بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 17:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من شبح المسيرة الخضراء إلى قمصان «كلنا سبتاويون»… ماذا تخشى إسبانيا في سبتة؟
مدريد تقول إنه لا دليل صلب على أن المغرب دبّر التدفق… ومع ذلك استُحضرت مسيرة 1975 وانتقلت «إسبانية سبتة» إلى الملاعب، حتى وجد نجوم ريال مدريد أنفسهم أمام رسالة تتجاوز كرة القدم
بقلم: بوشعيب حمراوي
شيء ما لا يستقيم في المشهد الإسباني خلال الأسابيع الأخيرة؛ فإسبانيا التي أمضت سنوات وهي تقدم المغرب باعتباره جارًا وصديقًا وشريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه، والتي بنت معه تعاونًا أمنيًا واقتصاديًا وتجاريًا وسياسيًا متشعبًا، وجدت نفسها فجأة تتعامل مع أزمة التدفق البشري نحو سبتة كما لو أنها أمام تهديد للسيادة ووحدة التراب، ثم لم تكتف السياسة والإعلام بذلك، بل وصلت التعبئة إلى ملاعب كرة القدم والقمصان ومدرجات الجماهير، وأصبحت عبارات من قبيل «كلنا سبتاويون» و**«سبتة لا تباع… سبتة يُدافع عنها»** جزءًا من مشهد كروي يفترض أصلًا أنه بعيد عن النزاعات السيادية.
والأغرب أن ذلك كله يجري بينما رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه أعلن أمام البرلمان، يوم 3 شتنبر 2026، أن أية مؤسسة داخلية أو خارجية لم تقدم إلى حكومته، إلى ذلك التاريخ، دليلًا صلبًا يثبت أن المغرب خطط أو نفذ التدفق الجماعي نحو سبتة، مع استمرار التحقيق في ما جرى ميدانيًا خلال الساعات الحرجة.
إذن، إذا لم يوجد الدليل على «خطة مغربية»، وإذا لم تعلن الرباط مسيرة نحو سبتة، ولم تدعُ المغاربة إلى اقتحامها، ولم تقل إنها بصدد استرجاعها بالقوة، فمن أين أتى كل هذا الاستنفار لإعادة إعلان إسبانيتها؟
هل دخل المهاجرون سبتة… أم دخل شبح 1975 الذاكرة الإسبانية؟
هنا لا يمكن تجاهل التاريخ. في نونبر 1975 نظّم المغرب المسيرة الخضراء، وتحرك مئات الآلاف من المغاربة في حدث ارتبط بإنهاء الوجود الإسباني في الصحراء. وبعد واحد وخمسين عامًا، بدا أن صور الآلاف وهم يتجهون نحو سبتة أعادت إلى جزء من الوعي الإسباني صورًا لم تُمحَ تمامًا.
وليست هذه قراءة مغربية نضعها في أفواه الإسبان؛ ففي الرابع من غشت نشرت صحيفة El País نفسها مقالة بعنوان صريح: «La Marcha Verde sobre Ceuta» ــ «المسيرة الخضراء على سبتة»، وقارنت صاحبتها بين التدفق الأخير ومسيرة 1975، رغم اعترافها بأن أحداث 2026 لم تعرف دعوة رسمية منظمة مماثلة لما وقع سنة 1975.
وهنا تكمن المفارقة.المغرب لم يعلن مسيرة خضراء ثانية، لكن جزءًا من إسبانيا هو الذي استحضر المسيرة الخضراء الأولى.
فهل كان الإسبان ينظرون فقط إلى آلاف المهاجرين أمام أسوار سبتة، أم كانوا يرون خلفهم صورة تاريخية أخرى؛ صورة المغاربة الذين تحركوا سنة 1975 باتجاه أرض كانت تحت الإدارة الإسبانية؟
وهل لهذا السبب تجاوز رد الفعل مسألة الهجرة والأمن والحدود، ليصبح حديثًا عن السيادة والوحدة الترابية والدفاع عن المدينة؟
إننا لا نستطيع القول إن الحكومة الإسبانية اعتقدت رسميًا أنها أمام «مسيرة خضراء ثانية»، لأن لا دليل على ذلك، لكن مجرد حضور هذا التشبيه داخل الإعلام والنقاش العام يكشف أن ذاكرة 1975 لم تمت في إسبانيا، وأن أي تحرك بشري واسع قرب سبتة قادر على إيقاظ هاجس أبعد بكثير من ملف الهجرة.
سبتة لا تُباع… فمن عرض شراءها؟
ثم خرج الأمر من السياسة إلى المدرجات. ورفعت أعلام سبتة، وتعالت هتافات «سبتة لا تباع… سبتة يُدافع عنها».
لكن من عرض سبتة للبيع؟.. ومن أعلن أنه سيهاجمها حتى يصبح الدفاع عنها شعارًا جماهيريًا؟
ثم جاءت حملة «Todos somos caballas» ــ «كلنا سبتاويون» التي أطلقتها جمعية رجال الأعمال في فالنسيا، والتي تحدثت بنفسها عن التضامن وعن «التماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا»، قبل أن تنتقل الحملة إلى عدد من مباريات الدوري الإسباني وتحظى بدعم من الليغا.
وهنا يصبح من المشروع أن نتساءل عن الحد الفاصل بين التضامن الإنساني ورسالة السيادة.
لو كان الشعار مجرد «تضامنًا مع سكان سبتة» لظل المعنى الإنساني مباشرًا وبسيطًا، لكن عندما يقال «كلنا سبتاويون» في مناخ مشحون أصلًا بخطاب السيادة والمسيرة الخضراء والدفاع عن المدينة، فإن الرسالة لا تعود بريئة من كل تأويل سياسي. وقد أكدت الوقائع نفسها مقدار حساسية الأمر.
مبابي وفينيسيوس وكوناطي… عندما أصبح القميص أكبر من مباراة كرة قدم
في مباراة إلتشي وريال مدريد مساء 15 شتنبر، خرج اللاعبون إلى أرض ملعب مارتينيث فاليرو بقمصان بيضاء تحمل عبارة «Todos somos caballas».
لكن كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناطي صنعوا صورة مختلفة.
المصادر الإسبانية الرسمية والإعلامية أكدت أن الثلاثة ارتدوا القمصان بطريقة حجبت العبارة إلى حد كبير، وأن مبابي وفينيسيوس نزعاها قبل بقية اللاعبين، فيما وصفت وكالة EFE ما حدث بأنهم «قطعوا» الرسالة، واعتبرت El País أنهم بدوا وكأنهم ينأون بأنفسهم عن المبادرة.
ولا يمكننا، من دون تصريح مباشر منهم، أن نضع في أفواههم سببًا سياسيًا محددًا، أو أن نزعم أنهم اتخذوا موقفًا من السيادة على سبتة.
لكننا نستطيع طرح سؤال مختلف وأشد أهمية: لماذا يُوضع اللاعب أصلًا أمام موقف كهذا؟
لماذا ينبغي للاعب فرنسي أو برازيلي أو غيني أو مغربي أو غيره، جاء إلى الملعب ليؤدي مباراة احترافية، أن يجد نفسه مضطرًا إلى ارتداء رسالة مرتبطة بمدينة تحيط بوضعها حساسيات تاريخية وسيادية بين دولتين؟
إن كون ثلاثة من أشهر لاعبي ريال مدريد اختاروا عدم إظهار العبارة كاملة، أيا كانت دوافعهم الشخصية، يكفي وحده لإثبات أن القميص لم يكن قطعة ملابس عادية، وأن الرسالة لم تكن بالنسبة إلى الجميع من النوع الذي يمر بلا أسئلة.
ولعل هنا تبدأ مسؤولية المؤسسات الكروية.
عندما عاقبت الفيفا الأرجنتين بسبب المالوين
قبل شهرين فقط، وبعد فوز الأرجنتين على إنجلترا بهدفين لواحد في نصف نهائي كأس العالم 2026، رفع لاعبان أرجنتينيان لافتة تحمل عبارة «Las Malvinas son Argentinas» ــ «جزر المالوين أرجنتينية».
القضية معروفة: الأرجنتين تطالب بالسيادة على الجزر التي تديرها بريطانيا وتسمّيها Falkland Islands.
فتحت الفيفا ملفًا تأديبيًا، وكان من بين المواد التي استندت إليها المادة المتعلقة بـ**«استخدام حدث رياضي لتنظيم مظاهرات ذات طبيعة غير رياضية»**. وبعد انتهاء التحقيقات فرضت اللجنة التأديبية غرامات بلغ مجموعها 321 ألف دولار على الاتحاد الأرجنتيني، إضافة إلى عقوبات أخرى؛ ومن الضروري هنا توضيح أن الغرامة الإجمالية شملت كذلك مخالفات أخرى، بينها هتافات وسلوكيات تمييزية ومخالفات أمنية، ولم تكن كلها مقابل لافتة المالوين وحدها.
لكن المقارنة تبقى مشروعة من زاوية أخرى. فالفيفا نفسها أقرت بأن إظهار رسائل غير رياضية داخل حدث كروي يمكن أن يشكل مخالفة، كما أن قوانين كرة القدم الصادرة عن IFAB تمنع على تجهيزات اللاعبين الشعارات والرسائل السياسية أو الدينية أو الشخصية، وتترك العقوبات لمنظم المسابقة أو الاتحاد الوطني أو الفيفا بحسب الحالة. أما لوائح اليويفا فتمنع بدورها الرسائل السياسية على التجهيزات في مسابقاتها.
وهنا يجب أيضًا أن نكون دقيقين: مباراة إلتشي وريال مدريد مباراة في الدوري الإسباني وليست مسابقة تابعة لليويفا، ولذلك لا معنى لمطالبة اليويفا بمعاقبة أحد عنها. لكن الواقعة تطرح سؤالًا عامًا على منظومة كرة القدم الإسبانية والدولية: متى تكون الرسالة «إنسانية واجتماعية»، ومتى تصبح «سياسية»؟ ومن يملك حق رسم الخط بين الاثنين؟
فالمالوين قضية سيادة بين الأرجنتين وبريطانيا. وسبتة ومليلية المحتلتين محل اختلاف تاريخي وسيادي بين المغرب وإسبانيا؛ إسبانيا تعتبرهما جزءًا من ترابها الوطني، بينما وثق المغرب رسميًا أمام الأمم المتحدة منذ سنة 1975 موقفه باعتبار سبتة ومليلية والحسيمة وصخرة باديس والجزر الجعفرية بقايا للوجود الاستعماري الإسباني، وطالب باستعادتها. بل إن منظمة الوحدة الإفريقية أصدرت في فبراير 1975 قرارًا عبّرت فيه عن تضامنها مع المغرب في قضية ما وصفته بـ«الجيوب الاستعمارية» في ساحله الشمالي، ودعت إسبانيا إلى الدخول في مفاوضات بشأنها.
لذلك يصعب فصل عبارة مرتبطة بسبتة تمامًا عن سياقها التاريخي والسيادي، حتى وإن كان أصحاب المبادرة يقدمونها باعتبارها تضامنًا اجتماعيًا.
الصداقة لا تعني أن ينسى المغرب التاريخ
المشكلة هنا ليست مع الشعب الإسباني، ولا مع حق سكان سبتة في التضامن معهم بعد ما عاشوه من ضغط وخوف ومآسٍ إنسانية.
المشكلة هي حين يتحول حدث لم تثبت مسؤولية الدولة المغربية عنه إلى مناسبة لتغذية الشك في المغرب، واستعادة صور «الهجوم الهجين»، وربطه بالمسيرة الخضراء، وإعادة إعلان السيادة الإسبانية عبر السياسة والإعلام والاقتصاد والرياضة.
خصوصًا أن المغرب وإسبانيا قيل لنا إنهما تجاوزا مرحلة الشكوك ودخلا مرحلة الثقة والشراكة الاستراتيجية.
وهنا على الرباط أيضًا أن تستخلص الدرس.
إسبانيا الصديقة ليست مطالبة بأن تتخلى عن مصالحها من أجل المغرب، كما أن فرنسا الصديقة ليست مطالبة بأن تحب المغرب أكثر من مصالح فرنسا.
فالدول ليست لها قلوب بالمعنى الذي نعرفه بين البشر؛ لها مؤسسات وعقول استراتيجية ومصالح دائمة ومتغيرة.
ولهذا ينبغي ألا يفهم المغرب كلمة «صديق» باعتبارها شيكًا على بياض.
احذر مصالح إسبانيا الصديقة بالوعي نفسه الذي تراقب به مواقف إسبانيا عندما تختلف معك، واقرأ فرنسا الصديقة باليقظة نفسها؛ ليس لأن الصداقة مؤامرة، ولكن لأن الدول لا تصادق بعضها من أجل العواطف، وإنما من أجل المصالح.
والمغرب بدوره عليه أن يفعل الشيء نفسه: شراكة نعم، تعاون نعم، حدود مفتوحة أمام التجارة والمصالح المتبادلة نعم، تعاون أمني ومحاربة للإرهاب والهجرة غير النظامية نعم، تنظيم مشترك لكأس العالم نعم… لكن دون أن تتحول الشراكة إلى فقدان للذاكرة أو إلى تنازل عن الحق في مناقشة التاريخ.
لم تكن هناك مسيرة خضراء ثانية… لكن إسبانيا خافت من شبح الأولى
وهنا نصل إلى الخلاصة.
لم يعلن المغرب مسيرة نحو سبتة. لكن صحافة إسبانية كتبت عن «المسيرة الخضراء على سبتة».
لم يقل المغرب إن تدفق يوليو عملية لاسترجاع المدينة. لكن النقاش انتقل إلى السيادة والوحدة الترابية.
لم يعرض المغرب سبتة للبيع. لكن المدرجات هتفت: «سبتة لا تباع».
لم يعلن المغرب حربًا عليها. لكن الشعار أصبح: «سبتة يُدافع عنها».
ثم وصلت الرسالة إلى قمصان اللاعبين، ووجد مبابي وفينيسيوس وكوناطي أنفسهم أمام عبارة اختاروا ألا يظهروها كاملة.
ربما كانت تلك الصورة الصغيرة في مباراة إلتشي وريال مدريد أكثر تعبيرًا من عشرات الخطب.
لقد كشفت أن كرة القدم نفسها لم تستطع الإفلات من ثقل التاريخ.
وأن القضية التي يراد تقديمها باعتبارها مجرد «تضامن اجتماعي» يمكن أن تصبح، بمجرد وضعها فوق صدر لاعب عالمي، سؤالًا عن الحدود والسيادة والذاكرة الاستعمارية والسياسة.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل كان تدفق يوليو مسيرة خضراء ثانية؟..فالجواب الواقعي هو: لا يوجد دليل يثبت ذلك.
السؤال الأهم هو: لماذا خافت قطاعات في إسبانيا من أن تكون كذلك؟
وما الذي يجعل دولة تؤكد أنها واثقة من سيادتها على سبتة بحاجة، عند أول أزمة كبيرة، إلى أن تعيد إعلان تلك السيادة في البرلمان والصحافة ومدرجات الكرة وقمصان اللاعبين؟
ربما لم تصل إلى سبتة مسيرة خضراء ثانية.
لكن شبح المسيرة الخضراء الأولى، بعد واحد وخمسين عامًا، يبدو أنه ما زال قادرًا على إيقاظ الذاكرة الإسبانية كلما تحركت الأرض على الضفة الجنوبية للمتوسط.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟