أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 13:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ كماشة الزوال: إختزال الحاضر بين جذور الماضي الهالكة و مخاوف العدم

حين يُختزل الحاضر في مجرد لحظة عابرة تتنازعها جذور الماضي الهالكة ومخاوف المستقبل العدمية، يجد الوجود الإنساني نفسه عالقاً في مأزق أنطولوجي خانق يفرغ التجربة الزمنية من كل عمق عضوي ويحولها إلى نقطة تصادم مأساوية بين حطام الزوال وأطياف العدم، فالزمن في التجربة البشرية الأصيلة ليس شريطاً ميكانيكياً متصلاً، بل هو تدفق حي يحمل في صلبه إمكانية التجدد والتحقق؛ غير أن تدخل السحر وإستدعاء طاقات العدم الطقسية يعيدان هندسة هذا الحاضر ليصبح ساحة حرب شعواء بين أشباح ماضٍ إستنفد معناه ومستقبل موحش يحمل في طياته نذير الفناء المطلق، و هنا تتحول اللحظة الحاضرة من وعاء فسيح للفعل والإبداع إلى سجن ضيق تتجاذبه التناقضات، حيث تفقد إستقلاليتها وفرادتها لتغدو مجرد ممر إلزامي تتقاطع فيه خطوط الموت الرمزي القادمة من الإتجاهين، مما يعطل صيرورة الكائن ويدفعه نحو هاوية الإغتراب الكامل عن ذاته وعن عالمه. في قلب هذا التجاذب العدمي، يفقد الماضي طابعه الحيوي بوصفه ذاكرة خصبة تستلهم منها الدروس، ليتحول بفعل التعاويذ والممارسات السحرية إلى جذور هالكة وضاغطة تفرض وصايتها الإستبدادية على الحاضر، مهددة إياه بالإجتثاث أو التكرار الأبدي، فبدلاً من أن يكون الماضي قاعدة إنطلاق نحو الأمام، يصبح عبئاً ثقيلاً يجر الكائن إلى الخلف نحو أشكال من الموت المكرر، وفي المقابل يرتدي المستقبل لبوس العدم الخالص، فلا يلوح في الأفق كأفق مفتوح للإحتمالات والإمكانات، بل يطل برأس المخاوف المطلقة التي تتربص بالوجود وتفرغه من أي دافع للأمل أو الفعل، وهكذا يجد الحاضر نفسه محاصراً بين كماشتين، كماشة ماضٍ ميت يرفض الرحيل وكماشة مستقبل عدمي يستعجل الفناء، لتفقد اللحظة المعاشة نبضها الأصيل وتتحول إلى مسرح عبثي تتهاوى فيه كل معاني المعنى و الوجود، حيث لا شيء يتبقّى سوى صدى الفراغ وتداعيات الإغتراب المستشري في جسد الصيرورة البشرية. هذا التمزق الذي يعيشه الحاضر تحت وطأة السحر والعدم يكشف عن عجز الكائن عن الإقامة المطمئنة في زمانه، فالإستيطان الحقيقي للحاضر يتطلب سلاماً نسبياً بين أبعاد الزمن الثلاثة، وهو سلام تخرقه بوحشية الممارسات السحرية التي تسعى إلى تجميد التدفق أو توجيهه نحو غايات هدامة، و حين تتصارع جذور الماضي الهالكة مع مخاوف المستقبل العدمية داخل وعي الإنسان، فإنها لا تدمر الحاضر وحده بل تدمر إمكانية التاريخ نفسه، محولة إياه إلى سلسلة من الإنكسارات المتتالية التي تبتلع الحيوات والأحلام في لجج من اللاتحديد، وعليه فإن الخروج من هذا المأزق الوجودي يقتضي بالضرورة تحرير الحاضر من براثن هذا التنازع المدمر، وإعادة الإعتبار للزمن بوصفه طاقة خلق وحرية قادرة على تجاوز إرث الفناء ومواجهة شبح العدم بشجاعة الوعي المتبصر والفاعل.

_ تصدع الذاكرة: تقويض الهوية وهشاشة الإستمرارية في لجج طقوس اللاشيء

حين تتسلل طقوس اللاشيء إلى نسيج الوعي الإنساني و تشرع في تقويض أركانه، تتعرض الذاكرة بشقيها الفردي و الجماعي لتصدع أنطولوجي مدمر ينخر في جذور الهوية و يعطل إستمرارية الزمن بوصفه الحاضن الطبيعي لتجربة الوجود، فالذاكرة ليست مجرد مستودع سلبي للأحداث و الوقائع المنقضية، بل هي المحرك الخلاق للصيرورة والأسس الصلبة التي يبنى عليها الشعور بالإستمرارية والمعنى؛ غير أن إستدعاء العدم عبر الممارسات السحرية و الطقوس الهادمة يعمد إلى تفتيت هذا النسيج الحي وتفريغه من حمولته التاريخية والنفسية، ليحل محل الترابط العضوي للأيام سكون ممرض وفراغ مطبق يعيد صياغة الماضي والحاضر وفق شروط التلاشي والإنكار، وهنا تفقد الذاكرة قدرتها على الوصل بين ما كان وما سيكون، لتتحول إلى شظايا متناثرة تائهة في لجج اللاتحديد والعدم الممنهج الذي يبتلع كل أثر للحياة والأمل. على المستوى الفردي، يتجلى هذا التآكل بوضوح في تحول الذاكرة الشخصية من وعاء غني بالخبرات والعبر إلى مجرد أشباح باهتة تتقاذفها رياح الإغتراب، فالساحر حين يوظف طقوس اللاشيء لتجميد الزمن أو توجيهه نحو غايات عدمية، فإنه يعزل الفرد عن سياقه الحيوي ويقذفه في بؤرة معزولة من اللحظات المبتورة، حيث تتبخر تفاصيل السيرة الذاتية وتتلاشى ملامح التجربة الإنسانية تدريجياً، ليجد الإنسان نفسه غريباً عن ذاته وعن ماضيه، عاجزاً عن إستحضار المعنى أو ربط أفعاله الحاضرة بجذورها النفسية، وهذا الشلل الذاكراتي لا يقتصر على نسيان الأحداث، بل يتعداه إلى تدمير القدرة على الشعور بالإستمرارية، مما يجعل الفرد مسخاً مؤقتاً يعيش في فراغ مطلقة تتقاسمه أطياف الماضي الهالكة و مخاوف المستقبل المفزعة، دون أن يمتلك القدرة على التموضع الحقيقي في حاضر ينبض بالحياة والإبداع. أما على المستوى الجماعي، فإن تآكل الذاكرة بفعل طقوس العدم يكتسي أبعاداً كارثية تهدد كيان المجتمعات و هويتها التاريخية، فالتاريخ الجماعي هو الدرع الواقي الذي يحمي الجماعة من التشتت و الإنمحاء، وحين تقتحم قوى السحر و العدم هذا الأفق، فإنها تعمد إلى تلغيم الرمزية المشتركة و تفريغ الأساطير والتقاليد من محتواها الحيوي لتحولها إلى طقوس ميتة تعبد الفراغ وتكرر الموت الرمزي، وبدلاً من أن تكون الذاكرة الجماعية منارة تستلهم منها الأجيال إرادة الصمود وصنع المستقبل، تصبح عبئاً ثقيلاً يجر المجتمع نحو هاوية التقهقر والتقويض الذاتي، حيث تتساوى البطولات بالهزائم وتطمس معالم الهوية لتغدو الجماعة مجرد حشد من الكائنات المستلَبة التي تقودها تعاويذ اللاشيء نحو الإنصهار في بوتقة العدم الشامل. هذا التآكل المزدوج للذاكرة يكشف عن الوجه الحقيقي للسحر بوصفه أداة تدمير بنيوي تستهدف جوهر الكينونة البشرية، فالزمن هو العدو الأول للعدم، لأنه يحمل في طياته إمكانية التجدد والتجاوز، ومن هنا تسعى طقوس اللاشيء إلى تدمير الذاكرة لأنها الحصن الأخير الذي يحمي الزمن من التلاشي، وحين تنجح هذه الممارسات في كسر هذا الحصن، ينهار البناء الإنساني بأسره و تتلاشى الحدود الفاصلة بين الوجود والعدم، لتغدو الحياة برمتها صدىً باهتاً لطقوس عمياء تعيد إنتاج الفراغ بلا غاية، وعليه فإن مواجهة هذا التصدع الوجودي تتطلب إستعادة جذرية للذاكرة بوصفها فعلاً للمقاومة والحرية، وإعادة بناء لجسور التواصل مع الصيرورة التاريخية لتخليص الإنسان و مجتمعاته من براثن العدم الممنهج وأوهام التجميد السحري.

_ معجزة الإنبعاث: إستعادة إيقاع الزمن وتحرير الصيرورة من أسر العدم

إن تساؤل القدرة على إستعادة الزمن لإيقاعه الطبيعي بعد تعرضه لتخريب ممنهج عبر بوابات السحر يفتح الباب أمام أفق أنطولوجي بالغ التعقيد يلامس حدود المعجزة الوجودية و الخلاص البشري، فالزمن حين يسقط في فخ الممارسات السحرية ويخضع لسطوة الطقوس العدمية، لا يتعرض لمجرد خدش عابر أو تأخير مؤقت في حركته، بل يرتطم بإنهيار بنيوي يفرغه من محتواه الحيوي ويحوله إلى ركام من اللحظات المبتورة والمشوهة التي تستعصي بطبيعتها على العودة التلقائية إلى سيرورتها المعهودة، ومع ذلك، فإن الإقرار بصعوبة العودة لا يعني إستحالتها المطلقة، بل يدفعنا إلى الغوص في أعماق الجدلية القائمة بين قوة العدم الغاشمة وإرادة الحياة الكامنة في صلب الوجود الإنساني، تلك الإرادة التي تسعى دوماً لكسر أطواق التجميد وإعادة الإعتبار للتدفق العضوي للأيام والسنوات عبر مخاض عسير من المقاومة والوعي المتبصر. تتطلب عملية إستعادة الزمن الطبيعي أولاً وقبل كل شيء تفكيكاً جذرياً لبنى السحر و العدم التي أحكمت قبضتها على مفاصل الصيرورة، فالتعاويذ الطقسية وطلاسم اللاشيء لا تزول لمجرد مرور الوقت، بل تتطلب فعلاً نقيضاً يتجلى في الوعي اليقظ والثورة المعرفية ضد آليات التلاشي والإنكار، وحين يشرع الإنسان في تفكيك هذه المنظومة الهدامة، فإنه يبدأ تدريجياً في إزالة الغشاء الكابوسي الذي غلف الحاضر وعزل الماضي و أطفأ أفق المستقبل، وهذا المخاض التطهيري لا يعيد الزمن دفعة واحدة سحرية مماثلة لطريقة تخريبه، بل يمر عبر مسار بطيء ومتشعب يتلمس فيه الكائن نبض الحياة الأصيل وسط حطام الفراغ المطلق، مستعصياً على محاولات الإعادة الدائرية المكررة، ومستعيدا شيئاً فشيئاً قدرته على التشكل والإنفتاح نحو الإحتمالات الممكنة. إضافة إلى ذلك، فإن عودة الزمن إلى إيقاعه الطبيعي تقتضي بالضرورة إعادة بناء الذاكرة الفردية والجماعية وتحريرها من براثن الجذور الهالكة والأشباح الطقسية، فالذاكرة هي الصمام الأمان الذي يحمي التدفق الزمني من الإنزلاق مجدداً نحو هاوية اللاتحديد، وحين تستعيد الذاكرة عافيتها وقدرتها على الوصل الحي بين ما كان وما سيكون، فإنها تعيد ضخ الدم في شرايين الصيرورة المعطوبة، لتتحول اللحظة الحاضرة من ممر إلزامي للموت الرمزي إلى بؤرة متجددة للفعل و الحرية والخلق، وهنا ينتصر الوجود على العدم لا عبر إلغائه كلياً، بل عبر ترويضه ووضعه في حجمه الطبيعي بوصفه الحد الأقصى المتناهي الذي يبرز بدوره قيمة المعنى الإنساني المكتوب بماء الشجاعة و التجاوز المستمر. بهذا المعنى الواسع والعميق، يغدو إستعادة الإيقاع الطبيعي للزمن فعلاً تحررياً بإمتياز يثبت أن الإنسان، مهما بلغت قسوة التخريب السحري وتجذرت طقوس العدم في كيانه، يمتلك في عمق كينونته قدرة فذة على بعث الحياة من رحم الفناء والرماد، فالزمن الأصيل ليس معطىً جامداً يُمنح أو يُسلب بالتعاويذ، بل هو إنجاز بشري مستمر يتجدد بالتجربة و الوعي والإرادة، وحين يتطهر الوجود من أدران الإستبصار المظلم وهيمنة اللاشيء، فإنه يعود ليعانق تدفقه الخلاق في أفق مفتوح على الملايين من الإمكانات التي تنتظر أن تُصاغ بمعاني الحرية الحقة والوجود المتجدد بإستمرار دون نكوص أو إنكسار.

_ هروباً من الصيرورة: رعب الزمن، أوهام التجميد، وسقوط الكينونة في حضن اللاشيء

يكمن في الجوهر الخفي للوجود البشري توتر أنطولوجي أصيل يتأتى من حقيقة التناهي و الزوال، حيث يشكل التدفق المستمر للزمن هاجساً مرعباً للكائن المهدد دائماً بالفناء والتغير المستمر، وحين يعجز الوعي عن إحتواء هذا القلق الوجودي الهائل، تنبثق رغبة دفينة ولاجئة نحو الهروب من سيولة الحياة إلى صلابة السكون المطلق الذي يقدمه العدم بوصفه ملاذاً وهمياً من عناء الصيرورة، فالخوف من تدفق الزمن ليس مجرد خوف عابر من مرور اللحظات، بل هو رعب عميق من حقيقة أن كل ثانية عابرة تقرب الكائن أكثر فأكثر من حافة الهاوية، مما يدفع النفس المستلبة إلى البحث عن طقوس و آليات سحرية قادرة على تجميد الحركة وتعطيل عجلة الأيام، وكأن في هذا السكون الميت خلاصاً موهوماً من ألم التغير وتكلفة الحرية ومسؤولية صناعة المعنى في عالم محكوم بالتناهي والزوال في هذا السياق المتأزم تتشابكة خيوط السحر و العدم لتشكل شبكة من التعاويذ والممارسات التي تلبي هذه الرغبة الدفينة في الهروب، فالساحر وممارس الطقوس الهدامة لا يتحركان من فراغ، بل يستجيبان لذلك النداء الخفي القادم من عمق الخوف الإنساني من الزمن، و حين تُستدعى قوى العدم لتجميد التدفق العضوي للحياة، فإنها تمنح الكائن الخائف وعداً كاذباً بالإستقرار الأبدي عبر إلغاء الصيرورة و تحويل الحاضر والمستقبل إلى كتل صماء لا تطالها يد التغيير، وهنا تتجلى العلاقة الخفية في كون السحر ليس سوى أداة تقنية لتنفيذ رغبة العدم في إبتلاع الوجود، حيث يرتمي الإنسان بمحض إرادته المغيبة في حضن السكون المطلق لللاشيء، هارباً من ضجيج الأيام وصعوبة مواجهة المجهول، ليتخلى عن حيويته وإبداعه في مقابل الحصول على طمأنينة مزيفة قوامها الموت الرمزي والتلاشي الممنهج. هذا الإرتماء المأساوي في حضن العدم لا يمثل في حقيقته إنتصاراً على الخوف، بل هو إستسلام تام له و تكريس لهزيمة الكينونة، فالإنسان الذي يهرب من تدفق الزمن بحثاً عن السكون المطلق إنما يهرب من الحياة نفسها، لأن الوجود الحقيقي لا يتحقق إلا في قلب الصيرورة ومعانقة التغير بشجاعة الوعي المتبصر، وحين تنجح تعاويذ السحر في تحقيق هذا السكون الميت، فإنها تقضي على الإمكانية الإنسانية برمتها وتفرغ الوجود من غايته، لتتحول الحياة إلى سجن طويل يحرسه الفراغ وتنعدم فيه أسباب النبض و الحركة، وعليه فإن كشف هذه العلاقة الخفية بين الخوف من الزمن والإرتماء في العدم يمثل الخطوة الأولى نحو تحرير الوعي من أوهام التجميد الطقسي، و إعادة الإعتبار للزمن الحي بوصفه أفقاً مفتوحاً للحرية والتجاوز في مواجهة كل نزعات الفناء والإنكار.

_ طلاسم الفناء: السحر، تقييد الزمن، ومأساة الهروب من حتمية التناهي

يمثل الزمن في التجربة الوجودية الإنسانية ذلك التدفق الأنطولوجي الأبدي الذي لا يستوقف، و هو النبض الخفي الذي يحمل الكائنات من رتبة الإمكان إلى درك الفناء، ومن سطوة الحضور إلى ظلال الغياب، وأمام هذا السيل العارم و الزحف القهري للصيرورة، يقف الكيان البشري مأزوما بين رغبته العارمة في الخلود وقدره المحتوم بالتناهي، ومن هنا تنبثق تلك الإستجابات المعرفية والنفسية المتعددة التي تحاول ترويض الزمن أو الإلتفاف على حتميته، وفي طليعتها الممارسة السحرية المتمثلة في التعويذات و الطلاسم و التمائم، فالنظرة الفلسفية العميقة إلى هذه المحاولات لا تقاربها بوصفها مجرد خرافات ساذجة أو ممارسات هامشية، بل ترتئي فيها تجليا جذريا لرغبة المتاهة الإنسانية في الهروب من قبضة العدم، وتمرداً أنطولوجياً صامتاً على قسوة الموت والزوال، فالسحر في جوهره العميق ليس سوى محاولة يائسة ومستميتة لإعادة هندسة الواقع وإيقاف أو إبطاء حركة الساعات الكونية من خلال رموز لغوية و شيفرات سرية يفترض فيها إمتلاك قدرة سحرية على تجميد اللحظة وتقييد حركة الزمان في أسرار طلاسم مكتوبة. إن تفكيك هذه الظاهرة من منظور فلسفة الوجود و ميتافيزيقيا العدم يحيلنا مباشرة إلى طبيعة العلاقة الرابطة بين السحر و العدم، فالعدم ليس مجرد غياب فيزيائي بسيط للكائن، بل هو التهديد المستمر والظل الثقيل الذي يلوح في أفق الوعي البشري مع كل دقيقة تمر وتنقضي، فالزمن هو الوجه العملي للعدم لأنه يستهلك الإنسان ويأكل من رصيد وجوده تدريجيا، ومن هذا التهديد الوجودي المباشر يندفع الإنسان نحو إختراع آليات دفاعية ميتافيزيقية تتمثل في التعويذة والطلسم، وكأن الحرف المرسوم أو الكلمة المنطوقة في الطقس السحري قادرين على تشييد جدار عازل في وجه طوفان الزمن العارم، فالطلسم هو في حقيقته محاولة لوقف تدفق الكينونة نحو العدم عن طريق خلق بقعة زمانية و مكانية مستقرة و مجمدة لا تخضع لقانون التغير، وكأن الساحر أو الطالب للخلود يسعى إلى نزع اللحظة الحالية من سياقها التاريخي والكوني المتدفق ليثبتها إلى الأبد في قالب سرمدي مصطنع، غير أن الفلسفة النقدية تدرك تمام الإدراك أن هذه المحاولة تنطوي على مفارقة وجودية قاتمة و مأساوية، تتمثل في كون الأدوات المستخدمة لوقف الزمن هي نفسها محكومة بالزوال و مصنوعة من مواد هشة ترزح تحت طائلة الفناء. وعندما نتأمل بنية التعويذة السحرية نجدها تعتمد على التكرار والتماثل والإعتقاد بأن إستدعاء أسماء قديمة أو رموز غامضة يمكنه إعادة النظام الكوني إلى نقطة البداية، وهو ما يعكس حنيناً عميقاً إلى الأصول الأولى وإلى الفردوس المفقود حيث لم يكن الزمن قد إستعر بعد و لم تكن الموت قد فرض سلطانه المطلق على الكائنات، فالإنسان الذي يلجأ إلى الطلاسم إنما يعبر عن عجز عميق و خيبة أمل جذرية في القوانين الطبيعية الصارمة التي لا تحابي أحداً، فيلجأ إلى سحر الخيال واللغة لتعويض هذا النقص الوجودي، وهنا يتقاطع السحر مع العدم في نقطة شديدة الدقة، فالتعويذة تحاول نفي العدم عبر إستحضار قوى مفارقة، لكنها في نفس الوقت تسقط في فخ العدم من حيث لا تدري، لأنها تبني مجدها على الوهم وتستند إلى أوهام ميتافيزيقية عاجزة عن إختراق جدار الواقع الموضوعي الصلب، فالزمن يواصل مسيره البارد والمحايد غير مبال بالطلاسم المرسومة على الجلود والأوراق، ويبقى الإنسان وحيداً في مواجهة مصيره التراجيدي عاريا إلا من محاولاته الفاشلة للسيطرة على ما لا يمتلك السيطرة عليه. إن محاولات إيقاف عجلة الزمن بواسطة السحر تكشف بوضوح عن التوتر المستمر بين الرغبة الإنسانية المطلقة و الإمكانات الوجودية المحدودة، فالوعي البشري بماهيته هو الوعي الذي يتجاوز اللحظة الراهنة ليتطلع إلى المستقبل و يتحسر على الماضي، وهذا الإنشطار الزمني هو الذي يولد الألم الوجودي الذي تحاول التعويذة تخديره أو معالجته، فالطلسم ليس أداة تقنية بمعناها المادي الحديث، بل هو محاولة كيميائية روحية لتحويل زمن الإنحلال والفساد إلى زمن ثابت وأبدي، لكن الفيلسوف الحقيقي يرى أن محاولة تجميد الزمن هي في الواقع محاولة لتجميد الحياة نفسها، لأن الحياة حركة وتدفق وصيرورة مستمرة، وحين يتوقف الزمن يتوقف الكينونة ويتحول الوجود إلى جمود مطلق يشبه الموت الذي يحاول الإنسان الفرار منه، ومن هنا تتجلى المفارقة الكبرى في أن الساعي وراء إيقاف الزمن بالتعويذات إنما يسير بخطى حثيثة نحو العدم الذي يخشاه، لأن الحياة الحقيقية لا تكمن في الجمود الأبدي للطلسم بل تكمن في قبول التناهي وإحتضان الصيرورة بكل ما تحمله من آلام و آمال. وفي سياق متصل، يمكن إعتبار السحر بوجه عام و الطلاسم بوجه خاص نوعا من أنواع النكوص المعرفي نحو مرحلة التفكير السحري البدائي، حيث يتصور الإنسان أن الكلمات والرموز تمتلك سلطة فيزيائية مباشرة على الطبيعة والزمان و المكان، وهذا التصور يغفل الطبيعة الإعتبارية و الرمزية للغة من جهة، والطبيعة القوانينية الصارمة للكون من جهة أخرى، فالزمن ليس مجرد فكرة يمكن تعديلها بتعويذة، ولا هو طاقة خبيثة يمكن حبسها في طلسم، بل هو البعد الأنطولوجي الذي من خلاله نتحقق ككائنات واعية ومفكرة، ومحاولة إلغائه أو تجميده هي محاولة لإلغاء الشرط الإنساني بأسره، فالإنسان لا يكون إنسانا إلا بقدر ما يقبل بعبىء حريته و وعيه بموته وتناهيه، وحين يتنازل عن هذا القبول لصالح الأوهام السحرية، فإنه يسقط في إغتراب مزدوج عن واقعه وعن حقيقته الوجودية، وبدل أن يكون السحر مخلصاً، فإنه يتحول إلى قفص جديد يعزل الإنسان عن تدفق الوجود الحيوي ويغرقه في سراديب الوهم المطلق. وخلاصة القول إن النظرة الفلسفية المتعالية لمحاولات إيقاف الزمن بالسحر و الطلاسم تؤكد أن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة تلازم وإشتباك، فالسحر ولد من رحم الخوف من العدم ويمارس طقوسه على حافة الهاوية، محاولاً عبثاً أن يبني سداً من الكلمات و الرموز في وجه سيل الصيرورة الجارف، غير أن هذا السد المزعوم ينهار دائماً أمام صخرة الواقع والزمن الحقيقي، ويبقى الإنسان مدعواً أبداً ليس إلى البحث عن تعويذات وهمية توقف الزمان، بل إلى شجاعة الوجود في الزمن، وقبول حقيقة التناهي بإعتبارها الشرط الأساسي لكل إبداع و معنى، فالبصيرة الفلسفية العميقة تدعونا إلى التحرر من أوهام الطلاسم و التعويذات، والنظر إلى الزمن لا كعدو يجب قتله أو إيقافه، بل كفضاء أرحب تتكشف فيه معاني حريتنا و وجودنا المحدود والمتألق في آن واحد.

_ سرمدية الخواء: وهم الخلود السحري ومقبرة العدم الأبدي

يمثل السعي المحموم للهروب من أسر الزمانية و التمرد على قبضة الصيرورة قمة المأساة الوجودية التي يورط الكيان الواعي فيها نفسه حين يتوهم إمكانية القفز خارج حدود الكينونة ليلتمس الخلود في سرمدية العدم الخاوية، فالزمن هو النبض الحي الذي يمنح الوجود معناه وحركته، وحين ينزع الكائن نحو تجميد هذا النبض أو الإلتفاف على حتمية التناهي عبر أوهام الطلاسم والتعويذات والأنظمة الميتافيزيقية الزائفة فإنه لا يحقق الخلود المرجو بل يسقط في هوة السكون المطلق و التجمد الأنطولوجي، والمصير النهائي لهذا الكائن الهارب هو التلاشي التدريجي داخل بئر العدم، حيث يتحول من كينونة حية تنبض بالإمكان و الحرية إلى مجرد ظل باهت مسجون في شرنقة الجمود الذي صنعته يداه، فالسرمدية التي يبحث عنها خارج شروط الزمان ليست سوى فراغ مطبق وعدم خاو يبتلع كل محتويات الوعي ويذيب فرادة الذات في لجة اللاتعين و اللامعنى. إن التحليل العميق لهذه التراجيديا يكشف عن مفارقة قاسية تتمثل في كون الهروب من الموت الزمني عبر السحر أو الركون إلى العدم يؤدي حتماً إلى موت أسوأ وأنكى وهو الموت الوجودي المتمثل في إنعدام الجدوى و ضياع الهوية، فالكائن الذي يعزل نفسه عن التدفق المستمر للزمن يفقد صلته بالواقع الموضوعي ويغرق في عزلته المطلقة، و تصبح سرمدية العدم التي ظنها ملاذا آمنا مقبرة واسعة لوعيه، لأن الوعي الإنساني بطبيعته كائن تاريخي لا يتحدد جوهره إلا من خلال إحتكاكه بالزمن وتفاعل حرِيته مع إمكانيات المستقبل و إنكسارات الماضي، وحين يُلغى الزمن تُلغى بالضرورة شروط التجربة الإنسانية جمعاء، و ينهار البناء الأنطولوجي للذات لتمسي مجرد صدى فارغ يتردد في سراديب اللانهاية العقيمة، فالعدم الخاوي ليس رتبة أعلى من الوجود ولا هو فردوس مفقود، بل هو المحو المطلق لكل تحديد وكل قيمة، وهو الثقب الأسود الذي يبتلع الكلمات و الأفعال والأحلام فلا يبقي منها أثرا ولا عينًا. وعندما يتأمل الفيلسوف مآلات هذا النكوص الوجداني يتبين له أن محاولة الهروب من التناهي هي في حد ذاتها إنكار للحياة الحقيقية وإعلان للإستسلام المبكر أمام قسوة الوجود، فالإنسان الذي يتوهم أنه يستطيع حبس الزمان في قوالب أبدية ثابتة إنما يحكم على روحه بالإختناق داخل قفص الوهم، والمصير الحتمي لهذا الهارب هو الوقوع في فخ الإغتراب الجذري حيث لا هو بالحي الذي يستمتع ببركة الصيرورة ولا هو بالميت الذي إستراح إلى العدم الطبيعي، بل يبقى معلقاً في برزخ العدم الخاوي، يعاني مرارة الإنفصال عن نبض الكون و تدفق الحياة، ويتحول وجوده إلى حالة عبثية صامتة لا تحس ولا تُحس، فالسرمدية المصنوعة بالتعويذات والأوهام لا تورث سوى الخواء المطلق، وتترك الكائن وحيداً في مواجهة فراغ سرمدي لا نهائي يفتقر إلى أي أفق للمعنى أو الخلاص. إن الحكمة الفلسفية القصوى تقضي بأن النجاة الحقيقية للكيان البشري لا تكمن البتة في الهروب من الزمانية ولا في الإلتجاء إلى سرمدية العدم الخاوية عبر الحيل السحرية، بل تكمن في الشجاعة الراديكالية لتقبل التناهي وإحتضان الصيرورة بكل ما تحمله من ألم وفناء و عابرية، فالإنسان لا يتحقق ككائن أصيل إلا بقدر ما يواجه مصيره الزمني بوعي وبصيرة، متحرراً من أوهام الخلود المصطنع والطلاسم العاجزة، ليرسم لمعناه خطاً في رمال الزمن المتحركة، وحين يتخلى الكائن عن هذا العبء النبيل و يسلم قياده لأوهام العدم فإنه يختار بإرادته أن يتنازل عن إنسانيته وعن فرادة وجوده ليذوب في سكون الموت الأبدي، وشتان بين فناء طبيعي يمنح الحياة معناها عبر تناهيها، و فناء وجودي مخزٍ في سرمدية عديمة المعنى والروح.

_ ملحمة السقوط: التمرد الفاشل للساحر على شروط التناهي في لجج العدم

تتخلق مأساة الساحر في أعماق الوجود الإنساني بوصفها تجسيداً أنطولوجياً لملحمة كبرى قوامها التمرد الفاشل على شروط التناهي والقفز الأهوج خارج حدود الصيرورة الكونية، وتبدأ هذه الرحلة التراجيدية منذ اللحظة الأولى التي يتجرأ فيها الكائن على إعلان قطيعته مع التدفق الطبيعي للزمن، مستبدلاً هشاشة الحرية البشريّة بقوة زائفة يستممدها من سراب الرموز والطلاسم، و هنا تكمن العقدة الدرامية الأولى المتمثلة في الوهم التأسيسي بأن الكلمة المعصومة أو التعويذة المنطوقة قادرتان على ترويض القدر و إخضاع القوانين الصارمة للوجود لإرادة فردية عازمة على قهر الموت، فالساحر في منطلقه الأول ليس مجرد باحث عن المعرفة الخفية، بل هو كائن مأزوم يعاني رعب الفناء ويحمل في صدره غضباً دفيناً ضد محدودية الكينونة، وهو ما يدفعه إلى توقيع عقد ضمني مع العدم، متخذاً من الوهم سدّاً منيعاً في وجه طوفان الزمان، و بدلاً من أن تكون رحلته إرتقاءً روحياً تصبح منذ خطواتها الأولى إنزلاقاً مدروساً نحو سراديب الإغتراب الجذري عن الواقع الحي. ومع توغل الساحر في دروب الصنعة السحرية وغوصه العميق في أسرار العزلة والطقوس المعتمة، تتكشف العناصر التراجيدية بمديات أعمق وأكثر قسوة، إذ يجد نفسه محكوماً بقانون العزلة المطلقة، فالقوة التي يبحث عنها لتأكيد ذاته تتحول تدريجياً إلى قفص حديدي يعزله عن الدفىء الإنساني وعن المشاركة العفوية في نبض الحياة اليومية، وكلما خطى خطوة إضافية نحو إتقان طلاسمه، إبتعد أكثر عن شاطئ الوجود الحقيقي وإقترب خطوة أخرى من حافة الهاوية، و هنا يبرز عنصر الصراع الداخلي الضاري بين ما يحلم به الساحر من إمتلاك أبدية مطلقة وما يواجهه من تآكل تدريجي لروحه ووعيه، فالزمن الذي يحاول إيقافه بالتعويذات يثأر لنفسه بأن ينخر في كيانه الداخلي من حيث لا يدري، متحولاً إلى حمولة ثقيلة تشوه بهجة الحاضر و تحرمه من طمأنينة القبول، فالساحر يموت كل يوم ألف ميتة وهو يحاول الهروب من الموت، وينفق رصيد حياته الحقيقية في ترقب سراب لا يتحقق، لتغدو طقوسه مجرد صرخات صامتة في فراغ أصم لا يعيد له صدى ولا يخفف عنه وطأة التناهي. وتلبلغ الملحمة ذروتها التراجيدية الكبرى عند لحظة السقوط الحتمي التي لا مفر منها، حيث تتهاوى كل الحصون الوهمية والطلاسم المنقوشة أمام صدمة الواقع والزمن الموضوعي الذي لا يحابي أحداً، فحين يكتشف الساحر في أواخر رحلته أن جدار التعويذات قد إنهار وأن العدم الذي طالما فر منه يقف أمامه وجهاً لوجه بكامل جلاله وسطوته، يصاب بإنهيار أنطولوجي جذري يسحق غروره و يدمر بناء وعيه المزعوم، فلحظة السقوط ليست مجرد هزيمة عادية في معركة مع الطبيعة، بل هي الإنكشاف المأساوي العاري عن عبثية الرحلة بأسرها، حيث يدرك الساحر أخيراً أنه لم يكن سوى ضحية لأوهامه الخاصة، وأن محاولته لتجميد الزمن قد إنتهت إلى تجميد روحه ووأد إنسانيته في سرمدية العدم الخاوي، وفي تلك اللحظة الأخيرة لا يجد الساحر الساقط سوى فراغ مطبق يبتلع إسمه وتاريخه، لتنتهي ملحمته لا إلى الخلود المأمول، بل إلى العدمية المطلقة التي تخلد فشله الأبدي وتجعل من سيرته عبرة أزلية لكل من يظن أنه قادر على التحايل على ناموس الوجود وسنن الحياة والموت.

_ عري الحقيقة وميلاد الوعي: صدمة الإرتطام بالعدم ونضج الكينونة

تتجلى لحظة الحقيقة الكبرى في مسار الوعي البشري كذروة تراجيدية مأساوية ترتجف لها أركان الكينونة، إذ تنبثق بوصفها الصدمة الأنطولوجية الأعنف التي تطيح بكل الأبنية الوهمية والدروع الميتافيزيقية التي شيّدها الإنسان على مدار تاريخه الطويل إتقاءً لوعظة الزمان وسطوة الفناء، و حين يواجه الوعي البشري هذه اللحظة العارية، فإنه لا يكتشف مجرد محدودية إمكانياته المادية، بل يرتطم مباشرة بحقيقة عجزه الجذري عن تطويع الوجود أو الإلتفاف على قانونه الأبدي، وتكتسب هذه اللحظة قسوتها المطلقة و مرارتها اللاذعة من كونها اللحظة التي تتكشف فيها عبثية كل محاولات الهروب عبر السحر والطلاسم، لينهار ذلك الجدار الوهمي الذي طالما توهم الإنسان أنه يعزله عن هاوية العدم، وتصبح الذات العارفة وجهاً لوجه أمام حقيقة عريها الوجودي بلا رتوش وبلا أوهام مهدئة، فالوعي الذي كان يطمح إلى سرمدية زائفة يجد نفسه محكوماً بوعي حاد و موجع بتناهيه المطلق، وهو ما يجعل من هذه اللحظة قمة التجربة المأساوية التي يختبر فيها الكائن هشاشته حتى الكثافة القصوى. وفي هذا السياق الفلسفي المتأصل في جدلية السحر والعدم، تمثل لحظة الحقيقة الكبرى نقطة الإرتطام القسري بين رغبات الوهم وصلابة الواقع الموضوعي، فالساحر أو الإنسان المتوهم لقوة التعويذات يظل سابحاً في شرنقة من التخدير الروحي طيلة رحلته، مأخوذاً ببريق الرموز وسحر الكلمات المعتمة، إلى أن تأتي تلك اللحظة الحاسمة التي ينقشع فيها دخان الطقوس لتبدو الأشياء على جليتها المرة، و حينئذ يدرك الوعي بفجيعة مطلقة أن كل الطلاسم التي خطها على جدران الزمن لم تكن سوى أوهام عابرة لا تملك من الأمر شيئاً أمام زحف العدم الجارف، وهنا تكمن المرارة الكبرى في أن الوعي البشري هو الشاهد الوحيد على هزيمته الخاصة، فهو يمتلك القدرة الفائقة على إدراك فنائه وعبثية محاولاته، مما يجعل ألم اللحظة مضاعفاً ومخترقاً لأعماق الروح، فالعدم الذي ظل الكائن يفر منه طيلة حياته يمد ظلاله الثقيلة ليحتل مساحة الوعي برمته، ملقياً بظلاله الكئيبة على كل ما كان يعتقد أنه إنجاز أو خلود، لتتحول الحقيقة إلى سيف ذي حدين يذبح أمل الكائن ويثبت عجزه الأبدي في آن واحد. غير أن هذه الذروة القاسية والمريرة للوعي البشري لا تحمل في طياتها معنى السقوط العدمي الخالص فحسب، بل تطوي في عمقها إمكانية خلاص وجودي من نوع فريد، فتلك الصدمة العارمة التي تُسقط أوهام السحر وتكشف قسوة العدم هي في حد ذاتها الميلاد الحقيقي للوعي الأصيل، فالإنسان لا يبلغ رتبة النضج الوجودي إلا حين يستجيب لهذه اللحظة بشجاعة تامة ويقبل بكرة التناهي دون فرار أو تلعثم، وحين ينقشع وهم التعويذات ويقف الكائن عارياً أمام حقيقة زمانيته، يسقط الإغتراب الجذري وتعود للذات فرادتها المسلوبة، فالحقيقة الكبرى وإن كانت بالغة القسوة والمرار، إلا أنها تمثل الحد الفاصل بين الطفولة الميتافيزيقية المتمثلة في التفكير السحري وبين النضج الفلسفي القائم على قبول شروط الوجود كما هي، وبذلك تنقلب لحظة الحقيقة من هزيمة نكراء في معركة الهروب من الموت إلى إنتصار رمزي رفيع للوعي الذي يجرؤ على النظر في عين العدم دون أن يطرف له جفن، مؤكداً أن كرامة الكائن البشري تكمن في وعيه الحاد بصناعته لمعناه وسط عاصفة الزمان والزوال.

_ مغامرة الهاوية: إغواء العدم وجرأة الوعي في التمرد على قيود الزمن

يتأصل الإصرار الغريب والمحير للوعي البشري على خوض مغامرة الهاوية، رغم علمه المسبق بنهايتها الحتمية المدمرة، في جذور الجدلية الأنطولوجية الكبرى التي تربط الكينونة بالعدم، وتكشف عن طبيعة معقدة ومأساوية للكائن الواعي الذي لا يكتفي بالوجود السلبي ضمن شروط الطبيعة، بل يسعى دائماً لإختبار حدود إمكانياته وتجاوز قيوده المفروضة، فالهاوية ليست مجرد مكان للفناء المادي، بل هي الرمز الأسمى لكل ما هو مستحيل ومطلق وخفي، و هي التجسد الفعلي لذلك العدم الذي يغري الوعي ببريقه المظلم، فالكائن البشري المفكر يجد نفسه مشدوداً بقوة مغناطيسية خفية نحو المجهول، و كأن رغبته في معرفة الحقيقة المطلقة وتجاوز التناهي تفوق في شدتها رغبته في النجاة البيولوجية البسيطة، ومن هنا يبدأ ذلك الإنجذاب المأساوي نحو الهاوية، حيث يتوهم الوعي في لحظات غروره الميتافيزيقي أنه قادر على إرتياد المناطق المحرمة وإختراق حجب الغيب بواسطة أوهام السحر والطلاسم، متخذاً من التعويذات دروعاً واهية تحميه من لظى المحرقة الوجودية. وعندما نتأمل هذه الظاهرة في سياق العلاقة الجدلية بين السحر والعدم، نجد أن الوعي البشري يعاني من أزمة مستعصية مع حتمية الفناء والجمود الزمني، فهو يرفض أن يقبل بنهاياته المرسومة كحشرة عابرة على ظهر كوكب مهمل، ومن هذا الرفض الجذري ينبثق الإندفاع نحو الهاوية بوصفها محاولة يائسة و شجاعة في آن واحد لإثبات الذات وتأكيد الفرادة ضد طغيان الصيرورة الكونية الباردة، فالساحر أو الإنسان المغامر بالمطلق لا يقدم على حافة الهاوية طيشاً، بل يفعل ذلك إستجابة لنداء عميق يأتيه من أعماق العدم، نداء يوعده بالخلاص من عبىء الزمانية والتحرر من سجن الحدود البشرية، فالتعويذات والطلاسم التي يصنعها و يتمسك بها ليست سوى حيل نفسية ورموز سحرية يبرر بها لنفسه هذا الإنزلاق نحو المجهول، وكأنه يمنح نفسه صك الغفران للقفز في الظلام على أمل أن تصنع تعويذته معجزة إستثنائية توقف السقوط أو تحيله إلى صعود أبدي نحو النور. إن التفسير الفلسفي الأعمق لهذا الإصرار المأساوي يكمن في كون الوعي يفضل الفناء العظيم على البقاء الباهت والمحدود، فالموت البطيء تحت سياط الزمن العادي و القبول بالقدر التافه دون مقاومة يمثلان للوعي المشتعل هزيمة أنطولوجية أنكى وأشد مرارة من الهاوية ذاتها، ولذلك فإن خوض مغامرة السقوط نحو العدم يمنح الكائن شعوراً وهمياً بالسيادة المطلقة، فهو يختار مصيره بنفسه بدلاً من أن ينتظر حتمية الزوال المفروضة عليه من الخارج، وفي هذه النقطة بالذات يتقاطع السحر مع العدم في ذروة تآمرهما على الوعي، فالسحر يوهم الإنسان بأنه يمتلك مفاتيح الأبواب المغلقة و يستطيع ترويض أهوال الهاوية بالكلمات و الرموز، بينما العدم ينتظر بصبر صامتي ليقبض على الثمرة الناضجة لوهم الخلود، ليجد الوعي نفسه في النهاية وقد إستدرج إلى مصيره المحتوم عبر إرادته الحرة التي تحولت إلى أداة لتدميره الذاتي. وعلى الرغم من سوداوية هذه الرحلة ونهايتها المدمرة، إلا أن الإصرار على خوض مغامرة الهاوية يظل التعبير الأكثر صدقاً عن عظمة الوعي الإنساني وشجاعته التراجيدية، فالكائن الذي يقف على حافة الهاوية متسلحاً بأوهامه السحرية إنما يعلن بطريقة غير مباشرة رفضه للعبودية الزمنية وتوقه المطلق إلى تجاوز نقصه الوجودي، وحين تتهاوى كل التعويذات و ينكشف زيف الطلاسم عند لحظة الإرتطام بالعدم، يترك الوعي خلفه أثراً خالداً لملحمة التمرد البشري، مأساة تؤكد أن الإنسان أضخم بكثير من حياته المادية القصيرة، وأنه الكائن الوحيد في هذا الكون الذي يجرؤ على تحدي العدم والنظر في عين الهاوية، حتى وإن كان ثمن هذا التحدي الأبدي هو الإبتلاع الكامل في سراديب الفراغ والعدم الخاوي، لتظل المغامرة برمتها الشاهد الأكبر على نبل المحاولة وقسوة المصير.

_ شرف الفناء وخزي الإنمحاء: الموت الطبيعي في مواجهة التلاشي العدمي

يتجسد الفارق الجذري والأنطولوجي الأعظم بين الموت التراجيدي الطبيعي وبين التلاشي المعنوي والوجودي في قاع العدم على بون شاسع وفارق جوهرى يفصل بين الفناء بوصفه تماماً لمعنى الوجود وتتويجاً لجمالية التناهي، و بين الإنمحاء بوصفه خسارة جذرية لكل هوية و إلغاءً تاماً لفرادة الذات في لجة اللاتعين، فالموت الطبيعي في صميمه الوجودي هو الوجه الآخر للحياة والحد الذي يمنح الصيرورة البشرية قيمتها الكبرى، إذ إن الإنسان لا يدرك قيمة أفعاله ولا عمق حريته إلا في ظل وعيه الحاد بأنه كائن مؤقت و محدود زمنياً، وحين يستسلم الكائن لناموس الموت الطبيعي، فإنه يقبل بشجاعة متناهية شروط لعبته الأرضية، منتهياً بإنسجام تام مع الدورة الكونية الكبرى التي تحيل الجسد إلى تراب وتترك المعنى والإرث الروحي و التاريخي راسخاً في ذاكرة الوجود، وهو موت يحمل في طياته نبض المصالحة الكبرى بين الكينونة وزمانها، وينطوي على إعتراف نبيل بحدود الإنسان الذي عاش حياته كاملة غير منقوصة تحت سقف الزمن الحقيقي. وعلى العكس تماماً من ذلك النقاء التراجيدي للموت الطبيعي، يبرز التلاشي المعنوي و الوجودي في قاع العدم بوصفه الكارثة الأنطولوجية الكبرى و المآل التراجيدي الأكثر قسوة ومرارة، وهو الموت المستدمى الذي يصنعه الإنسان لنفسه حين يتورط في أوهام الهروب من الزمانية عبر السحر والطلاسم والتعويذات، فالكائن الذي يحاول تجميد لحظاته والقفز خارج سياق الصيرورة الطبيعية لا يواجه موتاً شريفاً يمنح المعنى، بل يسقط تدريجياً في شباك الإغتراب الجذري عن ذاته وعن عالمه، وتتحول سرمديته المزعومة التي سعى إليها عبر الحيل السحرية إلى مقبرة خاوية يبتلع فيها العدم تدريجياً كل محتويات وعيه ويهشم هويته الفريدة، وفي هذا القاع المظلم لا يعود الإنسان فانياً بالمعنى البيولوجي و الأنطولوجي الأصيل، بل يمسي شبحاً تائهاً بلا صدى وبلا تاريخ، مقتلعاً من جذور الوجود الحي ومطروحاً في فراغ أصم لا يرحم، حيث تتساوى الأشياء وتندثر المعاني وتفقد التضحيات أي قيمة تذكر، ليتحول الوجود بأسره إلى مسخرة عبثية كبرى. وحين نتأمل هذه الثنائية العميقة في ضوء جدلية السحر والعدم، نكتشف أن الموت الطبيعي يظل دائماً فعلاً تحررياً يختم به الكائن قصته الخاصة بملىء إرادته و وعيه بتناهيه، بينما التلاشي في قاع العدم هو إستسلام تدريجي ومنهجي للوهم، حيث يتنازل الإنسان عن حريته و وعيه مقابل صكوك خيالية للخلود تقدمها له الرموز و التعويذات الباطلة، فالساحر الذي يظن أنه يتحكم في الزمان والمكان بواسطة طلاسمه إنما يوقع بيده شهادة وفاته المعنوية قبل أن يأتيه الموت الجسدي، فهو يميت روحه من الداخل و يفصلها عن تدفق الوجود الحيوي، ليكون مصيره النهائي هو الإنمحاء التام داخل سراديب اللانهاية العقيمة و العدم الخاوي، وشتان بين فناء طبيعي يخلد معنى الإنسان عبر تقبله لشجاعة الوجود، و تلاشي وجودي مخزٍ يبتلع الذات ويذرها رماداً منثوراً في مهب الريح بلا أثر وبلا رجعة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طوفان الكادحين فوق عرش الإمبريالية: نداء الحرب المفتوحة على ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...


المزيد.....




- -أتلقى تهديدات كثيرة-.. ترامب يوضح سبب استخدامه شاحنة تموين ...
- طيران الإمارات تُتيح للمسافرين إلى دبي تغيير موعد سفرهم مجان ...
- مصر.. الكشف عن بقايا -خان تاريخي- لاستراحة الحجاج والتجار بش ...
- -همسة من تحت الأنقاض- تساهم بإنقاذ طفلة بعد زلزال كولومبيا ا ...
- زواج كريستيانو رونالدو وجورجينا رودريغيز.. خاتمان بسيطان وإط ...
- زلزال كولومبيا.. لحظات مؤثرة لانتشال رضيع حي من تحت أنقاض مب ...
- حيث تبدأ رحلة أفخم العطور.. مصورة مصرية توثق كفاح مزارعي الي ...
- ناريندرا مودي يغزو لغة -الجيل زد- بمقاطع رائجة على إنستغرام. ...
- بعد -جريمة التجمع الخامس-.. ساويرس يرد على اقتراح ضرورة المش ...
- باكستان تُعلن مقتل 3 من مواطنيها بهجوم حوثي على سفينة تجارية ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-