أحمد زايد
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 15:35
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
إن الاعتقاد بوجود حقائق أخلاقية موضوعية ليس مجرد تفضيل فلسفي؛ إنه إلزام ضروري يجب أن يتمسك به كل من يدافع عن الواقعية العلمية Scientific Realism أي الاعتقاد بوجود عالم موضوعي خارجي ندركه ولا نخترعه بحواسنا، إنكار موضوعية الأخلاق يعني ضمنياً إنكار كل من العلم والعقل أيضاً.
تأمل ما يلي:
1. نحن نمتلك حساً أخلاقياً كونياً
عبر الثقافات والتاريخ، نلاحظ حدساً أخلاقياً ثابتاً وشبه كوني. نشعر بعمق وفورية بأن العدل خير، واللطف فضيلة، وأن أفعالاً مثل تعذيب بريء شر. هذا الحدس متأصل في التجربة الإنسانية بقدر ما هو إدراكنا الحسي للعالم الفيزيائي.
2. تفسير الحدس لا ينفي موضوعيته
هناك حجة شائعة تزعم أنه بما أن علم الأحياء التطوري وعلم الاجتماع يمكنهما تفسير سبب امتلاكنا لهذه الحدوس الأخلاقية (مثلاً لأنها تعزز البقاء والتعاون)، فإن الحدوس نفسها ليست سوى «أوهام مفيدة» بما يعني أننا اخترعنا الأخلاق بوجودنا ولم نكتشفها.
لكن تفسير آلية ملكة ما لا يبطل واقع ما تدركه. الضغوط التطورية والعوامل الاجتماعية شكلت قشرتنا البصرية، لكننا لا نستنتج أن الشمس والأشجار أوهام بصرية. قد تكون هذه القوى البيولوجية والاجتماعية هي مجرد الوسيلة التي طورنا بها القدرة على اكتشاف الحقائق الأخلاقية الموضوعية، تماماً كما أن القشرة البصرية هي الوسيلة التي نرى بها الحقائق الفيزيائية الموضوعية.
3. «الأدلة» على موضوعية الواقع الفيزيائي تعتمد على الأساس نفسه الذي تقوم عليه موضوعية الأخلاق.
إذا طلبت منك أدلة موضوعية على وجود الشمس، فقد تشير إلى ضوءها أو حرارتها أو صور من تلسكوب لها. لكن كل هذه الأدلة تنتهي وقائمة بكاملها في النهاية على شيء واحد: التجربة الحسية البشرية المشتركة والمتسقة وشبه الكونية. فإذا أنكر شخص وجود الشمس، نعتبره هو نفسه واهماً. لا أن الشمس وهم لأنه ينكرها.
المنطق نفسه تماماً ينطبق على الأخلاق. إذا ادعى أحدهم: «تعذيب الرضع للمتعة هو خير»، نعلم أنه إما يكذب (ينكر الحقيقة لأسباب أخرى)، أو واهم، بنفس الطريقة التي يكون بها منكر الشمس أو المؤمن بأن الأرض مسطحة كاذباً، واهماً أو غير عقلاني. في كلتا الحالتين، يرتكز تبريرنا على موثوقية الإدراك البشري المشترك وشبه الكوني: الإدراك الحسي للعالم الفيزيائي، والإدراك الأخلاقي للعالم الأخلاقي.
4. التشكيك غير المتسق لمنكر موضوعية الأخلاق.
يحاول البعض غالباً كسر هذا التوازي باللجوء إلى الطريقة العلمية: القابلية للتكذيب، والتحقق المستقل من فرق بحثية مختلفة وقابلية التنبؤ، والحصول على نفس النتائج عند تكرار التجارب، لكن هذه الحجة دائرية:
· كيف نعرف أن تحققاتنا المستقلة موثوقة؟ من خلال تجاربنا الحسية المشتركة.
· كيف نعرف أن مبادئنا المنطقية (مثل عدم التناقض) صحيحة؟ من خلال حدوسنا العقلية المشتركة.
لا يمكنك اللجوء إلى التحقق العلمي المستقل أو القابلية للتكذيب لكسر هذا التوازي، لأن ذلك سيكون دائرياً. مفاهيم التحقق والتكذيب نفسها تفترض مسبقاً موثوقية الإدراك البشري المشترك شبه الكوني:
· التحقق يتطلب أن تثق بحواسك لملاحظة البيانات المؤكدة وبعقلك لمعالجتها.
· التكذيب يتطلب أن تثق بحواسك لإدراك الدليل المضاد وبعقلك للتعرف على التناقض.
بعبارة أخرى، أنت تحاول استخدام منتجات المنطق والحس (المناهج العلمية) لإثبات موثوقية المنطق والحس. هذا استدلال دائري. المؤسسة العلمية بأكملها مبنية على أساس أن حدوسنا العقلية والحسية جديرة بالثقة عموماً.
فإذا رفضت الحدس الأخلاقي المشترك شبه الكوني أن العدالة خير في ذاتها والظلم شر في ذاته على أنها مجرد أوهام تطورية، فيجب عليك تطبيق الشك نفسه على تجاربنا الحسية الداخلية وحدوسنا المنطقية، فهي أيضاً منتجات العملية التطورية نفسها. الثقة بوجود الشمس على أساس: الإدراك الحسي البشري المشترك شبه الكوني وعدم الثقة في وجود عالم موضوعي للأخلاق على نفس الأساس هو معيار مزدوج غير مبرر.
كل معيار ستحاول أن تضعه للتمييز بين وجود الشمس ووجود الأخلاق كحقائق موضوعية سينتهي إلى الإدراك المشترك كأساسه.
ما دليل أن الشمس موجودة؟ أستطيع قياس حرارتها وهي مثلاً 5 كلفن؟ كيف تعرف أنها 5 كلفن؟ من خلال رؤية الرقم على مقياس الحرارة. لكن هذه مجرد تجربة بصرية لك في النهاية، كيف تعرف أنها تعكس واقع موضوعي؟ وليس أن عقلك اخترع الرقم 5 كوهم بصري لحرارتها وحرارتها شيء آخر؟ يستطيع غيري في أستراليا أن يجرب ويقيس درجة حرارتها وسيجد نفس الرقم على الجهاز؟ لكن كيف تعرف أن هذا الاسترالي وجد نفس الرقم؟ في النهاية من خلال تجربة حسية مشتركة داخلك وداخله.
أستطيع أن أعرف مكانها وأتنبأ به بدقة، حسناً، ولكن كيف عرفت أنها صارت في ذلك المكان الذي تنبأت به؟ من خلال النظر في التلسكوب. مرة أخرى هذه مجرد تجربة حسية واعية داخلك في النهاية. لكن غيري يستطيع أن يراها في نفس المكان من مكان آخر على كوكب الأرض. مرة أخرى هذه مجرد تجربة حسية مشتركة بينك وبينه. قد يكون هذا الواقع الموضوعي مجرد هلوسة جماعية كما أن الحس الأخلاقي المشترك مجرد هلوسة تطورية جماعية شبه كونية.
لم تثق في مبدأ عدم التناقض؟ لم تثق في أن (1+1=2) في الجبر الكلاسيكي؟ ألا يمكن أن يكون (1+1=3) في عقول غير بشرية؟ عقول فضائيين مثلاً؟؟
إذن أنت أمام خيارين:
· أ) ثق بالإدراك المشترك شبه الكوني كدليل على واقع موضوعي نكتشفه ولا نخترعه كهلوسة جماعية ← اقبل كلاً من موضوعية العالم الفيزيائي والعالم الأخلاقي.
· ب) إرفض موثوقية الإدراك البشري المشترك شبه الكوني ← اعتنق الشك المذهبي. وشكك في كل شيء.
فإذا قبلنا أن:
· كل الأدلة على واقع موضوعي تنتهي في النهاية إلى الإدراك البشري المشترك شبه الكوني كأساس لموضوعيته. فيجب أن تقبل موضوعية الأخلاق.
وإلا فالعلم سيكون مجرد هلوسة بشرية مشتركة عالية الدقة (تستطيع فيها أن تستخدم تلسكوب ومطياف ضوئي وميكروسكوب) والأخلاق هلوسة بشرية مشتركة متوسطة الدقة (لا تستطيع أن تستخدم فيها هذه الأدوات المختبرية لترصد العالم الأخلاقي الموضوعي). لكن كلاهما ما زال حلماً. لأن التلسكوبات والمطايف الضوئية والساعات الذرية والميكروسكوبات وغيرها مع قابلية التكرار والتنبؤ والتكذيب، هي ليست سوى امتداد وتكرار لنفس الإدراك البشري المشترك شبه الكوني - فلا قيمة لها بدون التجارب الواعية المشتركة - الذي تشكك في موثوقيته كدليل على واقع موضوعي، فإن كان الأساس الأول هو مجرد هلوسات جماعية فاستخدام هذه الأدوات لا يجعل من الهلوسات الجماعية حقائق موضوعية بل يجعلها هلوسات أكثر دقة فقط.
معالجة اعتراض الاختلافات الثقافية:
بعيداً عن أن الحقائق الأخلاقية الأساسية (لا تقتل البريء، لا تسرق للمتعة، لا تخن الثقة، العدل جيد، الظلم شر، الرحمة لمن يستحقها كاليتيم خير) هي عالمية وشبه كونية، فإن الاختلافات الأخلاقية تأتي عادة من سوء تطبيق الحقائق. فوجود اختلافات ثقافية لا ينفي الأخلاق الموضوعية.
فمثلاً، اعتقد الناس في الماضي أن الأرض مسطحة. هل يعني ذلك أن شكل الأرض شيء شخصي؟ بالطبع لا. نحن ببساطة نفهم أنهم كانوا مخطئين.
الأمر نفسه ينطبق على العبودية مثلاً. يمكنك ببساطة أن تقول إن أولئك الناس كانوا مخطئين أو أنكروا الحقيقة الأخلاقية الداخلية أن البشر سواء ولا يحق لأحد منهم أن يستعبد أحد آخر لأسباب أخرى، مثل المنافع الاقتصادية لتجارة الرقيق مثلاً. تماماً كما أن وجود مؤمني الأرض المسطحة بيننا اليوم لا يجعل شكل الأرض شيء شخصي كل على حسب هواه، بل يجعل استدلالاتهم وتبريراتهم لهذا الاعتقاد غير عقلانية فقط.
قد تعترض بأننا نستطيع دحض اعتقاد المؤمن بالأرض المسطحة بقياسات موضوعية وتحقق مستقل. لكن كما قلنا هذا الاستدلال دائري. كل القياسات والتحقق المستقل هي في النهاية تجارب حسية بشرية مشتركة، التي يجب أن نفترض موثوقيتها مسبقاً، وأن هذا الاتفاق البشري شبه الكوني هو انعكاس لواقع موضوعي وليس هلوسة جماعية من اختراعنا.
المنطق نفسه تماماً ينطبق على الأخلاق. إذا ادعى أحدهم: «لا أرى أي خطأ في الاغتصاب»، نرفض هذا ليس كمجرد «اختلاف في الرأي»، بل لأن إدراكه الأخلاقي شاذ يتناقض مع الحدس المتسق والكوني للبشرية جمعاء.
هذا المقال هو تلخيص أو استلهام من الفكرة الرئيسة في ورقة شهيرة في الفلسفة بعنوان Two dogmas of empiricism للفيلسوف الكبير W. V. Quine
https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-symbolic-logic/article/abs/w-v-quine-two-dogmas-of-empiricism-the-philosophical-review-vol-60-1951-pp-2043/C05D5C2FB2DD7D46708108A5BB03C5C0
#أحمد_زايد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟