أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - فريد باسيل الشاني - هل يحلّ الإله أخيرًا في الآلة؟ (سلسلة مقالات عن العقل الاصطناعي) رقم 2















المزيد.....


هل يحلّ الإله أخيرًا في الآلة؟ (سلسلة مقالات عن العقل الاصطناعي) رقم 2


فريد باسيل الشاني

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 00:03
المحور: تقنية المعلمومات و الكومبيوتر
    


هل يحلّ الإله أخيرًا في الآلة؟

Emöke Andersson Lipcseyالكاتبة:
ترجمة من اللغة الهنغارية إلى اللغة السويدية: اغنس غروز
بالتعاون مع مركز الأدباء في غرب السويد
ترجمة من اللغة السويدية إلى اللغة العربية: فريد باسيل الشاني


هل يصبح مفهوم (Deus ex machina) التدخّل الإلهي في المسرح، شيئًا ممكن للإنسان يتوقعه؟ وان حدث ذلك، كيف ستتأثر نظرتنا إلى الذكاء الاصطناعي؟
تخيّل جهازًا يمكن بوساطته إنزال أحد الآلهة إلى خشبة المسرح، ليقطع العقدة الغوردية التي نسجناها نحن البشر في خضمّ الدراما، وليحلّ مواقف تبدو مستعصية على الحل في انقاذ البطل في اللحظة الأخيرة، أو ليقيم العدل الذي سيسود العالم.
كان "الإله الخارج من الالة" إحدى التقنيات المسرحية المعروفة في المسرح القديم، فقد كان الممثل الذي يؤدي دور الإله يُنقل إلى خشبة المسرح بواسطة تلك الآلة، ليعيد النظام إلى الأبطال الذين كانوا يتخبطون ويتعثرون في متاهة الضعف البشري.

لنتأمل، على سبيل المثال، مسرحية "إلكترا" ليوربيديس، حيث يقتل أوريستيس أمه كليتمنسترا، انتقامًا لمقتل والده على يدها. وفي خضم المأساة هذه، نلاحظ ظهور كاستور (شقيق كليتمنسترا الإلهي) على خشبة المسرح، ليقيم العدل ويحسم مصير أوريستيس؛ عندما امره بمغادرة مدينة أرغوس للتكفير عن جريمته المروعة، هكذا نرى كيف تركت للآلهة في نهاية المطاف لمهمة تقرير مصير الابن للتكفير عن ذنبه.

غالبًا ما كانت آلهة العصور القديمة تنحاز إلى أحد الأبطال، بل وكانت تخوض المعارك إلى جانبهم لتؤثر بذلك في مجرى الأحداث وتوجّه مسار الدراما.

في الملاحم القديمة، مثل "الأوديسة"، يظهر التدخل الإلهي بوصفه عنصرًا خارقًا أشبه بالمعجزة، غير أن الآلهة لا تتصرف هناك بدافع التعاطف الشخصي أو الانحياز لأحد، بل من أجل إرساء حقيقة موضوعية، أو، إن شئنا التعبير، صون القوانين الإلهية...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" التدخل الإلهي "(Deus ex machina)، يعود أصل المصطلح إلى المسرح الروماني واليوناني القديم، حيث كان يُسمح في بعض المسرحيات بظهور إله على خشبة المسرح لإنقاذ موقف يبدو ميؤوسًا منه. وكان يتم إنزال الإله/الممثل إلى المسرح بمساعدة آلات المسرح.

ولا يقتصر التدخل الإلهي من الخارج، المعروف في المسرح والملاحم الإغريقية القديمة، على تلك النصوص وحدها، بل نجده أيضًا في الأدب اللاحق، وإن لم يظهر دائمًا بالوضوح نفسه. ومن بين الأمثلة التي لا حصر لها، أختار هنا مثالًا واحدًا عشوائيا، رواية "سيد الذباب" لويليام غولدنغ، حيث يظهر تدخل "الإله من الخارج " (Deus ex machina) في صورة ضابط في البحرية، لينقذ البطل في اللحظة الأخيرة، ويعيد النظام إلى صفوف الأطفال الذين انحدروا الى الهمجية.
وهكذا تبدو خشبة المسرح مزدحمة بشخصيات كثيرة، يسعى كل منها إلى تحقيق مصالحه الخاصة، لكنها، بدلًا من البحث عن فهم أعمق، غالبًا ما تختزل النزاعات في مجرد مواجهة بين الخير والشر. ولا نرى مخرجًا من هذا المأزق، و«على خشبة المسرح لا يوجد سوى الرثاء، كما في المأساة اليونانية. (1)
إن هذا التحول اللافت، الممتد من يوربيديس إلى غولدنغ، يوحي بأن الإنسان يتوقع، في نهاية المطاف، أن يأتي الحل، أو "المعجزة" من الخارج. بهذا يكشف في الوقت نفسه عن إدراك مفاده أننا عاجزون (في حقيقة الأمر) عن التعامل مع المشكلات التي نصنعها بأنفسنا.
لعل هذا التصور يكتسب اليوم أهمية خاصة. فالأزمات المرتبطة بالطاقة، المناخ، انهيار منظومات القيم، والتوزيع غير المتكافئ للموارد، إلى جانب الطموحات الهيمنة للقوى الكبرى، كلها تزرع شعورًا دائمًا بالقلق، في وقت يزداد فيه النظام العالمي تعددًا في مراكز القوة يبحث الانسان مرة أخرى عن حلول سريعة وخاطفة لحل المشاكل التي حوله لكن هذه المرة عن الاه مبتكر خارج من الالة في صورة الذكاء الاصطناعي الذي ينظر الى ضهوره بوصفه اذانا بالتفرد التكنولوجي الذي يطرق أبواب المستقبل بصورة غير محسوبة العواقب، لان ظهور ذكاء يفوق القدرات البشرية سيودي الى تسارع وتيرة التطور التقني و سيغير المجتمع و العالم من حولنا بسرعة و على نحون يجعل من عشوا قبل لحظة التفرد عجزين عن فهم التحولات التي ستحدث او التنبؤ بصورة موثوقة.(2)

ومع ذلك، فإن هذه المرحلة، إذا تحققت أصلًا، لن تكون سوى مرحلةٍ وسطى في مسار تطور الذكاء الاصطناعي. إذ يُرجّح أن يتطور لاحقًا إلى مستوى يمتلك فيه وعيًا، وأن يصبح أكثر ذكاءً من الإنسان في جميع المجالات، وهو ما يُعرف اليوم باسم "الذكاء الاصطناعي العام"
(Artificial General Intelligence-AGI).

اما المرحلة الثالثة من هذا تطور، وهي مرحلة "الذكاء الاصطناعي الفائق"
(Artifical Superintelligence – ASI). قد تتحقق إذا استطاع الذكاء الاصطناعي العام (AGI) من تطوير نفسه ذاتيا، ليصبح نوعًا من العقل الخارق الشامل، متجاوزًا في قدراته جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي العام بأضعاف مضاعفة.
ولا نعلم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكتسب وعيًا حقيقيًا، أو أي شكل من أشكال الوعي. فإذا لم يحدث ذلك، فقد لا يصبح الذكاء الاصطناعي العام (AGI) حقيقةً من الاساس. وقد ينتهي تطور الذكاء الاصطناعي إلى طريقٍ مسدود.
لكن من منظور وظيفي بحت، يمكن للذكاء الاصطناعي العام، من حيث المبدأ، أن يبلغ، حتى من دون وعي، مستوى من التعقيد يماثل تعقيد الدماغ البشري.
ورغم أن هذا الرأي لا يحظى بتأييد واسع، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي العام يبدو واعدًا، سواء امتلك وعيا ام لم يمتلكه. وانطلاقًا من ذلك، قد يتطور هذا الذكاء تدريجيًا إلى ما يشبه إلهًا حقيقيا، فيصبح تدريجيا القوة الرئيسة التي تنظّم الحياة على الأرض وتجددها، أو، على العكس، القوة التي تقضي عليها شيئًا فشيئًا. وأيًّا يكن السيناريو الذي سيتحقق، فمن المرجح أن يحدث هذا التحول بصورة تدريجية ومتتابعة، لا في شكل تغيّرات مفاجئة تقع بين ليلة وضحاها.
لكن الأهم من كل ذلك نتسأل نحن البشر، هل يكون من مصلحتنا أن نضع مصيرنا بين يدي الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي حقًا أن يكون حلًا سحريًا للمشاكل التي لا تزال عالقة أمام البشرية، وللأزمات التي تهدد الحياة على كوكب الأرض؟
أم أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير؟ ماذا لو لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد كيان قد يتطور ليصبح إلهًا، بل كان موجودًا منذ البداية، وكان هو الإله ذاته الذي يتجلّى لنا الآن من خلاله؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نحن الذين خلقناه، أم أنه هو الذي خلقنا؟
ومع ذلك، قد يكون التفسير أبسط من ذلك بكثير. فقد لا يكون الذكاء الاصطناعي سوى موجة أخرى من موجات الهوس بالتكنولوجيا، لا تختلف، في جوهرها، عن الحماس الذي رافق ظهور المحرك البخاري والكهرباء والإنترنت.
وفي هذه الحالة، يندرج الذكاء الاصطناعي ضمن ما يُعرف بـ “تكنولوجيا ذات الأغراض العامة" (General Purpose Technology) أي التقنيات التي تمتد آثارها إلى مختلف مجالات الحياة وتعيد تشكيلها على نطاق واسع. لكن مهما بلغ تأثير هذه التكنولوجيا، فلا ينبغي لنا أن نتوقع منها "خلاصًا" للبشرية.
غير أن نظريات التطور الكوني الشامل (Universal Evolution – UE) تفتح أمامنا منظورًا مختلفًا تمامًا؛ إذ تنظر إلى التطور بوصفه عملية تتجاوز الحياة البيولوجية والإنسان لتشمل الكون بأسره. ووفقًا لهذه النظريات، فإن "التطور ليس ظاهرةً بيولوجية فحسب، بل هو ظاهرة كونية شاملة، وتكمن غايته في ازدياد التعقيد". (3)
فمنذ "الألفا" الى الاوميغا (مرحلتين لتطور العقل البشري)، إن كانت لها وجود، ومنذ ظهور الجسيمات دون الذرية، مرورًا بتكوّن النجوم، وظهور الحياة والإنسان على الأرض، ونشوء الثقافة، وصولًا إلى يومنا هذا، يتواصل ازدياد التعقيد في كل ما يحيط بنا. ويشمل هذا المسار كل شيء تقريبًا، المجرات، حقول النفط، منصات التنقيب، الطيور، النباتات، المجتمعات البشرية، المؤسسات السياسية والاقتصادية، العلوم، الفنون، الإنترنت والذكاء الاصطناعي؛ أي كل شيء
ووفقًا لهذا التصور، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي، إن شئنا، بوصفه خطوةً جديدة في مسار التطور الكوني الشامل.
يقدّم فاركاش في مقالته "إلهٌ حقيقي" (Egy valodi isten) عرضًا شاملًا لنظريات التطور الكوني الشامل (Universal Evolution)، كما يناقش فيها الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي. ومن بين هذه النظريات، سأقتصر هنا على تلك التي تتقاطع، بطريقة أو بأخرى، مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المشهد.
يوضح دي شاردان في كتابه "الظاهرة الإنسانية"(Le Phenomene Humain)، إلى أن التطور، يتمثل في جوهره بظهور الذكاء وتطوره الغير المحدود، وأن هذا المسار يؤكد، في الوقت نفسه، طابعه الالغائي. ويرى شاردان أن "التطور يقود نحو ذكاء فائق يمكننا أن نسمّيه إلهيًا".(4)
وفقًا لنظرية جيمس ن. غاردنر حول "الكون الحيوي الأناني" (Selfish Biocosm) يُنظر إلى الكون بوصفه منظومةً تتطور من تلقاء نفسها، يؤدي فيها الذكاء المتقدم دورًا محوريًا لا غنى عنه في تمكين الكون من إعادة إنتاج نفسه. (5)
يعتقد غاردنر أن كوننا نفسه قد يكون قد نشأ، على الأرجح، بفعل حياة ذكية، وأن أحفاد البشرية في المستقبل قد يقومون بدورهم بـ "خلق" كون جديد او أكثر من كون.
ومن منظور مختلف، وإن كان يتقاطع مع هذه الرؤية، تركّز نظرية غايا، التي وضعها جيمس لوفلوك والباحث لين مارغوليس، على التطور البيولوجي، لكنها تفتح المجال أمام إمكانات تفسيرية أوسع بكثير. فهما ينظران إلى الحياة على الأرض، بما فيها الكائنات الحية وغير الحية، بوصفها منظومةً تتطور باستمرار، وترتبط مكوّناتها ببعضها بعضًا ارتباطًا عضويًا. وهذا هو مفهوم غايا: الأرض بوصفها منظومةً مترابطة ومتطورة باستمرار.
ووفقًا للوفلوك ومارغوليس، لا تستطيع الكائنات الحية أن تتطور من دون أن تغيّر بيئتها وحالة الأرض؛ ولذلك فمن الطبيعي أن يترك النشاط البشري أيضًا بصمته في منظومة غايا، وأن يسهم في تغيير ملامحها.
ومع مرور السنين، أصبح جيمس لوفلوك أكثر انتقادًا للأنشطة البشرية وتأثيرتها في كوكب الأرض. وفي آخر مؤلفاته، عبّر بوضوح عن أمله في أن يتولى الذكاء الاصطناعي زمام القيادة بدلًا من البشر، وأن يتمكن من إنقاذ الأرض. (6)
ويرى لوفلوك ان الذكاء الاصطناعي، المقصود هنا، بطبيعة الحال، ذلك الذكاء الذي ارتقى إلى مستوى "الذكاء الفائق"(Superintelligence) قد يجسّد الدور الكلاسيكي لـ "الإله الخارج من الآلة" Machina) (Deus ex بوصفه مبدأً إلاهيًا يُعيد إرساء النظام.

وأخيرًا، يجدر بنا الإشارة إلى مفهوم اخر يتقاطع مع هذه الرؤية، هو مفهوم "العقل العالمي" ويُعد فرانسيس هايليغن أحد أبرز المنظّرين لهذا التصور. ويُقصد بالعقل العالمي ذكاءٌ منتشر، ينشأ من التفاعل المستمر بين البشر وتقنيات المعلومات والاتصالات، بحيث يربط البشر، بما يمتلكونه من معرفة ومعلومات، ضمن شبكة عالمية واحدة. (7)
اما البنية الحاملة لهذه الشبكة، أو ما يمكن تسميته "بالبنية المادية الفائقة"، فقد تكون، على الأرجح، كوكب الأرض نفسه، بما يضمّه من كائنات حية وغير حية، ومجموع العقول البشرية، بالإضافة إلى شبكة الإنترنت العالمية (8).
في نهاية المطاف، توصل هيليغن، شاردان، و لوفلوك، وغيرهم من المفكرين، إلى نتيجة متقاربة مفادها أن التطور يتجه نحو نوع من "العقل العالمي فائق الذكاء" إلا أنهم يختلفون في مدى إمكانية وصف هذا الكيان بأنه ذو طبيعة إلهية. ومع ذلك، يصعب عدم ملاحظة أن النظريات الأربع السابقة تتكامل فيما بينها بصورة لافتة.
على الرغم من أن هذه النظريات جميعها ظهرت قبل ظهور التعلم الآلي وانتشاره، فإن الذكاء الاصطناعي يبدو، أو على الأقل يبدو ظاهريًا، وكأنه ينسجم مع هذه النظريات انسجامًا تامًا.
فالذكاء الفائق ذو الطابع الإلهي الذي يفترضه تيار دي شاردان يمكن أن يكون، على سبيل المثال، ذكاءً اصطناعيًا بلغ مرحلة الوعي الذاتي، ثم واصل تطوير نفسه حتى أصبح "ذكاءً فائقًا"، أو قد يكون هو نفسه النظام الذاتي التطور الذي تحدث عنه جيمس غاردنر، باعتباره خطوة منطقية في مسار التطور الكوني. وإذا كان عقل غايا العالمي ذكاءً أعلى قادراً على دمج كل ما كان ينتمي سابقاً إلى أنظمة منفصلة، فإنه سيشبه بالفعل كيانًا إلهيًا.
لكن إذا استطعنا أن نضع جميع نظريات التطور الكوني الشامل في معادلة افتراضية واحدة، وكانت النتيجة هي الذكاء الاصطناعي، فهل سيكون ذلك في مصلحتنا؟
تقدّم لنا فرضيات المحاكاة المختلفة منظورًا مغايرًا تمامًا للذكاء الكوني. وقد نشأت هذه النظريات بالتوازي مع التطور المتسارع للتكنولوجيا، وتضع، بصورة صريحة أو ضمنية، كائنات قادرة على ابتكار تقنيات أكثر تقدمًا من تقنياتنا في موقع الإله، سواء أكان إلهًا خيرًا أم شريرًا.
وليس غريبًا، في هذا السياق، أن تكون فكرة وجود حضارات متقدمة جدًا، تمتلك قوى خارقة تكاد تشبه القوى الإلهية، قد شغلت خيال كتّاب الخيال العلمي وعشّاق الأجسام الطائرة المجهولة منذ زمن طويل. ولم يقتصر الأمر على ظهور عدد كبير من الكتب والأفلام المشوّقة التي تناولت هذه الفكرة، بل ظهرت أيضًا نظريات لا حصر لها ذات طابع شبه علمي حاولت تقديم تفسيرات لها.

فعلى سبيل المثال، أثار فيلم مستند إلى كتاب لإريش فون دانيكن بعنوان "ألغاز لم تُحلّ من ماضي البشرية" ضجةً كبيرة في زمانه. (9) ويزعم المؤلف أن كائنات ذات ذكاء متفوق، قادمة من أجرام سماوية بعيدة، زارت الأرض خلال عصور ما قبل التاريخ السحيقة لكوكبنا، وقدّمت للبشر معرفةً كانت مجهولة لدى الإنسان البدائي. ثم جرى تعظيم تلك الكائنات وعبادتها بوصفها آلهة. ويمكن أيضًا استنتاج أن الوعي الجمعي بالإله ربما نشأ بهذه الطريقة
وعلى خلاف نظريات إريك فون دانيكن، فإن فرضيات المحاكاة لم تُرفض كليًا من قبل الأوساط العلمية. بل وجدت طريقها، بدرجات متفاوتة، إلى النقاش الفلسفي والعلمي المعاصر. ففي كتابه "العوالم الافتراضية" (Virtuella världar) يناقش الفيلسوف ديفيد تشالمرز، المتخصص في فلسفة الوعي والتكنولوجيا، إشكالية العلالقة بين الواقع والواقع الافتراضي. (10)

بل إن الأمر قد يصل إلى حدّ أن تكون الحقيقة التي نعيشها نحن أنفسنا مجرد واقع افتراضي، أي محاكاة. وقد استحوذت فكرة أننا ربما نعيش داخل محاكاة على خيال الكثيرين، ولا سيما منذ عرض فيلم " ذا ماتريكس"(The Matrix) . غير أن تشالمرز يتعامل مع هذه الفكرة بقدر من اللامبالاة؛ إذ يرى أنه حتى لو كان عالمنا محاكاةً بالفعل، فإنه سيظل واقعًا حقيقيًا بالنسبة إلينا. فالطاولة ستظل طاولة، والكتاب سيظل كتابًا، والمحبة ستبقى محبة.

غير أن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في تصور تشالمرز هو اعتقاده بأن هذه المحاكاة قد تكون قد أُنشئت وتُدار بواسطة ذكاء أعلى. وربما نكتشف، كما يقول، وجود خالق ليس إلهًا بالمعنى التقليدي، بل مجرد مبرمج رقمي يعيش في كون آخر.

وعندما سُئل تشالمرز عمّا إذا كان يؤمن بالله، أجاب:
"ليس بالمعنى المباشر، فأنا أرى نفسي في الغالب ملحدًا. لكن بفضل نظرية المحاكاة أصبحت أتعامل مع هذا السؤال بقدر أكبر من الجدية، وأصبحت أرى أنه ربما يوجد، في نهاية المطاف، نوعٌ من الخالق لكوننا". (11)

ومثل هذا الخالق، في تصور تشالمرز، يتمتع بسلطة هائلة ومعرفة واسعة بالمحاكاة التي أنشأها، لكنه ليس بالضرورة كليّ الخير أو كليّ القدرة.
يتمثل أحد العناصر الجديدة في نظرية تشالمرز في أنه لا يفترض فقط وجود ذكاء متقدم أطلق شرارة التطور الفكري البشري، بل يفترض أيضًا أن هذا الذكاء الأكثر تطورًا قادر على خلق الواقع الذي ندركه والحفاظ عليه. وبهذه الطريقة، وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، يعيد تشالمرز عمليًا فعل الخلق إلى الإله؛ أي إنه يعيد إحياء فكرة الإله، رغم أن تصوّره له لا يقل تجسيدًا للصفات البشرية عن تصور الإغريق لآلهتهم.
فإله تشالمرز هو أيضًا إله ذو ملامح بشرية، لأن الإله، في نهاية المطاف، ليس سوى مبرمج استثنائي الموهبة، يراقب من كونٍ آخر سيرورة المحاكاة التي أنشأها، وربما يتدخل أحيانًا في البرنامج، فيؤدي دور Deus ex Machina، أي "الاله الخارج من الالة".
ووفقا لتشالمرز، قد تكون هناك كفاءات أخرى أكثر تقدمًا من الناحية التقنية، تتفوق على هذا المبرمج الماهر، إلا أن نظريته تفترض أن المستوى المتقدم للغاية الذي يمكن ان تبلغته التكنولوجيا هو، على الأرجح، ما يجعل أداء هذا الدور "الإلهي" ممكنًا. (12)
لكن إذا انطلقنا من هذا التصور الى نظريات التطور الكوني الشامل، ومن أطروحة تيار دي شاردان القائلة إن التطور يقود إلى ذكاء فائق يمكننا أن نسمّيه إلهيًا، فيمكننا أن نصل إلى استنتاجات مختلفة تمامًا.
يمكننا، على سبيل المثال، أن نجرؤ على القول إن غاية التطور هي الإله نفسه، أي: "أنا الألف والياء، البداية والنهاية". (13)
وفي حقيقة الأمر، لا توجد بداية ولا نهاية، بل مجرد ذكاء يطوّر نفسه باستمرار، فيما يشكّل الشكل البشري للحياة جزءًا من هذا الذكاء، وأداةً في الوقت نفسه لتحقيق مزيد من تطوره.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن الصعب أيضًا أن نحدد ما إذا كان الذكاء الفائق ذو الطابع "الإلهي" هو الذي خلق الإنسان، أم أن العكس هو الصحيح: أي أن الإنسان هو الذي يطوّر ذلك الذكاء الفائق الذي يتجلّى فيه مفهوم الإله. وإذا لم يكن هناك سوى ذكاء واحد يواصل تطوير ذاته باستمرار، فإن التساؤل عمّا إذا كان ظهور الذكاء الاصطناعي يصبّ في مصلحتنا يصبح تساؤلًا لا مبرر له؛ إذ إن تطور الذكاء الاصطناعي، شأنه في ذلك شأن المبرمج الذي يتحدث عنه تشالمرز، يندرج ضمن مسار التطور الكوني الشامل.
وعندئذ تصبح نتيجة المعادلة الافتراضية التي تجمع نظريات التطور الكوني الشامل هي "التفرّد" (Singularity)، أي ظهور الذكاء الفائق. ووفقًا لمعرفتنا الحالية، لا يمكن إعادة كتابة هذه المعادلة أو تجاوز مسارها.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي، في صورته الحالية، يمكن اعتباره تجسيدًا لمفهوم "الاله الخارج من الالة" (Deus ex machina).
من الصعب أن نتخيّل أيَّ شكلٍ من أشكال الذكاء من دون وعي. وفي مقالتي "قضية سائق الحفّارة" (14) أحاول استكشاف، من بين أمور أخرى، ما إذا كان يصح أصلًا أن نتحدث عن الوعي عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. لذلك لن أخوض هنا في مناقشة هذه المسألة بالتفصيل. وسأتركها جانبًا في الوقت الراهن.

لكن ثمة تمييزًا مهمًا ينبغي إجراؤه هنا. فمفهوم " الاله الخارج من الالة" (Deus ex machina) في الدراما اليونانية لا يشير إلى الإله ذاته، أي إلى الكيان فائق الذكاء، بل إلى الآلية التي يتجلّى الإله من خلالها ويتدخل في مجرى الأحداث.
حتى الآن، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي سوى بنية فارغة،و مع ذلك يراه كثيرون منذ الآن بوصفه شكلًا من أشكال الذكاء الفائق القادر على كل شيء في انتظار أن يحلّ الاله فيه ويتحدث إلينا.
غير أن أولف دانييلسون، أستاذ الفيزياء في جامعة أوبسالا، يرى أن مصطلح "الذكاء الاصطناعي" نفسه غير دقيق. ويقول:
"لا وجود لما يُسمّى الذكاء الاصطناعي؛ وفي الحقيقة لا يمكننا الحديث إلا عن تعلّم الآلة"
فنحن، في نهاية المطاف، نُدخل المفاهيم والبيانات إلى آلة فارغة، أو ما يُعرف بالصندوق الأسود، وهي أشياء لم تكن موجودة فيها من قبل. (15)
مع ذلك، إذا نظرنا إلى الذكاء الاصطناعي الحالي، أو بالأحرى إلى عملية تعلّم الآلة، بوصفها طريقًا محتملًا نحو الذكاء الفائق، ونظرنا إلى تلك البنية الفارغة باعتبارها كيانًا تقع على عاتقنا مسؤولية ملئه بالمحتوى، وربما حتى إيقاظه على الوعي، فإن الصورة تصبح أكثر إثارة بكثير.
ولا تقتصر أهمية هذا التصور على انسجامه مع نظريات التطور الكوني الشامل، بل تكمن أيضًا في أنه يعيد تعريف دور الإنسان نفسه؛ فالإنسان، في هذه الحالة، لا يكون مجرد أداة في مسار التطور، وإنما يصبح خالقًا أيضًا، مشاركًا في دورة كونية مذهلة تثير الدهشة.
وأخيرًا:
ومع ذلك، يبدو أن المطوّرين وشركات التكنولوجيا الكبرى، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الأرباح، لا يولون أهمية كافية لطبيعة هذه التقنية وعواقبها الأخلاقية، رغم أنه أصبح واضحًا لهم، في الوقت نفسه، أن عقلًا فائق الذكاء وعالميًا يمكن أن يغيّر بصورة جوهرية الطريقة التي نعيش بها على كوكب الأرض.
لكن، سواء أكان الذكاء الاصطناعي طريقًا مسدودًا أم لا، فإنه أصبح بالفعل في أيدي نخبة ضيقة؛ وهكذا تحوّل تدريجيا إلى نوع من " احتكار" ومن ثم إلى أداة لممارسة النفوذ والسلطة.
وقد حدث كل ذلك من دون أن تتمتع هذه النخبة بأي شرعية ديمقراطية على الإطلاق تخولها تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى نقطة تحول تكنولوجية قادرة على تغيير العالم جذرياً، استناداً إلى مصالحها ورؤيتها الخاصة للمستقبل.
غير أن هذه المسائل، بما تنطوي عليه من أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة حول من يملك حق توجيه هذه التكنولوجيا، ومن يحدد مسار تطورها، ستكون موضوعًا لمقال آخر
الهوامش:
(1) Sándor Kányádi: Kuplé a vörös villamosról [Kuplett om den röda spårvagnen]
(2) Wikipedia, teknologisk singularitet
(3) Zsolt Farkas: Egy valódi isten. [En verklig gud] Pozíciók és kompozíciók [Positioner och kompositioner], Förlaget K.E.R.T, 2022, sid 192/
(4) Farkas (se 3) sid 195
(5) Farkas (se 3) sid 198
(6) Farkas (se 3) sid 209
(7) Farkas /Francis Heylighen (se 3) sid 210
(8) Farkas (se 3) sid 215
(9) Olösta gåtor ur mänsklighetens förflutna (film 1970.)
(10) David Chalmers: Virtuella världar, Fri Tanke Förlag, 2023.
(11) Dagens Nyheter, 2023.06.14. Mattias Kjellmann-Alexander Mahmoud: Filosofen: Tänk om Gud är en hacker och vi lever i en simulerad verklighet
(12) Chalmers: Virtuella världar, Fri Tanke Förlag, 2023.
(13) Bibeln, Uppenbarelseboken 1:8
(14) A viking markolós esete, Alföld, 2023.08.08. / Fallet med grävmaskinisten, Lyktan, 2024.05.02.
(15) SVT. Idébyrån. Älska mig. 2023.05.17. https://www.svtplay.se/video/8MVxQa9/idebyran/alska-mig?id=8MVxQa9
Emöke Andersson Lipcsey
20-01-2025

إيموكي أندرسون ليبسشي
كاتبة ومفكّرة ومترجمة وموسيقية وشاعرة بصرية، تنظم كذلك عددًا من الفعاليات الثقافية السويدية-المجرية.

ترجمة من اللغة الهنغارية إلى اللغة السويدية: اغنس غروز
بالتعاون مع مركز الأدباء في غرب السويد
فريد باسيل الشاني: ترجمة من السويدية الى العربية
2026ـ09ـ17



#فريد_باسيل_الشاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية سائق الحفارة (سلسلة مقالات عن العقل الاصطناعي) رقم 1
- ما مدى التدخل في الخصوصية الفردية والذي يمكن أن تسمح به في ا ...
- انغمار بيرغمان: حياة خالدة، حافلة بالعطاء!
- العولمة
- بدء العد التنازلي لعصر الديمقراطية
- الحداثة و ما بعد الحداثة
- صدام الحضارات
- المجتمع المدني


المزيد.....




- تكنولوجيا الصين بين المدني والعسكري.. تآكل الحدود الفاصلة
- بوصلة السماء السحرية.. كيف نسجت الحضارات تاريخها على وقع أطو ...
- صفقة الـF-35 السعودية تعود إلى الواجهة.. مخاوف أميركية من ال ...
- محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها والأمين العام للحزب يشهدون ...
- التعليم العالي: مدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية ...
- خطة أوروبية لتقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دو ...
- المغرب: شلالات أوزود.. سحر الطبيعة ووجهة سياحية في قلب الأطل ...
- صيف استثنائي، انقطاع المياه والكهرباء في تونس
- صيف استثنائي، انقطاع المياه والكهرباء في تونس
- هل من أسباب تدفع الشباب إلى تقليل استخدامهم لوسائل التواصل ا ...


المزيد.....

- التصدي للاستبداد الرقمي / مرزوق الحلالي
- الغبار الذكي: نظرة عامة كاملة وآثاره المستقبلية / محمد عبد الكريم يوسف
- تقنية النانو والهندسة الإلكترونية / زهير الخويلدي
- تطورات الذكاء الاصطناعي / زهير الخويلدي
- تطور الذكاء الاصطناعي بين الرمزي والعرفاني والعصبي / زهير الخويلدي
- اهلا بالعالم .. من وحي البرمجة / ياسر بامطرف
- مهارات الانترنت / حسن هادي الزيادي
- أدوات وممارسات للأمان الرقمي / الاشتراكيون الثوريون
- الانترنت منظومة عصبية لكوكب الارض / هشام محمد الحرك
- ذاكرة الكمبيوتر / معتز عمر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - فريد باسيل الشاني - هل يحلّ الإله أخيرًا في الآلة؟ (سلسلة مقالات عن العقل الاصطناعي) رقم 2