اسطيفان هرمز
كاتب
(Estivan Hermez)
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 09:11
المحور:
الادب والفن
من مذكراتي
كانت لي عدة محطات تركت في ّ اثرا لايمكن ان أتغاضى عنها أو ان تكون مركونة في طيات الذاكرة ، دون ان تجد مساحة بين اسطر مذكراتي .
لم أكن أعلم وأنا أستقل تلك الباخرة الداخلية الصغيرة ، أنني على موعد مع مواجهة ستغير شيئاً في تركيبتي النفسية إلى الأبد
. كانت الأمواج تتقاذفنا، وحلم الوصول إلى عمق أوروبا
من بعد محطة تركيا باتجاه اليونان عبر البحر نحو الحرية المنشودة في اوربا
كان يداعب مخيلاتنا نحن المعذبين الهاربين من نيران الحرب في العراق بعد عام 2003. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفننا؛ فبعد المحاولة الأولى الفاشلة للسفر من خلال مطار اثينا كانت وجهتنا الثانية هي جزيرة كوس ، فبمجرد وصولنا إلى مطار جزيرة "كوس" السياحية، مرتدين ثياباً انيقة ،حاولنا أن نبدو فيها كالسياح الأجانب، وممسكين بجوازات سفر مزورة اشتريناها بما نملك من مدخرات، انهار كل شيء. بلمحةواحدة ،
احد العراقيين الذي تعرفت به من خلال رحلتنا وهو احد أفراد الثلة الأربعة التي تعاملت مع نفس المهرب ، ، ونحن في المطار صاح بي احدهم وهو من الموصل ، باللغة العربية وبالتحديد باللهجة الموصلية. أبو لارا تعال من هوني ،
بالرغم من شبه خلو المطار في تلك الساعة من المسافرين ، إلا من شخص ذو هندام مرتب بملابس مدنية ، كان قد تجاوزني منذ لحظة ملقيا عليّ تحيته ،
ليقف فجاة ويستدير نحوي ليطلب من جواز سفري، عندها لم يسعفني لا الكذب ولا التحايل ، ونظرة واحدة في عيني ضابط الجوازات كانت كفيلة بكشف الحيلة، لنجد أنفسنا مكبلي الأيدي، نُساق إلى قلب المدينة.
اقتادونا إلى مبنى تاريخي ذو هندسة إيطالية قديمة يضم مخفر الشرطة الرئيسي في الجزيرة ، المفارقة هناك كانت تذبح الروح؛ فالمبنى ومخفر الاحتجاز يلتصقان تماماً بأسوار "قلعة نيرانتزيا" الأثرية، أو ما يُعرف بقلعة الفرسان
ومن الفضاء المقابل لشباك زنزانتنا الضيقة، كنا نسمع ضحكات السياح الأوروبيين وصخب حياتهم اللاهية، بينما كنا نحن نقبع في عتمة الزنزانة، يفصلنا عن جحيم الحرب خطوة، وعن حرية هؤلاء السياح جدار حجري سميك.
داخل ذلك المحتجز، لم نكن نواجه الجدران الباردة فحسب، بل كنا نواجه أيضاً طباع البشر وتناقضاتهم الممثلة في بعض المحتجزين من الألبان المتهمين بتجارة المخدرات وفي حراسنا
كان هناك حارسان يتناوبان علينا؛ أحدهما فظّ وغليظ، يرتدي قسوته كدرع ويتعامل معنا بجفاء وجبروت وكأننا بلا كرامة. أما الآخر، فكانت تلمح في عينيه مساحة من التعاطف الإنساني المكبوت خلف بزته العسكرية. وهنا تجلت لي أولى دروس القيادة: "إن المعارك لا تُدار دائماً بالصدام، بل بالذكاء وفهم النفس البشرية".
قررتُ بوعي أن أقترب من الحارس المتعاطف، وأن أمد جسراً من الثقة بيننا ليكون عيننا ووسيلتنا داخل هذا الحصن المغلق. في كل مرة يقترب فيها من زنزانتنا، كنت أخصه بحديث دافئ، وأخاطب فيه الجانب النبيل والشجاع. كنت أقول له بكلمات مدروسة تنفذ إلى قلبه: "أنت الأفضل بين الجميع هنا.. أنت الأشجع لأنك ترى فينا بشراً لا مجرد أرقام. ثقتنا كلها فيك أنت، ولسنا نثق في أي أحد آخر غيرك ،
كانت هذه الكلمات الصادقة والذكية بمثابة مفتاح سحري؛ كسبتُ وده، وتحول من مجرد سجان إلى رجل يرقب حالنا بعين الحماية، ويخفف عنا وطأة العزلة، بل وأصبح حلقة الوصل غير المعلنة التي سهلت لنا فهم ما يدور خلف الكواليس ].
لكن الوقت كان يمر ثقيلاً كالرصاص، وتحول الاحتجاز المؤقت إلى دوامة من النسيان والإهمال من قِبل إدارة المخفر. شعرت بالوقت يسرق منا أعمارنا، وبدأت ملامح اليأس والإحباط تتسلل إلى وجوه أصحابي من الشباب العراقيين. كانت تلك هي اللحظة الفاصلة ،
شيء ما في داخلي انتفض، ورفض أن نكون مجرد ضحايا سلبيين ينتظرون شفق رحمة السجان الفظ.
التفتُّ إلى رفاقي في الزنزانة، نظرت في عيونهم المثقلة بالهموم، ولأول مرة في حياتي، شعرت برغبة عارمة في قيادة تمرد حقيقي. لم يكن قراراً طائشاً، بل غريزة بقاء وكرامة.
قلت لهم بصوت حازم خرق صمت المكان: "إلى متى ننتظر؟ إن لم نتحرك نحن، فلن يلتفت إلينا أحد. الحل بأيدينا.. إما الحرية أو الجوع"، واقترحت عليهم إعلان إضراب شامل عن الطعام حتى يتم النظر في وضعنا وإطلاق سراحنا. ترددت بعض النفوس في البداية خوفاً من بطش الشرطة والحارس القاسي، لكن الإصرار في عيني منحهم الشجاعة، وتعاهدنا جميعاً، وأغلقنا أفواهنا عن وجبة المساء ،
في اليوم التالي، عندما أحضروا وجبات الطعام ورفضنا استلامها، ساد الصمت والمفاجأة في الممر. ظنوا في البداية أنها مناورة لساعات، لكن مع مرور اليوم الثاني أدركت إدارة المخفر أنهم أمام مواجهة حقيقية مع إرادة صلبة لا تلين، وأن مناورات الحارس القاسي لم تعد تجدي نفعاً، بينما كان حارسنا المتعاطف يرقب المشهد بقلق يعكس نجاح خطتنا في كسب قلبه.
تحول المخفر من مركز احتجاز مرعب إلى ساحة معركة نقودها بأمعائنا الخاوية، ولم يعد بإمكان مدير المخفر تحمل الضغط النفسي والمسؤولية القانونية لمرضنا أو موتنا داخل الحجز. وفي ليلة لن أنساها، فُتحت الأبواب الحديدية، واقتيدت المجموعة إلى مكتب الإدارة. كانت ملامح الهزيمة واضحة على وجوههم، بينما كانت علامات النصر، رغم التعب، ترتسم على وجوهنا. وقع الضابط على الأوراق الرسمية، وسلمنا تلك الوثيقة السحرية التي كنا ننتظرها.. "الخروجية". ورقة تمنحنا أسبوعين لمغادرة اليونان، لكنها عملياً كانت تذكرتنا الشرعية لركوب السفينة الكبيرة والتوجه صوب قلب أثينا دون خوف.
خرجنا من بوابة المخفر، وتحت ظلال أسوار قلعة "كوس" العتيقة، تنفست الصعداء. لم تكن الفرحة فقط بالحرية وبدء الفصل الجديد من الرحلة نحو ساحة "أومونيا" في أثينا، بل كانت فرحة بـ "الذات" التي اكتشفتها؛ الذات الشجاعة التي قادت أول تمرد في حياتها، وعرفت كيف تدير القسوة بالصمود، وتكسب اللين بالذكاء، لتتعلم أن الحقوق لا تُعطى بل تُنتزع، حتى وإن كان السلاح الوحيد هو
الجوع خلف قضبان الغربة
لكن الفرحة بالحرية سرعان ما اصطدمت بجدار واقعٍ مرير؛ فلم نكن نملك في جيوبنا من المال ما يكفي لشراء تذاكر الباخرة التي ستنقلنا إلى أثينا. كنا حرفياً بلا مأوى ولا معيل في جزيرة غريبة. تحركت فينا غريزة الأمل الأخيرة، فاتصلنا بوسيط المهرب الذي كان صلتنا بهذا الطريق، رجوناه أن يحجز لنا أماكن على متن الباخرة العائدة، لكننا جابهنا نفساً جشعة خالية من أدنى مشاعر الإنسانية. رفض توسلاتنا بدم بارد وقساوة لا تليق بابن جلدتنا، مغلقاً في وجوهنا الباب الأخير، وتاركاً إيانا لمصيرنا على رصيف الميناء.
في تلك اللحظة التي ظننا فيها أن الأرض قد ضاقت بما رحبت، لم يبقَ أمامنا سوى خيار واحد، وهو التوجه إلى العائلة اليونانية التي استأجرنا منها بيتاً صغيراً لليلة واحدة فقط قبل محاولتنا الفاشلة في المطار. ذهبنا إليهم ونحن نجر أذيال الخيبة، محملين بالانكسار والحرج، لنشرح لهم معضلتنا.
وهنا، حدثت المفاجأة التي قد لا يصدقها عقل، لكنها الحقيقة الحية التي عشناها؛ تجلت إنسانية الشعب اليوناني العظيم، المتعاطف مع مأساة هاربين من جحيم العراق إبان الغزو الأمريكي.
بمجرد أن استمعت صاحبة الدار اليونانية إلى قصتنا ورأت حالنا، تحركت يدها المغزولة من خيوط الشمس اليونانية لتضيء عتمة المهربين.
فتحت حقيبتها التي تحولت في لحظة الى منبع للامان وتكفلت بدفع ثمن أربعة تذاكر من مالها الخاص!
حاولنا جاهدين، بدافع من كرامتنا وعزتنا، أن نقدم لها تعهداً شفهياً ومغلظاً بأننا سنعيد لها كل "سنت" فور وصولنا إلى أثينا وتدبير أمورنا، لكنها رفعت يدها رافضة بشدة، مبتسمة بابتسامة نبعت من أعماق نقائها، وأبت أن تأخذ منا أي وعد أو التزام. لقد أعطتنا المال كهدية من إنسان إلى إنسان، كجسر عبور نحو الحياة، دون أن تنتظر مقابل.
صعدنا إلى متن الباخرة ، وفيما كانت أنوار جزيرة "كوس" وقلعتها تتوارى خلف الأفق، كنت أقف على السطح أراقب الميناء والدموع تحتبس في عيني. لم تكن الفرحة فقط بالخروج، بل كانت دهشة من هذا الكون؛ كيف يمكن لزنزانة ضيقة أن تكتشف فيك قائداً، وكيف يمكن لمهرب من أبناء وطنك أن يرميك للتهلكة، بينما تمد لك امرأة يونانية غريبة يدها لتعيد لك الحياة والحرية.
ركبنا البحر نحو ساحة "أومونيا" في أثينا، ونحن نحمل في قلوبنا دَيناً ثقيلاً من العرفان لعائلة يونانية لم تطلب منا شيئاً سوى أن ننجو.
#اسطيفان_هرمز (هاشتاغ)
Estivan_Hermez#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟