|
|
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزءُ الرَّابِعُ والخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلاثِمِائَةِ-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 10:19
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ حراسة الحافة وسطوة الهاوية: محنة الساحر بين إستنطاق العدم وخطر التلاشي الأبدي
يمثل الإشتغال على قوى العدم في الممارسة السحرية الدقيقة أخطر منزلق أنطولوجي يمكن للوعي البشري أن يرتاده إذ إن إستدعاء العدم لا يعدو كونه فتحا لثغرة في جدار الواقع المألوف بغية إعادة صياغة الأشكال وتدشين إمكانيات جديدة غير مسبوقة وهنا بالضبط تكمن المعضلة الكبرى المتمثلة في تحديد تلك الشعرة الفاصلة بين إستنطاق العدم كأداة خلاقة لإحداث التغيير وبين الإنجراف الكلي في تياره الجارف نحو اللاشيء المطلق فالساحر الحقيقي يدرك بحس دقيق أن العدم طاقة عارمة مدمرة بطبيعتها لا توجد لكي تخدم غاية بشرية ولا تقبل بطبيعتها أن تُدجن بشكل كامل ولذلك فإن الحد الفاصل بين التوظيف الواعي والإنزلاق الكارثي يتحدد بقدرة الساحر على إبقاء مسافة صارمة من الحياد الوجودي تمنعه من الذوبان في تلك الهوة السحيقة التي يفتحها بيديه. تتجسد هذه الحدود العملية في قدرة الإرادة السحرية على فرض طوق محكم من التحديد والتعيين على ما لا حد له ولا تعيين فالعدم بطبيعته صمت مطلق وبياض هائل يبتلع كل هوية وكل معالم وحين يستدعيه الساحر لإحداث تغيير في الواقع فإنه مطالب بأن يوجه هذه الطاقة الهائلة نحو بؤرة محددة و بدقة متناهية تشبه تماما نحت تمثال دقيق داخل كتلة صخرية صماء فإنفلات العدم من عقاله يبدأ لحظة يتخلى فيها الساحر عن حراسة المعنى ويسمح للعدم بأن يتسلل إلى البنية الداخلية لذاته بدل أن يكتفي بتمريره عبر أداة الإستدعاء وهنا يضيع الحد الفاصل و يتحول الفاعل إلى مفعول به ويفقد الساحر سيطرته وينجرف تدريجيا نحو العدمية الشاملة حيث يتلاشى العالم الخارجي وتتآكل الأنا في مسار لا رجعة فيه نحو العدم المطلق. إن آليات الضبط العملي لهذا الإنفصام المحتمل تكمن في تمسك الساحر بما يمكن تسميته بطقوس الحد أو الوعي الحارس فالساحر لا يتحد بالعدم إتحادا صوفيا الغاية منه الفناء بل يقيم معه علاقة توتر دائم ومفاوضة مستمرة فهو يستعير من العدم طاقته العابثة المهددة للثبات ولكنه يلف هذه الطاقة بأطر صارمة من الطقس والرمز والنية الموجهة بحيث تبقى طاقة العدم محصورة في دور المحفز والمغير دون أن تتحول إلى سيدة للموقف فاللحظة التي يتوقف فيها الساحر عن مقاومة الجاذبية الصفرية للعدم هي اللحظة ذاتها التي ينزلق فيها من مرتبة الخالق والموجه إلى مرتبة الضحية التي إبتلعتها اللعبة فصار جزءا من العدم المتمثل لا فاعلا فيه. لهذا فإن العلاقة بين السحر والعدم تظل محكومة بجدلية قاسية عنوانها الحذر الأقصى والسيطرة الواعية على حافة الهاوية فإستدعاء العدم ليس إستسلاما له بل هو إستدراج حذر لطاقته الهدامة لخدمة مشروع التغيير البشري وكلما كان الساحر أشد تمسكا بهويته وأعمق إدراكا لحدود ذاته كلما إستطاع أن يقف على الحافة الفاصلة بدقة متناهية مستفيدا من العدم في إعادة تشكيل الواقع دون أن يغرق في لُجّته و بالمقابل فإن أي تهاون أو إسترخاء في هذه اليقظة الوجودية سيعني حتما سقوطا مدويا في فخ اللاشيء حيث يفقد الساحر السيطرة على قواه وتتلاشى أعماله في فراغ هائل لا يبقي ولا يذر ليتحول السحر بأسره إلى مجرد هاوية سحقت صانعها و إنتهت به إلى العدم الأبدي.
_ موت مؤقت وميلاد ثاني: الصيام والعزلة طقوس سحرية لمحاكاة العدم وهندسة الوعي
ينفتح التأمل الفلسفي والعميق في جوهر الممارسات السحرية على أبعاد أنطولوجية كبرى تتجاوز الأشكال السطحية للطقوس لتلامس جذور الوجود والعدم، حيث يشكل الصيام و العزلة المادية في هذا السياق تقنية إنسانية واعية تمارس تفكيكا جذريا لكل ما هو مألوف و مستقر في البنية البشرية، ومن هنا يمكن إعتبار هذين الممارستين تقليدا عمليا متبصرا للعدم لا بوصفهما حرمانا سلبيا أو تعذيبا للجسد بل بإعتبارهما محاكاة دقيقة لآليات المحو المطلق التي ينتجها العدم في الكون، فالساحر حين يعزل نفسه عن العالم المادي ويحجب عن جسده طاقة الغذاء وصخب الوجود اليومي فإنه يعمد بمحض إرادته إلى إيقاف الماكنة الصاخبة لليومي والمعتاد، وكأنه يمارس موتا إختياريا و مؤقتا يتيح له أن يتطهر من ترسبات الكثافة المادية التي تثقل كاهل الوعي، ليتحول هذا التقشف القاسي إلى جسر عابر نحو تلك المنطقة المظلمة والمقدسة حيث يتماهى الحضور مع الغياب و يبدأ العدم في أداء دوره كمنظف أعظم لكل الشوائب والعوالق التي تحجب الرؤية البكر و تغلق أفق الإمكانات الكبرى أمام الروح البشري. تتجلى هذه المحاكاة العملية للعدم عبر تفكيك الصيام والعزلة لهوية الأنا المستقرة، فالإنسان في حالته الطبيعية والمندمجة في العالم محاط بسياج صلب من المسميات والمصالح و التعريفات الإجتماعية التي تحدد ملامحه و تختزل طاقاته في أطر ضيقة ومستهلكة، وحين يدخل الساحر في عزلة مطبقة و يجرد جسده من الأغذية والمؤثرات الخارجية فإنه يوجه ضربة قاصمة لهذا السياج الواقي ممهدا الطريق أمام تداعي الأنا المألوفة وتآكل حدودها المصطنعة شيئا فشيئا، و هنا يلعب العدم دوره المزدوج كمهدم وخالق في آن واحد؛ إذ إن الفراغ الذي يخلفه الجوع والعزلة في كيان الساحر ليس فراغا عبثيا بل هو بياض تأسيسي نظيف يخلو من الضجيج والتشويش، يشبه تماما اللحظات التي تسبق الخلق الأول، و في هذا المخاض الصامت ينزاح العالم القديم بكل حمولاته ليفسح المجال أمام الوعي لكي يتخلى عن تعييناته الصلبة و ينزل إلى أعماق هشة وشفافة تصبح فيها الحدود بين الداخل والخارج، بين الذات و الموضوع، هشة وقابلة للإختراق، وهو ما يتيح للساحر أن يلمس بصيرته الأولى الخام التي لم تتلوث بعد بملوثات الواقع المادي المتكلس.يقودنا هذا التحليل حتما إلى إدراك أن الغاية القصوى من تقليص الوجود المادي عبر الصيام و العزلة تتمثل في إعادة هندسة الوعي من جديد ومن الجذور، فالوعي البشري المعتاد مثقل بالنماذج الجاهزة والتصورات الإستهلاكية التي تفرضها الذاكرة الجمعية وتكرسها الحياة اليومية، وهو ما يجعله عاجزا عن إحداث أي تغيير حقيقي في الواقع لأنه يتحرك داخل نفس الدوائر المغلقة، وهنا يأتي دور السحر مستعينا بآليات العدم لكسر هذه الدائرة اللغوية والمعرفية المغلقة، فالعدم العملي المتمثل في الموت المؤقت للعادات الجسدية والنفسية يمنح الساحر فرصة نادرة لإعادة تركيب عناصره الداخلية وفق خوارزميات جديدة كليا مستمدة من لغة الفراغ والصفاء المطلق، فحين تتهاوى أركان الهوية القديمة في صمت العزلة وينطفئ صخب الجسد بفعل الصيام، يجد الوعي نفسه أمام لوحة بيضاء تماما تتيح له أن يعيد نقش ذاته وأن يبتكر نسخته الجديدة بعيدا عن الإملاءات المادية المسبقة، لتتحول العزلة والصيام بذلك إلى أداة سحرية عليا لا تقصد إلغاء الإنسان بل تحريره من سجنه المادي، مستعينة بقوى العدم ذاتها لا لتدميره بل لتمنحه ميلادا ثانيا أكثر إتساعا و وعيا وقدرة على إعادة صياغة العالم من جديد.
_ هندسة الترويض العصبي ومقصلة التراتيل: مسخ الهوية و سقوط الوعي في فخ السكون العدمي
يتشابك السحر والعدم في جذور الوجود الإنساني بوصفهما نظامين متكاملين يهدفان إلى تفكيك البنيات الصلبة للذاكرة والهوية وتجريد الإنسان من دروعه الدلالية والأنطولوجية عبر آليات صارمة تتمثل في التكرار الطقسي المستمر للتعويذات والطلاسم والتراتيل التي لا تشكل مجرد أصوات عابرة أو رتابة صوتية صماء بل تمثل هندسة عصبية و معرفية بالغة التعقيد تعيد تشكيل المشهد الداخلي للدماغ البشري وتحفر في تضاريسه أعمق التبدلات حيث يستحيل الدماغ تحت وطأة الإيقاع الرتيب والتراتيل المتواترة و المدروسة بدقة إلى فضاء مغلق تتآكل فيه تدريجيا الحدود الفاصلة بين الأنا والآخر و بين الذات وما يحيط بها من بوابات الواقع الملموس إذ تؤكد المعطيات العصبية الحديثة أن التعرض المنتظم والمستمر لمثيرات لغوية ذات شحن إيحائي ورمزية ماورائية مغرقة في الغموض يثبط تدريجيا نشاط الشبكة العصبية المسؤولة عن اليقظة النقدية و التحليل الواعي لا سيما قشرة الفص الدماغي الجبهي المسؤولة عن محاكمة الواقع وتفكيك الخطاب وإختبار صحة الفرضيات مما يمهد الطريق تدريجيا نحو حالة من الإسترخاء المعرفي الشامل والتبلد الذهني الممنهج الذي يتنازل فيه العقل عن مقاومته الطبيعية ويقبل بالتالي بكل سهولة ويسر بصيغ التجريد المطلق والفراغ الهوياتي المفتوح على مصراعيه لتلقي البرمجيات الخارجية كأنها بديهيات أصلية لا تقبل النقاش ولا التمحيص ولا حتى الشك العابر وفي هذا السياق الفلسفي العميق تتشابك ميكانيزمات السحر مع فلسفة العدم بوصفهما وجهين لعملة واحدة تعيد إنتاج الإنسان ككائن بلا ذاكرة وبلا ملامح محددة عبر طقس الإفراغ التدريجي للمحتوى الدلالي للكلمات والتعويذات التي تفقد معانيها الأصلية بفعل الإفراط الهستيري في ترديدها حتى تتحول إلى مجرد أصوات فارغة وهياكل صوتية جوفاء تتردد في أروقة الوعي المهتز فتتلاشى معها الصلات الوثيقة التي تربط الفرد بماضيه و تاريخه الشخصي و الجمعي ليحدث نتيجة لذلك ما يمكن وصفه بالنسيان الإرادي أو القسري المبرمج الذي لا يأتي بوصفه عطبأ عضويا فجائيا في الذاكرة بل بوصفه إستجابة واعية وممنهجة لغواية العدم الكامن في قلب الطقس السحري حيث يفقد الإنسان شيئا فشيئا الرغبة العارمة في التشبث بهويته الفردية المميزة ويستبدلها بالإنصهار الطوعي في كتلة غفلة متجانسة تتطابق فيها الذات مع العدم المطلق وتذوب الحدود الفاصلة بين الوجود والعدم في بوتقة الطقس المتكرر الذي لا يعترف بالثبات بل يقدس السيولة الشاملة و الذوبان المستمر في لا مبالاة وجودية مطلقة تجعل الفرد مستعدا دائما للتخلي عن أثقل أعبائه الروحية والمعرفية المتمثلة في ثقل الذاكرة وثقل التاريخ وثقل الهوية في مقابل طمأنينة وهمية خادعة يمنحها إياه السكون العدمي المستمد من جوهر التعويذة السحرية التي ألغت تفرد الإنسانية وحولتها إلى مجرد صدى باهت لعدم سرمدي يبتلع كل المعاني و يبقي على الشكل الفارغ وحده شاهدا على إكتمال عملية المسخ الدلالي والأنطولوجي للوعي البشري برمته عبر مسلسل طويل من الترويض العصبي والنفسي الذي يحيل الكائن الحي إلى مجرد ورقة بيضاء عبث بها ريح العدم فمحى منها كل خطوط الطول والعرض ليعيد كتابتها من جديد بلغة الصمت المطلق والفراغ الهوياتي المطبق الذي لا يبقي ولا يذر من ملامح الإنسانية سوى هيكل باهت يترنح على أطراف الهاوية السحرية دون وعي أو إرادة مقاوِمة.
_ خلق الوجود من رحم اللاشىء: المادة الخام السحرية و محاكاة الفعل الإلهي على تخوم العدم
يمثل الإشتغال على الفرضية التأسيسية التي تفترض خلق شيء من لا شيء عبر الممارسة السحرية منعرجا أنطولوجيا وإبستمولوجيا بالغ التعقيد يضع العقل البشري أمام معضلة التأسيس المطلق حيث لا يقتصر الأمر على مجرد إعادة ترتيب للموجودات المادية المحسوسة بل يتجاوزها إلى محاولة إقتحام منطقة العدم البكر بوصفها الحاضنة الأولى لكل إمكانية وجودية إن المادة الخام التي يفترض أن يتعامل معها الممارس في هذا السياق ليست شيئا بالمعنى المادي الفيزيائي المألوف وليست كتلة قابلة للقياس بالمقاييس التجريبية بل هي طاقة كامنة سابقة على الوجود تعادل المفهوم الفلسفي للماهية المجردة أو العدم الخلاق الذي يسبق التعين والتجسد وهي في جوهرها مادة شبه غيبية تتألف من إمكانيات محضة لا نهائية تنتظر الفعل الخالق لتخرج من دائرة الإحتمال إلى حيز التحقق العيني و بهذا المعنى فإن الممارس لا يتعامل مع مادة خام مستخرجة من الطبيعة بل يتعامل مع العدم ذاته بوصفه مخزنا لا يفنى من الطاقات الوجودية الخام التي لم تتشكل بعد في صور أو قوالب محددة. من منظور فلسفي عميق يتقاطع فيه الفكر الهيرميسي مع الميتافيزيقيا المعاصرة يتطلب التعامل مع هذه المادة العدمية إزاحة كاملة لمفاهيم السببية التقليدية فالشيء الذي يخلق من لا شيء عبر الطقس لا ينبثق من فراغ مطلق بمعناه السلبي العدمي بل ينبثق من فراغ إيجابي مكتظ بالمعنى وبالقوة الكامنة التي تمثل البذرة الأولى لكل موجود وهنا يتحول الطقس السحري من مجرد أفعال حركية أو لفظية ميكانيكية إلى بوابات أنطولوجية تعيد صياغة العلاقة بين الوجود والعدم حيث يفترض أن يمتلك الممارس قدرة إستثنائية على ترويض هذا العدم الخلاق و توجيهه عبر الإرادة المركزية والرمز المطلق ليتقمص شكلا تعبيريا معينا وإن هذه المادة الخام غير المادية تستمد جدارتها الوجودية من قدرة الوعي الإنساني على فرض نظام وسلطة معنى على الفوضى البكر لتتحول تلك الهيولى الروحية والرمزية إلى مادة قابلة للتشكل تبعا لدرجة نقاء الإرادة السحرية وعمق إنغماسها في الأصول الأولى للكون. تتجلى خطورة هذه المادة الخام في كونها تنطوي على مفارقة كبرى تتمثل في أن محاولة إستحضار الوجود من العدم تعني بالضرورة الدخول في صراع مباشر مع حدود الكائن البشري ذاته لأن التعامل مع العدم بوصفه مادة أولية يستدعي تجرد الممارس من كل تعيناته ومحدداته الواقعية لكي يقف على عتبة اللاشيء ولهذا السبب فإن الطقوس التأسيسية الكبرى لا تبحث عن تغيير الواقع الخارجي بأدواته بل تسعى لتوليد واقع جديد كليا من رحم العدم المطلق عبر تفعيل قوة الإرادة المطلقة التي تتصرف كعلة أولى مصغرة تماثل الفعل الإلهي الخالق في جذره الأول وبهذا تظل المادة الخام السحرية في أعمق تجلياتها الفلسفية عبارة عن إمكانية محضة أو طاقة رمزية وأنطولوجية عذراء تتشكل و تتحدد هويتها تبعا لطبيعة الرمز و الطقس والوعي الذي يستدعيها من ظلمات العدم إلى نور التحقق الكياني.
_ الجسد الممر وثقب اللاشيء: ملحمة الإستهلاك العدمي و سقوط الإنسان في عتمة الوساطة الظلامية
يشكل تحول الجسد البشري في الممارسات السحرية المظلمة من كونه كائنا حيا محكوما بقوانين البيولوجيا والوعي الفردي إلى مجرد وسيط عابر وناقل حيادي منعرجا أنطولوجيا مرعبا يتم فيه تجريد الكيان الإنساني من كل خصوصياته وهويته ليصبح مجرد ممر أو ثقب أسود تنفذ من خلاله طاقات العدم المطلق لتجد لها موطئ قدم في العالم المحسوس وإن هذا التحول لا يحدث بمحض الصدفة بل هو ثمرة مسار صارم من الإلغاء المنهجي للذات حيث يتم إفراغ الجسد تدريجيا من دلالاته الوظيفية العادية ليتحول إلى هيكل فارغ وجاهز لإستقبال القوى الظلامية الهائلة التي تتجاوز طاقة الإحتمال البشري التقليدي وحين يفقد الجسد حصانته الذاتية ويتجرد من طمأنينة الوجود اليومي فإنه يفقد أيضا سيادته ليغدو مجرد أداة طيعة أو قناة توصيل تجبر على تحمل ضغط الفراغ الوجودي الهائل المتمثل في العدم الذي يبحث عن جسد مادي يتجسد عبره ويعلن من خلاله عن حضوره المدمر في الواقع المعيش. من منظور فلسفي عميق يغوص في بنيات الفكر المظلم والأنطولوجيا السلبية يتطلب هذا العبور العدمي تفكيكا جذريا للثنائيات التقليدية التي تفصل بين الروح والجسد أو بين الكائن ولا كينونة حيث لا يعدو الجسد هنا أن يكون سوى غشاء رقيق أو قشرة هشّة تفصل بين عالمين متناقضين هما عالم الوجود المحسوس وعالم العدم المظلم وحين ينخرط الممارس في طقوس الإنفجار الكياني يتم تعطيل الوظائف الإدراكية و العاطفية المعتادة للجسد لكي يتركز كل وجوده في نقطة واحدة وهي الإستعداد لتلقي صدمة مرور العدم من خلاله و كأن الجسد قد تحول إلى شاشة عرض داكنة تتجسد عليها ظلال الفوضى المطلقة أو كأنه أنبوب جوفاء يتدفق عبره سيل من الطاقة الهدامة القادمة من أصول الكون المظلمة و هنا يفقد الجسد صفته كغاية في حد ذاته وينحط إلى مجرد وسيلة أو أداة عابرة يفقد صاحبها السيطرة عليها تدريجيا لتصبح الأولوية مطلقة للعدم الذي يتخذ من اللحم البشري مطية ومن الأعصاب الحية مسرحا لفرض سيادته الفجائية على العالم المحسوس. تتجلى ذروة هذه المأساة الفلسفية في أن الوسيط البشري لا ينتصر في هذا العبور بل يستهلك ويدمر تدريجيا تحت وطأة القوة التي تمر عبره لأن العدم بطبيعته لا يمكن إحتوائه دون أن يترك آثاره المدمرة على الوعاء الذي يحمله وحين يمر العدم عبر الجسد فإنه يترك خلفه خرابا أنطولوجيا شاملا يعيد صياغة الكائن البشري على صورة الفراغ الذي عبر من خلاله وبذلك يصبح الجسد مجرد أثر باهت أو ذكرى عابرة لوجود سابق تم محوه لصالح تجسد القوى الظلامية المظلمة التي إستوطنته مؤقتا لتتخذ منه نافذة تطل بها على الواقع المحسوس مؤكدة بذلك أن السحر المظلم في جوهره ليس سوى تقنية جذرية لإلغاء الإنسان وتحويله إلى لا شيء من أجل السماح للعدم المطلق بأن يحكم و يسيطر.
_ هندسة اللازمن ومقصلة الماهيات: تدمير الهوية الأصلية و بعث العوالم المستعارة من رحم اللاشيء
يتجاوز السؤال الجوهري حول طبيعة الغاية التطبيقية للطقوس السحرية الثنائيات البسيطة التي تقف عند حدود السيطرة السطحية أو الهيمنة الميكانيكية على العناصر المادية ليغوص في أبعاد أنطولوجية وإبستمولوجيا بالغة العمق ترتبط إرتباطا وثيقا بفلسفة العدم والتحول الكياني حيث لا تهدف الممارسة السحرية الجذريّة إلى مجرد قهر المادة بمعناها التجريبي أو إخضاعها لقوانين خارجية مفروضة بقوة القسر بل تسعى إلى ما هو أبعد وأكثر راديكالية بكثير ألا وهو تدمير الهويّة الأصلية للمادة إبطالا كاملا لتعيناتها الطبيعية المألوفة لكي يفسح المجال أمام عملية إعادة خلق كليّة تنبثق من قلب الفراغ والعدم وإن هذا التدمير الهوياتي لا ينطوي على عدوانية عمياء أو تخريب عبثي بل هو تفكيك قسري لبنيات الواقع الظاهر بهدف إعادة المادة إلى حالتها الأولى كهيولى بكريّة لا شكل لها ولا إسم و هي الحالة التي تتطابق تماما مع العدم الخلاق الذي يسبق كل تشكل عيني و بهذا المعنى فإن الممارس السحري لا يتعامل مع الحجر أو النبات أو العنصر المادي بوصفه كائنا مستقلا بذاته يمتلك حصانة وجودية بل يمارس عليه طقسا إفراغيا يلغي من خلاله ماهيته الحالية ليجعله صفحة بيضاء جاهزة لتلقي نقش وجودي جديد ومستحدث يستمد شرعيته من قدرة الإرادة المظلمة على إعادة صياغة الوجود من رحم اللا شيء. من منظور فلسفي متقدم يتقاطع فيه الفكر الميتافيزيقي مع فلسفة التحول المطلق يتحقق هذا الترويض الجذري عبر آلية أنطولوجية دقيقة تتمثل في تمرير المادة عبر بوابات العدم حيث تفقد هويتها الأصلية تفقد بالضرورة كل مقاومتها الذاتية و تتحول إلى طاقة طيعة ومحض إمكانية مشوهة ومفتوحة على كل الإحتمالات المستحيلة وحين يفقد الكائن المادي طمأنينة تعينه الطبيعي و ينخرط في دوامة التفكيك الطقسي فإنه يعبر من حالة الصلابة الواقعية إلى حالة السيولة العدمية التي يسهل فيها تشكيله وفق هوى الممارس وغاية الرمز المطلق وهنا يتجلى الجوهر التطبيقي للسحر بوصفه تقنية لإلغاء الواقع القائم لصالح واقع مواز مصطنع ومنتج من العدم فالترويض الحقيقي لا يتم عبر القهر الخارجي الذي يبقي الشيء على ماهيته بل يتم عبر إلغاء الماهية نفسها و محوها جذريا ثم بعثها من جديد في صيغة مشوهة أو مستحدثة تعكس هيمنة الإرادة المطلقة وتؤكد أن المادة ليست سوى عَرَض زائل يمكن تبديله أو محوه أو إعادة خلقه متى ما نجح الممارس في فتح ثغرة في جدار الواقع ينفذ من خلالها العدم ليعيد ترتيب أوراق الكون بأسره. تتأكد هذه الفلسفة السوداوية في كون الممارسة السحرية لا تؤسس لإستمرار المادة بل تؤسس لديمومتها المصطنعة القائمة على أنقاض الهوية الأصلية المطمورة فكل إنجاز سحري ناجح هو في حقيقته شهادة وفاة لهوية طبيعية سابقة وميلاد قسري لكيان جديد مستمد من الفراغ ومحكوم بلعنة العدم الذي ولد من رحمه وبذلك يثبت السحر في تطبيقه العملي أنه ليس أداة للسيطرة على العالم بل هو محاولة مستميتة لإلغاء العالم الأصلي و إبداله بعالم مستعار ومصنوع من العدم الخلاق عبر سلسلة متواصلة من تدمير الهويات الطبيعية و إعادة خلقها وفق شروط الإرادة المطلقة التي تتخذ من العدم سلاحا ومن تدمير الماهيات طريقا أبديا لبسط نفوذها على الوجود برمته.
_ فولاذ الإرادة ومحنة الحافة: تشييد الأنا المستحدثة على أنقاض الذاكرة وتحدي العدم المطلق
يضع الإنغماس الطويل في طقوس تفكيك الذاكرة الممارس أمام مأزق أنطولوجي بالغ الخطورة حيث تتآكل حدود الأنا تدريجيا و تتلاشى معالم الهوية الشخصية تحت مطرقة العدم الذي لا يستهدف فقط تدمير الموضوعات الخارجية بل يتغلغل إلى الجوهر الداخلي للذاكرة بوصفها الحصن الأخير للوعي الفردي وهنا يبرز السؤال الفلسفي المعقد حول كيفية حماية الثبات الذاتي من هذا الإندحار الشامل ومنع الإنصهار الكامل في الفراغ المطلق إن حماية الهوية في هذا السياق لا تتقوم بالوسائل النفسية المألوفة أو الدفاعات العقلية البسيطة التي تتهاوى سريعا أمام ضغط الطقوس السوداوية بل تتطلب إستراتيجية وجودية راديكالية تقوم على خلق مرساة رمزية أو نواة صلبة من الوعي المستقل الذي يعتمد الممارس الحفاظ عليها بمنأى عن مسار التفكيك الشامل وكأن الذاكرة هنا تقسم عمدا إلى قسمين جزء يستباح ويقدم قربانا على مذبح العدم الطقسي وجزء آخر يعزل تماما و يحاط بسياج حديدي من الإرادة اليقظة ليكون بمثابة نقطة إرتكاز يعود إليها الممارس كلما إقتربت من نقطة اللاعودة و الذوبان الأبدي في لجة العدم الخلاق. من منظور فلسفي عميق يلامس حدود الجنون الأنطولوجي يعتمد هذا الثبات المزعوم على مفارقة غريبة تتمثل في أن الممارس لا يحمي هويته عبر مقاومة العدم بل عبر إتقان فن التموضع على حافة الهاوية دون السقوط الكلي فيها فهو يسمح للذاكرة الزائفة و المعطيات اليومية بالتآكل والإضمحلال لأنه يدرك أن تلك المكونات مجرد أوهام عابرة ولكنه في المقابل يبني هوية جديدة موازية مستمدة من ذات الطقوس ومن إتقان السيطرة على الرمز المطلق لتصبح الأنا الجديدة لاحقا أنا صلبة و باردة ومصنوعة من فولاذ الإرادة المظلمة التي تتغذى على الفراغ بدلا من أن تبتلعها طاقاته المدمرة وبهذا التحول المعقد يتوقف الممارس عن حماية هويته القديمة المرتكزة على الماضي والتجارب البشرية العادية ليبتكر هوية طقسية متعالية تقف خارج الزمن وخارج الذاكرة التقليدية و تستمد حصانتها من قدرتها على التعامل مع العدم بندية تامة دون أن ترتجف أمام طوفان الإلغاء والعدمية المطلقة. تكتمل هذه الدائرة الفلسفية بالوعي التام بأن حماية الأنا في محراب العدم ليست سوى وهم تكتيكي مؤقت لأن التفاعل المستمر مع طقوس تفكيك الذاكرة سيترك لا محالة ندوبا عميقة في بنية الوعي ويحول الممارس إلى كائن هجين يعيش بمنتصف الطريق بين الوجود المكتمل والعدم المطلق ومع ذلك فإن محاولة الحفاظ على شعرة معاوية الفاصلة بين الوعي الفردي والفراغ الكوني تظل هي الحد الفاصل بين النجاح في تطويع القوى السحرية والوقوع في فخ الفناء الكلي حيث ينجح الممارس المتمرس في إقامة توازن حذر وهش بين الإنفتاح الكامل على طاقات العدم الهادمة وبين الإحتفاظ بنواة واعية صارمة ترفض التلاشي الكامل لتثبت في نهاية المطاف أن الأنا الأكثر صلابة هي تلك التي عبرت جحيم العدم وإكتوت بنيران تفكيك الذاكرة لكنها خرجت من التجربة بهوية مستحدثة لا تماثل إلا ذاتها المظلمة والمستقلة عن كل أصولها الأولى.
_ عكس السهم وزمن الهاوية: هندسة الرموز المعكوسة و إنتحار الوجود في محراب العدم المطلق
تشكل الرموز المعكوسة في البنیات السحرية العميقـة أداة تقنية وفلسفية بالغة الراديكالية تتجاوز بكثير مفهوم التمرد الرمزي البسيط أو الإنحراف الشكلي المألوف لتغدو مدخلا أنطولوجيا عاصفا يعيد هندسة البناء الكوني من جذوره عبر إعلان حرب صريحة على نظام الزمان والمكان وتأسيس لسيادة مطلقة للعدم الخلاق حيث يمثل الزمن في صورته الطبيعية الخطية سياجا حاميا للموجودات ووسيلة لتنظيم التعين الكياني وتوزيع الأحداث على مسطح التاريخ المادي وحين يعمد الممارس إلى قلب الرموز وكسر إستقامتها فإنه لا يقوم مجرد حركة عبثية بل يعطل السهم الزمني ويهدم التعاقب الأبدي الذي يحكم الكائنات وبذلك يرتد الزمان على عقبيه متحولا من تدفق مستمر و منتج إلى حلقة مغلقة أو بئر عميقة تبتلع ماضيها ومستقبلها في آن واحد لتفقد الأحداث دلالاتها و تتساوى اللحظات في فراغ واحد هو العدم الصرف حيث لا وجود لماض يروى ولا مستقبل ينتظر بل حضور كلي لعدمية مهيمنة تلغي الضرورة الزمنية وتجعل الكائن محبوسا في أبدية فارغة ومظلمة. من منظور فلسفي متقدم يتقاطع فيه فكر الرمزيات المظلمة مع أنطولوجيا الإنهيار يتمخض عن هذا التعطيل الزمني الممنهج تكريس فعلي للعدم بوصفه الحاكم المطلق على رقعة الواقع المستعار فالرمز المعكوس يعمل بمثابة عدسة مقعرة تجمع طاقات الوجود وتشتتها لتفرغها من محتواها الأصلي وتحيلها إلى لا شيء وحين تُلغى أبعاد الزمان وتتداخل خطوطه تنهار البنيات الهوياتية للموجودات التي تستمد بقاءها أصلا من إستمراريتها الزمنية فالمادة التي كانت تحيا تحت سقف الزمن تفقد حصانتها التاريخية و تتلاشى فاعليتها حين ينقلب الرمز المعكوس ليصبح بوابة تنفذ من خلالها رياح الفراغ الكوني المعاكس وهنا لا يعود العدم مجرد مفهوم مجرد أو غياب سلبي للوجود بل يتحول إلى قوة فاعلة و مهيمنة تعيد صياغة العالم على صورته أي على صورة اللاوجود المتجسم حيث يصبح كل إنجاز سحري محكوما بلعنة الإستحالة والزوال الفوري لأن البذرة التي زرعت في تراب الرمز المعكوس تنبت عدما وتثمر فراغا خالصا يعلن إنتصار اللاتعيين على كل محاولات التجسد البشري. تتوج هذه الآثار العملية بتحول الممارس نفسه إلى شاهد على إنهيار الزمن وإنبعاث العدم حيث يجد عقله ووعيه قد تحررا قسرا من قيود السردية الزمنية ليغرقا في لجة أبدية من السكون الرهيب والموت الأنطولوجي البطيء فإستخدام الرموز المعكوسة يفرض حتمية تدميرية تتمثل في أن كل ما يتم إستحضاره أو خلقه تحت مظلتها يحمل في ذاته بذور فنائه المسبق لأنه مستمد من منطق عكسي لا يعترف بديمومة الوجود ولا يقيم وزنا لثبات الكائنات و بهذا تتأكد الفلسفة السوداوية الكامنة خلف هذه الممارسات والتي ترى أن الغاية القصوى للرمز المعكوس ليست السيطرة على العالم أو تحقيق رغبات دنيوية زائلة بل هي إشراك العالم بأسره في طقس إنتحار جماعي يعود فيه الزمان إلى نقطة الصفر و ينسحق التاريخ تحت حوافر العدم المطلق لتصفو القوانين و تفرغ الوجودات معلنة نهاية الصراع بين الكائن واللاكائن بإنتصار أبدي للفراغ الخالص.
_ الهروب إلى الهاوية: وهم الخلود السحري ومقايضة الحياة الإنسانية بلعنة البقاء الأبدي في حضرة العدم
يتشكل الدافع الأنطولوجي الأعمق الكامن خلف الإنخراط في الممارسات السحرية المتعالية من رغبة جامحة ومرعبة في الهروب من الحتمية البيولوجية والمصير الفنائي المحتوم الذي يفرضه الموت على الكائن البشري وهنا يبرز الخوف العميق من الموت ليس بوصفه مجرد هلع نفسي عارض أو قلق غريزي زائل بل بإعتباره تصدعا وجوديا جذريا يواجه فيه الإنسان هشاشته المطلقة وعجزه التام أمام زحف العدم الذي يهدد بمحو هويته وذاكرته وكل أثر لوجوده في هذا العالم وإن السحر في طموحه الأقصى نحو الخلود المستحيل لا يقدم نفسه مجرد وسيلة ترفيهية أو مهارة خارقة بل يتحول إلى محاولة إنتحارية وباسلة في آن واحد لكسر شوكة الزمن وإلغاء القوانين الكونية الصارمة التي تقضي بأن كل كائن إلى زوال و حين يقف الممارس على حافة الهاوية مستحضرا طاقات العدم الخلاق فإنه يفعل ذلك دافعا إياه الإقرار بأن الموت الحقيقي ليس هو الفناء البيولوجي فحسب بل هو الإنمحاء التام من ذاكرة الوجود و من هنا تصبح الطقوس السحرية المتطرفة بمثابة محاولات يائسة ومستميتة لإختراق جدار الفراغ ونسج خلود مصطنع و مستعار يستمد إستمراريته من قلب العدم ذاته في مفارقة كبرى تؤكد أن الهروب من الموت قد دفع بالإنسان إلى التحالف مع العدم الذي يمثل الوجه الأظلم والأكثر رعبا للموت نفسه. من منظور فلسفي عميق يتقاطع فيه الوجودي بالأنطولوجي يمثل هذا السعي نحو الخلود المستحيل عبر السحر مفارقة تناقضية بالغة العبثية لأن الممارس وهو يحاول الإفلات من قبضة الفناء الطبيعي يلقي بنفسه طوعا في أتون العدم المطلق متخليا عن بشريته وذاكرته و هويته تدريجيا لكي يضمن بقاء مستمرا ولكن على صورة شبحية مفرغة من كل محتوى إنساني حقيقي فالخلود السحري لا يمنح الكائن حياة أبدية دافئة بل يلفه بلعنة البقاء الأبدي كشبح بارد وصامت يعيش في المنطقة الرمادية الفاصلة بين الوجود واللاوجود وهذا التحول يكشف عن طبيعة الدافع العملي الكامن خلف الطقوس فالموت هنا لا يواجه بقبول الحتمية أو بالسلام الروحي بل يواجه بتحدٍ راديكالي يتحول فيه الخوف من الموت إلى هوس مدمر يدفع الإنسان إلى تدمير حياته الفعلية من أجل الظفر بوهم الإستمرار الأبدي فالممارس يضحي بالحياة الحقيقية لكي يحمي نفسه من شبح الموت غافلا عن أن الثمن الذي يدفعه هو التنازل عن جوهره الإنساني لصالح قوى العدم التي ستتخذ منه مطية أبدية لا تملك من أمرها شيئا سوى ترديد صدى الفراغ الأبدي الذي هربت منه إبتداء. تتتوج هذه المأساة الكيانية بإدراك أن السحر في سعيه نحو الخلود المستحيل لا يهزم الموت أبدا بل يعيد إنتاجه على مستوى أعمق و أكثر رعبا حيث يتحول الخلود المزعوم إلى موت أبدي بطيء ومستمر يفقد فيه الإنسان حريته و قدرته على التغير والتطور ليصبح مجرد سجن مصطنع منيع ضد الموت البيولوجي ولكنه محكوم بلعنة الجمود الأبدي في حضرة العدم الخلاق وبهذا يثبت التحليل الفلسفي المتعالي أن الخوف العميق من الموت هو المحرك الخفي لكل الممارسات السحرية الراديكالية لأنه يمثل نقطة الإنكسار الأولى في الوعي البشري التي تدفع الكائن إلى تجاوز كل الحدود والأخلاق و النواميس الطبيعية باحثا عن طوق نجاة في بحر متلاطم من الظلمات والعدمية المطلقة مفضلا أن يحيا إلى الأبد ككيان مموه ومستلب على أن يقبل بالعدم الطبيعي الذي ينتهي إليه كل حي ليؤكد في النهاية أن أفظع ما يخشاه الإنسان هو الفناء النسبي وأعظم كارثة قد يوقعها بنفسه هي نجاحه في تحقيق خلود مستحيل مصنوع من مخلفات العدم الخالص. _ زلزال الطقس وإرتداد العدم: عندما تُهشم هفوة التنفيذ أسوار الهوية وتذرّ الوعي في رماد الهاوية
ينسج السحر عبر التاريخ البشري محاولة طموحة لتجاوز حدود الواقع المادي الملموس و إستنطاق قوى خفية كامنة في طيات الوجود عبر آليات طقسية دقيقة تحاول فرض الإرادة الذاتية على صرح الكون وربط الكلي بالجزئي في شبكة من المعاني الدلالية والرموز الإجرائية غير أن هذه المحاولة الكونية لا تتحرك في فراغ آمن بل ترتكز على ترسانة صارمة من القواعد و الشروط التنفيذية التي تحكم مسار الطاقة و الرمز فكل خطوة طقسية وكل كلمة منطوقة و كل حركة جسدية في الفضاء المقدس تمثل تروسا بالغة الدقة في آلية كبرى تهدف إلى إعادة صياغة الواقع أو إستجلاب قوى مفارقة ومن هنا فإن أي خلل طفيف أو خطأ تنفيذي مهما بدا ضئيلا في أعين الممارس المبتدئ لا يمثل مجرد هفوة إجرائية عابرة بل يشكل تصدعا بنيويا في جسد الطقس ذاته يعصف بجدواه ويهدم توازنه المفترض ليتحول من أداة للسيطرة والتمكين إلى بوابة خلفية تطل على العدم المطلق وتسمح للفراغات الوجودية بالتسلل العكسي نحو مركز الذات الفاعلة مما يؤدي إلى إنهيار تدريجي في بنية الهوية وتشتتها الشامل في لجة الرماد الوجودي. إن البنية العميقة لأي طقس سحري تعتمد كليا على مبدأ التطابق التام بين الدال و المدلول وبين الشكل الطقسي والمضمون الغيبي وكأن الممارس يوقع عقدا خفيا مع قوانين الكون الكلية التي لا تتقبل التأويل ولا تغفر الزلل فإذا وقع خطأ تنفيذي في نطق التعزيمات أو في ترتيب الرموز الهندسية أو في توقيت الأداء الفلكي فإن هذا الخلل لا يؤدي فقط إلى فشل الإستحضار بل يخلق فراغا هائلا في نقطة التماس بين الوجود والعدم ففي الفلسفة السحرية يمثل الطقس بؤرة مكثفة من الطاقة و الوعي والنية وإذا إنكسرت هذه البؤرة بسبب زلة تنفيذية تفقد الطاقة الموجهة مسارها الصحيح و تتوقف عن التدفق الخارجي نحو الهدف المرسوم لترتد بعنف هائل نحو نقطة إنطلاقها أي نحو الذات الواعية للممارس نفسه الذي بات الآن عاريا تماما أمام قوى لم يعد قادرا على توجيهها أو إحتوائها وهذا الإرتداد المدمر لا يمثل مجرد إصطدام طاقي عابر بل هو هجوم كوني صريح يشنه العدم المتربص بالوجود حيث تندفع الفراغات المطلقة لملىء الفراغ الذي خلفه الفشل الطقسي وتبدأ في تقويض الحصون النفسية و الروحية التي تحمي الممارس من السيولة الوجودية العارمة. هذا الإرتداد للعدم لا يقف عند حدود الصدمة الطاقية المؤقتة بل يتغلغل عميقا في بنية الهوية الإنسانية ليصيبها بالتشتت الشامل والإنهيار الميكروسكوبي فالأنا في الفلسفة الحديثة والقديمة على حد سواء هي بناء دقيق ومتماسك يستمد وحدته من إستمرارية الوعي و تمركزه حول ذات فاعلة و مدركة قادرة على التمييز بين الداخل والخارج و بين الذات والموضوع وبين الكائن و الممكن ولكن عندما يخفق الطقس وتتداخل خيوط الواقع بالفراغ المطلق تفقد الأنا إحداثياتها المرجعية و تتزعزع ثقتها في قدرتها على الإمساك بزمام الوجود فالذات التي حاولت الهيمنة على الكون وجدَت نفسها مأسورة في شباك عجزها الخاص مما يؤدي إلى تفكك تدريجي في وحدة الهوية و توزعها على شظايا متناثرة من الوعي المتمزق حيث يعجز الممارس عن تجميع أشتات نفسه المبعثرة بين عوالم الرمز المكسور ومتاهات العدم الكاسح فتتلاشى الحدود الفاصلة بين الأنا واللاأنا وتدخل النفس في حالة من التيه الوجودي المستمر الذي يفقد فيه الإنسان شعوره بالإنتماء إلى الواقع الملموس ليصبح مجرد طيف باهت يهيم على وجوهه في برزخ مظلم بين الوجود والعدم محكوما بتأبد التشتت وضياع المعنى. تتجلى مأساة هذا الإنهيار في كون الهوية المشتتة لا تقبل الجبر بسهولة لأنها لم تتعرض لكسر خارجي عابر يمكن مداواته بالزمن بل تعرضت لذوبان داخلي جذري طال النواة الصلبة للوعي البشري فعندما يرتد العدم إلى الداخل وينتشر في شرايين الروح بفعل الخطأ التنفيذي للطقس فإنه يحفر عميقا في ذاكرة الكائن ويترك ندوبا ميتافيزيقية لا تمحى يتحول معها الممارس من سيد محتمل للرموز إلى مجرد ضحية أبدية لفوضاها العارمة حيث تصبح كل محاولة لإعادة بناء الذات محكوماً عليها بالفشل الذاتي لأن الأداة التي يُفترض بها أن تعيد ترميم النفس أي الوعي والإرادة قد أصيبت بدورها بالتسمم العدمي المطلق وأصبحت ملوثة بوباء التشتت الشامل وعليه فإن الفلسفة العميقة للسحر تحذر دائما من خطورة الإستهانة بالتفاصيل الدقيقة للطقوس لأن الهاوية ليست مكانا نائي نتجه إليه بإرادتنا بل هي حالة وجودية كامنة خلف كل باب مغلق وكل رمز ناقص وكل خطأ تنفيذي بسيط جاهزة دائما للإنقضاض على الكائن المتهور وإعادته قسرا إلى سكونية العدم الأبدي.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ
...
-
عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ
...
-
عَرْشُ بَابَا دُودُو: سُرَادِقُ الذَّهَبِ وَالجِنِّ وَحِكَاي
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
هَنْدَسَةُ الِإحْتِمَالَاتِ الْعَكْسِيَّةِ: عِلْمُ إسْتِعَاد
...
-
هَنْدَسَةُ الِإحْتِمَالَاتِ الْعَكْسِيَّةِ: عِلْمُ إسْتِعَاد
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
المزيد.....
-
تأثير السعودية على إلغاء ترامب ضربات قوية ضد إيران.. محلل يو
...
-
الملايين عارضوا الحكم العسكري في ميانمار، هل انتهى حلم الثور
...
-
كواليس تعليق الضربات الأمريكية.. هل رضخ ترامب لضغوط بن سلمان
...
-
مباشر: ترامب يعلن تعليق شن ضربات على إيران وطهران تتعهد برد
...
-
مدى نفوذ الحوثي وإلى متى -يبقى محور المقاومة- لإيران؟.. نظرة
...
-
أمريكا تلغي هجمات مقررة ضد إيران وترامب يوضح السبب
-
ترامب يعلن تعليق الهجوم على إيران وقبول اتفاق مبدئي لفتح مضي
...
-
مخاطر ارتداء الحذاء غير المناسب
-
الكبد عضو صامت.. 8 إشارات تكشف تدهور وظائفه
-
طبيب يحذر من تناول البذور بقشورها.. ويكشف حقيقة علاقتها بالت
...
المزيد.....
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
المزيد.....
|