أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسطيفان هرمز - العربانة وبجامة البازة














المزيد.....

العربانة وبجامة البازة


اسطيفان هرمز
كاتب

(Estivan Hermez)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 09:11
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة من ذكريات الطفولة ..


لم تكن بيوت حي المنصور في الموصل مجرد جدران وازقة متشابهة، بل كانت أضلعاً في جسد واحد.
في ذلك الحي التابع لمعمل الغزل والنسيج الحكومي بالموصل ، كما كان يسمى انذاك ، كانت الأبواب المفتوحة تخلط روائح الخبز الموصلي، تماماً كما تخلط العوائل العربية والكردية والمسيحية ضحكاتها وأحاديثها اليومية على عتبات الأبواب.

في تلك الظهيرة الملتهبة بأشعة الشمس، لم يكن لأطفال الحي عهد بالـ "بلي ستيشن" أو الشاشات الباردة، بل كانت الأيدي هي التي تخلق المتعة من العدم. وكانت ذروة التكنولوجيا ومصدر الفخر للأطفال هي (عربانة أم البولبرينات) ، لوح خشبي بسيط، يستند في الخلف على بولبرينين ، وفي الأمام على "بولبرين" ثالث يتحكم به مقود خشبي بدائي ، كانت تلك "العربانة" في عيوننا تضاهي سيارات "البهبهاني" الفارهة التي يركبها الأثرياء اليوم.

الشمس في كبد السماء تصب لهيبها فوق الموصل، حتى خُيل إلينا أن إسفلت الشارع المنحدر بدأ يذوب تحت الأقدام. الشارع خلا تماماً من السيارات والمارة الذين فروا إلى ظلال البيوت، لكن الهجير لم يكن ليطفئ حماس طفلين.
كنتُ أعتلي المقعد الخشبي مزهواً كقائد أسطول ، وخلفي صديق طفولتي الصدوق – الذي لم تزدنا الأيام والمقاعد الدراسية منذ الابتدائية وحتى اليوم إلا تمسكاً ببعضنا، انحنى بجسده النحيل، وبكلتا يديه يتشبث بظهري ، وبدأ يدفعني بكل ما أوتي من عزم (أسرع.. أسرع يا صديقي ) ههتفْتُ به والحماسة تأخذ بمجامع قلبي.

بدأت العربة تكتسب سرعة جنونية مع انحدار الشارع، والهواء الحار يصفع وجهي، وصوت احتكاك حديد "البولبرينات" بالإسفلت يملأ الحي بصخب رائع.

كانت المتعة مطلقة، والسرعة تملأ رأسي بنشوة لا توصف.
وفجأة.. وفي لحظة الانتشاء القصوى، اهتز المقود بعنف في يدي ، وانخلع المحور الأمامي تماماً.

لم أستوعب ما حدث إلا وأنا أتدحرج على الإسفلت الساخن برفقة قطع الخشب المتناثرة، سقطتُ سقطة مدوية، وارتطم جسدي بالأرض.
ركض صديقي نحوي وعلامات الذعر تعلو وجهه: "هل أنت بخير؟!"
قمتُ أنفض الغبار، ولم أكن أشعر بألم الكدمات، بل تجمدت نظراتي رعباً على (بيجامة البازة) الجديدة، التي خاطتها أمي حديثاً ولم أهنأ بها بعد، تمزقت بشكل فاضح!
"يا إلهي.. العقاب!" همستُ والرعب يتسلل إلى قلبي.
قلت لصديقي والخو ف من العقاب يهزني: وما العمل الآن ؟
قال صديقي : لاتهتم سنتدبر الأمر.

في بيت صديقي حاولت اخفي جريمتي بخياطة البجامة يدوياً، لكن بطريقة خنفشارية .
عدتُ إلى البيت بخطوات وئيدة، ويدي اليسرى ملتصقة بالشق، تحاول جاهدة حجب القماش المهترئ والجلد المخدوش تحتها. دخلت إلى غرفة الجلوس محاولاً التسلل بحركة جانية مريبة.
لمحتني أمي، قطبت حاجبيها وسألتني بشك: "ما بك؟ لماذا تضع يدك هكذا على بيجامتك؟" , ابتلعتُ ريقي، وحاولت رسم ابتسامة عفوية خالية من الذنب: "لا شيء يا أمي.. لا شيء أبداً، يعجبني أن أمشي هكذا، أشعر بالراحة!" .

نظرت إليّ بنظرة ثاقبة اختصرت كل خبرة الأمهات في كشف كذب الطفولة.
لم تمر ثوانٍ حتى تحركت يدها لتزيح يدي غصباً، لينتصب الشق الفاضح أمام عينيها.
عانق الصمت المكان للحظة، قبل أن أدرك يقيناً أنني، ورغم كل المراوغة، لن أفلت من العقاب في ذلك اليوم التموزي الطويل....



#اسطيفان_هرمز (هاشتاغ)       Estivan_Hermez#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الستر لغة الاقوياء
- رتاج الروح
- وهج الظلمات
- صمود الجراح
- حياك يا وطن
- دعاء
- الويل للخونه
- رحلة نحو المجهول
- أستثناء
- أزمة الإنسانيه إلى اين
- عيد أكيتو رحلة أسطورية بين الخلق والتجدد
- ذات الرِّداء الأصفر
- لحن التفاهه
- شموخ نخله
- انتظار
- الفاتورة
- اول لقاء
- اول لقاء..
- الكنيسة في زمن الفردانية: كيف نحافظ على الشعور بالانتماء؟
- بوابة المجد


المزيد.....




- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...
- مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
- 27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
- سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
- افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان ...
- استطلاع.. الأفلام السوفيتية التي ينتظر الجمهور مشاهدة نسخ جد ...
- 45 دولاراً لدور بطولة.. هل يُطيح الذكاء الاصطناعي بالممثلين ...
- طرزان: -ظننت أن ثعبانا حديديا ابتلعني-!
- رواية اقتبس عنوانها من آية قرآنية تتحول إلى فيلم سينمائي
- فنانون روس يشاركون في مهرجان -الفيل الذهبي- بإسبانيا لأول مر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسطيفان هرمز - العربانة وبجامة البازة