سامح سعيد عبد العزيز
باحث فى العلوم الإنسانية وخبير التخطيط الاجتماعى
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 08:28
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لا أحد يرى كثيرا تلك اللحظة التي يعود فيها الأب بعد الطلاق إلى بيت مختلف تماما بيت هادئ أكثر مما ينبغي ولا يسمع فيه صوت طفل يناديه ولا يرى حقيبة مدرسية في مكانها ولا يسمع سؤالا صغيرا مثل متى سنخرج معا
قد يبدو الرجل أمام الآخرين متماسكا وكأنه تجاوز الأمر لكنه قد يحمل في داخله حزنا لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عنه فالطلاق بالنسبة إلى الأب ليس فقط نهاية علاقة زوجية وإنما أحيانا سقوط لحياة كاملة كان قد رسم تفاصيلها في خياله كان يحلم ببيت يجتمع فيه الجميع حول مائدة واحدة وبأبناء يكبرون أمام عينيه وبأعياد ورحلات ونجاحات يشاركهم فيها يوما بعد يوم .. ثم تتغير الصورة فجأة حيث يبدأ الأب في افتقاد أشياء كان يراها عادية صوت الأبناء وفوضى البيت وسؤالهم عن موعد عودته وحتى الخلافات الصغيرة بينهم تصبح بعد الغياب جزءا من ذاكرة يحن إليها ويزداد الألم عندما يكون هناك أبناء لأن الأب الذي كان يراهم كل صباح قد يجد نفسه ينتظر موعدا محددا لرؤيتهم وقد تتحول أيام كاملة من الحياة المشتركة إلى ساعات قليلة يحاول فيها أن يعوض ما فاته
وقد تكون أقسى لحظاته عندما يمرض أحد أبنائه أو يمر بمشكلة أو يحقق نجاحا ويشعر الأب أنه كان يتمنى أن يكون قريبا في تلك اللحظة لا مجرد متصل عبر الهاتف ثم تبدأ أسئلة أخرى في داخله هل سيظل قريبا منهم وهل سيكبرون وهم يشعرون بحضوره أم ستأخذ المسافة من علاقتهم أكثر مما أخذت من المكان
والأب لا يخاف فقط من غياب أبنائه وإنما يخاف من أن تتحول الخلافات مع الأم إلى حاجز بينهم وبينه وأن يسمعوا يوما ما يجعله في نظرهم الرجل الذي اختار الرحيل حتى لو كانت الحقيقة أكثر تعقيدا
وقد يعيش بعض الآباء بعد الطلاق أزمة صامتة فيبدو منشغلا بالعمل أو محاطا بالناس بينما يعود في نهاية اليوم إلى نفسه فتعود إليه الذكريات ويظهر السؤال الذي يحاول الهروب منه هل كان يمكن أن تكون النهاية مختلفة
لكن الحياة لا تعود إلى الوراء والإنسان لا يستطيع أن يستعيد كل ما فقده ولذلك تصبح مهمته الأصعب أن يتعامل مع ما حدث دون أن يسمح له بأن يهدم بقية حياته
فالطلاق قد ينهي البيت الذي كان يسكنه الأب لكنه لا ينبغي أن ينهي الأبوة التي تسكن قلبه .. وهنا تبدأ الحكاية الجديدة
#سامح_سعيد_عبد_العزيز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟