أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زهير الخويلدي - ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟















المزيد.....



ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 04:50
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


مقدمة
يطرح مطاع صفدي (1929- 2016 م) سؤال «ماذا يعني أن نفكر اليوم؟» لا بوصفه سؤالًا ينتظر جوابًا جاهزًا أو تعريفًا مغلقًا، بل بوصفه عتبة فلسفية تفتح على الفكر بما يرجع إليه وحده. بعد انغلاق التحقيب المعرفي الذي ميز المشروع الثقافي الغربي، وادعائه بلوغ الكمال واتحاد الواقع مع العقل، لم يعد أمام الفكر إلا أن يتعرف إلى ذاته في لحظة السؤال الخالص. السؤال الفلسفي، كما يراه صفدي، لا ينمو؛ كل نموه أنه يحبو، لأنه طفل لا يكبر أبدًا، يظل ساذجًا وجاهلًا ومرتبكة أمام أبسط حقائق العالم وأشيائه. التفكير اليوم يعني استرداد هذه البراءة الأولى، وانتزاع السؤال من أي أجوبة تحاول احتكاره والنطق باسمه.هذا الاسترداد ليس فعلًا مجردًا، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بثلاث عمليات نقدية متداخلة: نقد نظرية الاستبداد، ونقد الأنظمة المعرفية، واستراتيجية التسمية، وكلها تتجلى في زمن ما يسميه صفدي «القطيعة الكارثية». كما يشكل سؤال التفكير في عصرنا الراهن من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الخطاب الفلسفي المعاصر، خاصة حين يُطرح من منظور حضاري يرفض الانغلاق داخل ثنائيات شرق وغرب، أو تقليد ومحاكاة، أو أصالة وحداثة. وفي هذا السياق يبرز مشروع المفكر السوري مطاع صفدي بوصفه محاولة جذرية لإعادة تأسيس الفعل التفكيري نفسه، لا كأداة معرفية فحسب، بل كحدث وجودي وحضاري يسترد للفكر براءته الأولى وقدرته على الاندهاش. إن السؤال الذي يطرحه صفدي: «ماذا يعني أن نفكر اليوم؟» ليس سؤالًا تاريخيًا يبحث عن إجابة مكتملة، ولا هو سؤال منهجي يطلب تعريفًا مغلقًا، بل هو سؤال يفتح على عتبة الفكر ذاته، حيث يتوقف الفكر عن أن يكون تابعًا لأنظمة معرفية مكتملة، ويصبح فعلًا يسترد لنفسه القدرة على انتزاع سؤاله الخاص من أي جواب يحاول احتكاره. فماذا يعني ان نفكر اليوم في العالم فلسفيا حسب مطاع صفدي؟
التفكير اليوم بوصفه استردادًا للسؤال
في كتاب «ماذا يعني أن نفكر اليوم: فلسفة الحداثة السياسية، نقد الاستراتيجية الحضارية»، يؤكد صفدي أن بلوغ الفكر لحظة النقد ما بعد انغلاق التحقيب المعرفي لم يتبق له راهناً إلا أن يتعرف إلى ذاته. السؤال هو العتبة التي تفتح على الداخل دون أن تنقطع عن الخارج. المهم أن يحتفظ الفكر بقدرته على انتزاع سؤاله من الأجوبة التي تدّعي النطق باسمه. التفكير اليوم ليس فهمًا للعالم ولا تغييرًا له بالمعنى الأيديولوجي، بل تحويل الفكرة ذاتها إلى فعل تفكير، وردها إلى جنينها الأول: السؤال. بهذا نفكر بما يكفي، ونخرج من جيل الأيديولوجيا (تغيير العالم) وجيل التأويل (فهم العالم) إلى جيل ثالث لم يرَ الدنيا بعد: جيل تفعيل الفكرة نفسها. في هذا الصدد ينطلق صفدي من ملاحظة أساسية مفادها أن الفكر، بعد انغلاق التحقيب المعرفي الذي ميز المشروع الثقافي الغربي، لم يعد أمامه سوى أن يتعرف إلى ذاته بما يرجع إليه وحده. والتحقيب المعرفي هنا يعني ذلك المسار الذي قطعته الحداثة الغربية منذ ديكارت وكانط وهيغل، مرورًا بالقطيعات الفوكوية والدولوزية، حتى بلغت ما بعد الحداثة بوصفها نهاية أو اكتمالًا مزعومًا للعقل. غير أن هذا الاكتمال ليس إلا وهمًا استراتيجيًا؛ فالفكر الذي يدعي أنه بلغ نهاية التاريخ أو اتحاد الواقع مع العقل إنما يغلق على نفسه دائرة الهيمنة، ويحول السؤال إلى جواب دائم، والدهشة إلى معرفة جاهزة. ومن هنا فإن التفكير اليوم يعني، في منظور صفدي، استرداد لحظة السؤال السقراطية في براءتها الأولى، تلك اللحظة التي لا تكبر أبدًا، وتظل ساذجة وجاهلة ومرتبكة أمام أبسط حقائق العالم وأشيائه. السؤال الفلسفي لا ينمو؛ كل نموه أنه يحبو، لأنه طفل لا يكبر، وهذا هو امتيازه الدائم.
نقد الشر المحض
يُشكّل مفهوم «الشر المحض» محورًا مركزيًا في المشروع الفلسفي لمطاع صفدي، خاصة في عمله ذي الجزأين «نقد الشر المحض». لا يُفهم هذا المفهوم بوصفه مقولة أخلاقية أو دينية تقليدية تتحدث عن الشر بوصفه غيابًا للخير أو انحرافًا إراديًا، بل بوصفه بنية معرفية وحضارية عميقة تتجلى في آليات الفهم والتأويل والهيمنة. إنه حالة تستحوذ على مركزية الفهم نفسها، فتمنع أي مغايرة أو اختلاف خارج دائرتها المغلقة. لذلك يُعرّف صفدي الشر المحض بأنه «حال امتناع فهم العالم بغير أدوات الشر المحض نفسه». وهو الاستحواذ على مركزية الفهم والتأويل بما يلغي أية مغايرة لمحيط الدائرة حوله. بعبارة أخرى، يصبح الشر المحض ذلك الجهاز الذي يحول الفهم إلى دائرة مغلقة تدور حول ذاتها، فلا تسمح بأي خروج أو اختلاف أو اندهاش أصيل أمام العالم. في هذا السياق، ليست الشرور التاريخية أو الحضارية النسبية سوى مراحل سابقة أدت تدريجيًا إلى هذه الحالة القصوى. فشرور التاريخ فجّرت جاهزيات الفهم مرارًا، حتى استطاع الفهم أن يتجاوز تلك الجاهزيات واحدة تلو الأخرى، ويغلق دائرة كل تحقيب حدثي أو معرفي. يصل الأمر في النهاية إلى حالة قيام الفهم بذاته ولذاته، وهي الحالة التي تميز خاتمة الحضارة والشروع في بناء المدينة (بمعناها الميتافيزيقي والسياسي معًا). عند هذه النقطة لم يعد أمام شرور الحضارة النسبية إلا القفزة النوعية الأخيرة نحو تصييرها «شرًا محضًا»، أو اختفائها كأركيولوجيا فعالة ترميزية. الشر المحض، إذن، ليس مجرد تراكم للشرور الجزئية، بل هو اكتمال الدائرة المعرفية التي تدّعي الكمال والنهاية معًا. وهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بادعاء المشروع الثقافي الغربي أنه بلغ خاتمته المظفرة، حيث يتحد الواقع مع العقل، وينغلق التحقيب المعرفي على ذاته. هكذا يرتبط المفهوم ارتباطًا عضويًا بنظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة. الاستبداد هنا ليس سياسيًا فحسب، بل معرفي في جوهره: إنه احتكار الحق في التسمية والتأويل، وتحويل العالم إلى موضوع يُسمّى ويُصنّف ويُسيطر عليه عبر أنظمة معرفية جاهزة. يسمي صفدي هذه الآلية «استبدادية استراتيجية التسمية». عندما يغلق الفهم على نفسه، يصبح كل ما يخرج عن دائرته إما غير مفهوم أو غير موجود. العالم يُختزل فيما تسمح به أدوات الفهم السائدة، وأي محاولة للخروج تُواجه بالمصادرة أو التأحيد. هذا هو الوجه المعرفي للشر المحض: منع الفكر من أن يكون حدثًا حرًا مبرأً من جهازه المعياري. في مقابل ذلك، يدعو صفدي إلى الانتقال الحاسم من الصراع الجدلي ضد ومع جاهزيات الفهم، إلى الفكر بما يرجع إليه وحده. أي إلى استرداد الفكر كحدث خالص، لا كأداة تابعة لأنظمة مكتملة. يرتبط نقد الشر المحض ارتباطًا وثيقًا بنقد العقل الغربي والحداثة وما بعدها. فالعقل الغربي، بقدرته الفريدة على النقد الذاتي والقطيعة مع ذاته، وصل إلى مرحلة يدّعي فيها الاكتمال. هذا الادعاء هو الوجه الآخر للشر المحض: تحويل النقد إلى أداة إغلاق، والصيرورة إلى خاتمة. المقاربة الحضارية التي يقترحها صفدي ترفض هذا الإغلاق، وتدعو إلى مشاركة كونية في التفكير من موقع الاختلاف لا من موقع المحاكاة أو الرفض الخارجي. التفكير اليوم يعني استرداد السؤال في براءته، وتحويل الفكرة من أيديولوجيا أو نظام إلى فعل تفكير حي. بهذا المعنى، يصبح الشر المحض اسمًا لتلك الحالة القصوى التي تحول الفهم إلى سجن، والعالم إلى موضوع مستهلك، والفكر إلى جهاز معياري مغلق. ونقده ليس مجرد تفكيك سلبي، بل هو فتح لأفق الشخصية المفهومية التي تعيد للعالم براءته، وللفكر قدرته على الاندهاش المتجدد كل فجر.
استراتيجية التسمية بوصفها آلية استبداد معرفي
ترتبط هذه الرؤية ارتباطًا عضويًا بمفهوم «استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية». التسمية ليست فعلًا لغويًا محايدًا، بل استراتيجية سلطة تُحوّل العالم إلى موضوع قابل للتصنيف والسيطرة. النظام المعرفي السائد يسمي الأشياء ليغلقها داخل دائرته، فيلغي المغايرة والاختلاف. هذه الاستراتيجية هي الوجه المعرفي لنظرية الاستبداد التي يطورها صفدي في «نقد الشر المحض: نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة». الاستبداد هنا ليس سياسيًا فحسب، بل معرفي في جوهره: حال امتناع فهم العالم بغير أدوات الشر المحض نفسه، والاستحواذ على مركزية الفهم والتأويل بما يلغي أية مغايرة. عندما تغلق الأنظمة المعرفية على ذاتها، تصبح التسمية فعلًا استبداديًا يحول الصيرورة إلى خاتمة، والعالم إلى حطام جاهز للاستعمال. نقد نظرية الاستبداد يعني إذن تفكيك هذه الاستراتيجية، والانتقال من «استبدادية استراتيجية التسمية» إلى «تسمية استراتيجيات لا تنتهي أسماؤها أبدًا». على هذا النحو تُمثّل «استراتيجية التسمية» مفهومًا محوريًا في مشروع مطاع صفدي الفلسفي. ليست التسمية عنده فعلًا لغويًا محايدًا أو مجرد تسمية للأشياء، بل هي آلية سلطة ومعرفة تُحوّل العالم إلى موضوع قابل للتصنيف والسيطرة والإغلاق. التسمية، في منظور صفدي، استراتيجية تمارس داخل «نظام الأنظمة المعرفية». هذا النظام هو البنية العميقة التي تنتج المناهج والأفكار والعادات، وتطبع شخصية العصر بأكمله. داخل هذا النظام تعمل التسمية كأداة لإخضاع المجهول وتحويل الصيرورة إلى موضوعات ثابتة ذات أسماء نهائية. من يمتلك سلطة التسمية يمتلك القدرة على تحديد ما يُعد موجودًا وما يُعد غير موجود، وما يُقبل وما يُرفض، وما يُفهم وما يُستبعد. بهذا المعنى تصبح التسمية فعلًا استبداديًا معرفيًا. فهي لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد إنتاجه وفق قواعد النظام المعرفي السائد. كل تسمية تغلق أفقًا وتفتح آخر داخل الدائرة نفسها، فتمنع المغايرة الحقيقية والاندهاش الأصيل أمام العالم في براءته الأولى. يرتبط مفهوم استراتيجية التسمية ارتباطًا وثيقًا بنقد الشر المحض ونظرية الاستبداد. فالشر المحض هو حال امتناع فهم العالم بغير أدواته الخاصة، والاستحواذ على مركزية الفهم والتأويل بما يلغي أية مغايرة. واستراتيجية التسمية هي التجسيد العملي لهذا الاستحواذ: تسمية العالم لتأميمه وإخضاعه. في «نقد الشر المحض» يدعو صفدي صراحة إلى الانتقال من «استبدادية استراتيجية التسمية» إلى «تسمية استراتيجيات لا تنتهي أسماؤها أبدًا». أي الخروج من التسمية النهائية المغلقة التي تدّعي الكمال، إلى تسمية مفتوحة ومتجددة تعترف بنقصان العالم وصيرورته الدائمة. في السياق العربي، تكشف استراتيجية التسمية عن أحد أبرز وجوه الجمود البنيوي. رغم توالي الأيديولوجيات والثورات، يظل العقل العربي يسمي ويُعيد التسمية داخل النظام المعرفي العميق نفسه، دون أن يخترقه أو يغيّره. لذلك تتكرر التجارب دون أن تنتج تحولًا جذريًا. اكتشاف آليات التسمية داخل نظام الأنظمة المعرفية هو شرط أساسي لأي نهضة فكرية حقيقية، لأنها تكشف لماذا يظل التغيير سطحيًا ومتكررًا. ان استراتيجية التسمية عند صفدي ليست مجرد أداة تحليل لغوي أو خطابي، بل هي مفتاح لفهم كيف تُنتج المعرفة السلطة، وكيف تُغلق الأنظمة المعرفية على ذاتها. نقدها يعني استرداد إمكانية تسمية حرة ومفتوحة، تسمية لا تنهي المعنى بل تبقيه في حالة صيرورة ونقصان دائمين. وبهذا تصبح استراتيجية التسمية أحد أبرز وجوه نقد العقل الغربي ونقد الاستبداد المعرفي معًا، وشرطًا لإمكانية تفكير يسترد براءة السؤال والعالم كل فجر.
نقد الأنظمة المعرفية وزمن القطيعة الكارثية
يُمثل مفهوم «نظام الأنظمة المعرفية» من أبرز المفاهيم التي صاغها مطاع صفدي وطورها في مشروعه الفلسفي، ويظهر بوضوح في كتابه «استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية» (1986). يستلهم صفدي هذا المفهوم من فكرة «الإبستيمي» أو النظام المعرفي عند ميشيل فوكو، لكنه يعيد صياغته ليجعله أداة تحليلية أعمق وأكثر شمولاً، خاصة في سياق نقد العقل العربي ونهضته الفكرية. ان نظام الأنظمة المعرفية هو ذلك النظام المعرفي الذاتي الداخلي الذي يعمل كمركز أو بنية عميقة في كل عصر. منه تنبثق المناهج والأفكار والعادات، بل إنه يطبع شخصية العصر بأكمله وينصبها. إنه ليس نظامًا معرفيًا جزئيًا أو تخصصيًا، بل هو «نظام الأنظمة»؛ أي البنية الكلية التي تنتج بقية الأنظمة المعرفية التفصيلية التي تقود مختلف عناصر الحياة ومفاصلها: السياسية والاجتماعية واللغوية والأخلاقية. يصف صفدي هذا النظام بأنه ما يجعل الفلسفة قادرة على اكتشاف الطبقات العميقة للمعرفة، لا الاكتفاء بسطح الخطابات أو الأيديولوجيات المتغيرة. الهدف الأعظم للفلسفة، في نظره، هو الحفر في هذا النظام الداخلي وكشفه. الأنظمة المعرفية، كما ابتكرها العقل الغربي في مغامرته الكبرى، بلغت خاتمتها المظفرة بالكمال والنهاية معًا. هذا الإغلاق هو ما يسميه صفدي لحظة «القطيعة الكارثية»: ليست قطيعة معرفية عادية ضمن مسار التقدم، بل قطيعة كارثية تكشف عن انهيار صيغة «نظام الأنظمة المعرفية» ذاتها. في هذه اللحظة ينهار الادعاء الكوني للحداثة بوصفها استراتيجية حضارية أحادية، ويظهر الشر المحض بوصفه اكتمال الدائرة المغلقة. نقد الأنظمة المعرفية لا يتم من خارجها، بل من داخل خطاباتها عبر قراءة جوانية معاصرة. هنا يتقاطع نقد العقل الغربي مع نقد الشر المحض: العقل الغربي هو العقل الذي أنتج مشروعه عبر النقد ونقد النقد والقطيعات المتتالية، لكنه حوّل هذه القدرة في النهاية إلى أداة إغلاق وهيمنة. القطيعة الكارثية تكشف هذا التحول، وتفتح إمكانية لفكر يجيء بنظامه بعد الانهيار، فكر يسترد لحظة الاندهاش بمولد العالم كل فجر. في السياق الغربي، يرتبط نظام الأنظمة المعرفية بمسار الحداثة وما بعدها. العقل الغربي أنتج مشروعه الثقافي عبر سلسلة من القطيعات والنقد الذاتي، فشكّل أنظمة معرفية متتالية ادّعت في النهاية الكمال والنهاية. هذا النظام هو ما سمح للعقل الغربي بأن يحوّل المعرفة إلى استراتيجية حضارية للسيطرة والتسمية. أما في السياق العربي، فيكشف صفدي عن وجود «نظام أنظمة معرفية ثابت» في أعماق العقل العربي. هذا النظام يظل هو نفسه رغم توالي الأيديولوجيات والثورات والردّات. يتبنى العقل العربي أيديولوجيا ثم يتخلى عنها لينتقل إلى أخرى، دون أن يتغير في بنيته العميقة. لذلك تتكرر التجارب النهضوية والثورية دون أن تنتج صدمة حقيقية أو تحولًا جذريًا. يقول صفدي صراحة إن ما نحتاج إليه في نهضتنا الفكرية العربية هو اكتشاف هذا النظام الذي يسميه نظام الأنظمة المعرفية، واختراق الحواجز التي تفصلنا عنه لفهم لماذا لا يتغير. ترتبط استراتيجية التسمية ارتباطًا عضويًا بهذا النظام. التسمية ليست فعلًا لغويًا بريئًا، بل هي الآلية التي يعمل بها نظام الأنظمة المعرفية لتصنيف العالم وإخضاعه. من يمتلك سلطة التسمية يمتلك سلطة إغلاق المعنى وتحويل الصيرورة إلى موضوعات ثابتة قابلة للسيطرة. نقد هذا النظام يعني تفكيك استبدادية التسمية، والانتقال من تسمية نهائية مغلقة إلى تسميات مفتوحة لا تنتهي أسماؤها. في أعماله اللاحقة، يربط صفدي نظام الأنظمة المعرفية بنقد الشر المحض وبنظرية القطيعة الكارثية. عندما يغلق هذا النظام على ذاته ويدّعي الكمال، يتحول إلى تجسيد للشر المحض: حال امتناع فهم العالم بغير أدواته الخاصة. والقطيعة الكارثية هي اللحظة التي ينهار فيها هذا النظام المغلق، فتظهر إمكانية فكر جديد يجيء بنظامه بعد الانهيار، فكر يسترد براءة الاندهاش والصيرورة. كما يرى صفدي أن الثورة القادرة على إنتاج صدمة نهضوية حقيقية هي الثورة التي تواجه نظام أنظمة اللاوعي العربي بالعقلانية. لا يكفي تغيير الأيديولوجيات السطحية؛ المطلوب هو الحفر في البنية المعرفية العميقة التي تنتجها وتعيد إنتاجها. اكتشاف نظام الأنظمة المعرفية هو الشرط الأول لأي استراتيجية تغير حضاري شامل تأخذ بعين الاعتبار القوى والمعيقات، وتبني قدرات جديدة للتحرر من التكرار العقيم. بهذا يصبح مفهوم نظام الأنظمة المعرفية عند صفدي أداة مزدوجة: أداة لفهم آليات الإغلاق في العقل الغربي، وأداة لكشف الجمود البنيوي في العقل العربي، وشرطًا لإمكانية تفكير حر يسترد السؤال في براءته الأولى.
نقد العقل الغربي
هذا الاسترداد للسؤال لا يتم بمعزل عن نقد مزدوج: نقد العقل الغربي من داخله، ونقد الشر المحض الذي يكشف عن آليات الاستبداد المعرفي والسياسي في آن معًا. فالعقل الغربي، كما يقرأه صفدي، ليس عقلًا محايدًا أو كونيًا بالمعنى المطلق، بل هو عقل أنتج مشروعه الثقافي عبر سلسلة من القطيعات مع ذاته، عبر نقد مستمر ونقد للنقد. هذه القدرة على النقد الذاتي هي ما يميز العقل الغربي ويجعله فريدًا، لكنها في الوقت نفسه هي ما جعله قادرًا على تحويل النقد إلى أداة هيمنة. فالغرب لم يستخدم المعرفة من أجل المعرفة فحسب، بل حولها إلى استراتيجية حضارية للسيطرة على الآخر، سواء كان هذا الآخر جغرافيًا أو معرفيًا أو وجوديًا. لذلك فإن نقد العقل الغربي عند صفدي ليس رفضًا خارجيًا له، ولا شتمًا إيديولوجيًا، بل قراءة جوانية معاصرة تقرأ هذا العقل بعينه، كما قرأ هو ذاته، واعترف بشطحاته وسقطاته. إن قصة العقل الغربي مع نفسه ليست أمثولة للآخرين ولا نموذجًا للتقليد، لكنها قصة قابلة لأن تُكتب بغير حروفيتها الأصلية، وأن تُقرأ بغير عيون أبطالها وحدهم. وعند هذا المنعطف يصير النقد الغربي نقدًا للعقل العربي أيضًا؛ لأننا نقرأ فيه ما كان ينبغي لنا أن نكتبه لو لم تُسرق منا أقلامنا. في هذا السياق يُشكّل كتاب «نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة» أحد أهم أعمال مطاع صفدي، وهو ليس مجرد دراسة وصفية لتاريخ الفكر الغربي، بل محاولة فلسفية جذرية لقراءة هذا العقل من داخله، كما قرأ هو ذاته، واعترف بشطحاته وسقطاته. ينطلق صفدي من سؤال أساسي: هل كنّا نعرف العقل الغربي حقًا نحن العرب؟ ويجيب بأن المعرفة الحقيقية لا تتم بالرفض الخارجي أو الشتم الإيديولوجي، ولا بالمحاكاة والتقليد، بل بالدخول الجواني المعاصر إلى خطاباته نفسها. يخوض صفدي صراعا مع الحداثة الغربية ويرى أن المدخل الحقيقي لفهم العقل الغربي هو صراعه المستمر مع الحداثة. فتاريخ هذا الصراع هو تاريخ نقد العقل الغربي لذاته، ونقد نقده. يتميز هذا العقل بأنه العقل الوحيد الذي أنتج مشروعه الثقافي عبر النقد ونقد النقد، وعبر سلسلة من القطيعات المعرفية مع إنتاجه نفسه، حتى صارت القطيعة إيقاعه الأساسي. من ديكارت إلى كانط وهيغل، مرورًا بنيتشه وهيدغر، وصولًا إلى فوكو ودولوز ودريدا، ظل العقل الغربي يعيد كتابة ذاته عبر تفكيك أصنامه وتجاوز أنظمته السابقة. هذه القدرة على النقد الذاتي هي ما يمنحه تفرده، لكنها في الوقت نفسه ما حوّله إلى استراتيجية حضارية للهيمنة. فالغرب لم يستخدم المعرفة من أجل المعرفة فحسب، بل حوّلها إلى أداة سيطرة على الآخر، سواء كان هذا الآخر جغرافيًا أو معرفيًا أو وجوديًا. لذلك فإن نقد العقل الغربي عند صفدي ليس رفضًا له من خارج، بل قراءة معاصرة جوانية تقرأه بعينيه، وتكشف عن آليات إغلاقه على ذاته في لحظة ادعائه الكمال والنهاية. على هذا النحو يقر صفدي باستحالة النقد الخارجي وضرورة النقد الجواني ويؤكد على أنه «لا يمكن اختلاق معارضة من خارج العقل الغربي، إن لم تكن ذاتًا معاصرة وجوانية من داخل خطاباته نفسها». أي محاولة للنقد من موقع خارجي محض تظل أسيرة الثنائية العقيمة بين شرق وغرب، أو أصالة وحداثة، فتقع إما في المحاكاة أو في الرفض الإيديولوجي العقيم. أما النقد الجواني فيسمح بقراءة قصة هذا العقل بغير حروفيته الأصلية، وبغير عيون وألسنة أبطاله وحدهم. قصة العقل الغربي مع ذاته ليست أمثولة للآخرين ولا نموذجًا للتقليد. لكنها، لشدة دراميتها وشمولية معاناتها، تبدو كما لو كانت قصة لكل عقل يفارق الامتثال مع أصنامه، ويقرر المغامرة في مجهوله. وعند هذا المنعطف يصير النقد الغربي نقدًا للعقل العربي أيضًا؛ لأننا نقرأ فيه ما كان ينبغي لنا أن نكتبه لو لم تُسرق منا أقلامنا، وتُمزق صحفنا، ونُقذف إلى قبو العالم. كما يشير الى أن الحداثة وما بعد الحداثة بوصفهما لحظة إغلاق ويتابع مسار العقل الغربي حتى لحظة الحداثة وما بعدها. فالحداثة ليست مجرد مرحلة تاريخية، بل هي المشروع الذي ادعى اتحاد الواقع مع العقل، وإغلاق التحقيب المعرفي. أما ما بعد الحداثة فهي في أحد وجوهها اعتراف بهذا الإغلاق، وفي وجه آخر محاولة للخروج منه عبر التفكيك والاختلاف. غير أن صفدي يرى أن حتى نقد ما بعد الحداثة ظل أسير الدائرة الغربية نفسها، بقدر ما حافظ على مركزية هذا العقل بوصفه المرجع الكوني الوحيد. هنا يتصل نقد العقل الغربي بنقد «الشر المحض». فالشر المحض هو حال امتناع فهم العالم بغير أدواته الخاصة، وهو الاستحواذ على مركزية الفهم والتأويل بما يلغي أي مغايرة. وادعاء الكمال والنهاية الذي بلغه المشروع الثقافي الغربي هو أحد أبرز تجليات هذا الشر المحض. و لا يهدف صفدي إلى تدمير العقل الغربي أو استبداله بعقل عربي جاهز. هدفه أعمق: تحويل وجهة هذا العقل من طلب الهيمنة على الآخر إلى تقديم آفاق مفتوحة للبشرية. المقاربة الحضارية التي يقترحها تقوم على المشاركة في الصيرورة الكونية من موقع التفكير الحر، لا من موقع التبعية أو العداء. فالعقل الغربي، بقدرته على النقد الذاتي، يقدم إمكانية لكتابة قصة العقل بغير حروفيته الأصلية.
العقل العربي، إذا استطاع أن يقرأ هذه القصة قراءة جوانية، يمكنه أن يحول النقد إلى أداة لتحرير الذات من أسر المحاكاة ومن أسر التراث المغلق معًا. من هذا المنطلق نقد العقل الغربي عند مطاع صفدي هو نقد مزدوج: نقد للعقل الغربي من داخله، ونقد للذات العربية التي ظلت إما مقلدة أو رافضة من الخارج. إنه دعوة إلى استرداد القدرة على التفكير بما يرجع إلى الفكر وحده، وإلى تحويل النقد من أداة إغلاق إلى أفق مفتوح. وبهذا يصبح النقد الغربي نقدًا للعقل العربي، ويصبح السؤال الفلسفي سؤالًا حضاريًا مشتركًا يتجاوز الثنائيات العقيمة، ويعيد للفكر براءته الأولى وقدرته على مواجهة العالم في لحظة ولادته المتجددة. فماهي الاستراتيجية الموالية التي يتبعها صفدي لإحداث اليقظة العربية؟
البحث عن الشخصية المفهومية
يتصل هذا النقد مباشرة بمفهوم «الشخصية المفهومية للعالم» الذي يطوره صفدي في مشروعه «نقد الشر المحض». فالشر المحض ليس شرًا أخلاقيًا أو دينيًا بالمعنى التقليدي، بل هو ذلك الجهاز المعياري الذي يحول الفكر إلى نظام مغلق، والعالم إلى حطام أنظمة معرفية اغتصبته مرارًا. الشر المحض هو الاستبداد المعرفي الذي يجعل من التحقيب المعرفي خاتمة مطلقة، ومن الحداثة استراتيجية حضارية أحادية الاتجاه. وفي مواجهة هذا الشر يبحث صفدي عن شخصية مفهومية للعالم، أي عن فكر يسترد لحظة اندهاشه بمولد العالم كل فجر، بدلًا من تأبيد المآتم وسط عوالم هالكة بائرة. الشخصية المفهومية ليست ذاتًا فردية أو جماعية تقليدية، وليست هوية ثقافية جاهزة، بل هي حدث فكري يولد العالم جديدًا وبريئًا، ويرفض الجلوس على أنقاض الأنظمة المعرفية السابقة. إنها الشخصية التي تجعل من الفكر حادثة مبرأة عن جهازها المعياري، قادرة على توليد أفاهيم جديدة تنبثق من الصيرورة ذاتها لا من المقولات المكتملة.
تُمثّل «الشخصية المفهومية» أحد أبرز المفاهيم الإبداعية في مشروع مطاع صفدي الفلسفي، وهي المحور الذي يدور حوله الجزء الثاني من كتابه «نقد الشر المحض: بحثًا عن الشخصية المفهومية للعالم». لا يُقصد بهذا المفهوم شخصية فردية أو هوية ثقافية ثابتة أو ذاتًا مكتملة بالمعنى التقليدي، بل هو أفق فكري وحدَث معرفي يسعى إلى استرداد علاقة جديدة بالعالم بعد انهيار أنظمة التحقيب المعرفي المغلقة. إنها الشخصية التي تضع الفكر في إطار معرفي جديد، وتُحرّره من أجهزته المعيارية الجاهزة.
يأتي البحث عن الشخصية المفهومية كردّ مباشر على ما يسميه صفدي «الشر المحض». فالشر المحض هو تلك الحالة القصوى التي يستحوذ فيها الفهم على مركزية التأويل، فيلغي أي مغايرة أو اختلاف خارج دائرته المغلقة، ويحول العالم إلى موضوع يُسمّى ويُصنّف ويُسيطر عليه عبر استراتيجيات تسمية استبدادية. في مواجهة هذا الإغلاق، يطرح صفدي سؤال الشخصية المفهومية بوصفه محاولة لاسترداد «حادثة الفكر» مبرأة عن جهازها المعياري. العالم، كما يراه صفدي، يولد اليوم جديدًا وبريئًا، ويرفض الجلوس حتى على الحطام من أنظمة التحقيب المعرفي التي اغتصبته مرارًا وتكرارًا. هذه الولادة الجديدة تفرض حاجة ملحة إلى شخصية مفهومية قادرة على التعرف على العالم في مجهوله البكر، لا في دلالات الهجائن المستجدة أو في منظومات عقلانوية تلغي ينابيعه وتبقيه كمصب راكد أو مستنقع.
الشخصية المفهومية ليست ذاتًا جاهزة تُصطاد أو تُسجن في منظومة معرفية مكتملة. إنها أفق مفتوح لفكر يسترد لحظة اندهاشه بمولد العالم كل فجر، بدلًا من تأبيد المآتم وسط عوالم هالكة بائرة. إنها تبحث عن «أفاهيم عابرة» لشخصية مفهومية عن عالم لا تتم هي أبدًا، ولا يكف هو عن النقصان. بهذا المعنى، تكون الشخصية المفهومية: حدثًا فكريًا لا هوية ثابتة. وعلاقة اندهاش متجددة بالعالم، لا معرفة مكتملة عنه. وقدرة على توليد أفاهيم لا تنغلق على نفسها، وتظل ناقصة ومفتوحة على الصيرورة. وتحررًا من استراتيجية التسمية الاستبدادية نحو تسمية استراتيجيات لا تنتهي أسماؤها أبدًا. أما الفكر الذي تتيحه هذه الشخصية فهو فكر يجيء بنظامه بعد انهيار صيغة «نظام الأنظمة المعرفية» كما ابتكرها العقل في مغامرته الكبرى التي تجسدت في المشروع الثقافي الغربي، وقادته حتى خاتمته المظفرة بالكمال والنهاية معًا. إنه فكر يستعيد براءته الأولى، ويواجه المجهول الممتنع على الأدلجة، وينادي على الفكر بما يرجع إليه وحده كفكر. تعمل الشخصية المفهومية كأداة نقدية مزدوجة. فهي تفكك من جهة ادعاء الكمال والنهاية الذي يميز خاتمة الحضارة الغربية، ومن جهة أخرى تفتح أفقًا حضاريًا جديدًا يتجاوز ثنائيات التقليد والمحاكاة، أو الأصالة والحداثة. ليست دعوة إلى انعزال ثقافي، بل إلى مشاركة كونية في التفكير من موقع الاختلاف والحرية. عندما يسترد الفكر قدرته على الاندهاش، ينتقل العالم من كونه موضوعًا للاستهلاك المعرفي إلى كونه حدثًا متجددًا. والشخصية المفهومية هي ما يجعل هذا الانتقال ممكنًا؛ لأنها ترفض تحويل المجهول إلى معلوم مغلق، وتصر على الإبقاء على النقصان والصيرورة كشرطين أساسيين لأي تفكير أصيل. الشخصية المفهومية عند مطاع صفدي هي الاسم الفلسفي لتلك الإمكانية التي تسمح للفكر بأن يكون حدثًا حرًا وبريئًا في مواجهة عالم يولد كل فجر. إنها ليست إجابة مكتملة، بل سؤال مفتوح يسترد للفكر طفولته الدائمة وقدرته على الاندهاش. وبهذا تصبح نقدًا حيًا للشر المحض، وأفقًا لعالم لا ينغلق على أنظمة معرفية، ولا يخضع لاستراتيجيات تسمية نهائية، بل يظل في حالة نقصان وتسمية مستمرة لا تنتهي. هذه الشخصية المفهومية تتجلى في مقاربة حضارية تتجاوز الاستراتيجيات السائدة. فالاستراتيجية الحضارية الغربية، كما يراها صفدي، تقوم على نمذجة أحادية تحول الحداثة إلى مشروع كوني مزعوم، وتغلق التحقيب المعرفي على نفسه بوصفه نهاية التاريخ. أما المقاربة الحضارية البديلة فتقوم على فك الاشتباك بين العقل والفكر، وعلى استرداد الفلسفي السياسي بوصفه محكًا وضعيًا لأي استراتيجية. التفكير اليوم يعني الاعتراف بأن الحداثة ليست خاتمة بل صيرورة مفتوحة، وأن الكوني ليس ما يتجاوز المتناهي باتجاه المطلق، بل ما ينبثق من التناهي ذاته عبر فعل التفكير.
ومن هنا فإن الفلسفة الأخيرة التي يدعو إليها صفدي ليست فلسفة ختامية، بل فلسفة تعيد السؤال إلى براءته، وتحول الفكرة من أداة لتغيير العالم أو فهمه إلى فعل تفكير يحول الفكرة ذاتها إلى سؤال حي. في هذا الأفق يصبح نقد الشر المحض نقدًا لنظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة، حيث يتحول الاستبداد من شكل سياسي إلى بنية معرفية تجعل من الآخر موضوعًا دائمًا للهيمنة. والشخصية المفهومية هنا هي ما يقاوم هذا الاستبداد عبر استرداد القدرة على الاندهاش، وعبر رفض الادعاء بأن تاريخ المشروع الثقافي لأي حضارة قد أمّ إنجاز التحقيب المعرفي. فالفكر الذي يحتفظ بقدرته على انتزاع سؤاله من الأجوبة المحتكرة هو الفكر الذي يفتح على الداخل دون أن ينقطع عن الخارج، ويظل قادرًا على مواجهة العالم في لحظة ولادته المتجددة.
خاتمة
المقاربة التي يقترحها صفدي استشكالية بامتياز. هي لا تقدم حلولًا نهائية أو أنظمة بديلة مكتملة، بل تبقي السؤال مفتوحًا، وتحول الإشكالية إلى أفق دائم. استراتيجية التسمية تُنقد لا لتُستبدل بتسمية أخرى نهائية، بل لتُفتح على تسميات لا تنتهي. نظرية الاستبداد تُنقد لا لتُستبدل بنظام حرية جاهز، بل لتُكشف بنيتها المعرفية العميقة. الأنظمة المعرفية تُنقد لا لتُستبدل بنظام معرفي عربي أو شرقي مغلق، بل لتُسترد إمكانية الفكر بما يرجع إليه وحده. في زمن القطيعة الكارثية، يصبح التفكير اليوم فعلًا حضاريًا مزدوجًا: نقدًا للإغلاق الغربي وللمحاكاة العربية معًا، وبحثًا عن الشخصية المفهومية للعالم التي ترفض الجلوس على الحطام، وتسترد براءة الصيرورة. هكذا يتحول السؤال «ماذا يعني أن نفكر اليوم؟» من سؤال نظري إلى حدث وجودي وحضاري يعيد للفكر طفولته الدائمة، وللعالم ولادته المتجددة كل فجر. إن المقاربة الحضارية عند صفدي ليست دعوة إلى انعزال ثقافي أو إلى أصالة مغلقة، بل هي دعوة إلى المشاركة في الصيرورة الكونية من موقع التفكير الحر. فالغرب نفسه، بقدرته على نقد ذاته، يقدم إمكانية لكتابة قصة العقل بغير حروفيته الأصلية. والعقل العربي، إذا استطاع أن يقرأ هذه القصة قراءة جوانية، يمكنه أن يحول النقد إلى أداة لتحرير الذات من أسر المحاكاة ومن أسر التراث المغلق معًا. التفكير اليوم يعني إذن أن نفكر بما يكفي، أي أن نحول الفكرة من أيديولوجيا تغيير أو تأويل إلى فعل تفكير يسترد جنينه الأول: السؤال. وهذا السؤال، في براءته الدائمة، هو ما يفتح أفق الشخصية المفهومية للعالم، ويضع الفكر في مواجهة الشر المحض لا بوصفه خصمًا خارجيًا، بل بوصفه بنية داخلية يجب تفكيكها من خلال النقد المستمر. في النهاية، فإن مشروع مطاع صفدي يدعونا إلى أن نعيد اكتشاف ما يعنيه أن نفكر في زمن انغلقت فيه الأنظمة المعرفية على نفسها، وتحولت الحداثة إلى استراتيجية حضارية. التفكير اليوم هو استرداد للدهشة، ورفض للخاتمة، وبحث عن شخصية مفهومية تجعل من العالم حدثًا متجددًا لا حطامًا. وهو في الوقت نفسه نقد مزدوج للعقل الغربي وللشر المحض، يفتح على مقاربة حضارية ترفض الهيمنة وتسترد للفكر قدرته على أن يكون فعلًا حرًا وبريئًا. هكذا يصبح السؤال الفلسفي، في طفولته الدائمة، هو السبيل الوحيد لمواجهة العالم في لحظة ولادته كل فجر. لكن لماذا ربط صفدي الممارسة السياسية العربية على مستوى الأنظمة من جهة الولادة والنهاية بالمصير الدراماتيكي؟
مؤلفات مطاع صفدي الصادرة عن دار الانماء القومي ببيروت لبنان:
إستراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية.1986
نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة.1996
نقد الشرِّ المَحْض 1: بحثًا عن الشخصية المفهومية للعالم.2001
نقد الشرِّ المَحْض 2: نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة.2001
ماذا يعني أن نفكر اليوم: فلسفة الحداثة السياسية، نقد الإستراتيجية الحضارية. 2002
نظرية القطيعة الكارثية.2005
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراجعة كتاب جيل دولوز -الفرق والمعاودة- هل يوجد أورغانون للا ...
- من هو الناقد الفلسفي؟ مقاربة ما بعد تأسيسية ما بعد نسقية
- تعلم التفلسف بدل تعلم الفلسفة، مقاربة بيداغوجية
- عدم التساوق بين التحولات المجتمعية الجذرية والمنظومات الأخلا ...
- مقاربة ابستيمولوجية للعلاقة بين الرياضيات والفيزياء
- فلسفة السياسة المعاصرة، مقاربة عمومية
- تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
- الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية ...
- في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على ...
- تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار ...
- النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر ...
- الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
- دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف ...
- قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
- اعتراف فيلسوف قراءة معمقة في أجوبة مارسيل كونش على أسئلة أند ...
- دراسة مقارنة بين سيكولوجية كارل يونغ وسايكولوجية سغموند فروي ...
- البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية
- التمييز بين هيدجر الوجود والزمان وهيدجر المنعطف، أو في تعقب ...
- مفهوم الفعل عند بيير جانيه بين اللغة والذهن والذكاء، مقاربة ...
- تلقي فلسفة فريدريك نيتشه في السياق الشرقي


المزيد.....




- -غرين كارد-.. لماذا يُثير قانون ترامب الجديد لمُقدّمي طلبات ...
- ترامب يعلن اتفاقا مع الدنمارك لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي ...
- مقال بواشنطن بوست: تحولات الدين بأمريكا لا تعني تراجع الإيما ...
- أسرار -إف-35- في خطر.. شحنة عسكرية أمريكية تضل طريقها إلى هو ...
- مقال بالغارديان: انتخابات إسرائيل المقبلة قد تكون الأخيرة
- انهيار منحدر في هوليوود هيلز يتسبب بإخلاء مبنى سكني وتضرر من ...
- السفارة الروسية لدى باريس: تورط الغرب في الملف الأوكراني قد ...
- كارلسون: إدارة بايدن وحلفاؤها حاولوا عرقلة مقابلتي مع بوتين ...
- ترامب يوقّع مشروع قانون -ليندسي غراهام- الهادف لـ-معاقبة روس ...
- روبيو يوضح تفاصيل الاتفاق مع الدنمارك بشأن غرينلاند


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زهير الخويلدي - ماذا يعني ان نفكر اليوم بطريقة فلسفية حسب مطاع صفدي؟