علي عبد الرحيم صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 13:29
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هل تساءلت يوما أو أنتابك الفضول لماذا يقلد الناس بعض الحركات الغريبة والموضات الصارخة والسلوكيات العفوية التي تصدر عن المشاهير والمؤثرين أو حتى الناس العاديين؟؟ لماذا ينتزع الناس قيمهم ومبادئهم ويتعروا عن كرامتهم الأخلاقية أمام الآخرين في منصات التواصل الاجتماعي من دون أن يلتفتوا إلى جدوى هذا السلوك ونقده؟!، هناك الكثير من الأمثلة التي لاقت رواجا وانتشار بين الناس في وقت قصير جدا على الفيس بوك والتيك توك واليوتيوب بوصفه (ترند Trend) حتى أصبحت بعض هذه الترندات أيقونة أو ثيمة في الإعلانات والحديث اليومي وروح الدعابة وضرب الأمثلة. ولعل أشهرها في العراق (جاهزين..جاهزين- لابوبو- شنو اليوم)، فضلا عن التحديات التي يصنعها أصحاب المحتوى على التيك توك واليوتيوب في الرقص والغطس وتناول الطعام....وقد يصل الأمر إلى تناول المواد غير الصحية ومحاولات الانتحار والاعتداء على الآخرين. يحاول هذا المقال أن يحلل هذه الظاهرة، وأن يستكشف لماذا ينساق الناس وراء سلوكيات غير منطقية، ويقلدون أشخاص غرباء لا يعرفونهم ولم يلتقوا بهم سابقا في العالم المادي والرقمي، وما الذي يجعل هذه الترندات تنتشر بسرعة كبيرة بين الناس؟
يطلق علماء النفس الاجتماعي على ظهور وانتشار هذه السلوكيات بالتأثير الاجتماعي، الذي يقصد به ميل الأفراد إلى أن تصبح معتقداتهم وسلوكياتهم أكثر شبها بمن حولهم مثل عائلتهم وأصدقائهم وشركائهم في العمل، ويحدث هذا التأثير بشكل عفوي وتلقائي احيانا، دون أي نية واضحة من أي شخص لتغيير الآخر إلا أن الناس يشاركون هذه العملية كونها مهمة جدا في تنظيم حياتهم وسلوكياتهم الاجتماعية، فنحن نعتقد أن لدى الآخرين معرفة قيّمة برأي أو قضية ما، فنستخدم تلك المعلومات لمساعدتنا في اتخاذ قرارات معينة، كذلك يظهر التأثير الاجتماعي كأداة سريعة للتعبير عن الانتماء لجيل وثقافة فرعية معينة، أو بتأثير ما يطلق عليه بالخوف من الفوات (FOMO - Fear Of Missing Out) الذي هو حالة قلق مستمرة تنتج عن الشعور بأن الآخرين يعيشون تجارب ممتعة أو يمتلكون معرفة حصريّة، مما يدفع الفرد للمشاركة السريعة لضمان التواجد في قلب الحدث. وبهذا نحن نشارك الآخرين أنشطتهم وانفعالاتهم وأفكارهم حتى تجعلنا مقبولين لديهم، ونحمي أنفسنا من العزلة أو رفض الآخرين.
ويشمل التأثير الاجتماعي سلوكيات عديدة، وأهم هذه السلوكيات بالنسبة لنا (التقليدي السلوكي لوضعيات الجسم، والإيماءات، وتعبيرات وجه الآخرين مثل تقليد الناس للاعب إيرلينغ هالاند) و(تأثير القطيع عبر تبني معتقد أو اتجاه أو سلوك معين مثل شراء الناس للسلع وقت الأزمات أو وقوف طوابير لشراء طعام أو منتج معين) و(الموضات والهوس الاجتماعي الذي يشير إلى أفعال جمعية غير منظمة تنتشر بسرعة وبطريقة عفوية بين السكان مثل الترندات وموضات الملابس).
النظام 1 والنظام 2
لماذا ينساق الناس وراء سلوكيات معينة من دون تحليلها أو نقدها أو تجنبها؟
طرح دانيال كانمان وراموس تفيرسكي نظرية معرفية اجتماعية أطلق عليها معالجة المعلومات ثنائية النظام (Dual-Process Theory) التي ترى أننا نستعمل نظامين في معالجة المعلومات، هما النظام 1 يطلق عليه بـ(التفكير السريع / الآلي)ومن خصائصه أنه يعمل تلقائياً، وبسرعة فائقة، وبأقل جهد ذهني ممكن، ومن دون الشعور بالتحكم الواعي. والنظام 2 يطلق عليه (التفكير العقلاني / النقدي) ومن خصائصه أنه يعمل ببطء، وبوعي واضح، ويتطلب تركيزاً وجهداً عقليا مكثفاً. ويرى " كانمان وراموس تفيرسكي" أنه كلما تكرر الحدث أو الترند في مواقع التواصل الاجتماعي فأنه يعمل على ظهور النظام 1 الذي يعمل على ضعف المقاومة النقدية للعقل، كون التكرار ينتج عنه الضغط الاجتماعي للانصياع، والاستجابات السريعة للانتماء والتقليد وخلق الروابط العاطفية مع الحدث، وبهذا تظهر الاستجابة الفورية للموضة أو البدع الشائعة بوصفها نمطا جاهزا ومريحا ومن دون الحاجة للتفكير، فتمر المعلومة عبر النظام 1 بسهولة لجعلها تبدو حقيقية ومألوفة، ويتوهم العقل أن هذا السلوك آمن ولا يتطلب استدعاء النظام 2 لتقييمه. في حين أن استعمال الأفراد للنظام 2 يحفزهم على التشكيك، والتحليل، وحساب المخاطر، وتفنيد الحجج والادعاءات، ويستوقف هذا السلوك هل هو منطقي ومناسب أم أنه مجرد انسياق؟
تأثير الأغلبية Majority Effect
كيف يتخلى الفرد عن تقييمه المنطقي والشخصي لصالح رأي الجماعة؟
هل تستطيع حقا أن تعارض قرار الجماعة حتى وأن كان خاطئا؟ الإجابة لا، إذ ينساق أكثر من 75% من الناس وراء رأي الجماعة حتى عندما يعرفوا أنها على خطأ، فتؤثر سلوكيات أو معتقدات جماعتنا (الأغلبية) على سلوكياتنا أو معتقداتنا. فنحن نرغب بقبول الآخرين والاندماج معهم، ونتجنب التعرض للرفض والأهمال والعقوبة. فعندما تقول جماعة تحبها (مثل زملاءك في الصف) أنهم يحبون مسلسل تلفزيوني معين، فقد تبدأ بالقول أنك تحبه، كما ستجد نفسك تقلد الموضة التي تقلدها جماعتك، وإلا فأنك ستبدو غريبا عن هذه الجماعة المفضلة. وبهذه الطريقة تمارس الأغلبية ضغطا صامتا على الفرد للانصياع لها، ولا تحتاج الجماعة إلى تهديد الفرد بشكل مباشر؛ بل إن مجرد إدراك الفرد أن الأغلبية متفقة على سلوك أو رأي معين سيؤدي إلى خلق ضغطاً نفسياً نحو الامتثال عبر إعادة صياغة الإدراك (Perceptual Distortion) في ضوء (تشويه الفرد لإدراكه) والافتراض الفعلي أن رؤية الجماعة هي الصحيحة وأن حواسه تخدعه؛ أو (تشويه حكمه) بأقناع نفسه أن الجماعة لديها قدرة على التقييم بدرجة أفضل من قدرته الفردية، أو (تشويه السلوك) لتجنب الشعور بالنشاز أو العزلة. وبهذا سيقول الفرد لنفسه أن الجميع يفعل هذا، لابد من أنه سلوك ممتع وصحيح.
الإطار الانفعالي- العصبي
كيف يخبرنا جسدنا أن هذا السلوك ممتع؟
تؤكد نظرية داماسيو (عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو) أن العواطف والمشاعر ليست عائقاً للتفكير، بل هي أساس العقل والوعي، وأن الإنسان يفكر بجسده وبإشاراته العصبية والفسيولوجية لاتخاذ القرارات السليمة. بمعنى أن التجارب والعواطف تخلق "علامات جسدية" (مثل تسارع ضربات القلب أو التوتر) فيقوم الفرد بربط هذه العلامات بقراراته وتوجيه السلوك نحو أفعال معينة (مثل تقليد الموضة أو الترند). بمعنى عندما يتعرض الفرد لتجربة الموضة أو الترند المثير تُصدر اللوزة الدماغية إشارات عصبية وحشوية سريعة (Somatic Markers) ونواقل وهرمونات يصنعها الدماغ (مثل الأوكسيتوسين الذي يحفز الشعور بالانتماء، والدوبامين الذي يحفز الشعور بالنشوة والمكافأة الفورية)، مما يعمل ذلك على ممنح الفرد شعوراً عاطفياً مكثفاً بالرغبة في المشاركة. هذه الإشارات العصبية السريعة تتجاوز القشرة الجبهية المسؤولة عن النقد والتحليل. وبدلاً من أن يسأل العقل: "هل هذا السلوك عقلاني؟"، فأنه يستجيب للانفعال الجسدي المباشر، مما يمنح إحساساً بالفرح والقبول، يجب أن أفعله الآن. وبما أن العاطفة لا تلغي المنطق تماماً، بل تُسخّره لخدمتها؛ حيث تُجبر القشرة الجبهية على اختراع أسباب بلمسة عقلانية لتبرير السلوك الاجتماعي والانفعالي الذي تم اتخاذه بالفعل.
العدوى العاطفية
كيف نقلد الآخرين بطريقة عمياء؟
العدوى العاطفية هي ظاهرة نفسية يقوم فيها الشخص بتقليد مشاعر وسلوكيات المحيطين به أو يمتصها من دون وعي منه، مما يؤدي إلى انتقال الحالة المزاجية -سواء كانت إيجابية كالضحك والبهجة أو سلبية كالخوف والغضب والتوتر- من فرد لآخر أو داخل الجماعة البشرية. مثال ذلك تقليد غناء الآخرين وشراء واستهلاك منتج معين وانتقال اعمال الشغب والصخب بين جمهور من الناس والجري خلف جمهور خائف. وقد وضعت عالمة النفس إيلين هاتفيلد (Elaine Hatfield) وزملاؤها — نظرية نفسية وعصبية تشرح كيف تنتقل المشاعر والانفعالات بين الأفراد بسرعة فائقة، مما يؤدي إلى شلل التفكير النقدي وسرعة السلوكيات الجمعية. وترى هاتفيلد أن هذه العملية تتم عبر ثلاث مراحل، فعند تعرض الفرد لخبرة معينة (مشاهدة ترند معين لشخصية مشهورة) تحدث المرحلة الأولى (التقليد اللاواعي) في ضوء نسخ الفرد تعابير وجه وحركات جسم الطرف الآخر ويبدأ بتقليدها. تأتي بعدها المرحلة الثانية (ردود الفعل الجسدية) حيث تعمل الحركات المقلدة على أرسال إشارات للمخ تولد الشعور العاطفي المماثل. وهنا تظهر المرحلة الأخيرة (التقارب العاطفي) عبر تطابق المزاج العام بين الأشخاص بشكل تدريجي. مما يعزز ذلك مشاعر الانتماء والتعاطف مع الآخرين.
تحصين العقل
كيف نوظف قوانا العقلية ومقاومتنا النقدية ضد موجات الغزو الإلكتروني؟
إن تحصين أنفسنا ضد المغريات الرقمية ليست بالعملية السهلة، إذ تحتاج من الفرد أن يفعل قواه ومهارات العقلية وعدم الانجراف عاطفيا وراء مغريات مقاطع الفديو وتجنب مشاركتها أو تأييدها، لذلك تحتاج هذه العملية ممارسة يومية نستطيع في ضوئها تفعيل المقاومة النقدية وتحويلها إلى استجابة تلقائية ومستمرة. وبهذا الصدد توصل علماء النفس إلى مجموعة من الوسائل التي تساعدنا على تجنب تقليد وتأييد المحتوى الرقمي، ومنها ما يطلق عليه بممارسة المهلة العقلية (Micro-pauses)، التي هي عبارة عن إيجاد فاصل زمني (وليكن 10 ثوانٍ) بين تلقي المعلومة أو الموضة وبين اتخاذ القرار (كإعادة النشر، أو الشراء، أو التبني)؛ هذه المهلة تُعطل استجابة النظام 1 في التفكير السريع وتتيح الفرصة للنظام 2 التحليلي في تحليل الموقف. يمكن أيضا استعمال المراجعة الواعية وإدراك التحيزات الموجودة في الرسائل الرقمية المواجهة، ويتم ذلك عبر تحليل الرسالة التي يحملها المنشور، ومدى جدواها للمشتركين والأصدقاء وما هي تداعيات نشرها. وقد صاغ علماء النفس هذه العملية بما يدعى بأسئلة المصفاة العقلية، التي تتضمن أربعة أسئلة نقدية عند التعرّض لـ (ترند، فكرة، خبر، أو خطة سلوكية)، فيمر المحتوى عبر أربع مراحل رئيسية (من المصدر: مَن المروج وما مصلحته؟)، ومن ثم (ما الدليل: ما البينة أو الحجة المنطقية التي تساند الترند؟)، بعد ذلك نتساءل عن (ما البدائل: هل توجد تفسيرات أو خيارات أخرى؟)، وأخيرا التفكير بـ (ما النتيجة: ما التبعات طويلة المدى إذا تبنيتُ هذا السلوك؟)
هناك وسائل أخرى مفيدة في تجنب الإغراء الرقمي، منها تقليل الإغراق المعلوماتي في ضوء تقليص وقت التعرض للتدفق العشوائي للمحتوى وتجنب "الإنهاك الإدراكي" الذي يُضعف قدرة القشرة الجبهية على التمييز. وتقنية فصل العاطفة عن فكرة المحتوى عبر الانتباه للرسائل ذات الشحن العاطفي (كالخوف، الانبهار الفائق، أو الشعور بالفوات) والتوقف عن التفاعل معها حتى تهدأ الفورة الانفعالية. فضلا عن استراتيجية التفكيك والتركيب لتحصين العقل ضد الأفكار الجاهزة والبدع السلوكية، فهنا يقوم الفرد بتفكيك الفكرة من المؤثرات البصرية، والصوتية، والشحن العاطفي، وصياغتها في عبارة منطقية مجردة. ومن ثم يقوم فحص متطلباتها عبرالتساؤل عما إذا كانت هذه العبارة تتوافق مع القواعد المنطقية والمبادئ العقلية أم أنها تعتمد فقط على الشهرة أو كثرة المرددين.
#علي_عبد_الرحيم_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟