أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّمَانُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّمَانُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 21:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ عري الوجود ودهشة العدم: كيف يولد الوعي الفلسفي من رماد العروض السحرية

إن السؤال عما إذا كانت الهشاشة الناتجة عن إنهيار العروض السحرية تمثل الشرط الأساسي لولادة الوعي الفلسفي الصافي يفتح الباب أمام مساءلة جذرية لتاريخ الوعي البشري وتطور أشكاله في مواجهة الوجود والعدم حيث يشكل السحر تاريخيا المحاولة الأولى للإنسان لترويض العالم عبر الوهم والرمز وتأطير الغموض في قوالب طقسية جاهزة تمنح الطمأنينة الوهمية و تزيل قلق الكينونة عبر سد الفجوات التي يفتحها العدم في وجه الوجود البشري وحين تنهار هذه العروض السحرية وتتلاشى الهيمنة الأسطورية للطقس تتكشف عارية تلك الهشاشة الوجودية العميقة التي كانت العروض تختبئ خلفها مما يجبر الذات على مواجهة الواقع بلا حواجز مهدئة وهنا بالتحديد تكمن نقطة الإنبثاق الأولى للوعي الفلسفي الصافي الذي لا يرتكز على اليقينيات الجاهزة بل يولد من رحم الدهشة و التشكيك والتصادم المباشر مع العدم المطلق بوصفه الحقيقة الأبدية التي تتكشف حين تسقط الأقنعة وتتوارى الإستعراضات الميتافيزيقية القديمة. إن إنهيار السحر ليس مجرد حدث تاريخي عابر بل هو إنزياح أنطولوجي عارم ينقل الإنسان من فضاء المشاركة السحرية التلقائية التي يذوب فيها الفرد داخل الجماعة والكون إلى فضاء الإنفصال والفرادة حيث تبرز الذات بوصفها كيانا منسيا يبحث عن معناه خارج اليقينيات المطلقة وتتحول الهشاشة الناتجة عن هذا الإنهيار من مجرد ضعف مؤقت إلى شرط جوهري ومحرك أساسي للتفلسف لأن الفلسفة بطبيعتها لا تنشأ في حضن الإكتمال و الإمتلاء بل تولد من التمزق والإفتراق ونقصان المعنى فعندما تنكسر المرايا السحرية التي كانت تعكس للعالم صورة مزيفة عن السيطرة والإمتلاك يجد الإنسان نفسه وجها لوجه أمام العدم الذي يحيط به من كل جانب وحينها لا يعود العدم مجرد غياب عارض بل يتحول إلى أفق للتأويل و مساحة حرية تتيح للوعي أن يرتد إلى ذاته ليمارس النقد والمساءلة والبحث عن أساس متين لا يرتكز على الوهم بل على الوعي بذاته المحدودة والمتناهية. بهذا المعنى يغدو الوعي الفلسفي الصافي ثمرة مريرة لكنها ضرورية لإنهيار الأوهام السحرية وهو ليس ترفا عقليا بل إستجابة وجودية حتمية لنداء المعنى المفقود في عالم تتآكل فيه اليقينيات القديمة و تتوارى خلف أفق مفتوح على الإحتمالات كافة وتصبح الهشاشة هي البوتقة التي تنصهر فيها قوالب الفكر القديم لتتخلخل لصالح بناء مفاهيم جديدة تعترف بالعدم مكونا بنيويا للكينونة الإنسانية و بهذا يتأكد التداخل العضوي بين السحر والعدم و الفلسفة حيث يمثل السحر محاولة الهروب و العدم مرآة الحقيقة والفلسفة شجاعة النظر في وجه العدم دون الإستعانة بعصا سحرية ودون الإرتكاز على عروض وهمية توفر الطمأنينة على حساب الحقيقة.

_ رهاب الفناء ومرايا الوهم: كيف يحصّن السحر الوعي المأزوم ضد حتمية العدم

إن الخوف الجذري من الفناء يمثل المحرك الخفي والعميق وراء كل محاولات الوعي المأزوم للهروب من حتمية العدم عبر الإرتماء في أحضان الخدع السحرية والرموز الغامضة حيث يعاني الوعي البشري حين يدرك متناهيته من أزمة وجودية حادة تتمثل في عجزه عن تقبل زواله النهائي وهنا ينشأ الدافع الأطولوجي لإنتاج الوهم بإعتباره درعا واقيا يمنع الذات من الإنهيار تحت وطأة العدم المطلق وحين يجد الوعي نفسه محاصرا بفراغ الموت والعدم فإنه يشرع في إحتراف السحر وصياغة الرموز المعقدة لا بوصفها مجرد ألعاب ترفيهية أو طقوس إحتفالية بل بإعتبارها أدوات سيطرة وهمية تعيد هندسة الواقع وتوهم الكائن بقدرته على قهر الزمن و تجاوز حدود الجسد والمصير المأساوي المرسوم له إن الخدع السحرية هنا تشكل محاولة مستميتة لإخفاء حقيقة العدم خلف ستار من الدهشة المصطنعة والغموض المفتعل الذي يمنح النفس المأزومة شعورا زائفا بالأمان و الخلود المؤقت مما يجعل الرموز الغامضة لغة سرية يتواصل بها الوعي الهارب مع عوالم بديلة يخلقها خصيصا ليحتمي بها من قسوة الحقيقة العارية. يتجلى هذا الدور النفسي و الأنطولوجي للخوف من الفناء في كون السحر والرموز الغامضة لا يقدمان حلولا حقيقية لمعضلة الوجود بل يمارسان عملية تخدير عميقة للوعي تغويه بالإستغراق في الظواهر المضللة على حساب مواجهة الجوهر فالوعي المأزوم الذي يسيطر عليه الرعب من الموت والزوال يفضل دائما العيش في كهف الظلال السحرية حيث توفر له الرموز الغامضة إطارا تفسيريا مغلقا يبرر له إستمرار الوهم ويجنبه صدمة الإصطدام المباشر بالعدم غير أن هذه الحرفة السحرية تحمل في طياتها مفارقتها الكبرى إذ إنها بقدر ما تحاول حماية الذات من الفناء فإنها تكرس تبعيتها للوهم و تعمق أزمتها لأن كل خدعة سحرية جديدة تتطلب خدعة أعمق وكل رمز غامض يحتاج إلى تأويلات أكثر تعقيدا لتغطية التصدعات المستمرة في جدار الواقع الوهمي مما يدخل الوعي في دائرة مفرغة من الإستهلاك الوجودي المستمر للرموز حيث يتحول الخوف من الفناء من مجرد محفز للبقاء إلى سجن محكم يمنع الكائن من بلوغ حريته الفلسفية الصافية التي لا تتحقق إلا بتحطيم تلك الأصنام الرمزية ومواجهة العدم بشجاعة ودون وسائط سحرية. بهذه الطريقة يتحول الإرتباط بين السحر والعدم عبر بوابة الخوف إلى علاقة جدلية معقدة فكلما زاد حضور العدم في أفق الوعي كلما لجأ الوعي إلى إبتكار المزيد من الخدع و الرموز وكلما تعمقت هذه الخدع زادت هشاشة الوعي وعجزه عن إحتمال الواقع مما يبرز الحاجة الملحة لتفكيك هذه المنظومة الوهمية وفهم الآليات العميقة التي يدير بها الخوف من الفناء رغبة الإنسان في الخلود و التصديق بالخوارق وإن إحتراف السحر ليس سوى إستجابة دفاعية متطورة لرفض العدم لكنه يظل إستجابة عرجاء تعجز عن تقديم الخلاص الحقيقي لتظل الفلسفة وحدها هي القادرة على تحرير الوعي من سطوة الخوف عبر تحويل العدم من كابوس مفزع إلى أفق للتفكير والوجود الأصيل.

_ صدمة النسبي وعرش العبث: عندما يواجه الكائن عري الوجود بلا دروع سحرية

إن العبث الوجودي يمثل التجسيد الأعنف و الأكثر راديكالية لذلك التناقض البنيوي العميق الذي يحكم الكينونة البشرية حيث يجد الإنسان نفسه ممزقا بلا رحمة بين رغبة جامحة لا تتوقف نحو المطلق وبحث محموم عن المعنى الأزلي و الثبات الأبدي وبين واقع صلب محكوم بالأسر التام للنسبي و الزائل والمحدود وفي قلب هذه الهوة السحيقة بين ما يطلبه الوعي وما يتيحه الوجود تنبثق لحظة العبث بوصفها الصدمة الأنطولوجية الكبرى التي تكشف عن عري الكائن أمام عته الواقع ولا شك أن هذا التناقض الجذري يجد جذوره الأولى في ذات الآليات التي ينتجها الإنسان للهروب من العدم حيث كانت العروض السحرية والرموز الغامضة في أصلها محاولات مستميتة لرتق الفجوة بين النسبي والمطلق عبر إختلاق جسور وهمية من الخوارق والقداسة المزيفة غير أن سقوط تلك الأنساق السحرية و تحطم دروعها الوهمية أمام طغيان العقل العلمي وتعرية الوجود أفرز فراغا هائلا تحول فيه التناقض البشري من أزمة معزولة إلى حالة وجودية عامة يختبر فيها الكائن عجزه الأبدي عن الإمساك بالمطلق وحين تنهار كل الحيل السحرية التي كانت توهم الإنسان بإمكانية تجاوز الفناء والإتصال بالأبدية يتربع العبث على عرش الوعي المأزوم معلنا إستحالة التوافق بين تطلعات الروح الكونية وقسوة المادة الزائلة ليصبح العبث بذلك هو المرآة الصادقة التي تعكس هذا التمزق البنيوي الأزلي. إن العلاقة الوثيقة بين السحر والعدم تتبلور بوضوح تام عند تفحص هذه الثنائية القاتلة بين طلب المطلق و الوقوع في أسر النسبي فالسحر في جوهره لم يكن سوى محاولة إحتيال أنطولوجية مارسها الوعي البشري للإلتفاف على حقيقة النسبي و تطويعه لخدمة أشواق المطلق فمن خلال التعويذات والطقوس والرموز السحرية سعى الإنسان إلى منح أفعاله المحدودة صبغة أبدية و إضفاء قيمة مطلق على أشياء فانية غير أن هذه الأنساق الهشة ما فتئت تتداعى تحت ضربات الزمن والواقع لتكشف عن الحقيقة المرة الممثلة في أن كل محاولة لهروب النسبي نحو المطلق عبر بوابات الوهم لا تنتهي إلا بالإرتطام بصخرة العدم المطلق وهنا تحديدا تبرز المفارقة الكبرى حيث يتحول العدم الذي حاول السحر نفيه و إخفاءه طويلا إلى المكون الأساسي للعبث الوجودي فالعجز عن إيجاد معنى مطلق في عالم نسبي لا معني له يغدو هو التعريف الأوضح للعبث الذي يولد على أنقاض السحر المنهار و عندما يدرك الإنسان أن محاولاته السابقة لترويض الوجود لم تكن سوى أوهام عابرة تتهاوى أمام صمت الكون الأبدي ينفتح أمامه أفق جديد إما أن يقوده إلى اليأس والعدمية السلبية أو يدفعه نحو تبني شجاعة العبث بمعناها الكاموي أو السارتري حيث يصبح الوجود بلا معنى دافعا للحرية المطلقة والإبداع الحر المستقل عن أي غائية مسبقة. بهذه الطريقة يتأكد أن العبث الوجودي ليس مجرد حالة مزاجية عابرة أو نزوة فكرية طارئة بل هو النتاج الحتمي والمنطقي لتصادم الرغبة المطلقة للبنية البشرية بجدران النسبي المغلقة بعد أن فقدت تلك البنية أسلحتها السحرية القديمة في مواجهة العدم فالإنسان المأزوم الذي كان يتسلى بالخدع والرموز ليحمي نفسه من وعي الفناء يجد نفسه بعد إنهيار السحر عاريا تماما أمام عبثية الوجود مما يجعله مجبرا على إعادة تعريف كينونته لا بوصفها إمتدادا للمطلق عبر الوهم بل بوصفها حضورا مؤقتا وواعيا بذاته داخل عالم أصم لا يكترث بنداءات الروح وتطلعاتها الحارقة وبهذا تتحول الهشاشة و العبث معا من مجرد علامات ضعف وجودي إلى مساحات فريدة للتأسيس لفعل فلسفي أصيل يتخلى عن العروض السحرية المزيفة ويقبل بتحدي العيش في قلب العدم معتصما بالوعي الحر والمسؤولية الكاملة عن خلق المعنى الذاتي المفقود بلا رتوش أو أوهام.

_ تاج العجز ومحطة النضج: تواضع الساحر المنهار على عتبة العدم المطلق

إن التواضع الوجودي للساحر المنهار يمثل اللحظة الفارقة و الأنبل في رحلة الوعي البشري الطويلة نحو إكتشاف ذاته بعد أن تتهاوى صرح مملكته الوهمية وتتكسر مرايا الخدع التي طالما إستند إليها في إضفاء هالة زائفة من السيطرة و الخلود على كينونته المتناهية وحين تنقشع سحب التعويذات والرموز الغامضة التي كانت تحجب عنه قسوة الحقيقة العارية يجد السحر و الوهم قد أفلسا معا أمام زحف العدم الذي ينتزع منه كل أسباب التعالي الزائف ليقف الكائن لأول مرة عاريا إلا من ضعفه الإنساني البحت وهنا بالذات يبرز التواضع الوجودي بوصفه الملاذ الأخير والوحيد لإعادة بناء التوازن المفقود فبدل أن يستغرق المنهار في يأس مدمر أو يبحث عن أوهام جديدة يعوض بها خسارته يختار هذا السحر القديم أن يخلع عباءة التعالي ويقر بعجزه أمام صمت الكون الأبدي محولا هذا الإعتراف الصريح بالضعف من نقطة إنكسار إلى نقطة إنطلاق جديدة نحو وعي أكثر عمقا وأصالة يرتكز على قبول الحدود البشرية لا على محاربتها بالخوارق والمستحيلات. يتجلى هذا التحول العميق في كون التواضع الوجودي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالعدم والسحر على أسس جديدة وموضوعية تماما فالساحر الذي إعتاد على ترويض الوجود بالوهم والرموز السرية يكتشف عبر الإنهيار أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على خداع الواقع بل في الشجاعة القصيّة على النظر إليه بوجهه الحقيقي دون رتوش أو وسائط وعندما يتخلى عن رغبته المرضية في الهيمنة المطلقة يتحرر من عبىء الحفاظ على مملكة وهمية تتطلب منه كذبا مستمرا وجهدا مضنيا لتغطية التصدعات المتسارعة فيها وبهذا التحول يتبدل معنى التوازن فيصير إنسجاما هادئا مع إيقاع الوجود الفاني بدلا من أن يكون صراعا عبثيا مع حتمية الزوال إذ يدرك السحر المنهار أن قيمته الإنسانية لا تستمد من رتبة الألوهية المصطنعة التي منحها لنفسه عبر السحر بل تستمد بالأساس من قدرته على مواجهة العدم بقلب راض وعقل متيقظ يعي تماما هشاشته ولكنه رغم ذلك يرفض الإستسلام الكامل للعدمية السلبية متمسكا بخلق معناه الخاص من قلب العدم ذاته. بهذه الطريقة يصبح التواضع الوجودي هو الجسر المتين الذي يعبر عليه الوعي من أزمة الإنهيار السحري إلى رحابة الفلسفة الصافية فالإنسان الذي تصالح مع عجزه وأسقط عن أكتافه أثقال المعجزات الوهمية لم يعد خائفا من الفناء بالدرجة السابقة لأن خوفه كان ينبع أصلا من وهم السيطرة المطلقة وحين تسقط تلك السيطرة يتلاشى الخوف الممرض ليحل محله هدوء وجودي عميق يسمح بالكائن بأن يعيش لحظته الراهنة بكثافة ووعي تامين بعيداً عن صخب الخدع و غبار الرموز الغامضة وبهذا تكتمل الدائرة الجدلية بين السحر والعدم والفلسفة حيث يمثل السحر البداية الوهمية للسيطرة ويمثل العدم الحقيقة الصادمة التي تهدم تلك البداية ويمثل التواضع الوجودي للساحر المنهار الخاتمة الناضجة التي تعيد الإعتبار للإنسان بوصفه كائنا متناهيا يستمد عظمته الحقيقية من قبوله لشروط وجوده الأرضي لا من هروبه المستمر نحو سماء الأوهام الخارقة.

_ زيف العصا وصلابة الوعي: المفارقة الأنطولوجية بين القوة المصطنعة وقبول الحدود

إن الفرق الجوهري بين القوة الحقيقية النابعة من قبول الحدود والقوة المصطنعة المستمدة من السحر والوهم يكمن في البنية الأنطولوجية لكل منهما وفي طبيعة علاقتهما الأساسية بالعدم و الواقع فبينما تمثل القوة المصطنعة إنعكاسا مرضيا لهروب الوعي المأزوم من حتمية الفناء مستندة إلى عروض سحرية ورموز غامضة توهم الكائن بقدرته المطلقة على ترويض الوجود و إلغاء الزمن فإن القوة الحقيقية تنبثق شجاعة من قلب الإعتراف الرصين بالمتناهية البشرية و القبول الواعي للحدود التي يفرضها العدم على الكينونة فالساحر الذي يستمد إقتداره من الأوهام والخدع يعيش في حالة إستنزاف مستمر لأن مملكته المزيفة تقوم على أساس هش يخشى إنهياره عند كل إصطدام حقيقي مع صلابة الواقع مما يجعل قوته معلقة بحبل سديم من الأكاذيب المقدسة التي تحتاج إلى تدعيم دائم وتستر متواصل بينما الكائن الذي يختار طريق القوة الحقيقية يتخلى نهائيا عن عصا السحر ويتصالح مع عجزه الجذري محولا هذا الضعف الظاهري إلى مصدر إثبات أصيل لذاته الوجودية. تتجلى هذه المفارقة الكبرى بجلاء عند تأمل آليات إشتغال هاتين القوتين في مواجهة التحديات الكبرى للوجود فالسحر بإعتباره محاولة إحتيال أنطولوجية لا يقدم سوى حلول وهمية مؤقتة تخدع الوعي وتغويه بالإستغراق في الظواهر المضللة على حساب مواجهة الجوهر فالقوة المصطنعة هي قوة هشة من حيث أصلها لأنها تنهار سريعا بمجرد أن تتقاطع مع حقيقة الموت أو تتهاوى مرايا الوهم تحت ضربات الزمن الصارم مما يترك صاحبها عاريا تماما و أكثر عرضة للإنهيار النفسي والعقلي أمام طغيان العدم وفي المقابل نجد أن القوة النابعة من قبول الحدود تتأسست على قاعدة صلبة من الوعي الحر والمسؤولية الكاملة فهي لا تحاول تزييف الحقيقة ولا تتهرب من مواجهة العدم بل تتخذه مرآة صافية لإختبار صلابة الإرادة الإنسانية فالإنسان الذي يقبل بحدوده المتناهية لا يبحث عن معجزات خارقة للعادة بل يصنع معناه الخاص من قلب الفناء ذاته مستمدا تماسكه من إستقلاله الروحي ووعيه العميق بأن عظمة الإنسان لا تكمن في إمتلاك القدرات المطلقة بل في شجاعته على العيش بكثافة و كرامة في عالم يخلو من أي ضمانات سحرية. بهذه الطريقة يتبين أن القوة السحرية المصطنعة هي في حقيقتها ضعف مستتر يرتدي رداء البطولات الوهمية بينما القوة المستمدة من قبول الحدود هي أرفع تجليات القوة البشرية الناضجة لأنها تحرر الكائن من قيود الوهم و تنقذه من الدائرة المفرغة للإستهلاك الوجودي للرموز الغامضة لتلتقي هذه الثنائية في النهاية عند مفترق الطرق بين الهروب والحرية فالأولى تبقي الإنسان أسيراً لمملكته المنهارة وخائفاً أبدياً من شبح الفناء بينما الثانية ترتقي بالوعي إلى مصاف الفلسفة الصافية حيث يتحول العدم من كابوس مفزع إلى فضاء فسيح للتفكير الأصيل و الخلق الحر المتجرد من كل أشكال الخداع و التزييف.

_ وهم السرمدية وحتمية الستار: ثنائية البداية والنهاية على مسرح الوهم السحري

إن ثنائية البداية والنهاية تتجلى بكل دموية و درامية في مسرح العروض السحرية بوصفها محاولة مستميتة وإستماتة أنطولوجية لتحريف الإيقاع الطبيعي للوجود والإلتفاف على الحتمية الصارمة للزمن والكون فالعرض السحرى يبدأ دائما بلحظة تأسيسية خادعة تعلن التمرد على الناموس الكوني و توهم المتفرج بأن البداية هنا ليست مجرد نقطة إنطلاق بل هي إعلان طلاق بائن مع الفناء وتأسيس لمملكة سرمدية من الخوارق والوهم المتقن حيث تنبثق البداية السحرية محملة برغبة مرضية في إلغاء مسار التاريخ البشري وكسر قبضة الموت عبر ألعاب الخفة والرموز الغامضة التي تقدم وعودا كاذبة بالخلود والسيطرة المطلقة غير أن هذه البداية المصطنعة تحمل في أحشائها بذور نهايتها الحتمية لأن كل عرض سحري مهيأ بطبيعته للإنهيار وكل ستارة تفتح لإبهار الوعي لابد أن تسدل في النهاية على حقيقة العدم السافرة لتكشف أن محاولة تحدي الزمن والكون ليست سوى إستعراض عابر يتهاوى سريعا أمام صخرة الواقع الصلب. تتعمق هذه الثنائية الجدلية بين البداية والنهاية حين ندرك أن السحر في جوهره محاولة عبثية لإلغاء الفارق بين ما يبدأ وما ينتهي فالعروض السحرية تحاول إيهام الكائن بأن البداية يمكن أن تستمر بلا نهاية وبأن الزمن المحدود يمكن تمديده عبر التعويذات والخدع المضللة غير أن الكون بصمته الأبدي والعدم بتربصه الدائم لا يرحمان هذه المحاولات الطفولية للإلتفاف على الناموس الأنطولوجي فكلما توغل الساحر في عرض مملكته الوهمية متخيلا أنه إستطاع خداع الزمن كلما إقتربت اللحظة التي تنكشف فيها الخدعة زيف العصا وصلابة الوعي: المفارقة الأنطولوجية بين القوة المصطنعة وقبول الحدود وتتهاوى فيها الأقنعة لتتحول النهاية من مجرد نهاية لعرض ترفيهي عابر إلى سقوط مدو لكل أوهام التعالي البشري ومواجهة صارمة مع العدم الذي يحيط بالبداية والنهاية معا ومن هنا تتجلى المفارقة الكبرى في مسرح السحر حيث تصبح النهاية الحتمية للمملكة الوهمية هي الشرط الضروري و المؤلم لولادة الوعي الفلسفي الصافي الذي يتعلم أخيرًا أن عظمة الإنسان لا تكمن في قدرته على إختراع بدايات أبدية لا تنتهي بل في شجاعته على قبول نهايته المتناهية والعيش بصدق و وعي داخل حدود الزمن الفاني دون الحاجة إلى ستائر الخدع وغبار الرموز الغامضة.

_ صدى الفراغ وسحر التعويذة: كيف تستمد الكلمة قوتها من وجه العدم

إن الكلمة السحرية عند نطقها لا تستمد قوتها المتخيلة من الوجود الحقيقي الصلب ولا تشتق سلطتها من أصل أنطولوجي ثابت بل تنبثق تماما من صدى الفراغ العدمي المحيط بها وتتغذى على رعب الكائن من ذلك الصمت الكوني الأبدي الذي يحاصره من كل جانب فالبنية اللغوية للسحر ليست سوى صرخة وهمية يطلقها الوعي المأزوم في وجه العدم المطلق لملىء الفراغ المروع الذي يخلفه إدراك الفناء وبدل أن تكون الكلمة السحرية دلالة على حضور حقيقي أو تجسيدا لجوهر فاعل فإنها تتحول إلى مجرد صدى يتردد بين جدران العدم ليوهم الساحر بأن صوته قادر على إختراق جدران الموت وقهر الزمن فالقوة المزعومة لتلك الكلمة هي قوة مستعارة من العدم نفسه إذ إن كل تعويذة أو رمز غامض إنما يستمد هيبته من قدرته المؤقتة على لفت الإنتباه عن الفراغ الهائل الذي يتربص بالوجود البشري وكلما كان الفراغ العدمي المحيط بالكلمة أعمق وأكثر ترويعا كلما إحتاج الوعي إلى تضخيم سحر الكلمة ومضاعفة تأثيرها الوهمي لعلها ترد عنه صدمة العدم التي تتهدده بالزوال الشامل. تتجلى هذه المفارقة الميتافيزيقية بوضوح حين ندرك أن الكلمة السحرية تمارس خداعها الذاتي من خلال تحويل العدم من تهديد وجودي إلى مادة أولية لصناعة الوهم فالتجربة السحرية برمتها تقف على حافة الهاوية تستمد ديناميكيتها من هذا التوتر الخفي بين ما هو كائن وما هو فاقد للمعنى فالساحر حين ينطق بكلماته السرية لا يخاطب أشياء حقيقية موجودة في العالم بل يصارع شبح العدم الكامن خلف الكلمات محاولا بالتلاوة و الترديد أن يبني سدا منيعا من الأصوات والرموز يمنع التابوت الأبدي من الإغلاق عليه غير أن هذا الصدى العدمي الذي تقتات عليه الكلمة السحرية يحمل في ذاته بذور فنائها لأن الصوت مهما علا ومهما إشتد سحره لابد أن يخفت في النهاية ليعود وينصهر في صمت العدم الأصلي الذي لا بديل عنه وحين تتلاشى نبرات الوهم وتخرس الكلمات السحرية لا يتبقى سوى الفراغ العاري الذي يواجهه الوعي الفلسفي الصافي بلا حيل أو وسائط. بهذا المعنى يتبين أن الكلمة السحرية هي الوجه الآخر للعدم فبدل أن تواجه الذات العدم بشجاعة و حرية تلجأ إلى تغليف الفراغ بكلمات رنانة وتعويذات جوفاء توهمها بأنها قادرة على خلق الوجود من عدم ومن هنا فإن قوة السحر المزعومة ما هي إلا إنعكاس مقلوب لعجز الإنسان أمام فراغه الداخلي وحين يسقط هذا الغطاء اللفظي الوهمي ويصمت صدى التعويذات تفتح أمامه الأبواب الحقيقية للوعي الفلسفي الذي لا ينتظر قوة مستمدة من الفراغ بل يستمد حريته وصلابته من قبول العدم بوصفه الأفق الذي تكتسب فيه الكلمات الحقيقية معناها الأصيل بعيدا عن زيف السحر وخداع الرموز.

_ أسر الأسماء وإنقلاب اللاشيء: حين يغدو الساحر عبداً لكياناته الوهمية

إن الساحر حين يشرع في إستلال الأسماء و الكيانات من جوف اللاشيء الصامت فإنه يمارس لعبة خطرة مع العدم يظن في بدايتها أنه السيد المطاع والمالك الأوحد لزمام القوة والخلق الوهمي غير أن الديناميكية الخفية لهذه العملية تنقلب سريعا على صانعها ليجد نفسه محاصرا بما صنع وفريسة لأسماء أطلقها بنفسها من عتمة الفراغ فالتسمية السحرية ليست مجرد فعل لغوي عابر بل هي عملية إنتزاع أنطولوجي تحاول منح هويات مستقلة لما هو في أصله عدم محض وحين ينجح الساحر في إستنطاق اللاشيء وخلق تلك الكيانات الرمزية لتبارز الواقع وتلغي حتمية الفناء فإنه يمنحها شيئا من طاقته النفسية و الوجودية لتكتسب تدريجيا إستقلالية مزيفة تعلو على سلطته وتستبد به فالعقل الذي إخترع الأوهام ليحمي نفسه من رعب الفراغ يقع سريعا في أسر أوهامه ذاتها لأن الأسماء المستلة من العدم تحمل في طياتها طبيعة صامتة ومخيفة لا تلبث أن ترتد على خالقها مطالبة بطاعة عمياء مما يحول الساحر من سيد للمملكة الوهمية إلى عبد ذليل لكيانات صنعها بيديه وصاغها من رعب العدم. تتعمق هذه المأساة الأنطولوجية حين ندرك أن الكيانات التي يستلها الساحر من اللاشيء هي في حقيقتها إنعكاسات مشوهة وموضوعية لخوفه الدفين من الموت والزوال فكل إسم رمزي يطلقه على كائن خرافي أو قوة خفية إنما يجسد جانبا مقمعا من ذاته المأزومة التي تعجز عن مواجهة العدم وجها لوجه وحين تتكاثر هذه الأسماء وتكتسب هالة مقدسة من رهبة الغموض تتشكل شبكة معقدة من القيود الوهمية التي تحاصر الساحر وتخنق حريته الفلسفية فبدل أن تخدم هذه الكيانات رغبته في التخليد والسيطرة تتحول إلى سجن محكم يغلق أفق الوعي ويمنعه من رؤية العالم خارجه ليصبح الهاجس الأكبر للساحر هو كيفية إرضاء تلك الكيانات التي إستلها من العدم و كيفية الحفاظ على إستمراريتها رغم هشاشتها القصوى مما يغرقه في دوامة دائمة من الخوف الإستعبادي والقلق الوجودي المضاعف الذي يفوق في قسوته ألم الفناء الأصلي الذي هرب منه منذ البداية. بهذا الإنقلاب الدراماتيكي تتكشف حقيقة العلاقة المرضية بين السحر و العدم فالساحر الذي حاول إستغلال اللاشيء لصالحه وجد نفسه وقد إبتلعه ذلك اللاشيء بعد أن إرتدى ثياب الأسماء والكيانات المستقلة ليتأكد مجددا أن كل قوة تُستمد من غير أساس واقعي متين لا تلبث أن تنقلب إلى وبال وعبودية طاحنة وحين ينهار هذا العالم المصطنع وتتحطم الأسماء الوهمية تحت ضربات الواقع والزمن يقف الساحر أخيرا عاريا من كل أسلحته ليواجه الحقيقة التي طالما حاول الهروب منها وهي أن اللاشيء لا يمكن ترويضه بالأسماء وأن الحرية الحقيقية للوعي لا تولد من إستنطاق العدم بالأوهام بل من شجاعة الصمت أمامه وقبول حدود الكينونة الإنسانية دون إستجداء لخيام الأسماء والرموز الغامضة.

_ حياد العدم وصمت الكون: كيف تحرر اللامبالاة الكونية الوعي البشري من أوهامه

إن تدمير العدم للمشاريع السحرية الكبرى لا يعبر أبدا عن عدالة كونية بالمعنى الأخلاقي الإنساني بل هو تجسيد ساطع لحياد مطلق أصم لا يكترث بالبشر ولا يعبأ بأحلامهم أو أوهامهم التخريبية فالعدم ليس قاضيا عادلا ينتصر للحق على حساب الباطل ولا هو قوة أخلاقية تأخذ بثأر الواقع من طغيان الوهم بل هو ببساطة الحضور الأنطولوجي الأبدي الذي يتجاوز كل حسابات الكائن البشري ورغباته في الخلود والسيطرة و حين تنهار تلك المشاريع السحرية العظيمة التي بناها الإنسان على أمل تحدي الزمن وقهر الموت فإن هذا السقوط الممدد لا يتم بناء على محاكمة عادلة أو عقاب إلهي بل يحدث وفق ناموس الصمت الكوني الذي يرفض بطبيعته أي إحتلال وهمي لمساحاته فالعدم لا يحارب السحر كرها فيه بل يبتلعه ببساطة كما تبتلع الرمال المتحركة خطوات العابرين لعدم إكتراثه المطلق بمدى ضخامة الحلم أو براءة الوهم مما يضع الوعي البشري أمام الحقيقة المرة الممثلة في أن الكون ليس مسرحا للعدالة المعنوية بل هو فضاء شاسع من الحياد الصارم الذي يترك الكائن وحيدا في مواجهة مصيره دون أي تعاطف أو إنحياز. تتجلى هذه المفارقة المأساوية في أن الإنسان المأزوم طالما أساء تأويل هذا الحياد المطلق فنسب إليه صفات العدالة أو القسوة محاولا عبر السحر والرموز الغامضة أن يقيم علاقة تفاوضية مع العدم كأن يقدم القرابين والتعويذات لإستمالة قوى الكون أو إتقاء شرور الفناء متخيلا أن بإمكانه لفت إنتباه الوجود إلى هشاشته غير أن تدمير المشاريع السحرية الكبرى يثبت دائما بطلان هذه التصورات النفسية إذ يتبين أن العدم لا يغضب من السحر ولا يعاقب صانعيه بل يتعامل مع محاولات التحدي البشري بتجاهل مطبق يكشف عن عمق الهوة السحيقة بين تطلعات الكائن وصمت الطبيعة الأبدية وهذا الحياد المطلق هو في حقيقته أكثر قسوة من أي عقاب معلن لأنه يحرم الإنسان من شعور الأهمية المأساوية ويتركه تائها في عالم أصم لا يكترث بنهوضه ولا بسقوطه مما يجعل الإنهيار السحري صدمة مزدوجة، صدمة ضياع الوهم و صدمة إكتشاف العزلة المطلقة في كون لا يبالي بوجود العدم أو زواله. غير أن هذا الحياد المطلق للعدم والذي يبدو في ظاهره مرعبا ومحبطا لكل طموحات السحر والتعالي هو ذاته المنبع الخفي لحرية الإنسان ووعيه الفلسفي الصافي فعندما يدرك الكائن أن العدم لا ينتقم منه بل يتجاهله و أن الطبيعة لا تحاربه بل تقف على حياد تام منه يتساقط عنه وهم الوصاية الكونية وينتهي زمن الإستجداء السحري المذل ليقف أخيرا كائنا راشدا يتحمل مسؤولية وجوده العابر بكامل الوعي والشجاعة فبدل أن ينتظر عدالة موهومة من كون أصم يتعلم الوعي الفلسفي كيف يخلق معناه الخاص من قلب الفلسفة ووسط ركام الممالك السحرية المنهارة ليتحول الحياد المطلق للعدم من مصدر رعب وبؤس إلى أفق فسيح للتحرر البشري الأبدي حيث لا قيود سوى قيود الحرية ولا سلطان سوى سلطان الفكر المتجرد الذي يعانق الوجود بصدق تام ودون أي إستجداء للوهم.

_ خطيئة التمرد ومأزق السيادة: الإشكالية الأخلاقية لإختراق النظام الإلهي بالوهم السحري

إن الإشكالية الأخلاقية المترتبة على سعي الإنسان لإختراق النظام الإلهي للكون عبر الوسائل السحرية تكمن في ذلك التمرد الوجودي المتمثل في محاولة الكائن المتناهي إلغاء المسافة الأنطولوجية الفاصلة بين الخالق و المخلوق والقفز فوق الناموس الكوني المرسوم بهدف الإستحواذ على سيادة مطلقة لا تليق بطبيعته المحدودة فالساحر حين يوظف التعويذات والرموز الغامضة لا يكتفي بمجرد إستكشاف أسرار الوجود بل يسعى جاداً إلى إعادة هندسة الإرادة الكونية وتطويع القدر لخدمة أهوائه الشخصية ورغبته الجامحة في الهروب من حتمية الفناء والضعف مما يمثل إنقلابا أخلاقيا خطيرا يتحول فيه الإنسان من عبد خاشع و مشارك واعٍ في النظام الإلهي إلى مدعٍ للألوهية يمارس الإحتيال الميتافيزيقي لفرض مشيئته القاصرة على عالم محكوم بنظام أزلي أصم وحين ترتكز هذه المحاولات السحرية على تزييف الحقائق وخداع الوعي فإنها تفقد كل اساس أخلاقي سليم لتغدو فعلا إستبداديا يرفض الإعتراف بالحدود المرسومة للكينونة البشرية ويستبدل التسليم الواعي للوجود بالغطرسة الوهمية التي تقود حتما إلى التخريب المعنوي للذات وللكون معا. تتجلى هذه الأزمة الأخلاقية بأعمق معانيها حين ندرك أن السحر بوصفه محاولة للإلتفاف على النظام الإلهي إنما يستمد طاقته من إستغلال الفراغ العدمي وإقامة مملكة زيف على أنقاض الحقيقة فبدل أن يواجه الإنسان قدره بشجاعة ومسؤولية أخلاقية خالصة يختار طريق الهروب الجبان مستعينا بأدوات خادعة توهمه بقدرته على خرق القوانين الكونية دون دفع الثمن الأنطولوجي الحقيقي و هذا التنصل الأخلاقي من شروط الوجود يفرز بالضرورة وعيا مأزوما وعابثا يرى في الأخلاق مجرد أداة أخرى للسيطرة أو قناعا إضافيا يغطي به هشاشته العميقة فالساحر الذي يخترق النظام الإلهي بوهم القوة المصطنعة يسقط في فخ الإستعباد لكيان وهمي صنعه بنفسه مما يجرده تدريجيا من إرادته الحرة وقيمته الأخلاقية الأصيلة ليتحول من كائن مسؤول إلى ترس تافه في آلة الأوهام التي أقامها للهروب من شبح العدم وحين تتهاوى هذه المشاريع السحرية الكبرى تحت ضربات الواقع الصارم يكتشف الكائن فداحة خطيئته الأخلاقية المتمثلة في ضياع العمر والروح في سبيل سراب كاذب لا يعيد إليه سوى العري المطلق والإعتراف المتأخر بعجز الإنسان عن مغالبة ناموس الكون. بهذا الإنكشاف المأساوي تتأكد الحاجة الملحة لتجاوز هذه الإشكالية الأخلاقية عبر التخلي النهائي عن كل أشكال السحر والتعالي الوهمي والإعتراف المتواضع بحدود الكينونة البشرية أمام النظام الإلهي الأكبر فالأخلاق الحقيقية لا تنبثق أبدا من محاولة إختراق الكون بالخدع و الأباطيل بل تولد أساسا من شجاعة القبول وقوة الإحتمال و من الإستعداد الكامل للعيش بصدق وكرامة داخل الأفق الذي رسمه الوجود للفاني وحين يسقط الساحر وتتحطم مملكته الوهمية ويتعرى الوعي أمام صمت العدم والكون فإن فرصة تاريخية و أخلاقية فريدة تفتح أبوابها أمام الإنسان لكي يبني أخلاقياته الخاصة على أساس الحرية المسؤولة و الوعي الصافي بعيداً عن أي إستجداء للغيب عبر الوسائل السحرية المرفوضة ليتحول الإنسان من مجرد محتال أنطولوجي يبحث عن الخلود بالوهم إلى كائن أخلاقي أصيل يعانق وجوده المتناهي بشجاعة وإباء تامين.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- طوفان الكادحين فوق عرش الإمبريالية: نداء الحرب المفتوحة على ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...


المزيد.....




- ترامب: البحرية الأمريكية أزالت جميع الألغام البحرية في مضيق ...
- بيان عُماني إيراني مشترك يكشف عن مقترح لإدارة مضيق هرمز.. ما ...
- بحماية جنود إسرائيليين.. نائب يميني متطرف يحطم نصباً فلسطيني ...
- وزير: طائرة -الإطفاء- الروسية قامت مرارا بحماية البيوت من ال ...
- ألمانيا ترحّل 23 أفغانيًا -معظمهم مدانون بجرائم خطيرة-
- السعودية تؤكد ضرورة بقاء مضيق هرمز وباب المندب مفتوحين وآمني ...
- 5 عادات يومية ترفع ضغط الدم دون أن تشعر
- عُمان وإيران تتفقان على إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك في مضيق ه ...
- الجيش الروسي يدمر خزانات وقود تابعة للقوات الأوكرانية في مين ...
- قراءة إسرائيلية: الولايات المتحدة تريد قطع صلة إيران بالعالم ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّمَانُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-