمكن سد الطريق امام التيارات السياسية استخدام المفاهيم والمصطلحات السياسية الخاصة بها في عالم السياسة والصراع الطبقي، ولكن هذا لا يعني السكوت عن كشف الماهية السياسية والفلسفية والاستراتيجية للطبقات الاجتماعية المختلفة وتياراتها ونفس تلك المفاهيم والمصطلحات والتسميات الخاصة بها. لا شك، ان من حق التيار السياسي القومي الكوردي استخدام تلك التعابير والمفاهيم السياسية الخاصة به وبحركته وبنظرته الفلسفية للعالم، كما هو حق الشيوعيين في نقد كل هذه المنظومة من المفاهيم. غير ان السعي لاجبار الاخرين وبالأخص الشيوعيين الامميين على استخدام هذه المفاهيم السياسية الخاصة بالتيار القومي الكوردي او العربي او التركي تحت اية ذريعة كانت ليس الا توجه شوفيني قمعي لا علاقة له بالجماهير التي تعاني من الاضطهاد ومظاهر العنف والتمييز القومي ولا بنشاط الشيوعيين داخل الجماهير التي تناضل من اجل رفع هذا الاضطهاد والعنف والتمييز.
ان كسب هذه المصطلحات والمفاهيم والتسميات القومية الحساسية الزائدة خلال الفترة الاخيرة حتى على حساب التضحية بالموضوع الأساسي الذي هو التصدي لهجوم الإبادة الجماعية لجماهير كوردستان سوريا مبعثه هو ان جميع الأحزاب والافراد والقوى يكشفون جوهرهم السياسي الطبقي في تلك اللحظات والمنعطفات السياسية الحادة.

البعد الطبقي والاقتصادي للمسألة القومية الكوردية
ان الشيوعيين الأمميين البروليتاريين هم من اشد المدافعين عن المساواة بين القوميات، وهم المناضلون الحازمون بالضد من أي ظلم او تمييز او عنف قومي، كما هم المدافعون عن الحق السياسي للقوميات بالانفصال وتشكيل الدولة الخاصة بهم وتحديدا إذا تحولت القضية القومية الى عائق امام تقدم الصراع الطبقي البروليتاري التحرري في المجتمعات. لا شك ان مبعث ذلك ليس أخلاقي او سياسي صوري او حتى تكتيك عملي ثانوي، بل ناجم عن انخراطهم في الصراع الطبقي داخل المجتمعات وخوض النضال من اجل بناء عالم خال من الطبقات والدولة وكل اشكال الاضطهاد.
ان هذا النضال وهذه الأهداف التحررية تملي عليهم من جهة، التصدي لكل اشكال الظلم والاضطهاد والتمييز، والتمسك بسياسة تحررية شيوعية تجاه مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات بما فيها المسالة القومية، ومن جهة أخرى، وبشكل متزامن، تملي عليهم النضال بوجه مختلف التيارات البرجوازية من ضمنها التيار القومي الذي يريد نشر الوهم في أوساط الجماهير البروليتارية ويسعى لتشتيت صفوف نضالها الاممي المشترك وذلك عبر الهويات القومية والاثنية، كما هو الحال بالنسبة الى التيارات الدينية والطائفية المختلفة او على أساس الجنس، والجندر والعرق واللون وغيره.
من المعلوم، ان البرجوازي القومي، على العكس مما يبدو في الظاهر، يتعامل هو أيضا مع نفسه وقضيته القومية على أساس الصراع الطبقي وانخراطه بمهامه الطبقية كممثل راس المال في هذا الصراع. فهو في الحقيقة عنصر سياسي ذاتي في عملية تعزيز الرأسمالية وإعادة انتاجها أي إعادة انتاج مجتمع يسوده راس المال والعلاقة الطبقية المتناحرة بين البرجوازية والبروليتاريا، ولكن في شكل تيار سياسي وفكري قومي، وهنا لا يًفرق للتيار البرجوازي القومي ان يكون من أنصار راس المال القومي الذي يسوده نمط الاقتصادي لرأسمالية السوق الحرة او رأسمالية الدولة، اذ هو يعمل ويسعى من اجل بناء دولة قومية برجوازية وترسيخ ثقافة برجوازية قومية بحيث تضمن سيادة الطبقة البرجوازية على المجتمع وعلى مسارات الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية فيه.
وعليه فان التعامل مع المسالة القومية، بالنسبة للشيوعيين والقوميين على حد سواء، ليس التعامل مع شيء خارج النضال بين الطبقات والبدائل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لتنظيم المجتمعات. ان هذا البعد الطبقي والاقتصادي للمسألة القومية كان واضحا اثناء نشوء الحركات القومية لتأسيس الدول البرجوازية القومية على أساس توحيد السوق الداخلية لراس المال بوجه الاقطاعية والصراع بوجه النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الاقطاعي من قبل الطبقة البرجوازية وبالأخص في أوروبا. غير ان هذا البعد الاقتصادي والطبقي البرجوازي للحركة القومية وتياراتها وللمسالة القومية نفسها بات محجوبا بسبب ما احاطت بالمسالة القومية من هالة سياسية وثقافية وايديولوجية قومية في عهد الرأسمالية الامبريالية وحركات التحرر الوطني من القوى الامبريالية في البلدان المستعمرة ونشوء الحركات السياسية القومية، وفي بعض الحالات يسارية، المناهضة للسياسات الامبريالية وليست للإمبريالية بوصفها رأسمالية امبريالية.
إن دراسة التحولات في المسألة القومية والأشكال التي تتجسد بها اليوم يعد ضرورة للشيوعيين، وهي مهمة تتجاوز نطاق هذا المقال. ومع ذلك، من الأهمية بمكان التذكير بأن الشيوعيين الأمميين قد حسموا خيارهم منذ أكثر من قرن؛ ففي المؤتمر الثاني للكومنترن عام 1920، وبمساهمة لينين، تم إحلال مفهوم الحركة الوطنية الثورية محل الحركة البرجوازية الديمقراطية . كان الهدف من هذا التغيير المصطلحي رسم خط فاصل واضح بين الحركات الثورية وبين الحركات الإصلاحية البرجوازية في البلدان المستعمرة، ولضمان عدم التبعية للبرجوازية المحلية تحت شعارات "التحرر الوطني". ورغم هذا، لا يزال اليسار القومي يلهث خلف البرجوازية القومية للأمم المضطهَدة وقواها المسلحة، سواء في مناطق مختلفة من العالم أو في كوردستان.
وعليه فان الحركة القومية والقضية القومية ليستا خارج المجتمع والعلاقات الطبقية للمجتمعات بالرغم من ان شكلهما يعطي انطباعا كهذا، وانطباعا بان القومية منتوج التاريخ والثقافة واللغة المشتركة لتجمع انساني يعيش على ارض محددة او غيرها من التعاريف بدون ان يكون له ارتباط بالمسالة الاقتصادية وبالنظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي المعاصر وبالتالي بعلاقات الطبقات الاجتماعية وتناحر مصالحها ضمن القومية المعنية.
وعندما نرى القومي او أكثر تحديدا القومي اليساري يقول للشيوعيين ان الصراع الطبقي موجود في المجتمع، ولكن هناك قضية قومية شاملة ايضا تجذرت في وجدان قطاعات واسعة من الجماهير، فعليكم ان تتعاملوا مع القضية القومية أولا، ومن ثم الصراع الطبقي، وهو بهذا يريد ان يحذف من حساباته حقيقة وهي ان التيار القومي هو بالأساس بصدد بناء دولة قومية على أساس سيادة راس المال في المجتمع وتعزيز سلطة البرجوازية على البروليتارية عبر تأسيس الدولة القومية وهذا ما يشكل محطته الأخيرة. فلن يعد هناك بعد تلك المحطة الأخيرة، بالنسبة للبرجوازي القومي المنتصر، شيئا اسمه الصراع الطبقي حيث ثمة فقط مهمة تنظيم المجتمع على صورة راس المال وقيمه وديكتاتوريته وإبقاء البروليتاريا عبيدا اجراء كطبقة مضطهدة يتم قمع نضالها الطبقي. اذاً فلم يعد هناك شيئا اسمه الصراع الطبقي بالنسبة للقومي بعد هذه المحطة وطالما لم يصل هذا القومي الى هذه المحطة فكل كلامه عن الصراع الطبقي هو مجرد خداع او بالأحرى محاولة لإخضاع مصالح الصراع الطبقي للمصالح القومية البرجوازية لا غير.
ان المسالة القومية الكوردية قضية سياسية واقعية شائكة ومتعددة الابعاد في المجتمع بحيث تهمين على أفكار وثقافة الجماهير وبدرجات متباينة في جميع انحاء كوردستان: في العراق وتركيا وإيران وسوريا، وان حل المسالة يحتاج من قبل التيار الماركسي والحركة البروليتارية الشيوعية في العراق وبقية البلدان، وقبل كل شئي، الى التعامل بشكل واقعي معها كمسالة سياسية وثقافية موجودة على الأرض واسمها القضية الكوردية.
غير انه، ومن ناحية أخرى، اذا نظرنا الى المسالة القومية الكوردية، في عهدنا، نرى انها وبشكل أكثر وضوحا مما سبق غدت مسالة سياسية تتحكم بها البرجوازية القومية الكوردية واحزابها الرئيسية، وبالتالي تحمل في طياتها محتوى الصراع الطبقي الجاري في مجتمع كوردستان. اذ أصبح ذلك جلي للعيان كون البرجوازية القومية هي التي تتحكم بالقضية القومية الكودرية وبأشكال مختلفة ومن نواحي عدة وتستخدمها لصالح بسط سيطرة راس المال والمصالح البرجوازية القومية الكوردية على البروليتاريا وعلى المجتمع برمته. فحتى ان ثمار الاحتجاجات الأخيرة بوجه الحملة الارهابية لحكومة الشرع وقعت في أيدي السلطات الحاكمة في إقليم كوردستان العراق.
وهكذا فان البعد الاقتصادي الرأسمالي للمسالة القومية بالأخص بعد استمرار حكم البرجوازية القومية الكوردية واحزابها في كوردستان العراق خلال أكثر من ثلاثة عقود، وفضح المحتوى الطبقي الرأسمالي لهذه الأحزاب لدى الجماهير في الاقليم ودورها في تقوية اركان الرأسمالية في كوردستان واستغلال السلطة السياسية وحكومة الإقليم في هذه العملية وفي اطار الصراع الجيو اقتصادي و السياسي الجاري بين الدول الامبريالية والأقطاب الإقليمية في المنطقة، فان هذا البعد الطبقي البرجوازي للمسالة القومية وعلاقته برأسمال وتضاده لمصالح العمال والكادحين في كوردستان واضح للغاية. لقد انعكس هذا الصراع الطبقي في الآلاف من التظاهرات والاضرابات والنضالات اليومية للبروليتاريا في كوردستان بوجه السلطات الحاكمة والأحزاب المتحكمة بمفاصل الحياة الاقتصادية في الإقليم خلال العقود الثلاثة الماضية.
وفي هذا السياق وصل الامر بالعمال والموظفين في الإقليم ضمن مسار نضالهم للخلاص من براثن الفساد والاحتيال وتلاعب حكومة الإقليم بقوت عيشهم الى حد ان يلجؤوا الى الحكومة المركزية لإنقاذ أنفسهم من الافقار والهلاك والتي هي أيضا ليست اقل فسادا من سلطات الإقليم.
لذا فان السياسة الشيوعية تجاه المسالة القومية الكورية في كوردستان العراق، وهذا ينطبق على بقية أجزاء كوردستان، لا يمكن ان تكون غير سياسة تأخذ مصالح البروليتاريا في كوردستان بوجه البرجوازية الحاكمة والأحزاب القومية الكوردية الموجودة في المعارضة في الوقت الحالي وليس الانجرار حول سياسات القوميين واستراتيجتهم واساليب عملهم حتى في ميدان النضال بالضد من الاضطهاد القومي دع ذلك جانبا تبني شعاراتهم والانصياع لايديولوجيتهم وافكارهم ومفاهيمهم وحتى مصطلحاتهم السياسية والايديلوجية. بالنسبة للبروليتاريا والشيوعيين فان النضال بالضد من الاضطهاد والقمع القومي وطرح السياسة الشيوعية في ميدان حل المسالة القومية يطغي عليه الطابع الطبقي والشيوعي التحرري وبكلمة انها حرب طبقية بروليتارية في ميدان حل المسالة القومية.
ان تجربة كوردستان سوريا تحت إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي هي حلقة وسطية من حيث الظاهر بين السياسة الاشتراكية تجاه المسالة القومية الكوردية مع السياسة البرجوازية القومية المتحكمة بالقضية في الوقت الحاضر في بقية أجزاء كوردستان، ولكن قبل كل شيء هي رد على هذا التحول الاقتصادي والطبقي البرجوازي الفعلي الحاصل في المسالة القومية الكوردية في المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية وكشف مآلاتها بشكل صارخ في عهدنا بوصفها مسالة سياسية برجوازية لاحتكار السلطة والثروات وفائض قيمة عمل العمال في كوردستان لنفسها.
غير ان هذه التجربة في كوردستان سوريا مبنية على سياسة واستراتيجية قومية أيضا وشكل يعيق تبلور الصف البروليتاري الطبقي المستقل وخطه الشيوعي الاممي في المجتمع وسياسات هذا الصف الطبقي تجاه المسالة القومية. ان ما يحكم إقليم كوردستان ليست سلطة أحزاب سياسية تكون منفصلة عن قاعدتها الطبقية والاجتماعية واساسها الاقتصادي، وهي ليست سلطة أحزاب عشائرية وميليشية ما فوق طبقية. وهم وبكل بساطة أحزاب الطبقة الرأسمالية وممثلو رأسمال.
كما ان الأحزاب القومية البرجوازية الكوردية الأخرى وبالرغم من تبيان سياساتهم وتاريخهم وادعاءاتهم يجمعهم هذا البعد الاقتصادي الرأسمالي وهذا الانتماء الطبقي البرجوازي ويوحدهم في صف واحد بوجه البروليتاريا الشيوعية الأممية في المنعطفات الحاسمة في تاريخ تطور الصراع الطبقي والتي لا يمكن ان يحميهم الغطاء القومي الى الابد.
وهنا اود القول، ان نصائح اليساريين للشيوعيين بالحفاظ على التوازن القلق بين الصراع الطبقي البروليتاري وبين المسالة القومية تتهشم على أرضية الوقائع الاقتصادية الطبقية في مجتمع كوردستان وفي جميع اجزائه، اي الوقائع التي تعيد انتاج نفسها في أعماق هذه المجتمعات باستمرار.



#مؤيد_احمد (هاشتاغ)       Muayad_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلمة مؤيد احمد، نيابة عن منظمة البديل الشيوعي في العراق، في ...
- العزيزة ينار! اليوم هو يوم نضال المرأة العالمي!
- مجلة -رابه ر- و-حلقة الادباء الشيوعيين-، ذكريات وتقييم*
- انتخابات برلمان العراق، موقف الطبقات والأحزاب منها
- شبح الثورة الاجتماعية في اجندات البرجوازية، ملاحظات حول مؤتم ...
- بصدد الموقف تجاه الحرب والهدنة في حرب إسرائيل وأمريكا على اي ...
- على هامش قيام عمال ميناء (فوس سور مير) الفرنسية برفض تحميل ا ...
- رسالة عبد الله أوجلان ومستقبل الاضطهاد القومي في كوردستان حو ...
- ترامب والمد الرجعي العالمي، تغييرات في النظام السياسي البرجو ...
- ما بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق مرحلة جديدة في ...
- احداث سوريا ومنطقة الشرق الأوسط ما بعد سقوط نظام الأسد
- ‌الخطوة الأولى هي فضح الطابع البرجوازي للنظام وانتخاباته في ...
- الماركسيون والموقف من الحرب الحالية في الشرق الأوسط
- تعديل قانون الأحوال الشخصية! لماذا؟ الإسلام السياسي والرعب م ...
- في الذكرى السنوية الخامسة لانتفاضة أكتوبر 2019، شعار (كل الس ...
- التيار الماركسي ومسارات الأوضاع السياسية الراهنة في العراق
- التعديل الرجعي لقانون الاحوال الشخصية؛ هدية الامبريالية الام ...
- في الذكرى السنوية السادسة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في الع ...
- الرأسمالية النيوليبرالية وبيع “مكان الصلاة” في إقليم كردستان
- الاوهام حول قرار المحكمة الاتحادية بصرف الرواتب، والانجرار و ...


المزيد.....




- حرائق الغابات في أوروبا تُفجّر قنابل من الحرب العالمية الثان ...
- مقتل شخص وإصابة آخر في غارة على النبطية.. والجيش الإسرائيلي ...
- سقوط 3 قتلى وإصابة آخرين في غارات وإطلاق نار إسرائيلي على من ...
- بعد أكثر من 9 أشهر في عرض البحر.. حاملة الطائرات -أبراهام لي ...
- -لا نهاية في الأفق-.. هل تدخل الحرب الأمريكية الإيرانية مرحل ...
- ألمانيا تعتزم استئناف تصدير أسلحة إلى إسرائيل
- ألمانيا تخطط لنشر نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي أرو 3
- بعد تجربة سرية.. ألمانيا تعلن نجاح اختبار صاروخ -لورا- الإسر ...
- هند رجب.. مأساة الطفولة تحت النار
- قطارات روسيا.. مسارات التنمية الآمنة


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مؤيد احمد - بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية - مع مقدمة