أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الشارعُ … مقياسُ الحضارة














المزيد.....

الشارعُ … مقياسُ الحضارة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
بدعوة طيبة من نادي روتاري الشروق، دُعيتُ لأتحدث عن "سلوكيات الشارع المصري". وبينما أتحدثُ، وجدتُني أتحدثُ عنّا نحن، لا عن الشارع. فالشارع ليس إلا مرآة لعلاقتنا ببعضنا البعض. كيف نقيسُ حضارة مجتمع؟ بعدد ناطحات السحاب؟ بحجم اقتصاده؟ بعدد جامعاته ومتاحفه ومطاراته؟ باتساع شوارعه، وأناقة ميادين؟ ربما. لكن هناك مقياسًا آخر، أكثر صدقًا وأسرع حكمًا: انزلْ إلى الشارع.
راقب الناسَ وهم يعبرون الطريق، يقفون في طابور، يقودون سياراتهم، يتعاملون مع عامل نظافة، أو سيدة مسنّة، أو طفل. راقب كيف يتصرف الإنسان حين لا تكون هناك كاميرا فوق رأسه، ولا عينٌ تراقبه، ولا عقوبة تنتظره. هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، بوسعك أن تقرأ "قانون الأخلاق" الذي يحكم المجتمع. فالشارع لا يكذب، مهما تَجمّل. الشارع هو المختبر الحقيقي للضمير، الذي تظهر فيه طبيعة علاقتنا بالآخر.
وجعلتُ كلمتي على هيئة بعض الحكايا.
= حكاية الطابور. الطابور ليس مجموعة بشر تنتظر في صفٍّ، بل هو اختراعٌ حضاري عظيم يقول: أنت لست أهم من الشخص الذي أمامك. حين أحترم دوري، فأنا أتنازل عن امتياز اسمه: "أنا أولى"، وأعترفُ بأن للآخر حقًا مساويًا لحقّي. لذلك، مَن يتخطى الطابور لا يسرق مكانًا؛ بل يصرخ صامتًا: "أنا أهم منكم!”
= حكاية المرور. هناك مَن يتعامل مع الإشارة الحمراء باعتبارها "اقتراح"، لا "قانون". وهناك من يستعمل الكلاكس، ليعلن للعالم أنه موجود. وهناك من يدخل حارة معاكسة، ثم يغضب لأن الآخرين لم يفسحوا له! وفي مقال قادم سوف أحكي لكم حكاية أمي، مع الوزير العظيم "أحمد رشدي" رحمه الله.
= حكاية الرصيف والنهر. اِختُرع الرصيف ليحمي الإنسانَ من "نهر الطريق". اسمه نهر لأن السيارات تُبحر فيه كما تُبحر المراكبُ في البحار. ولا أحد يمشي في النهر. لكننا نفعل. لعلّنا الشعب الأوحد الذي لا يخاف السيارات ويُبحر معها في النهر بكل أمان وأُلفة. وحين يقع الحادث، لا قدّر الله، نلوم السيارة، رغم أنك مَن دخلتَ عرينها.
= حكاية النظافة. الست الجميلة التي تنظف بيتها وتجعله "على سنجة ١٠"، ثم تنفض سجادتها من البلكونة: نقول إنها "ست نضيفة"، جعلت بيتها "يُبرق". لكنها نقلت غبار بيتها إلى ملكية الآخرين. فهي لا تشعر أن الشارع يخصها، فما خارج بابنا لا يعنينا. تلك قضية وعي بالانتماء والملكية المشتركة وحق الآخر.
= حكاية الصوت. صوت الهاتف، والكلاكس، ومكبرات الصوت، والأغاني في الأماكن العامة، والكلام بصوت مرتفع، وحفلات الزفاف التي تجعل الشارع كله معزومًا رغم أنفه! وضع الهاتف الصامت Silent، في ثقافة اليابانيين اسمه Manner Mode، أي وضع التهذّب أو الأخلاق. فهناك حقوقٌ لا تحتاج إلى مادة في القانون، لأنها مكتوبة في "قانون الأخلاق”. فحين أرفعُ صوتي، فأنا لا أستخدم صوتي؛ بل أقتحم المساحة السمعية لإنسان آخر.
= حكاية المرأة في الشارع. وهذا حديث ذو شجون يستحق مقالا مستقلا.
= حكاية الكود المصري. كودنا المصري الراهن، هل يمكن مقارنته بكود أجدادنا القدامى وحتى الخمسينيات الماضية؟ هذه قضية تأمل ودراسة. ماذا طرأ علينا ليتبدّل كود الأخلاق المصري في التعامل مع المجال العام.
= حكاية الإنصاف. لكني أكون منصفة، لابد أن أذكر أن الشارع المصري ليس كله سلبيات. فهناك إشراقات تدلُّ على جمالنا الفطري المطمور تحت طبقات التعجّل والركض وراء لقم العيش العصية. كم مرة رأينا رجلًا يوقف سيارته ليساعد غريبًا، وشابًا يقوم من مكانه لكبير في السن، وامرأة تسند امرأة لا تعرفها، وشخصًا يفتح الطريق لسيارة إسعاف؟ الشهامة المصرية حاضرةٌ وأصيلة. لكن التحضر ينبغي أن يغادر خانة "الفرد"، ليتحول إلى قاعدة أصيلة وثقافة عامة.
ومن الإنصاف كذلك أن نسأل: هل نُحمّل الفرد وحده مسؤولية كل شيء؟ بالطبع لا. فالمدينة تصنع جزءًا من سلوك سكانها. إذا شُغلَ الرصيف، فأنت تُجبر المشاة على السير وسط السيارات. وإذا كان القانون موجودًا ولا يُطبَّق، فأنت تشارك في صناعة الفوضى. السلوك ليس "جينات موروثة" بل مِراسٌ وتعلّم. نتعلمه من القانون، والمدرسة، والأسرة. ومن الناس حولنا. فالجمال عدوى، مثلما الفوضى عدوى. والحضارة أيضًا عدوى. الحضارة ليست في شواهق المباني، بل من المسافة التي بيني وبين الآخر. هل تلك المسافة يسكنها احترامُ الآخر؟ أم عدم الاكتراث؟
= حكاية القانون والضمير. نحن أبناء "ماعت"، ربّة الضمير والعدالة. القانون يقول لك: لو فعلت ستُعاقب. أما الضميرُ فيقول: لن تخطئ وإن اختفى العقاب. فالحضارة تسكنُ المنطقة التي لا يستطيع القانون أن يصل إليها.
مقام السؤال:
إذا اختفت الكاميرات، هل يحضر الضمير؟ وإذا كان الشارع مرآة لا تجامل، فماذا تقولُ مرايانا؟
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما


المزيد.....




- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى في -عيد العرش- وسط قي ...
- العميد الإيراني شكارجي يوجه نصيحة إلى الدول الإسلامية المجاو ...
- زيارة البابا لفرنسا: تبرعات بالملايين وتحديات التمويل في بلد ...
- -لحظة تاريخية-.. لاوُن الرابع عشر أول بابا يزور كاتدرائية نو ...
- الرئيس الألماني الأسبق فولف يكرّر: -الإسلام جزء من ألمانيا-. ...
- بابا الفاتيكان يحذر من تهديد الذكاء الاصطناعي للبشرية
- مقاومة القومية المسيحية قد تحسم نتائج الانتخابات النصفية
- أبخازيا.. موطن الروح
- زيارة البابا إلى فرنسا: شباب يبحثون عن -بوصلة للحياة- في الك ...
- بالتصفيق وأجراس الكنائس.. الحشود ترحب بالبابا ليون عند خروجه ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الشارعُ … مقياسُ الحضارة