|
|
العراق الذي تكتبه الثقافة
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 19:48
المحور:
قضايا ثقافية
كلمة دار النهار في احتفال توقيع كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان "هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية"
زياد شبيب مدير دار النهار للنشر ومحافظ بيروت السابق
أيها الحضور الكريم، ليست كل الكتب مناسبة للاحتفال. فهناك كتب تُقرأ ثم تُوضع على الرفوف، وكتب تُراجع ثم تُستشار، وكتب تتحول إلى مراجع في اختصاصها. وهناك فئة نادرة من الكتب تضيف طريقة جديدة في النظر إلى الثقافة نفسها. وأحسب أن كتاب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» ينتمي إلى هذه الفئة. يظن القارئ في البداية أنه أمام أنطولوجيا لشخصيات عراقية أسهمت في صناعة الفكر والأدب والفن والسياسة والقانون والاجتماع، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن الكتاب لا يكتب الأشخاص بل يكتب الأزمنة التي صنعوها. ولا يستعرض الأسماء بقدر ما يبحث عن الخيط الخفي الذي يصل بينها. ولا يروي السيرة، بل يحاول أن يكتشف ما يبقى من الإنسان بعد أن تنتهي رحلته، وما يبقى من الثقافة بعد أن تهدأ ضوضاء السياسة. لم يبدأ الدكتور شعبان كتابه من التاريخ، ولا من السياسة، ولا من الأيديولوجيا. بل بدأ من فكرة تبدو بسيطة وتختصر فلسفة كاملة. إنها العبارة التي استعارها من ماركس: «هنا الوردة، فلنرقص هنا». هذه العبارة هي إعلان منهجي. والمؤلف يقول لنا منذ الصفحة الأولى إن الثقافة ليست بكاءً على الأطلال، ولا إقامة دائمة في الماضي، ولا انتظاراً مثالياً للمستقبل. الثقافة تبدأ من المكان الذي نقف فيه الآن. من الإنسان الذي أمامنا. ومن القدرة على رؤية الجمال حتى في أكثر الأزمنة قسوة. ولذلك فإن “الضوء” الذي يتحدث عنه عنوان الكتاب ليس ضوءاً خارجياً، بل هو ذلك الضوء الخافت، تلك الهسهسات، التي يكتشفها المثقف في تفاصيل الحياة، ويمنحها للآخرين.
في هسهسات الضوء لا نقرأ أربعين شخصية عراقية. بل نقرأ، سيرة العراق وهو يفكر. العراق الذي عرفه العالم ربما عبر مآسيه المعاصرة، يقدمه هذا الكتاب بصورة أخرى. صورة العراق الذي كتب الشعر قبل أن يكتب البيانات. والذي أنجب الفلاسفة قبل أن يعرف الأحزاب. والذي جعل من الكلمة وطناً حين ضاقت به الأوطان. العراق الذي يتحدث بصوت الجواهري، ويحلم مع السياب، ويسائل المجتمع مع علي الوردي، ويجتهد مع محمد باقر الصدر، ويقاوم مع مظفر النواب، ويبني المستقبل مع خير الدين حسيب، ويحافظ على استقلال المثقف مع شيرزاد النجار، ويصون ذاكرة بغداد مع غائب طعمة فرمان، ويغني بلغات متعددة مع شيركو بيكه س، ويعلّمنا، مع عشرات الشخصيات الأخرى، أن الحضارة يصنعها التنوع الخلاق. + + +
حين تتحول الشخصيات إلى سيرة وطن
لم يختر الدكتور عبد الحسين شعبان الشخصيات التي يكتب عنها لأنها تشغل مكانة في الذاكرة العراقية فحسب، بل لأنه يرى في كل واحدة منها نافذة تُطل على جانب من شخصية العراق نفسه. ويشعر القارئ أنه يقرأ حواراً متصلاً بين الأفكار، يمتد عبر أكثر من قرن من الزمن، يتجاور فيه الشاعر مع الفقيه، والروائي مع الاقتصادي، والفنان مع المؤرخ، والسياسي مع الفيلسوف، من دون أن يطغى أحدهم على الآخر. لا يقيس المؤلف الشخصيات بحجم النفوذ بل بعمق الأثر. فالسلطة في نظر التاريخ عابرة أما الفكرة فباقية. حين يكتب عن خير الدين حسيب، لا يكتفي باستعراض مسيرته الأكاديمية أو الاقتصادية، بل يختار له عنواناً بالغ الدلالة: «الرجل الذي رحل إلى المستقبل». وليس هذا الوصف مجاملة، بل مفتاح لقراءة شخصية ظلّت تنظر إلى الأمة العربية من زاوية الإمكان، لا من زاوية الإخفاق، فكان المستقبل عنده مشروعاً ينبغي التفكير فيه، لا زمناً ننتظره. وهنا تتجلى إحدى خصائص عبد الحسين شعبان ككاتب. فهو لا يختزل الإنسان في سيرته الذاتية، بل يبحث عن الفكرة التي اختصرت حياته.
بعض شخصياته لا تحظى بالانتشار الإعلامي، لكنها تحتل مكاناً مميزاً في هذا الكتاب وفي الفكر العراقي، كشخصية شيرزاد النجار. ويكاد العنوان الذي اختاره المؤلف يكون نصاً مستقلاً: «المكتفي بذاته». لا يقول “المعتزل”، ولا “الزاهد”، وإنما يقول “المكتفي بذاته”. فالاستقلال الفكري ليس عزلة. إنه القدرة على أن يبقى المثقف وفياً لقناعاته، من غير أن يساوم عليها طلباً للشهرة أو النفوذ. وكأن عبد الحسين شعبان يريد أن يقول لنا إن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأضواء التي تسلط على صاحبها، بل بمقدار الضوء الذي يتركه في عقول الآخرين. وهذا هو شيرزاد النجار الذي أعرفه.
عندما يصل المؤلف إلى محمد مهدي الجواهري، نشعر أن الحديث يتجاوز شاعر العراق إلى العراق نفسه. كثيرون كتبوا عن شعر الجواهري، لكن عبد الحسين شعبان يختار أن يكتب عن حضوره الإنساني، وعن تلك القدرة النادرة على الجمع بين الاعتداد بالنفس والالتصاق بقضايا الناس.
أما بدر شاكر السياب، فلا يحضر بوصفه رائد الشعر الحر فحسب. إن السياب، كما يقرأه المؤلف، يمثل لحظة تحوّل في الحساسية العربية كلها. فهو لم يغيّر شكل القصيدة فقط، بل غيّر طريقة الإصغاء إلى العالم. ونقل الشعر من اليقين إلى السؤال، ومن البلاغة إلى التجربة، ومن المنبر إلى الإنسان. ولذلك بقي السياب حاضراً، لأن أسئلته ما تزال جزءاً من حاضرنا.
لا يسمح المؤلف للثقافة العراقية أن تُختزل في مكون واحد، أو في لغة واحدة، أو في اتجاه فكري واحد. ولهذا نجد شيركو بيكه س حاضراً بعنوان بديع: «نبض الروح وضياء الشعر». وهو حضور يؤكد أن الثقافة العراقية الحقيقية تُفهم بوصفها نسيجاً من الروافد المتعددة، العربية والكردية والتركمانية والسريانية، الإسلامية والمسيحية، الدينية والمدنية، الكلاسيكية والحديثة.
إذا كان القسم الأول من هذا الكتاب يفتح لنا أبواب العراق عبر رموزه الثقافية، فإن القسم الأعمق فيه هو ذلك الذي يكشف لنا طبيعة العلاقة التي يقيمها الدكتور عبد الحسين شعبان بين الفكر والسلطة. فالكاتب لا يعتبر الثقافة زينةً للسياسة، بل سلطةً أخلاقية مستقلة، وظيفتها أن تسائل، وأن تحرس الضمير الوطني، ولا تنخرط في الصراعات. ولعل هذه الفكرة هي الخيط الذي يجمع شخصيات تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة في الاتجاهات الفكرية والسياسية، لكنها تلتقي جميعاً في شيء واحد: الاجتهاد الفكري الصادق.
ولعل اختيار الدكتور عبد الحسين شعبان لشخصية محمد باقر الصدر خير مثال على هذا المنهج. فهو لا يقدمه باعتباره مرجعاً دينياً كبيراً فحسب، ولا بوصفه زعيماً سياسياً، وإنما يختصر تجربته بعنوان بالغ الكثافة: «رحابة الفكر وجدب السياسة». والرحابة ليست وصفاً للشخص، وإنما لطريقة في التفكير. والجدب ليس إدانةً للسياسة من حيث هي سياسة، بل للسياسة عندما تضيق عن استيعاب الفكر، أو تحاول أن تختزله في معادلات القوة. وكأن المؤلف يريد أن يقول إن المأساة الكبرى ليست في نقص المفكرين، وإنما في عجز السياسة عن الإصغاء إليهم. وهي ملاحظة لا تخص العراق وحده، بل تكاد تختصر جانباً كبيراً من التجربة العربية الحديثة.
ومن زاوية مختلفة تماماً، يلتقي الكتاب مع علي الوردي. فالوردي ليس مجرد عالم اجتماع عراقي كبير، بل هو أحد الذين امتلكوا شجاعة مساءلة المجتمع من داخله. لم يكن همه أن يرضي أحداً. ولذلك بقيت كتاباته حية بعد عقود طويلة.
أما مظفر النواب، فإن المؤلف لا يقترب منه من بوابة شهرته، ولا من بوابة قصائده السياسية وحدها. فالعنوان الذي اختاره له: «جدار بريخت والحواس المتأهبة» يكشف منذ البداية أن القراءة تمتد إلى البنية الفكرية، لأن النوّاب عند عبد الحسين شعبان ليس مجرد شاعر غاضب. إنه شاعر جعل من الاحتجاج جمالاً. ولذلك لم يكن تأثيره نابعاً من حدّة كلماته فقط، بل من صدقه.
يأخذنا الكتاب إلى شخصية تبدو بعيدة عن هذا المناخ، لكنها تكمله من زاوية أخرى. إنه أحمد الحبوبي. ويكشف عبد الحسين شعبان عن إحدى أجمل خصائصه ككاتب لأنه لا يبحث في الشخصيات عن لحظات انتصارها فقط بل يفتش عن لحظات مراجعتها لذاتها. ولهذا يتوقف عند رسالة الاعتذار التي ارتبطت بالحبوبي، لا بوصفها حادثة تاريخية، وإنما بوصفها تعبيراً عن فضيلة نادرة في الحياة العامة: القدرة على الاعتراف. إن الثقافة، في نظر المؤلف، لا تكتمل بالمعرفة وحدها بل تحتاج أيضاً إلى التواضع. والمفكر الذي لا يستطيع أن يراجع نفسه، يتحول إلى أيديولوجيا، أما الذي يمتلك شجاعة الاعتراف، فإنه يبقى حياً في ضمير الأجيال.
+ + +
ليس من قبيل المصادفة أن يصدر هذا الكتاب في بيروت. فمنذ أكثر من قرن، كانت بغداد ترسل إلى بيروت شعراءها ومفكريها وطلابها ومخطوطاتها، وكانت بيروت تردّ إليها الكتب والمجلات ودور النشر والمنابر الحرة. لقد عرف البلدان أن بينهما طرقاً أعمق من الطرق التجارية، وتدفّقًا أكثر غزارة من أنابيب النفط المستعادة اليوم، وترابطًا أبقى من التحالفات وأسمى من السياسات.
حين يطوي القارئ هذا الكتاب، يخرج بسؤال كبير: كيف استطاع العراق، رغم كل ما مرّ به، أن يبقى منتجاً للمعنى؟ لقد تعاقبت على هذه الأرض إمبراطوريات، وسقطت دول، وتغيّرت أنظمة، وتعاقبت الحروب والحصارات والاحتلالات والانقسامات، لكن شيئاً واحداً ظل يقاوم. إنها الثقافة. لهذا تعتز دار النهار بأن يكون هذا الكتاب جزءاً من مشروعها الثقافي. ولقد آمنت منذ تأسيسها بأن الكتاب العربي لا يعيش داخل حدود الدولة التي يُطبع فيها. والفكرة التي تُكتب في بغداد تجد من يناقشها في بيروت، والقصيدة التي تولد في بيروت تجد صداها في بغداد. في دار النهار، نحتفي اليوم بعمل يعيد التذكير بأن العراق لم يكن، ولن يكون، مجرد جغرافيا أو حدث سياسي، بل أحد أهم الأسماء التي كتبت تاريخ الثقافة العربية الحديثة. فللدكتور عبد الحسين شعبان كل التقدير على هذا الإنجاز الفكري، وللسفارة العراقية الشكر على جمعها حول الكتاب وأهله، وللعراق تحية وفاء وامتنان، لأنه ما زال، رغم كل ما مرّ به، قادراً على أن يهب الثقافة العربية أصواتاً جديدة، وأسئلة جديدة، وضوءاً جديداً… وهسهساتٍ جديدةً من الضوء. شكراً لكم
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قالوا في عبد الحسين شعبان وكتاباته 2
-
بورتريه شعري-ثقافي- نقدي لشخصية عبدالحسين شعبان
-
قالوا في عبد الحسين شعبان وكتاباته 1
-
في حوار استثنائي شامل مع المفكّر الأممي عبد الحسين شعبان حول
...
-
غاندي الصغير يعود إلى داريا السورية
-
الصومال البلد العربي المنسي
-
الإعلام والذكاء الاصطناعي
-
مئوية أبو ﮔاطع شمران الياسري: السخرية في مواجهة غلاظ ا
...
-
أنطولوجيا الثقافة العراقية وأسى الشام
-
ستالين و-قشرة البصلة-
-
أنسنة الهويّات وشيطنتها حول مفهوم الهويّة في فكر د. عبد الحس
...
-
مع طلال حيدر الشعر وشياطينه وفيروز والرحابنة وبعلبك هدية الش
...
-
هل كان ستالين مثقفًا...؟
-
مولود جديد لعبد الحسين شعبان
-
عن -الثقافلوجيا-
-
نافِذة مُختصَرة
-
كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان في احتفالية توقيع كتابه - هسهس
...
-
الصانع الأمهر
-
الثقافة و-الأنا-
-
وشلٌ من بحر - ميخائيل نعيمه: عطر الكلمة وامتلاء المعنى
المزيد.....
-
شاهد.. إطلاق نار جماعي يحول حانتين إلى ساحتي قتل في جنوب إفر
...
-
-السيدور- يشعل تحذيرا عربيا من تصعيد إسرائيل في الأقصى
-
السيول لا تهدأ في ليبيا.. تحذيرات جديدة من أمطار غزيرة واستن
...
-
حريق هائل يهز قلب القاهرة ويغطي السماء بالدخان
-
رئيس الوزراء البريطاني يدعو للهدوء وسط توتر في إيرلندا الشما
...
-
احتجاجات في النجف لإلغاء حظر الرحلات الإيرانية
-
الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع من نوع -كاريال- في حجة
...
-
7 قتلى وعشرات الجرحى في غارة سعودية على سوق في اليمن
-
أربع ساعات من الجدل.. حارس أيرلندا ينسحب احتجاجاً على مواجهة
...
-
الاتحاد الأوروبي يدعو الدول إلى خفض الطلب على الطاقة مع ارتف
...
المزيد.....
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
المزيد.....
|