مصطفى محمود مقلد
باحث قانونى - محام
(Mustafa Mahmoud Maklad)
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 19:07
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
**صناعة التشريع بين أروقة المحاكم ومؤسسة العقل القانوني**
**نحو تأسيس معهد للبحوث والدراسات التشريعية والسياسات القانونية بنقابة المحامين**
ثمة فارق كبير بين أن تكون المؤسسة المهنية مجرد إطار يجتمع تحته أصحاب المهنة للدفاع عن مصالحهم، وبين أن تتحول إلى **عقل مؤسسي** قادر على قراءة الواقع الذي تمارس فيه المهنة، واستشراف ما يفرضه المستقبل، والمساهمة في تطوير البيئة القانونية التي تحكم المجتمع بأسره. ومن هذه الزاوية تحديدًا أطرح هذه الفكرة؛ لا باعتبارها مطالبة نقابية عابرة، ولا باعتبارها مشروعًا إداريًا لإضافة كيان جديد إلى هياكل النقابة، وإنما باعتبارها سؤالًا يستحق أن يدخل إلى قلب النقاش القانوني المصري: **لماذا لا يكون لنقابة المحامين معهد متخصص للبحوث والدراسات التشريعية والسياسات القانونية؟**
الفكرة في جوهرها ليست أن نضيف مبنى جديدًا إلى مباني النقابة، ولا أن نزيد عدد اللجان والعناوين الإدارية، وإنما أن ننقل خبرة المحاماة المصرية من حالة التشتت إلى حالة التراكم، ومن المعرفة الفردية إلى **المعرفة المؤسسية**؛ بحيث لا تظل ملاحظات آلاف المحامين على التشريعات حبيسة ملفات القضايا ومذكرات الدفاع وقاعات المحاكم، وإنما تتحول إلى دراسات علمية، وأوراق سياسات، وقواعد بيانات، وتقارير تشريعية، ومشروعات تعديلات، ومقترحات قوانين يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسات صاحبة الاختصاص.
وهنا يجب أن نبدأ من حقيقة قانونية مهمة: **الفكرة ليست غريبة عن فلسفة نقابة المحامين ولا عن أهدافها القانونية.** فقانون المحاماة لم يحصر رسالة النقابة في تنظيم المهنة أو الدفاع عن مصالح أعضائها، وإنما جعل من أهدافها تشجيع البحوث القانونية ودراسات الشريعة الإسلامية، كما أتاح لها التعاون مع الجهات والجمعيات العلمية القانونية ذات الصلة. ثم جاء إنشاء أكاديمية المحاماة والدراسات القانونية ليؤكد أن البعد العلمي والمعرفي ليس جسمًا غريبًا عن البناء النقابي، وإنما جزء من التصور القانوني لدور النقابة في تطوير المهنة ورفع كفاءة أعضائها.
إذن نحن لا نقترح أن تمنح النقابة لنفسها اختصاصًا تشريعيًا لا تملكه، ولا نطالب بخلق سلطة موازية لمجلس النواب، وإنما نسأل سؤالًا أكثر دقة: **إذا كان البحث القانوني جزءًا من الرسالة النقابية، وإذا كانت المهنة تمتلك واحدة من أوسع قواعد الخبرة القانونية في المجتمع، فلماذا لا ننتقل بالبحث من مجرد التشجيع إلى المؤسسة، ومن الجهد المتفرق إلى المشروع البحثي المستدام؟**
فالبرلمان يملك سلطة التشريع، والجهات الرسمية المعنية تضطلع بأدوارها الدستورية والقانونية في إعداد ومراجعة مشروعات القوانين، والجامعات ومراكز البحوث تنتج المعرفة الأكاديمية، والقضاء يفسر النصوص ويكشف من خلال تطبيقها عن مواطن القوة والقصور فيها. **أما المحامي، فهو يقف في نقطة شديدة الخصوصية: عند نقطة التماس بين النص والحياة.**
المحامي لا يقرأ القانون باعتباره مادة جامدة في كتاب؛ وإنما يراه عندما يتحول النص إلى خصومة، والإجراء إلى عائق، والحق إلى مطالبة، والقاعدة إلى أثر حقيقي في حياة الناس. يرى النص وهو يدخل قاعة المحكمة، ويرى كيف يفسر، وكيف يصطدم بنص آخر، وكيف ينتج عنه نزاع متكرر، وكيف يضطر القضاء أحيانًا إلى البحث عن حلول داخل مساحات تركها المشرع دون معالجة واضحة.
ولهذا فالمحاماة، في أحد أعمق معانيها، ليست مجرد **مهنة التعامل مع القانون؛ وإنما مهنة مراقبة القانون وهو يعمل.**
وهذه العبارة تحديدًا هي التي تستحق أن نتوقف عندها.
لأن من يراقب القانون وهو يعمل، هو أول من يستطيع أن يكتشف أين يعمل جيدًا، وأين يتعثر، وأين أصبح عاجزًا عن استيعاب الواقع، وأين ظهرت فجوة بين الغاية التي قصدها المشرع والنتيجة التي انتهى إليها التطبيق.
لكن ماذا يحدث لهذه المعرفة اليوم؟
تظل في أغلب الأحيان موزعة بين آلاف المحامين، ومئات المذكرات، وعشرات الاتجاهات الفقهية والقضائية، وتجارب مهنية لا يجمع بينها إطار مؤسسي دائم. وقد يكتشف محامٍ مشكلة تشريعية حقيقية بعد سنوات من الممارسة، ويكتشف محامٍ آخر المشكلة ذاتها في محافظة أخرى، ويتعامل قاضٍ مع أثرها في قضية مختلفة، ويكتب باحث عنها دراسة أكاديمية، ثم تنتهي كل هذه الخيوط دون أن تتجمع في ملف واحد يستطيع أن يقول لصانع القرار: **هذه المشكلة موجودة، وهذه أدلتها، وهذا حجمها، وهذه آثارها، وهذه البدائل الممكنة لعلاجها.**
وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى ما أسميه **العقل التشريعي للمحاماة المصرية.**
ليس عقلًا يصدر القوانين، وإنما عقلًا يقرأها.
ليس سلطة تنازع البرلمان اختصاصه، وإنما مؤسسة تمده بخبرة الميدان.
ليس جهة سياسية تصوغ مواقف، وإنما بيت خبرة قانوني ينتج المعرفة ويضع البدائل.
وليس لجنة تنتهي بانتهاء أعضائها، وإنما **ذاكرة تشريعية مؤسسية تتراكم عبر الأجيال.**
ومن هنا يمكن أن تكون لنقابة المحامين فرصة حقيقية للانتقال من موقع المتلقي للتشريع إلى موقع **المساهم العلمي في تطويره**.
فبدلًا من أن يكون رد فعل النقابة على التشريع مرتبطًا غالبًا بقانون صدر بالفعل أو مشروع قانون أصبح مطروحًا بالفعل، يمكن أن تمتلك مؤسسة تعمل بصورة استباقية، ترصد التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتقرأ المستقبل القانوني قبل أن يفرض نفسه على الواقع.
وهذه الوظيفة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فنحن أمام عالم تتغير فيه التكنولوجيا والاقتصاد وأنماط التعامل بسرعة تتجاوز أحيانًا قدرة التشريع التقليدي على الاستجابة؛ الذكاء الاصطناعي، الأدلة الرقمية، الجرائم السيبرانية، حماية البيانات، التكنولوجيا المالية، الأصول الرقمية، التجارة الإلكترونية، المنصات الرقمية، العقود الذكية، الجرائم الاقتصادية الحديثة، أنماط العمل الجديدة، والتحولات المتسارعة في العلاقات التجارية والاجتماعية.
هذه ليست مجرد موضوعات تقنية؛ إنها **أسئلة قانونية جديدة** تفرض على المشرع أن يعيد النظر في مفاهيم المسؤولية والإثبات والملكية والتعاقد والخصوصية والاختصاص القضائي والتنفيذ.
والتشريع الذي ينتظر المشكلة حتى تصبح أزمة، غالبًا ما يدفع ثمن التأخر أعلى من التشريع الذي يقرأ التحول قبل وقوعه.
ومن هنا نحتاج إلى **بحث تشريعي استباقي**؛ بحث لا ينتظر أن يصبح الفراغ القانوني نزاعًا جماعيًا، ولا ينتظر أن تتضخم المشكلة حتى يصبح علاجها أكثر تكلفة، وإنما يرصد التحول في بدايته، ويدرس آثاره، ويضع البدائل قبل أن يصبح المجتمع أمام أمر واقع.
وهذا هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به المعهد المقترح.
لا أتخيله مركزًا تقليديًا لإنتاج أبحاث أكاديمية توضع على الرف، وإنما مؤسسة ذات وظيفة عملية تبدأ من **المشكلة وتنتهي بالحل**.
تبدأ برصد المشكلة التشريعية.
ثم تجمع التطبيقات القضائية والمهنية المرتبطة بها.
ثم تحلل النصوص القائمة وتحدد مواطن القصور أو التعارض أو الفراغ.
ثم تدرس الفقه والاتجاهات القضائية.
ثم تنظر إلى التجارب المقارنة.
ثم تدرس الأثر القانوني والاجتماعي والاقتصادي للبدائل.
ثم تنتقل إلى مرحلة الصياغة.
وفي النهاية لا تقول فقط: *هذا النص يحتاج إلى تعديل*، وإنما تقدم لصانع القرار شيئًا أكثر قيمة:
**هذه هي المشكلة، وهذه أدلتها، وهذه أسبابها، وهذه آثارها، وهذه التجارب المقارنة، وهذه البدائل، وهذا هو البديل الذي نراه أكثر ملاءمة، وهذا هو النص المقترح، وهذه مذكرته الإيضاحية.**
وهنا ننتقل من **ثقافة الشكوى من التشريع إلى ثقافة صناعة المعرفة التشريعية.**
ومن أهم الأدوات التي يمكن أن تنشأ داخل هذه المؤسسة **مرصد تشريعي لنقابة المحامين**؛ مرصد لا يكتفي بمتابعة القوانين الجديدة، وإنما يرصد ما يحدث للتشريع بعد صدوره: اتجاهات القضاء، المشكلات المتكررة في التطبيق، التناقضات التي تظهر بين النصوص، التشريعات التي لم تعد مواكبة للتطورات، والمجالات التي بدأت تظهر فيها فجوات قانونية جديدة.
ويمكن للمرصد أن يستقبل من المحامين أنفسهم المشكلات التي تتكرر في الممارسة، ثم يخضعها لمنهج علمي يميز بين المشكلة الفردية والمشكلة البنيوية، وبين اختلاف التفسير وعيب التشريع، وبين الحالة التي تحتاج إلى تعديل قانوني والحالة التي يكفي فيها تدخل تنظيمي أو تفسير قضائي.
وبذلك يصبح لدى النقابة **رادار تشريعي** يعمل بصورة مستمرة.
بل يمكن أن تتطور الفكرة إلى إصدار **تقرير مهني سنوي لحالة التشريع المصري**، يتضمن أهم المشكلات التشريعية التي رصدتها الممارسة خلال العام، وأبرز الاتجاهات القضائية ذات الدلالة، والملفات التي تستحق الدراسة، وأولويات الإصلاح المقترحة.
ويمكن أن يصدر المعهد كذلك **أجندة تشريعية مهنية سنوية**؛ لا بمعنى أن النقابة تفرض على المشرع ما يجب أن يفعله، وإنما بمعنى أن المجتمع القانوني يصبح قادرًا على تقديم رؤية منظمة ومدروسة لما يرى أن التشريع يحتاج إليه.
وهنا قد يثار اعتراض مشروع: **أليس هذا دور الجامعات ومراكز البحوث؟**
والإجابة أن الجامعات ليست خصمًا لهذه الفكرة، وإنما أحد أهم شركائها.
البحث الأكاديمي ضروري، والفقه القانوني لا غنى عنه، لكن البحث التشريعي التطبيقي يحتاج أيضًا إلى مادة لا تتوافر دائمًا إلا داخل الممارسة اليومية: **خبرة المحامي، واتجاهات القضاء، ومشكلات التطبيق، والاحتكاك المباشر بالنص.**
ولذلك فإن النموذج الأفضل ليس أن تعمل النقابة بعيدًا عن الجامعة، وإنما أن تنشئ معها علاقة تكاملية: **الجامعة تمنح العمق الأكاديمي، والمحامي يقدم خبرة الواقع، والمعهد يجمع الاثنين في مشروع بحثي موجه نحو الحل التشريعي.**
وقد يثار اعتراض آخر أكثر حساسية: **أليس إنشاء معهد كهذا تدخلًا في اختصاص البرلمان؟**
والإجابة هنا يجب أن تكون حاسمة: لا.
لأن هناك فارقًا جوهريًا بين **صناعة التشريع** وبين **صناعة المعرفة التي تساعد على صناعة التشريع**.
المعهد لا يصدر قانونًا، ولا يملك إلزام البرلمان بتوصية، ولا يضع نفسه فوق مؤسسات الدولة، ولا يتحدث باسم المشرع. هو يقدم رأيًا مهنيًا بحثيًا غير ملزم، ويضع أمام الجهات المختصة ما أنتجه من دراسات ومقترحات.
وهذا لا ينتقص من البرلمان، بل يمكن أن يثري العملية التشريعية؛ لأن التشريع الجيد لا يصنعه النص وحده، وإنما تصنعه المعرفة التي تسبق النص.
أما التحدي الأخطر في رأيي فهو ألا تتحول المؤسسة المقترحة إلى **لجنة أخرى من لجان النقابة**.
لأننا لا نحتاج إلى اسم جديد يحمل الآليات القديمة.
نحتاج إلى مؤسسة لها منهج، وذاكرة، وتراكم، ومعايير، واستقلال علمي.
مؤسسة لا تبدأ من الصفر كلما تغير مجلس النقابة.
مؤسسة لا تتغير أولوياتها مع تغير الانتخابات.
مؤسسة لا تصبح ساحة للمنافسة النقابية أو السياسية.
**المؤسسة البحثية الحقيقية لا تعيش بالأشخاص؛ وإنما تعيش بالمنهج والتراكم.**
ولهذا يجب أن يكون لها مجلس علمي بمعايير واضحة، وضوابط لاختيار الباحثين والخبراء، ونظام للتحكيم والمراجعة، وقواعد لتعارض المصالح، وآلية لحفظ الدراسات وقواعد البيانات، ونظام مؤسسي يضمن أن ما تنتجه اليوم يصبح أساسًا لما سينتجه الباحثون غدًا.
فالانتخابات تتغير، والمجالس تتعاقب، والأسماء تتبدل، لكن **المعرفة لا ينبغي أن تُنتخب.**
وهذه العبارة في رأيي جوهرية.
لأن البحث العلمي إذا أصبح تابعًا للأشخاص فقد وظيفته، وإذا أصبح أسيرًا للمواسم الانتخابية فقد استقلاله، وإذا أصبح أداة للصراع فقد قيمته.
ولذلك يجب أن يكون المعهد **مهنيًا، علميًا، موضوعيًا، ومستقلًا في منهجه البحثي**، مع احترام كامل للإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم النقابة.
أما التمويل، فلا ينبغي أن يكون ذريعة لإجهاض الفكرة، ولا أن يتحول في الوقت ذاته إلى عبء على حقوق المحامين وخدماتهم الأساسية. ولهذا لا أرى أن البداية تحتاج إلى جهاز ضخم أو ميزانية ضخمة. يمكن أن تبدأ التجربة **بنواة بحثية محدودة التكلفة**، تستفيد من الإمكانات المتاحة، وتبني شراكات مع كليات الحقوق ومراكز الدراسات والخبراء، ثم تتوسع تدريجيًا بقدر ما تثبت التجربة قدرتها على إنتاج قيمة حقيقية.
فالخطأ ليس أن نبدأ صغيرين.
الخطأ أن نستخدم ضخامة الحلم ذريعة لعدم البدء.
كما أن الشكل القانوني للمؤسسة يجب ألا يُفترض مسبقًا دون دراسة؛ فإذا بدأت كوظيفة بحثية أو وحدة أو مركز داخل البناء المؤسسي للنقابة، فيجب تنظيمها بما يتفق مع قانون المحاماة ولائحته والاختصاصات المقررة لمجلس النقابة. أما إذا اتجهت الفكرة مستقبلًا إلى كيان مستقل ذي شخصية قانونية واختصاصات أوسع، فلابد أن يُبحث لذلك المسار أساسه التشريعي والتنظيمي المناسب.
**فالذي يقترح تطوير التشريع يجب أن يكون أول من يحترم القانون.**
وهذه ليست مسألة شكلية.
بل هي جزء من مصداقية المشروع نفسه.
كما يجب أن تكون هناك معايير واضحة لتحديد ما يستحق أن يتحول إلى ملف بحثي. فليس كل اختلاف مع نص عيبًا تشريعيًا، وليس كل شكوى من إجراء سببًا لتعديل القانون. ولذلك ينبغي أن يستند المعهد إلى مؤشرات موضوعية: تكرار النزاع، تعدد الاتجاهات القضائية، كثرة المشكلات المهنية المتشابهة، وجود تعارض بين النصوص، ظهور فراغ تشريعي، صعوبة التطبيق، التطورات التكنولوجية والاقتصادية الجديدة، وحجم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشكلة.
وعندها فقط يمكن أن يتحول المعهد من مؤسسة تنتج الأوراق إلى مؤسسة **تنتج الأولويات**.
ولا ينبغي كذلك أن يكون معيار نجاحه عدد الندوات أو المؤتمرات أو الدراسات المنشورة.
المعيار الحقيقي هو الأثر.
كم مشكلة رُصدت؟
كم دراسة أُنجزت؟
كم توصية وصلت إلى الجهات المختصة؟
كم مقترحًا دخل دائرة النقاش التشريعي؟
وهل ساهمت المعرفة التي أنتجها المعهد في تحسين نص، أو كشف خلل، أو تطوير ممارسة، أو منع مشكلة قبل اتساعها؟
**المؤسسة البحثية لا تقاس بحجم ما تكتب، وإنما بحجم ما تغيّر.**
وهنا نصل إلى نقطة أعمق تتعلق بصورة المحامي نفسه.
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف المحامي الذي نريده للمستقبل.
المحامي الذي نحتاجه ليس فقط من يحفظ النصوص ويجيد استخدامها، وإنما من يفهم فلسفتها، ويقرأ آثارها، ويرصد قصورها، ويستطيع أن يناقش صلاحيتها، ويقترح تطويرها.
فالمحاماة ليست فقط مهنة الدفاع عن الحقوق في ظل القانون القائم؛ وإنما هي أيضًا، في جانب من رسالتها، **مهنة اختبار القانون في الواقع.**
وإذا كان المحامي هو أحد أكثر أطراف المنظومة القانونية احتكاكًا بهذا الواقع، فمن الطبيعي أن يكون له إطار مؤسسي يحول هذه الخبرة إلى معرفة.
وهنا يمكن أن نعيد صياغة العلاقة بين المحامي والتشريع بالكامل:
**المحامي لا يكون فقط آخر من يقرأ القانون بعد صدوره؛ يمكن أن يكون من أوائل من يلفتون النظر إلى القانون الذي يجب أن يصدر غدًا.**
وهذا هو معنى الدور الاستباقي للمهنة.
إن استقلال المحاماة لا ينبغي أن يُختزل في حماية المحامي أثناء مباشرته لعمله، وإنما يمكن أن يمتد إلى امتلاك المهنة لأدواتها العلمية والمعرفية التي تجعلها شريكًا واعيًا في تطوير النظام القانوني الذي تعمل داخله.
وعندما تمتلك النقابة هذه الأداة، فإنها لا تخدم المحامي وحده.
إنها تخدم القضاء، والمشرع، والباحث، والاقتصاد، والمستثمر، والمواطن، وكل من يتعامل مع القانون.
لأن القانون الجيد لا يحمي المجتمع فقط من الجريمة أو النزاع؛ وإنما يقلل أيضًا من مساحة الغموض، ويخفض تكلفة المعاملات، ويزيد القدرة على التنبؤ، ويمنح الحقوق حماية أكثر وضوحًا، ويجعل العدالة أكثر كفاءة.
ومن هنا فإن المعهد المقترح ليس مشروعًا أكاديميًا منعزلًا عن المجتمع.
إنه **استثمار في البنية المعرفية للعدالة المصرية.**
وقد لا يكون الخلاف الحقيقي حول أصل الفكرة، وإنما حول أفضل صورة لتنفيذها.
هل نبدأ بوحدة بحثية؟
أم مرصد تشريعي؟
أم مركز دراسات؟
أم نواة مؤسسية تتطور تدريجيًا إلى معهد؟
هذه كلها أسئلة مشروعة.
وكذلك أسئلة التمويل والهيكل والاختصاص واللائحة والعلاقة بأكاديمية المحاماة والجامعات والجهات الرسمية.
لكن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون سببًا لقتل الفكرة قبل ولادتها؛ بل هي بالضبط الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها **دراسة تأسيسية جادة**.
فالهدف ليس أن نعلن غدًا عن مؤسسة ضخمة.
الهدف أن نبدأ اليوم في بناء **الوظيفة التي تحتاج إليها المهنة**، ثم نترك للنجاح والبحث والتقييم أن يحددا شكلها النهائي.
وربما يكون أهم ما يمكن أن تنتجه هذه الفكرة في النهاية ليس تعديل مادة قانونية أو اقتراح مشروع قانون، وإنما تغيير ثقافة كاملة داخل المهنة:
أن يتعلم المحامي أن ملاحظته المهنية يمكن أن تتحول إلى سؤال بحثي.
وأن يتحول السؤال البحثي إلى ملف تشريعي.
وأن يتحول الملف إلى دراسة.
وأن تتحول الدراسة إلى مقترح.
وأن يجد المقترح طريقه، عبر القنوات القانونية والمؤسسية، إلى صانع القرار.
**هنا تتحول المهنة من مستهلك للقانون إلى منتج للمعرفة التي تطور القانون.**
ولهذا فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس:
**هل نريد معهدًا جديدًا؟**
وإنما:
**هل نريد أن تظل الخبرة القانونية الهائلة التي تنتجها المحاماة المصرية كل يوم خبرة متفرقة تنتهي بانتهاء أصحابها، أم نريد أن نحولها إلى ذاكرة مؤسسية تستطيع الدولة والمجتمع أن يستفيدا منها؟**
إذا كان القانون هو الذاكرة المنظمة للمجتمع، فإن المهنة التي تتعامل مع هذه الذاكرة كل يوم يجب أن يكون لها أيضًا **ذاكرتها العلمية الخاصة.**
وإذا كان التشريع هو محاولة المجتمع لصياغة قواعد المستقبل، فإن المحامي الذي يرى مشكلات الحاضر كل يوم يمكن أن يكون أحد أهم من يساعد في صياغة هذا المستقبل.
ولهذا أطرح الفكرة للنقاش الجاد:
**نحو تأسيس معهد للبحوث والدراسات التشريعية والسياسات القانونية بنقابة المحامين.**
معهد لا ينازع البرلمان سلطته.
ولا ينافس الجامعة رسالتها.
ولا يحل محل القضاء.
ولا يتحول إلى منصة سياسية.
وإنما يقوم بوظيفة واضحة:
**أن يرصد القانون وهو يعمل، وأن يدرس القانون عندما يتعثر، وأن يستشرف القانون قبل أن يصبح الواقع أكبر منه، وأن يضع أمام صانع القرار لا مجرد الاعتراض، وإنما المعرفة والحجة والبديل والنص المقترح.**
إننا لا نريد من النقابة أن تشرّع.
**نريدها أن تفكر تشريعيًا.**
لا نريدها أن تنافس البرلمان.
**نريدها أن تمده بخبرة الميدان.**
لا نريدها أن تحل محل الجامعة.
**نريدها أن تجعل البحث الأكاديمي أكثر اتصالًا بالواقع.**
ولا نريد لجنة تنتهي بانتهاء أعضائها.
**نريد مؤسسة تكون ذاكرتنا التشريعية، وعقلنا البحثي، وصوت خبرتنا المهنية.**
وربما تكون الخطوة القادمة في تطوير المحاماة المصرية ليست فقط أن نسأل:
**كيف نحمي المحامي؟**
بل أن نضيف سؤالًا أكثر اتساعًا:
**كيف نجعل المحامي شريكًا في تطوير القانون الذي يحمي به الحقوق؟**
فالمهنة التي تملك هذا العدد الهائل من العقول، وهذه المساحة الواسعة من الخبرة، وهذا الاحتكاك اليومي بالقانون والقضاء، لا ينبغي أن تكتفي بأن تكون أكبر تجمع للمشتغلين بالقانون.
**يمكنها أن تصبح واحدة من أهم مصادر المعرفة القانونية والتشريعية في الدولة المصرية.**
وهنا، في تقديري، لا تبدأ مجرد فكرة إنشاء معهد.
**هنا تبدأ محاولة الانتقال من نقابة تدافع عن المهنة إلى نقابة تصنع المعرفة التي تحتاجها المهنة، ومن نقابة تراقب التشريع بعد صدوره إلى مؤسسة تستطيع أن تسأل، قبل صدوره: هل هذا هو القانون الذي يحتاجه المستقبل؟**
**قد تختلف الآراء حول الاسم، أو الهيكل، أو الاختصاص، أو التمويل، وقد تحتاج الفكرة إلى دراسة قانونية ومؤسسية دقيقة قبل تطبيقها؛ لكن أصل الفكرة يستحق أن يُناقش، لا أن يُستبعد.**
لأن القضية في النهاية ليست قضية مبنى جديد، ولا مسمى جديد، ولا لجنة جديدة.
**القضية هي: هل نملك الشجاعة المؤسسية لتحويل خبرة المحاماة المصرية من ذاكرة فردية إلى عقل جماعي؟**
فإذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون البداية من هنا.
**معهد للبحوث والدراسات التشريعية والسياسات القانونية بنقابة المحامين.**
وف الاخير رب مبلغ أوعى من سامع.
#مصطفى_محمود_مقلد (هاشتاغ)
Mustafa_Mahmoud_Maklad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟