سلمان رشيد محمد الهلالي
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 08:09
المحور:
قضايا ثقافية
يعد الدكتور سيار الجميل واحدا من اهم الاساتذة والكتاب الذين تبنوا المنهج الليبرالي في دراسة التاريخ الحديث والمعاصر , فقد كان متساميا عن الايديولوجيات اليسارية النضالية – حسب تعبير محمد اركون – وناقدا للخطابات الثورية والقومية . فهو امتداد للمدرسة التاريخية العراقية التي تبلورت بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 التي اعتمدت المنهج الليبرالي في العرض والتقييم , وبرزت بعد تاسيس دار المعلمين العالية عام 1923 (كلية التربية ابن رشد حاليا) والتي من اهمها الكتاب والمؤرخين مجيد خدوري ومتى عقراوي وفاضل الجمالي ويعقوب سركيس وعباس العزاوي وزكي صالح وعبد الرزاق الحسني وعلي الوردي وطه باقر وجواد علي وفاضل حسين وغيرهم .
اختص الدكتور الجميل بدراسة النخبة المثقفة العصرية في العراق المعروفة بالانتلجنسيا (Intelligentsia) وكتب بهذا الصدد العديد من الدراسات والمؤلفات اهمها (انتلجنسيا العراق نخب المثقفين في القرن العشرين ) و(نظرية الاجيال المجايلة التاريخية فلسفة التكوين التاريخي) , بل يمكن اعتباره من اوائل الاساتذة الذين درسوا النخبة المثقفة في العراق بعد الدكتور علي الوردي الذي درسها اجتماعيا واطلق عليها تسمية (الافندية) , باعتبارها اول فئة مثقفة في العراق الحديث والمعاصر , فيما درسها الدكتور الجميل سياسيا بمقاله في مجلة (المستقبل العربي) عام 1990 بعنوان (الانتلجنسيا العراقية - التكوين - الاستنارة - السلطة) , واعاد نشرها في مجلة (افاق عربية) عام 1991 بعنوان (انتلجنسا العراق - التكوين والاستنارة القومية) التي اختصرها وحذف منها التصورات الليبرالية من قبيل مدح العهد الملكي والملك فيصل الاول . وطورها فيما بعد الى كتاب باسم (الانتلجنسيا العراقية - التكوين - الاستنارة - السلطة) عام 2002 ب(35) صفحة فقط , ونشر عن مركز دراسات الوحدة العربية الذي يراسه ابن مدينته القومي الناصري الدكتور خير الدين حسيب الموصلي .
وتبلورت مواقف الدكتور الليبرالية في الكثير من المواقف لايمكن حصرها بهذا المقال منها :
1 – الموقف من الديكتاتورية البعثية وصدام : يعد الدكتور الجميل من الشخصيات العراقية السنية النادرة التي انتقدت وهاجمت نظام البعث وصدام حسين بعد السقوط عام 2003 , بل وهاجم صدام حسين شخصيا وارجع اصله ونسبه الى (منغوليا) في اواسط اسيا .
2 – الموقف من النظام الملكي : فقد متدح الجميل النظام الملكي كثيرا - وخاصة الملك فيصل الاول شخصيا - لان اعتبره (قد نجح بتجسير الهوة بين السياسي والمثقف) .
3 – الموقف من العملية السياسية والتغيير في العراق : ايد الجميل اسقاط النظام البعثي الديكتاتوري والعملية السياسية وتأسيس النظام الديمقراطي في العراق عام 2003 .
4 – الموقف من المعارضة لصدام : امتدح الجميل المعارضة العراقية التي واجهت الديكتاتورية البعثية ، ونشر مقالا في موقع (الحوار المتمدن) في مدح السيد الشهيد محمد باقر الحكيم بعنوان (ما الذي عرفته في الامام الراحل محمد باقر الحكيم؟) .
5 – نشر العديد من الدراسات الليبرالية او التي تروج للخطاب والفكر الليبرالي اهمها في كتاب (الليبراليون الجدد جدل فكري) الذي اشرف عليه الكاتب الاردني شاكر النابلسي بعنوان (الليبرالية العربية الجديدة مفاهيم عصر راهن) و(الليبرالية الجديدة الماضي والحاضر والمستقبل) . وكل تلك المواقف الايجابية والحيادية جعلني اجمع المعلومات وكتابة مسودة دراسة مفصلة بعنوان (سيار الجميل ليبراليا) ، عرضت فيه مشروعه المعرفي والثقافي والسياسي , الا ان تحوله الاخير نحو الطافية السياسية جعلني الغي موضوع الدراسة .
وهناك من اعتبر مواقف الجميل الايجابية من النيل من صدام حسين ومدح المعارضة والسيد محمد باقر الحكيم هى رسائل للنظام السياسي الجديد , والرغبة بالحصول على منصب في العهد الجديد , الا انه ولما يأس من ذلك , بعد ان ذهبت للمقربين والاصهار من الاحزاب , اخذ بالهجوم عليه والانتقام منه . وهذا الراي ربما يحمل جانبا من الصحة فالرجل من مدينة الموصل المعروفة بواقعيتها وعمليتها وبرغماتيتها .
الا اننا وجدنا في السنوات الاخيرة – وبوضوح لايمكن انكاره – تحولا في الخطاب الليبرالي المعرفي عند الدكتور سيار الجميل الى الخطاب الطائفي المقيت . وهذا التحول لم يحصل من فراغ , وانما جاء ضمن سياق اعلامي اشرفت عليه المؤسسات الخليجية , تبلور بقوة بعد الازمة السورية عام 2011 وبروز تنظيم داعش الارهابي في العراق واسقاطه المحافظات السنية الثلاث عام 2014 , وظهر امكانية اسقاط كلا النظامين العراقي والسوري في وقت واحد . فقد عبر الدكتور الجميل – وبهيستريا واضحة - عن هذا الجانب في خطابه الطائفي , حتى انه شعر بهذا التوجه عندما انتقده بعض المعلقين والكتاب الشجعان ممن تخلص من شعور الدونية والاستلاب والخصاء من المثقفين الشيعة , فكتب منشورا خطابيا عام 2019 بعنوان (سجل انا عراقي لاطائفي) قال فيه (يصفني بعض الاخوة العراقيين بالطائفية - سامحهم الله - وهم ممن يدعون انفسهم بمثقفين) . وبالطبع لم يرد الجميل على تلك الاتهامات بمقال علمي وعقلاني , وانما اكتفى بالرد الانشائي والخطابي بصيغة اقرب الى النثر والادب منه الى الرد الموضوعي , والسبب واضح لانه ، لايستطيع انكار تلك الاتهامات ، او حتى مجرد ذكرها ودفاعه عنها , لانها ستبين حقيقته الطائفية المقيتة .
في عام 2020 نشر الدكتور سيار الجميل مقالا بعنوان (العراق وسلالات الخيانة) عرض فيه الاتهامات التي وجهت لقسم من الافعال والاحداث السياسية التي حصلت في تاريخ العراق الحديث والمعاصر , والتي اتهم اتباعها بالخيانة ، الا اننا وجدنا - وبحيادية منقطعة النظير - دفاعا وتبريرا عن تلك المواقف والاحداث لقسم من تلك الافعال والمواقف ، والسبب لانهم جميعا من طائفته واهله , وكان المفروض من الجميل ان يستمر بنفس المنهج بالحياد والتبرير والعرض فقط , الا انه تجاوز ذلك بالقول (ونحن ازاء من سلم العراق علي طبق من ذهب الى حثالات من الخونة الحقيقيين ليحكموا البلد بعد 2003 ... بلد يحكمه الخونة والجواسيس والميليشيات الايرانية) . فيما سكت عن النخبة السنية التي تعاونت مع الانكليز ابتدأ من حكومة عبد الرحمن النقيب الكيلاني عام 1920 وحكومات العهد الملكي (1921 – 1958) ، وانا بصراحة لم اسمع طوال عمري الذي تجاوز الخمسين ان هناك خونة حقيقيين وهناك خونة غير حقيقيين , وبالطبع هو يقصد ان السنة خونة غير حقيقيين والشيعة خونة حقيقيين .
والملاحظ ان بعض الاخوة اعترضوا على وصف الجميل بالطائفية , واكدوا انهم يعرفون الجميل شخصيا منذ سنوات , وانهم لم يروا - او يلمسوا منه - اي موقف شخصي طائفي . وانا اود ان اقول لهؤلاء الاخوة الاعزاء (اننا في المواقف لانحاكم الفرد , بل نحاكم الخطاب) ، فلايهمنا الفرد او نواياه او مجاملاته او صداقاته , مايهمنا هو مايكتبه او خطابه الذي يعلنه , لان الخطاب ليس هو الموقف السياسي والاجتماعي الحقيقي للفرد ومايعبر عن مكنونات نفسه وشعوره فحسب , بل لانه الباقي للتاريخ والاجيال القادمة التي سوف تحاسبه وتقيمه عليه . وهناك الكثير من الكتاب الطائفيون الذين ينفون عن انفسهم تلك التهمة بتبرير ساذج ودليل تافه , ومازلت اتذكر ان القومي الناصري ورئيس مركز دراسات الوحدة العربية خير الدين حسيب الموصلي , وعندما ساله احدهم في مقابلة تلفزيونية حول اتهامه بالطائفية قال ( لا انا ابد مو طائفي , حتى ان السايق مالتي عشرين سنة , وانا ما اعرف بي شيعي !!!!) ، ماشاء الله على الوطنية والاعتدال . واكيد ان رؤية الدكتور الجميل مثل زميله وصديقه خير الدين حسيب للطائفية ...
كما اننا سبق وان ذكرنا بان الدكتور كان ليبراليا معرفيا وبعيدا عن الطائفية , الا ان التحول قد حصل في السنوات العشرة الاخيرة ، وخاصة بعد ثورات الربيع العربي بعامة والثورة السورية عام 2011 بخاصة ، وظهور تنظيم داعش الارهابي في العراق عام 2014 ، حيث اصبح التخندق الطائفي كبيرا , وربما الكثير من الاخوة يحكمون عليه حول تلك المرحلة الليبرالية السابقة فقط .
في الواقع لايمكن حصر جميع تلك التصورات والخطابات الطائفية عند الدكتور الجميل , لان ذلك يحتاج الى دراسة مستقلة , سوف ادونها لاحقا , ولكن يمكن عرض بعض المواقف منها :
1 – بعد ان ادلى الكاتب المعروف والاعلامي المصري محمد حسنين هيكل العديد من التصريحات التي انحاز فيها للمحور الايراني - او المحور الثوري المقاوم - ونال من ملك السعودية شخصيا , وامتدح السيد حسن نصر الله ومواقفه وشجاعته , وانحاز للجانب اليمني والحوثيين ابان الحرب السعودية عليهم , خرج الدكتور الجميل بتصريحات وكتابات هيسترية تنال من هيكل شخصيا , واتهمه بالكذب والتلفيق والتدليس , لاتخلو من تملق واضح للمحور الخليجي السعودي .
2 – في عام 2019 نشر الجميل مقالا بعنوان (ايران تخترق العراق في كل قرن من قرون التاريخ) ونحن في هذا المقال لايهمنا ايران او الدفاع عنها , ولكن يهمنا الموقف الغريب للجميل الذي لايعتبر العثمانيين الاتراك محتلين للعراق , وهذا من اغرب المواقف بالتاريخ , فهو يرفض التدخل الايراني في العراق الذي كان محتلا من الاتراك , والسبب لان الاتراك من السنة والايرانيين من الشيعة , وبالتالي فلايعتبرهم الجميل محتلين ، وانما من اهل البلد المدللين . والغريب انه يذكر سنوات الاحتلال الصفوي للعراق والتي بلغت (42) عاما (وهى طبعا اقل من ذلك) ، فيما يغض النظر عن الاتراك الذين احتلوا العراق اكثر من (400) عاما , ونشروا فيه الجهل والتخلف والامراض والقيم القبلية والفقر والطائفية والعنصرية التي مازال حتى الان يعاني منها المجتمع العراقي , ولكن هذا لايهم عند الجميل , فما داموا من مذهبه السني ، فليفعلوا مايشاؤون (فالبيت بيتهم) , وهذا يحيلنا الى موقف الدكتور القومي عبد العزيز الدوري في كتابه (التكوين التاريخي للامة العربية) المشابه لموقف الدكتور الجميل , فعندنا وصل الى سياسة (التتريك) الشعوبية ضد العرب والعراقيين , ذكرها في سطر احد فقط , فيما عنده كتابا كاملا عن الشعوبية الاخرى . فالاخوة كما يبدو يقدسون الاتراك ونحن لانعرف , فيما ان المثقفين الشيعة (المخابيل) لايقدسون ايران مثلهم , لان الوطنية نمط مقتصر على الشيعة فقط , والاكراد والسنة لايشعرون بالنقص والاستلاب امامه مثل الشيعة .
3 - واما كتابه (الشخصية العراقية – دراسة في سوسيولوجية وسايكولوجية المجتمع العراقي المعاصر) الذي صدر عام 2021 , فقد اخرج الجميل فيه انثيالاته النفسية وعقده التاريخية ومكنوناته الطائفية وبصورة لايمكن تصورها . ففي هذا الكتاب الذي تميز بالخطابية والانشائية اراد الجميل طرح نظرية اجتماعية او نفسيه حول الشخصية العراقية - او المجتمع العراقي - شبيه بالفرضيات الثلاث التي طرحها الدكتور علي الوردي , الا انه لم يفلح بطرح اي فكره او نظرية فحسب , وانما اخرج لنا كتابا خطابيا وشعاراتيا وسياسيا ومؤدلجا يفتقد للعلمية والتحليل المنطقي والعرض الموضوعي , بل ان محاضرات الجميل الاولى التي نشرها في موقعه الشخصي على الانترنت حول المجتمع العراقي كانت اكثر علمية وحيادية ومعرفية من الاراء الواردة في الكتاب , فمثلا في تلك المحاضرات اكد فيها اهمية فرضيات الدكتور الوردي الثنائية (البداوة والحضارة) , واراد تطويرها حول الثلاثية (البداوة والحضر واضاف لها الريف) , وادعى انه عرضها على الوردي شخصيا وايدها (بطرف خفي) , ولكنه في هذا الكتاب اتهم الدكتور علي الوردي بالشعوبية والفارسية مثلما فعل البعثيون سابقا , وذلك بقوله ص 52 (ويبدو ان الوردي قد غرست في ذهنه منذ تربيته الاولى بان العراق الحضري لم يكن عربيا , بل ان الاعراب هم الذين دمروا حياته الحضرية , منذ ان استقروا فيه ايام الفتوحات الاسلامية , وهذه الرؤية المستنبطة من الفرس الشعوبيين .... وهنا تكمن عقدة الوردي الذي يريد وصف كل العرب بالبداوة والهمجية , ويضرب الوردي امثالا تافه ... ) . ولانريد الدخول والرد بالتفصيل عن هذا الراي الحقود , ولكن نسال الجميل : اذا كانت هذه اراء الوردي فعلا , وهى تشبه اراء ابن خلدون حول الاعراب , فلماذا لايتهمه بالشعوبية ايضا ؟؟ ولماذا امتدحت فرضياته السابقة وطورتها شخصيا – كما قلت - اذا كان فيها نزعة فارسية وشعوبية ؟ كما ان الخطأ القول بان اراء الوردي هي نظريات ، فقد اعلن شخصيا انها مجرد فرضيات .
انتقد الجميل قول الدكتور علي الوردي (ان الشعب العراقي منقسم على نفسه ، وفيه من الصراع القبلي والقومي والطائفي اكثر من اي بلد اخر ، وليس هناك من طريق سوى تطبيق الديمقراطية) ، بدعوى ان الديمقراطية (حليف الفوضى) ، والغريب هو انتقاد انسان يدعي الليبرالية للديمقراطية ، وهذا الراي ربما لاتجده عند اي شخص في العالم ، ان كاتبا يروج الى الليبرالية ويهاجم الديمقراطية ، الا اللهم عند الدكتور الجميل لان ان هذه الديمقراطية افرزت حكما يسيطر عليه الاغلبية الشيعية كتحصيل حاصل . كما ان دول الخليج الرافضة للديمقراطية دورا في بلورة راي الجميل هذا ، فقد اخذ في السنوات الاخيرة يتبعهم في كل المواقف السياسية والاعلامية للاسف الشديد .
في ص 42 من الكتاب - وبتملق واضح - يدرج الجميل الشخصيات المعاصرة التي مدحت العراق , وبداها بشخصيتين من ال سعود . ولانعرف متى كان ال سعود محبين للعراق ؟؟ والغارات الوهابية الى وقت قريب نشرت القتل والسرقة والذبح في الجنوب , والتحريض على مهاجمة ايران ودفع صدام حسين للحرب عليها (1980 – 1988) وقيادة التحالف عام 1991 للهجوم على العراق وتدميره في عملية تحرير الكويت والتكفير ودعم الارهاب والطائفية بعد السقوط عام 2003 . والمفارقة تعمده عدم ذكر اي شخصية شيعية مدحت العراق .
في ص 97 طرح الجميل القضية الطائفية في العراق ، وكالعادة لم يذكر الدولة البعثية الطائفية والسلوكيات الارهابية والدواعش وغيرها كتجلي اخير لقمة الطائفية ، وانما ذهب مباشرة الى المراجع والتدخل بالسياسة ، وطبعا يقصد مواقف السيد السيستاني في دعم العملية السياسية والفتوى في محاربة داعش عام 2014 . كما ذكر الجميل ان الدستور العراقي (ديني) وهو ايضا كذب صريح ، فالكل يعرف ان الدستور اقرب للعلمانية منه للدستور الديني ، وان الدولة تدار بالتوافق والمحاصصة ، وليس من قبل الشيعة فقط .
في ص 115 ذكر الجميل التجاوزات على المراة العراقية , وضرب مثالا على ذلك انتهاكات الشيوعيين في مدينة الموصل ابان حركة الشواف عام 1959 , الا انه لم يذكر انتهاكات الحرس القومي البعثي للشيوعيات – واغلبهن شيعيات - بعد انقلاب شاط 1963 . بل لم يذكر تجاوزات النظام البعثي على النساء العراقيات الشيوعيات والشيعيات والكرديات ، فضلا عن سكوته على سبي الايزيديات الذي قام العرب السنة في تنظيم داعش في الموصل .
في ص 118 هاجم الجميل الحشد الشعبي رغم تقديمه الاف الشهداء في تحرير العراق من تنظيم داعش - وخاصة مدينته الموصل - ويبدو ان الجميل لايعتبر داعش مشكلة خطيرة حتى تسترعي التعاطف مع من حررها ، وربما يمكن التعايش معها .
في ص 139 عاد الجميل من جديد الى مهاجمة اراء الوردي ، ووصفها بالساذجة ، وهذا - كما لايخفي - تعبير شخصي حقود .
في ص 151 ذكر الجميل ان الانكليز عندما احتلوا العراق عام 1914 سكتت العشائر العراقية عنهم ، لان الانكليز كانوا بارعين في شراء الذمم وتوزيع الليرات الذهبية على كبار الشيوخ ورجال الدين , وما ان قطع الانكليز ليرات الذهب حتى ثاروا ضدهم , ويتوهم البعض انهم ثاروا من اجل نزعة وطنية - كما اشيع طويلا - (في اشارة واضحة لثورة العشرين) . ونقول للدكتور الجميل ان العشائر الجنوبية ورجال الدين الشيعة تصدوا للانكليز بقيادة المراجع وعلى راسهم السيد محمد سعيد الحبوبي في البصرة عام 1914 , فيما ان عشائركم الذكية ورجال الدين السنة لم يكلفوا انفسهم بالدفاع عن الدولة العثمانية التي عاشوا بظلها اربع قرون من الرعاية والاموال والاوقاف والامتيازات , بل وان قسم كبير منهم اتصل بالانكليز لتقديم الخدمات . وعندما اندلعت ثورة العشرين التي قادها وقام بها الشيعة عاد رجال الدين السنة وشيوخ العشائر السنية الى نفس الموقف الذكي والانتهازي السابق عام 1914 , ولم يثوروا ضد الانكليز ، وتقربوا لهم بالخدمة والعمل تحت سطوتهم . اذن هذا الكلام يشمل عشائركم ياسيد سيار الجميل , ومن المعيب والعار ان تعطي تلميح على العشائر الاخرى التي قاتلت وقدمت الاف القتلى والجرحى .
في ص 155 يكرر الجميل - وبتعبير حقود - يعبر عن غضب داخلي بوصف المهاجرين من اهل الجنوب لبغداد بالحيوانات ، وهذا الوصف هو من ضمن تقرير عن حالة معيشة هؤلاء المهاجرين البائسين ، الا ان الجميل يتعمد ذكر هذا الجانب من التقرير وادراج مفردة الحيوانات في كل مره . واقول للجميل ان الحيوانات هم من جعل معيشة هؤلاء بائسة من السلطة الملكية والقومية والبعثية والطائفية السنية ، او من سلط عليهم الاقطاعيين سواء اكان العثمانيين او الملكيين .
في ص 175 ادرج الجميل هجوم تافه وحاقد علي النائبات في مجلس النواب العراقي ممن يرتدين العباءة ، وطبعا القصد واضح في النيل من النائبات الشيعيات فقط ، ووصفهن بالنساء الشريرات . ولانعرف ماهية الدافع لهذا الوصف الشخصي والغريب والحقود ؟ وذكر قصة كاذبة بانه راي نائبة ملابسها وسخة في مطار بالمانيا ، والمح بسقوط منقطع النظير (ماالذي تفعله في المانيا؟) ، وكان المطلوب من النائبات ان يقدمن تقرير للجميل حول دوافع سفرهن !!!
في ص 243 الجميل يشن هجوما شخصيا - وبدافع طائفي واضح - على شخصية رئيس الوزراء نوري المالكي ، متناغما مع المتخيل السني الذي تشكل ضد المالكي بسبب اعدامه الديكتاتور صدام حسين .
في ص 245 اعتمد الجميل منهج التعمية والتغطية على الارهاب من خلال اتهام الميليشيات والسياسيين به . وهذا تفسير طائفي واضح يتوافق مع السردية السنية والخليجية .
في ص 302 ذكر الجميل تعريفا غريبا وغير علميا للطائفية ادرج فيه افكاره وميوله . فيما ان التعريف الصحيح للطائفية هى كل عمل واستهداف مادي ورمزي للجماعة المذهبية الاخرى ، سواء اكان بالتهميش والاقصاء عن الادارة والحكم ، او التخوين والتشويه والتكفير والتهجير والقتل والسبي وغيرها . وهذا التعريف العلمي حتما لاقيبل به الجميل ، لانه يشير بوضوح وواقعية الى الجماعة السنية في العراق وسلوكها الطائفي ، سواء اكان قبل السقوط من خلال اعمال الحكومات السنية العنصرية والطائفية او بعد السقوط من خلال التنظيمات الارهابية وافعالها الاجرامية .
في الواقع ان الكتاب كبير جدا والامثلة فيه كثيرة ، واذكر اخر مثال في ص 286 وتحت عنوان (الخيانة العظمى) ادرج فيه الجميل المواقف التي قام فيها بعض العراقيون بمساعدة الغزاة لاحتلال وطنهم . وبالطبع اعتمد الجميل السردية البعثية القومية الطائفية حول اتهام الشيعة بمساعدة الاحتلال , والدليل ادرج احتلال المغول لبغداد وحملات الشاه اسماعيل الصفوي والشاه عباس ونادر شاه (وكلها احتلالات ايرانية) والاحتلال الامريكي عام 2003 . وتعمد الجميل - وبذكاء منقطع النظير - عدم ذكر الاحتلال العثماني التركي ، سواء اكانت حملة مراد الرابع وحملة سليمان القانوني على العراق وتسلط المماليك ومن تعاون معهم , واغفل ايضا الاحتلال البريطاني عام 1914 ومن تعاون معهم , وخاصة تشكيل اول وزارة لهم برئاسة عبد الرحمن النقيب الكيلاني ، والسبب واضح لانهم كلهم من السنة .
وختاما قد يسال احدهم : لماذا انت من دون الاف الاصدقاء والمتابعين والمثقفين من الشيعة بالفيس بوك للدكتور سيار الجميل قد انتبه الى تلك الخطابات والمواقف الطائفية عنده ؟ والجواب على ذلك هو سبق وان ذكرناه في منشورات ومقالات عديدة , ونذكر اهما :
1 - ان المثقفين من الاقليات الشيعية والمسيحية والاكراد والتركمان وغيرهم في العالم العربي والاسلامي , من الاستحالة والصعوبة بمكان ان يعترضوا على اي موقف طائفي او عنصري من قبل المركزية السنية , لانهم يخشون - ويصابون بالرعب - ان يتهموا بالطائفية . وهذا قريب لما ذكرته الكاتبة السورية وفاء سلطاني حول اصابتهم بعقدة (كيس الحاجة) , او عقدة (الخصاء امام الاب) التي ذكرها (فرويد) وطبقها جورج طرابيشي على المثقفين العرب , بل ان اغلبهم ينصب نفسه محاميا عنها عند اتهامها بالطائفية او تعريتها او نقدها .وسبق ان ذكرت تفصيل ذلك في دراستي (ظاهرة الدونية عند الجماعة الشيعية في العراق) و(عقدة كيس الحاجة عند المثقفين المسيحيين والشيعة والاكراد) وكلاهما في موقع الحوار المتمدن .
2 – النفاق والجبن الذي يهيمن على سلوكيات اغلبية المثقفين العراقيين – وخاصة الشيعة – منهم . فهم قد تربوا على الخنوع والعبودية في احضان الاستبداد والدولة البعثية والقومية الطائفية ، وبالتالي فمستحيل ان يرفعوا اصواتهم بالدفاع عن هويتهم ومذهبهم وجماعتهم ، وانا على يقين بانهم يعرفون تلك الكتابات الطائفية والتحولات السلبية عند الجميل ، بل وبعضهم اعترف بذلك لي شخصيا ، بان هناك تحولا في كتابات الجميل ، الا انهم لم يتجرؤا على اعلان ذلك علنا . لذا تجد التعليقات على منشورات الجميل بالفيس بوك عبارة عن (حفلة نفاق عظيمة جدا) يشارك بها المخصيين والدونية . وتخيل العكس لو ان هذا الكاتب كان شيعيا ، وكتب هذه الموضوعات الطائفية ، لو وجدت اول الناقمين والناقدين له هم من الكتاب والمثقفين الشيعة ، لان الدونية عندهم مرتكز اصيل في سلوكهم وافكارهم.
3 – المجاملات من زملاء واصدقاء الدكتور الجميل تمنعهم من الرد على تلك الكتابات الطائفية . فقد راسلني بعض الاساتذة الكبار من كلية التربية (ابن رشد) – جامعة بغداد ، حيث اشادوا بهذا المقال الذي نشرت قسما منه بالفيس بوك . ولم اسالهم عن سبب عدم ردهم عليه ، لاني اعرف ان قسما منهم كانوا زملاء الدكتور في الجامعات .
وختاما اقول للدكتور سيار الجميل : ان ليس كل المثقفين الشيعة يعانون من الجبن والدونية والاستلاب والخصاء ، ويصفقون لك في كل المواقف والكتابات الطائفية وغيرها ، بل ان هناك رجالا يعرفون نواياك وافكارك وتحولاتك الطائفية ، وسيردون عليك في كل مقال او كتاب ، وسيفضحون خطابك الطائفي وتبعيتك المذلة لدول الخليج – وخاصة الامارات والسعودية – وانصحك وانت في اواخر العمر ان تترك هذا الخطاب الطائفي جانبا ، وان تعود لافكارك الليبرالية الكبيرة التي تميزت بها على مستوى العالم العربي ، وكتاباتك المعرفية والموضوعية في المجالات السياسية والاجتماعية والتاريخية حتى يبقى اسمك خالدا في سجل التاريخ الثقافي للعراق . (الدكتور سلمان الهلالي – الناصرية)
#سلمان_رشيد_محمد_الهلالي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟