أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 22:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ جغرافيا الوجود بين المعجزة والعدم: إستنطاق الميتافيزيقا في مواجهة الحتمية المادية

تتشكل معضلة المعجزة والسحر في الفكر الفلسفي و الأنطولوجي كواحدة من أعقد الثيمات التي تختبر حدود إدراكنا للواقع ومفهوم العلة والمعلول حيث لا يمكن مقاربة المعجزة بإعتبارها مجرد خرق عارض لقوانين الطبيعة بل بوصفها تجليا راديكاليا لإنبثاق الجوهر المطلق من رحم العدم المطلق لتعيد صياغة نسيج الوجود وتحطيم أطر الحتمية المادية السائدة التي تحكم العالم المحسوس إذ إن العدم في هذا السياق لا يمثل الفراغ السلبي البحت أو العدمية المبددة للماهيات بل يتحول إلى فضاء إمكانات لانهائي ومخزن خفي للقدرة المطلقة التي تتدخل لتعطيل القوانين الفيزيائية الوضعية و تقديم نموذج كوني بديل ينسج الواقع من جديد وفق إرادة مفارقة تفوق الحدود الإمبريقية و التجريبية التي تعتمد عليها العلوم الحديثة في تفسير الظواهر الكونية المتاحة للرصد البشري. إن النظرة التقليدية للواقع تعتبره نسجما مغلقا و متسقسا تخضع كل حلقة من حلقاته لضرورة صارمة ترتبط بما سَبقها وفق سببية خطية أو شبكية لا تقبل الخرق أو الإنفصام غير أن المعجزة تأتي لتقوض هذا الإعتقاد اليقيني عبر إحداث صدع أنطولوجي في جدار الكينونة وهو ما يقترب بصورة عميقة من مفهوم إختراق العدم للواقع فالعدم حين يتغلغل في نسيج المادة لا يفعل ذلك لهدم الوجود بل لإعادة تأسيسه على أسس ميتافريقية جديدة تماما كمن يفتح ثقبا في جدار المادة المألوفة ليتسرب منه النور الإلهي أو الإرادة المطلقة التي تصنع المستحيل وتجعله واقعا مشاهدا مما يجعل العقل البشري يقف عاجزا أمام تفكيك هذه الآلية بالطرق الإستدلالية المعتادة ويضطره إلى إعادة النظر في الطبيعة الحقيقية للوجود الذي يظنه صلبا وثابتا بينما هو في حقيقته هش وقابل للإختراق في أي لحظة تتجلّى فيها القوة المفارقة التي أوجدته من العدم أصلا. على الصعيد المقابل يمثل السحر محاولة بشرية أو غوية محايثة لمحاكاة هذا الخرق الأنطولوجي و لكن ضمن حدود الإمكان البشري المشروط أو الإرتباط بالرموز والقوى الخفية الكامنة في ثنايا الطبيعة نفسها فالساحر لا يخلق شيئا من العدم ولا يحدث إختراقا حقيقيا بمعناه الإلهي المطلق بل يعيد توجيه الطاقات الكامنة وإستغلال الثغرات الدقيقة الموجودة أصلا في نسيج الواقع المنظور وكأن السحر هو إستغلال لخصائص خفية في المادة أو إستدعاء لعوالم سفلية أو خفية تعمل ضمن قوانين بديلة ولكنها تظل محكومة بنظام محايث على عكس المعجزة التي تأتي من خارج النظام الكوني بأسره لتفرضه فرضا على الواقع المادي المعيش فالسحر ظاهرة دلالية ورمزية ترتبط بالتلاعب بالظواهر بينما المعجزة حدث أنطولوجي جذري يعيد خلق الجوهر ويغير طبيعة الأشياء بذاتها فتحيل العصا حية تسعى من خارج المنطق الفيزيائي لا تفسير له سوى أن العدم قد إستحال وجودا بفعل كلمة كن فيكون. من هنا تتضح المفارقة الكبرى بين السحر والمعجزة في علاقتهما بالعدم و الواقع فالساحر يتحرك داخل فضاء الإمكان المحايث مستخدما الرموز و الطلاسم والتعاويذ لإستجلاب آثار غير مألوفة لكنه يظل سجينا لنسيج الواقع الذي يحاول التحايل عليه بينما النبي أو صاحب المعجزة يقف على تخوم العدم المطلق مستمدا منه القدرة على نسف القوانين و إعادة بناء الواقع بلا وسائط مادية تقليدية وهو ما يجعل المعجزة إختراقا عميقا للعدم في صميم الوجود بينما يبقى السحر مجرد إنعكاس باهت أو محاولة قاصرة لتقليد هذا الإختراق الكبير عبر التلاعب بالمظاهر والخيالات و الأسباب القريبة التي لا تلامس الجوهر الحقيقي للوجود ولا تستطيع أن تحدث تغييرا أنطولوجيا مستداما في بنية الكون. إن هذا التحليل الفلسفي للعدم والواقع والسحر والمعجزة يفتح الباب واسعا أمام فهم أعمق لطبيعة الكينونة البشرية التي تتأرجح دائما بين رغبة في السيطرة على الطبيعة عبر الوسائل المحايثة السحرية و بين تطلع روحي وميتافيزيقي نحو المطلق الذي يمثله الإيمان بالمعجزات كدليل قاطع على أن هذا العالم ليس سوى ظل عابر لواقع أعظم وأشمل وأنه قابل للإنفتاح على آفاق اللامحدود متى ما شاءت الإرادة الإلهية التي أوجدته من العدم أن تتدخل لتغير مساره وتسطر آياتها الكبرى في كتاب الكون المفتوح على كل الإحتمالات الفلسفية والوجودية الكبرى.

_ مرآة التأويل ومخاض الكينونة: جَدَل الوعي والسحر على تخوم الإدراك والعدم

تتأسس الإشكالية الكبرى في فلسفة الوعي و السحر على تساؤل أنطولوجي عميق حول طبيعة القوة المحركة للظواهر الباطنية وتداخلها الجذري مع آليات الإدراك الإنساني حيث يبرز التساؤل عما إذا كانت الطاقة الكامنة خلف الممارسات السحرية هي ذاتها القوة الفاعلة في تشكيل الإدراك الواعي و توجيهه نحو إدراك عوالم خفية لا تدركها الحواس الظاهرة أم أن هناك جواني جوهرية تفصل بين طاقة التأثير الخارجي عبر الطلاسم والرموز وطاقة التأمل الداخلي التي ينبني عليها الوعي والمعرفة إذ إن مقاربة هذه الثنائية تتطلب تفكيك البنية الخفية للوجود الإنساني الذي يقف دائما على حافة العدم مستمدا منه طاقته الخام وقدرته على إعادة تشكيل المعنى عبر التأويل أو الفعل المباشر الذي يتجاوز المادة المألوفة نحو فضاءات الإمكان اللامحدود و المحايث للذات المفكرة في آن واحد. إن الإدراك في جوهره الفلسفي ليس مجرد إنعكاس سلبي للواقع الخارجي في مرآة العقل بل هو عملية خلق مستمرة ونشطة لنسيج الواقع من خلال تفكيك الإشارات الكونية وإعادة تركيبها في صورة مفاهيم ورموز وهو ذات التهديف الذي يشتغل عليه السحر في محاولته للسيطرة على الظواهر عبر التلاعب بالرموز و الدلالات والروابط الخفية بين الأشياء وكأن السحر والإدراك يشتركان في منبع واحد هو القدرة على إختراق الحجب المادية المباشرة والنفاذ إلى جوهر العلل الكامنة خلف الظواهر فبينما يعتمد الإدراك على تحويل المثيرات الحسية إلى معانٍ وبنى معرفية يستنطق بها العقل العالم الخارجي يشتغل السحر بطريقة معاكسة أو موازية عبر تحويل المعاني المجردة والنية النفسية إلى طاقات وتأثيرات عينية قادرة على إحداث خروقات دقيقة في نسيج الطبيعة المحايثة و هو ما يشي بأن القوة المحركة لكليهما تنبع من العمق الروحي والنفسي للرائي أو الممارس الذي يستمد طاقته من ذات الفضاء الوجودي المشترك المتاخم للعدم. على المستوى الأنطولوجي تتقاطع القوة السحرية مع قوة الإدراك في إعتمادهما الكلي على طاقة التخيل الخلاق والتركيز الميتافيزيقي حيث يمثل الخيال لدى فلاسفة الوعي الجسر الأكبر الذي يعبر منه العدم إلى الوجود عبر إستحضار صور غير مادية وتجسيدها في شكل أفكار أو أفعال تأثيرية و الساحر حين يمارس طقوسه لا يفعل ذلك بمعزل عن وعيه العنيف بل إنه يوظف أقصى درجات التركيز الإدراكي لتوحيد إرادته مع القوى الكونية الكامنة في طيات الطبيعة و هو ما يعني أن الإدراك العميق المتأمل ليس سوى الوجه الباطني للسحر الفعال فالعقل المدرك حين يتعمق في كشف أسرار الكون ويحاول إختراق حجاب المادة والزمن يقترب كثيرا من الحالة السحرية التي تسعى لتجاوز القيود الفيزيائية عبر القوة البحتة للنية والرمز واللغة التي تعتبر بدورها أداة إدراك وسلاحا سحريا في آن واحد نظرا لقدرتها العجيبة على خلق عوالم متكاملة من العدم الدلالي. غير أن الفارق الفلسفي الدقيق بين القوتين يكمن في إتجاه الحركة وغاية الفعل فبينما يتجه الإدراك بطبيعته نحو الإنكشاف و المعرفة وتوسيع أفق الوعي البشري لفهم قوانين الوجود و تأمل تجليات العدم بإنسجام وتناغم مع النظام الكوني يتجه السحر أحيانا نحو التسليع و التطويع ومحاولة إخضاع القوى الكونية لإرادة الذات المحايثة بشكل صدامي أو إستغلالي فالسحر يحاول إختصار مسافات المعرفة الطويلة التي يتطلبها الإدراك الفلسفي الخالص ليقفز مباشرة نحو النتائج العملية عبر إستخدام الرموز المكثفة والتعاويذ وهو ما يجعله يبدو أحيانا كنسخة مشوهة أو تطبيق عملي متسرع لطاقات الإدراك الكوني الكامنة في أعماق النفس البشرية التي لم تدرك بعد أن الوصول الحقيقي إلى سر الوجود لا يتم عبر السيطرة الخارجية بل عبر الإندماج العارف والواعي في نسيج المطلق المتأتي من صفاء الإدراك الخالص. من هذا المنظور المتشابك تتأكد القرابة العميقة بين القوة التي تحرك السحر وتلك التي تحرك الإدراك فهما تنتميان معا إلى جذر أنطولوجي واحد يتغذى من قدرة الإنسان على تجاوز واقعه المادي البحت والغوص في عوالم المعنى والرمز المستمدة من طاقة العدم الخلاق الذي يمد الكينونة بالديمومة والإتجاه فالسحر والإدراك وجهان لعملة واحدة هي رغبة الكائن البشري الأزلية في كسر أطواق الحتمية المادية و التحليق في فضاءات الممكن المطلق سواء أكان ذلك عبر نور المعرفة الفلسفية العميقة التي يمنحها الإدراك المتأمل أم عبر دروب الرمز و الخفاء التي يسلكها السحر في محاولته المستميتة لإعادة كتابة قوانين الواقع من الداخل.

_ قناع الأقدار ووهم السيطرة: جَدَل القدر والعدم في مرآة الوهم السحري

تتقاطع إشكالية السحر مع مفهوم القدر في الفلسفة الأنطولوجية لتشكل بؤرة توتر كبرى حول مدى قدرة الإنسان على تجاوز قيوده الوجودية المطلقة حيث يبرز تساؤل عميق عما إذا كان السحر يمثل فعلا تحرريا حقيقيا أم مجرد وهم خادع يمنح الكائن البشري شعورا زائفاً ووقتيّاً بالسيطرة على حتميات القدر القاسية وفي إطار العلاقة المتشابكة بين السحر والعدم يمكن النظر إلى السحر بإعتباره محاولة مستميتة لملىء الفراغ الهائل الذي يتركه العدم في نفس الإنسان حين يواجه هشاشته العميقة أمام جبروت المجهول والمستقبل المغلق فالتجربة الإنسانية منذ نشأتها الأولى ظلت مصحوبة برعب وجودي حيال النهاية المحتومة وقوانين الطبيعة الصارمة التي لا ترحم الضعف البشري مما دفع الوعي إلى إختراع عوالم موازية من الرموز والطلاسم و التعاويذ بوصفها جدرانا وهمية يحتمي خلفها الكائن ليوهم نفسه بأنه قادر على توجيه دفة الأقدار وإخضاع مجرى الأحداث لإرادته الخاصة متجاوزا بذلك حتمية العدم التي تحاصر وجوده من كل جانب. إن هذا الشعور بالسيطرة الذي يمنحه السحر ليس سوى بنية وهمية تتغذى على آليات الإسقاط النفسي و التعلق بالدلالات الشكلية للطقوس فالممارس السحري حين يتلاعب بالكلمات والحركات و الرموز يعتقد واهماً أنه يخترق جدار الغيب و يدير عجلة القدر كيفما شاء متجاهلاً أن ما يفعله هو مجرد تحريك لسطح الظواهر دون أن يمتلك أي سلطان حقيقي على الجوهر الأنطولوجي للأشياء فالقدر في حقيقته هو التعبير الأسمى عن الإرادة المطلقة أو الناموس الكوني الكلي الذي يتجاوز كل محاولات التطويع البشري المحايث بينما السحر يظل محصوراً في أفق الإمكان البشري القاصر الذي يتحول حين يتوهم إستقلاليته المطلقة إلى فخ نرجسي يعزل الإنسان عن تقبل حقيقة واقعه المرتبط بالعدم و الفناء فالشعور بالسيطرة هنا هو تعويض نفسي دفاعي يمارسه الوعي الضعيف لدرء صدمة العجز المطلق أمام قوى الكون الهائلة ليصبح السحر بذلك أداة تخدير أنطولوجي تمنح السعادة الوهمية والإطمئنان المؤقت على حساب الحقيقة المرة المتمثلة في كون الإنسان كائناً محكوماً بالحدود و المقادير التي لا يملك حيالها سوى التسليم أو الفهم العميق لمعنى وجوده لا الإلتفاف حوله بحيل سحرية عقيمة. وعلى صعيد متصل يظهر التناقض الجذري بين الوهم السحري و الواقع الحق حين ندرك أن محاولة السيطرة على القدر عبر السحر هي في حد ذاتها خضوع خفي لقوى العدم والعدمية فبدل أن يتجه الإنسان نحو بناء وعي حقيقي يواجه به مصيره بشجاعة فلسفية خالصة تليق بكرامة الكينونة العاقلة فإنه يستسلم لآليات الهروب نحو الوهم والإعتقاد بأن طقساً شكلياً أو تعويذة لغوية قادرة على قلب الموازين الكونية و إلغاء حتمية القدر وهو ما يجعل السحر ينقلب ضد غايته ليتحول من وسيلة للتحرر إلى قيد أثقل يكبلك الوهم البشري في شرانق العجز المتخفي في صورة قوة مزيفة فالممارس للسحر يعيش في حالة إنكار مستمر لحقيقة أن العدم يحيط به من كل جانب وأن محاولته للسيطرة على القدر عبر قوى خفية ومحايثة ليست إلا ضربا من العبث الفلسفي الذي يعيد إنتاج الوهم بصيغ مختلفة تزيد من إغتراب الإنسان عن ذاته وعن واقعه الحقيقي الذي يتطلب شجاعة المواجهة لا مهارة الهروب نحو الأوهام السحرية التي تتبخر بمجرد إصطدامها بصخرة الواقع الصلب و المقادير النافذة. من هذا المنظور الوجودي الشامل يتأكد أن السحر بمنحه ذلك الشعور الزائف بالسيطرة على القدر إنما يمارس خداعاً ذاتياً رفيع المستوى يستمد جذوره من رغبة الإنسان الأزليّة في الهروب من وطأة العدم و العدمية المهددة لمعناه فالسيطرة الحقيقية لا تحقق بالوسائل السحرية المستندة إلى الوهم و التحايل بل تتحقق عبر الوعي العميق والإنفتاح الفلسفي على كبرى حقائق الوجود و القبول العاقل لحدود الكائن البشري في هذا الكون الواسع فالسحر يبقى في النهاية مرآة عاكسة لضعف الإنسان لا لقوته وعلامة فارقة على محاولته اليائسة لترويض المستحيل بأدوات واهية تتهاوى صاغرة أمام عظمة القدر وجلال الحقيقة المطلقة التي تسوس الوجود بأسره خارج أسوار الوهم والسحر والعدم.

_ سيميائية الإنزياح الوجودي: هندسة الواقع في مرآة النظرة السحرية والعدم

تتحدد إشكالية تحول الواقع تبعا لتغير النظرة السحرية إليه في أفق الفلسفة الأنطولوجية بإعتبارها تساؤلا جذريا حول طبيعة الكينونة وما إذا كانت الأشياء والظواهر تمتلك إستقلالية موضوعية صلبة بمعزل عن الوعي المدرك لها أم أن نسيج الواقع برمته ليس إلا إنعكاسا مرنا لتلك الطاقة التأويلية الكامنة في أعماق الذات البشرية وفي خضم العلاقة الخفية بين السحر و العدم يبرز الفرض بأن النظرة السحرية للكون لا تقف عند حدود الإنفعال البصري السلبي بل تشكل طاقة فاعلة ومخترقة قادرة على إعادة هندسة المعنى من داخل الفراغ الأنطولوجي الذي يمثله العدم فإذا كان العدم ليس سوى فضاء لامتناه من الإمكانات الخام التي تنتظر صيغة التحقق فإن النظرة السحرية بوصفها وعيا متمردا على الحتميات المادية ترتاد هذا الفضاء المعتم لتستخرج منه دلالات جديدة تصوغ بها وجها آخر للواقع المعيش وتخلخل وثوقية المادة الثابتة متجاوزة حدود المألوف نحو آفاق التموضع الوجودي الجديد الذي يدمج الذات بالموضوع في صهرية واحدة لا تقبل الإنفصام و لا التجزئة. إن الواقع الإمبريقي في مظهره الخارجي يبدو و كأنه نظام حتمي صارم محكوم بقوانين فيزيائية لا تتبدل غير أن الفلسفة النقدية والأنطولوجية تدرك أن ما نسميه واقعا هو في أعمق مستوياته بناء دلالي ورمزي يشيده الوعي بإستمرار وحين تتدخل النظرة السحرية بإعتبارها رؤية متجاوزة للمحسوس فإنها تعيد شحن الرموز والكلمات والأشياء بشحنات دلالية هائلة تجعل العالم المدرك يتشكل في قوالب جديدة تختلف كليا عن صورته السابقة فالسحر هنا ليس مجرد تلاعب بهلواني بالظواهر بل هو إعادة تمركز للذات في قلب الحدث الوجودي حيث تتحول النظرة السحرية إلى نافذة تطل على العدم لتأخذ منه طاقة الإبداع المطلق و تضخها في شرايين الواقع الصلب لينهك هذا الواقع صلابته ويتحول إلى مادة لينة طيعة بين يد الإرادة المتأملة والمحملة بأسرار الرموز و الخفاء وهو ما يعني أن الواقع بالفعل يتغير أو هكذا يتراءى للوعي الذي نجح في كسر قشرة المادة الكثيفة والوصول إلى جوهرها المائع القابل للتشكيل والتحول المستمر بتأثير النظرة السحرية العميقة. على أن هذا التغير المحتمل للواقع عبر النظرة السحرية يصطدم سريعا بحدود الأنطولوجيا الصارمة التي تفرق بين التغير الدلالي الباطن والتغير المادي الموضوعي فالنظرة السحرية حين تغير الواقع فإنما تفعل ذلك في المقام الأول داخل حدود الأفق النفسي والدلالي للرائي حيث ينزاح معنى الأشياء وتتغير قيمتها الوجودية فتكتسب هالة من القداسة أو الرعب أو السيطرة التي تجعل العالم يبدو مختلفا تماما و كأن قوانينه قد إنقلبت بينما يظل العالم الموضوعي في بنيته الفيزيائية الصلبة بمنأى عن هذا التحول الإنزياحي فالمعجزة وحدها هي القادرة على إحداث خرق أنطولوجي حقيقي في نسيج العدم والمادة معا لتقلب الأعيان وتغير الحقائق بينما تظل النظرة السحرية تمارس سحرها الإدراكي على مستوى الوعي فتغير شكل العالم في مرآة النفس و تجعله قابلا لإحتمالات واسعة لم تكن لتدرك لولا ذلك الإنفتاح الجذري على فضاء العدم والدلالة المفتوحة على كل التأويلات الممكنة. من هنا يتأكد أن قدرة النظرة السحرية على تغيير الواقع تكمن في قدرتها الباهرة على تحطيم اليقينيات المادية الباردة وإعادة الإعتبار لسلطان المعنى و الرمز في صياغة التجربة الإنسانية فالعالم لا يتغير بضربة عصا سحرية مادية تنبثق من العدم الخارجي بل يتغير من خلال ذلك الزلزال الهادئ الذي تحدثه النظرة السحرية في بنية الإدراك البشري فتنزع عنه غشاوة التعود وتفتح أمامه عوالم جديدة من الإمكانات والدلالات التي تذيب الحدود الفاصلة بين ما هو كائن وما هو ممكن ليصبح الواقع بذلك لوحة مرنة تتشكل خطوطها وألوانها طبقا لعمق النظرة السحرية و إتساع أفقها الميتافيزيقي الذي يتكئ بثقله على حافة العدم المستنطق بكل أسراره الخفية.

_ حافة اللاعودة: ثنائية العدم والرمز في ملحمة الكينونة البشرية والسحر

يتحدد هذا التساؤل الأنطولوجي الجذري في أفق الفلسفة الوجودية والأنطولوجيا المعاصرة حول ماهية الكائن القادر وحده على إدراك العدم ومقارفة السحر بإعتباره سؤالا مصيريا يكشف عن الفرادة المطلقة للإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يقف على حافة الوجود مستشرفاً فراغ العدم و محاولاً ترقيمه بالرموز والطلاسم السحرية فبينما تكتفي الكائنات الأخرى بالإندماج الكامل في نسيج الطبيعة المادية الخالصة دون وعي بفراغ البداية أو حتمية النهاية ينفرد الكائن البشري بقدرة فريدة على الإستشعار العميق للعدم بإعتباره الأفق الخفي الذي يحيط بوجوده من كل جانب مما يجعله كائناً قلقاً ومحطماً للتطبيقات المادية المألوفة و مندفعاً بلا هودج نحو إستكشاف عوالم الخفاء والسحر التي تتيح له وهم السيطرة على هذا الفراغ المهدد لمعناه و كيانه الوجودي بأسره. إن إدراك العدم ليس مجرد عملية عقلية محايدة بل هو هزة وجودية عنيفة يتعرض لها الوعي البشري حين يدرك هشاشته المطلقة وحقيقة أنه أوجد من لاشيئية مطلقة ليعود إليها طال الزمان أو قصر وهذا الوعي الحاد بالعدم هو ذاته الشرارة الأولى التي تولد الرغبة في السحر فالسحر في جوهره الفلسفي هو رد فعل دفاعي و هجومي في آن واحد يقدمه هذا الكائن الفريد لملىء الفراغ الأنطولوجي الرهيب الذي يفتحه إدراك العدم في روحه فالكائن العاقل حين يكتشف أنه محاصر بالفناء والجهل بقوانين المصير يبدأ في نسج خيوط السحر والرموز و التعاويذ ليبني لنفسه بيتاً وهمياً من المعنى داخل كون يبدو للوهلة الأولى أصماً وخاوياً مما يجعل من الإنسان كائناً سحرياً بطبيعته لأنه الكائن الوحيد القادر على تجاوز المعطى الحسي البحت وخلق عوالم موازية من الدلالة والخيال المطلق. على هذا الأساس فإن الكائن الذي يدرك العدم و السحر هو الكائن المفارق الذي يسكن في التخوم القصوى بين الوجود واللاوجود ويمتلك القدرة الفريدة على تحويل الفراغ المطلق إلى مادة خصبة للتأمل والإبداع والتلاعب بالرموز فلو لم يكن الإنسان قادراً على تذوق طعم العدم و إستشعار برودته لما إستطاع أن يبتكر السحر كحيلة كبرى لترويض الواقع ومحاربة العجز فالسحر والعدم وجهان لمرآة واحدة يعكسان عمق المأساة الإنسانية وروعة التمرد البشري في آن واحد فالإنسان هو ذلك الكائن العجيب الذي يحدق في وجه العدم المظلم فلا يصاب بالعمى الكلي بل يبدأ في رسم الطلاسم وإشعال الشموع السحرية ليضيء عتمة الوجود بوهج الرمز والإرادة المحايثة التي تأبى الخضوع الكامل لحتمية الفناء والعدمية البحتة. من هنا يتأكد أن الكائن البشري هو الحامل الوحيد لهذا الثقل الأنطولوجي المزدوج فهو الكائن الذي يعلم أنه لا شيْ ومع ذلك يبني كل شيء وهو الكائن الذي يدرك فراغ العدم فيحوله ببراعة السحر إلى فضاء ممتلئ بالإحتمالات والأوهام الخلابة التي تقيه صدمة الحقيقة العارية فالسحر والعدم إذن ليسَا سوى مرآتين تعكسان عظمة هذا الكائن و تناقضه الأبدي بين فقر كينونته المادية المهددة بالزوال وغنى وعيه المطلق القادر على إختراق جدار الواقع وصياغة الكون برمته من جديد في مخيلته الخلاقة التي لا تكل عن البحث عن المعنى ولو في سراب الأوهام السحرية.

_ هشاشة الصرح وثبات السراب: جَدَل الذات والعدم في سيرورة الهوية والسحر

تتجسد ذروة الأسئلة الأنطولوجية في الفكر الإنساني حين تلتفت الذات نحو ذاتها متسائلة عن ماهيتها الجوهرية وهل هي جوهر صلب و ثابت يقاوم تقلبات الزمن أم مجرد هيكل وهمي متجدد يتشكل ويتفكك ويزول تبعا لتلاحق التجارب وإشتباكها المستمر مع فراغ العدم وفي قلب هذا التوتر الفلسفي يتقاطع مفهوم الذات مع ثنائية السحر والعدم ليقدم إجابة معقدة تؤكد أن الذات الإنسانية ليست صخرة صلبة تقف بمعزل عن رياح الوجود بل هي صرح دلالي هش يعيد تشكيل نفسه في كل لحظة على حافة العدم المطلق فالتجارب المتلاحقة لا تقتصر على كونها أحداثا خارجية تمر بسلام فوق سطح النفس بل هي أحماض أنطولوجية مذيبة تذيب اليقينيات الجاهزة وتجعل الذات كائنا يخض لسيرورة مستمرة يتألف من طبقات متراكمة من الأوهام والخيارات و التأويلات المستميتة لترميم الفراغ الذي يتركه العدم في جوهر الكينونة. إن النظرة التقليدية التي ترسخ لفكرة الذات بوصفها جوهراً ثابتاً ومستقلاً تصطدم صدمة عنيفة بآليات السحر والعدم اللتين تكشفان عن أن هذه الصلابة المزعومة ليست سوى قناع دفاعي يرتديه الوعي ليحمي نفسه من رعب التلاشي فالذات حين تختبر تحولات التجارب القاسية تدرك تدريجيا أنها تنزلق بلا توقف نحو هاوية العدم وما السحر الإدراكي والنفسي الذي تمارسه الذات على نفسها طوال حياتها سوى محاولة مستميتة لإختلاق هوية متماسكة وخلق وهم الإستمرارية والسيطرة عبر نسج الرموز و القصص والأحلام حول الذات لتوهم نفسها بأنها حقيقة مطلقة لا تزول فكل تجربة تخوضها الذات هي في حقيقتها طقس سحر مصغر تعيد من خلاله صياغة حدودها وتلوين هويتها بألوان جديدة مما يعني أن الذات ليس لها جوهر سابق على تجاربها بل إنها تتبلور وتتلاشى وتتجدد من خلال تلك التجارب ذاتها وكأنها لوحة تشكيلية مرنة ترسم خطوطها على جدار العدم الخاوي. و على صعيد متصل يظهر التناقض الأنطولوجي الصارخ بين رغبة الذات في بلوغ الصلابة و الثبات وبين حقيقة سيولة الوجود الإنساني المحكوم بالتغير والعدم فالممارسات السحرية التي تلجأ إليها الذات لترسيخ أقدامها في العالم كإصدار الأحكام المطلقة أو التعلق بالهويات الجامدة إنما تعكس خوفها العميق من أن تسقط في فخ السيولة الشاملة حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الأنا واللاأنا وحين تدرك الذات أن تجاربها لا تبني لها حصنا من صلابة بل تضيف طبقات جديدة من الوهم المتغير تقع في أزمة وجودية طاحنة تضطرها إما إلى الإستسلام لعدمية التفكك أو إلى إبتكار أشكال جديدة من السحر الهوياتي الذي يعيد إنتاج الوهم بصورة أحدث وأكثر تعقيدا لتظل الذات دائما كائنا معلقا بين مطرقة العدم الذي يهدد بإبتلاعها وسندان السحر النفسي الذي يزودها بوهم الثبات و التماسك المؤقت. من هنا تتأكد الإجابة الفلسفية العميقة بأن الذات ليست حقيقة صلبة بالمطلق و لا وهما مطلقا بالمعنى العدمي البحت بل هي سيرورة جدلية خالصة تتأرجح بين صلابة المعنى ووهم التغير فالذات هي النسيج الحي الذي تتداخل فيه طاقات العدم الخلاق بمهارات السحر الإدراكي لتبدع في كل يوم شكلا جديدا للكينونة يستمد إستمراريته ليس من ثبات جوهري مسبق بل من شجاعته في خوض غمار التجربة والإعتراف بأن هويته ليست سوى عمل فني مستمر ومتجدد يكتبه الإنسان على صفحة العدم بمداد الوعي والوهم السحري معا ليتحول الوجود البشري برمته إلى رحلة مذهلة في إعادة إكتشاف الذات عبر مرآة التغيرات اللامتناهية.

_ منفى الكينونة وصدمة الحقيقة: جَدَل الإغتراب والعدم على تخوم السحر والوجود

تتجسد المفارقة الوجودية الكبرى في الفكر الفلسفي و الأنطولوجي حول إمكانية بلوغ الحقيقة حين يتحول الإنسان إلى غريب في عالمه حيث يبرز التساؤل العميق عما إذا كان الإغتراب عن العالم يشكل الشرط الأنطولوجي الحتمي لرؤية حقيقة الوجود المجردة بعيداً عن غشاوة الألف المعتاد والمألوف وفي قلب هذا التوتر الفلسفي تتقاطع ثنائية السحر والعدم لتكشف عن أن العيون المندمجة كليا في صخب العالم ويوميته البسيطة تعجز عجزا تاما عن إدراك الهوة السحيقة التي يرتكز عليها الوجود فالإندماج المطلق يعمي البصيرة ويخلق حالة من التخدير الجماعي الذي يحجب حقيقة الفراغ الكوني بينما يمثل الإغتراب ذلك الصدع الخلاق الذي يقتلع الذات من دفىء اليقينيات الزائفة و يرمي بها على حافة العدم لتواجه الحقيقة العارية للكون الذي يبدو صامتا وخاويا في آن واحد. إن الإنسان المندمج في العالم يعيش في حالة تشبه السحر التخديري أو الوهم اليومي الذي تبنيه المؤسسات واللغة والعلاقات الإجتماعية لتوهمه بأن الواقع صلب ومستقر وله غاية مسبقة وثابتة غير أن هذا الوهم يتهاوى ببطىء حين يداهم الإغتراب روح الكائن فيشعر بأنه غريب ومنافق لوجوده الخاص وكأنه يتأمل العالم من خلف زجاج سميك لا يصله دفق الحياة المباشرة وهذا الإغتراب الرهيب ليس مرضا نفسيا عارضا بل هو موقف أنطولوجي رفيع يتيح للذات أن تنسحب إلى الخلف خطوة للوراء لترى اللوحة الكونية بكامل أبعادها و حين تنسحب الذات إلى هذه التخوم القصوى المتاخمة للعدم تسقط كل القشور والمظاهر السحرية التي كانت تحجب الرؤية ليتبدى الوجود على حقيقته بإعتباره مسرحا شاسعا للعدم والفراغ الذي تحاول الكائنات ملأه بأعجوبة المعنى و الرمز. على الجانب المقابل يظهر السحر في هذا السياق الإغترابي بوصفه محاولة مزدوجة فإما أن يكون أداة هروب يمارسها المغترب لترميم عزلته الموحشة عبر إستدعاء عوالم بديلة من الرموز والطلاسم لتعويض دفىء العالم المفقود و إما أن يتحول إلى سحر معرفي عميق يتماهى مع صدمة العدم فيدرك المغترب أن السحر الحقيقي ليس سوى القدرة على إعادة خلق العالم من داخل العزلة و العدم فالإغتراب إذن يحرر الذات من إكراهات الوهم الجماعي ويضعها وجها لوجه أمام بياض العدم الخلاق مما يمنحها بصيرة نافذة لا ترى في الأشياء مجرد أدوات إستهلاكية مألوفة بل ترى فيها معجزات هشاشتها كبرى صُنعت من لا شيء ومن هنا تصبح العزلة أو الإغتراب نافذة لا غنى عنها لكل من يبحث عن الحقيقة الجذعية للوجود متجاوزا قشور السحر اليومي نحو عمق العدم المطلق. من هذا المنظور المتشابك يتبين أن الإغتراب عن العالم ليس نقمة أنطولوجية بل هو الثمن الباهظ والضروري الذي يجب أن تدفعه الذات العاقلة لكي تستحق رؤية حقيقة الوجود فمن يبقى داخل أسوار العالم المألوف يظل أسيرا لسحر المظاهر واليقينيات الوهمية بينما المغترب الذي يقف على حافة العدم هو وحده القادر على تلمس نبض الحقيقة العارية وإختراق حجب الوهم ليدرك أن هذا الوجود برمته ليس سوى لوحة فريدة ترسمها يد العدم بمداد الوعي و الإغتراب والسحر الخلاق الذي يحول عُزلة الإنسان إلى شعلة مضيئة تضيء عتمة المجهول الأبدي.

_ سكينة الهاوية وسلام اليقظة: جَدَل الطمأنينة والعدم في مرآة الوهم السحري

تتبوأ إشكالية الطمأنينة مكانة مركزية في الفلسفة الوجودية والأنطولوجية حين تتأمل جذرها المتشابك مع هلع العدم و سحر الوهم حيث يبرز تساؤل عميق عما إذا كانت الطمأنينة الإنسانية مجرد حالة من الجهل المغفل والهروب السلبي عن إستشعار هاوية العدم أم أنها تمثل على العكس من ذلك شكلا من أشكال التسامي الفلسفي والأنطولوجي فوق هذا العدم بأسره و في خضم التوتر المستمر بين السحر والعدم تتأرجح الذات بين قطبين حادين قطب الغفلة الذي يبني جدرانا سميكة من الأوهام والتعاويذ السحرية لستر الفراغ وقطب المواجهة العميقة الذي يتطلب شجاعة فائقة لعبور العدم و الوصول إلى سلام داخلي حقيقي لا يستمد إستقراره من الجهل بالخطر بل من القدرة على إحتضانه و تجاوزه نحو آفاق الوجود الأصيل. إن النظرة الأولى تميل إلى إعتبار الطمأنينة نتاجاً مباشراً للجهل بالعدم وحجباً متعمداً للحقائق الوجودية القاسية فالإنسان بطبيعته يهرب من رعب الفناء و الهشاشة ويحتمي باليقينيات المدرسية و المظاهر السحرية اليومية التي توهمه بأن العالم مكان آمن ومستقر وله غاية ثابتة ومسبقة وهذه الطمأنينة المزيفة أو المخدوعة تشبه تماما حالة السحر الذي يخدر الوعي ويغيبه عن إدراك الهوة السحيقة التي تحيط به من كل جانب فالمغيب في غياهب الوهم والجاهل بحقيقة الفراغ الأنطولوجي يعيش طمأنينة هادئة ولكنه ثمن باهظ يدفعه من رصيد حريته ووعيه الأصلي حيث يتحول إلى كائن مستلب يطمئن إلى قفصه المريح متجاهلا أن هذا القفص مبني على رمال متحركة من العدم والعبثية التي ستنهار في أي لحظة إصطدام حقيقي مع حتميات الوجود الكبرى. على النقيض تماما تتكشف الطمأنينة بوصفها تساميا راديكاليا فوق العدم حين تختار الذات أن تواجه الحقيقة العارية بشجاعة فلسفية لا تهاب الفراغ ولا تحتمي بالأوهام السحرية الساذجة فالكائن الذي يخترق إدراكه حجاب المألوف وينظر بعينين مفتوحتين إلى هاوية العدم لا يقع بالضرورة في فخ اليأس أو العدمية القاتلة بل إنه يعبر من خلال صدمة المواجهة إلى طمأنينة أسمى وأعمق تُعرف في الفكر الوجودي بالسلام المتعالي أو التصالح مع الكينونة فالتسامي هنا يعني أن الذات لم تعد تهرب من العدم بل إستوعبته جزءا لا يتجزأ من بنية الوجود وأدركت أن معنى الحياة لا يكمن في إنكار الفناء بل في إبداعه ومواجهته بوعي يقظ يرفض الخضوع لسطوة الخوف أو الإرتماء في أحضان الوهم السحري الخادع. من هذا المنظور الفلسفي الشامل تتأكد الثنائية القاطعة بين طمأنينة الجهل وطمأنينة التسامي فالأولى طمأنينة هشة و ناعمة تتغذى على تخدير الوعي عبر السحر المظهري و الهروب المستمر من مواجهة العدم بينما الثانية طمأنينة صلبة و متوهجة تولد من رحم المعاناة والوعي الحاد بحقيقة الفراغ لترفع الإنسان إلى مرتبة الكائن الحر الذي يصنع معناه بنفسه غير آبه ببرودة العدم ولا بإغراءات السحر الوهمي ليصبح السلام الداخلي عنده تتويجا لرحلة شاقة من تجاوز الذات والتحليق في سماء المعرفة الحقيقية التي تدرك أن السكينة الكبرى لا تعني غياب العاصفة بل القدرة على الوقوف بثبات في عينها متأملة جمال الوجود وسط لجة العدم المطلق.

_ جغرافية الحرية وأسرار الخلْق: جَدَل الحتمية البيئية و العدم في مرآة الإبداع السحري

تتوهج المعضلة الكبرى في فلسفة الأنطولوجيا و تأسيس الوعي الإنساني حول ثنائية الحتمية البيئية والإبداع الدلالي للذات لتمثل السؤال الجذري عما إذا كان الكائن البشري مجرد منتج آلي لبيئته المادية والتاريخية أم أنه الفاعل المطلق الذي يخلق بيئته الخاصة وينسج معانيها من لاشيئية العدم المطلق وفي خضم هذا الإشتباك الميتافيزيقي تتكشف العلاقة الخفية بين السحر والعدم بوصفهما الإطارين اللذين يحتضنان هذه الجدلية الشائكة فالبيئة في مفهومها المادي الصارم تمثل سجن الحتميات و الحدود القاسية التي تحاصر الكينونة وتملي عليها شروط وجودها وكأنها قوة تسحق إستقلالية الذات بينما يتدخل السحر والعدم ليقدما أفقا مخالفا تماما يتيح للإنسان أن يثقب جدار هذه الحتمية البيئية عبر طاقات التأويل و الرمز والوعي الخلاق الذي يحول الفراغ الخام إلى فضاء شاسع للحرية والمعنى المتجدد. إن القول بأننا نتاج بيئتنا يعكس نظرة مادية إختزالية تقزم الإنسان وتجعله صدى صامتا لظروفه المحيطة حيث تتشكل الهوية والأفكار و التوجهات كإستجابة أوتوماتيكية للمثيرات الخارجية والإجتماعية دون أن يكون للذات دور حقيقي في صناعة مصيرها فالإنسان في هذه الحالة يبدو كائنًا مستلبًا يعيش داخل إطار جاهز ترسمه له البيئة وتفرضه عليه قوانينها الصارمة غير أن هذا التصور يتهاوى أمام عمق التجربة الوجودية التي تثبت أن الإنسان لا يتلقى بيئته بسلبية مطلقة بل يعيد قراءتها و تأويلها بإستمرار فما تعنيه البيئة بالنسبة للوعي اليقظ ليس قيدًا أبديًا بل هي مادة أولية خام تشبه إلى حد كبير ذلك الفراغ الأنطولوجي المتمثل في العدم والذي ينتظر صيغة الإشعاع الدلالي التي يضفيها الكائن البشري لكي تتحول البيئة الصماء إلى عالم مفعم بالمعنى والدلالة الخاصة التي تخص هذه الذات وحدها دون سائر الكائنات. وعلى الجهة المقابلة يبرز الوجه السحري للإدراك الإنساني ليؤكد أننا نحن من يخلق بيئتنا بمعانينا الخاصة من خلال قدرتنا الفائقة على تدمير الواقع المادي القديم و إعادة بنائه رمزياً ودلالياً فالساحر أو الإنسان المتأمل لا ينظر إلى البيئة بإعتبارها واقعًا موضوعيًا صلبًا ومستقلاً بل يراها لوحة مرنة تتشكل خطوطها وفق إرادته ورموزه ومعانيه الخاصة فالإنسان حين يغمر بيئته بمداد الخيال والوعي العميقه فإنه يحدث خرقًا أنطولوجيًا يشبه إختراق العدم لنسيج الواقع ليصنع بيئة موازية تتسع لطموحاته الكبرى وتتحرر من ضغط الحتميات الجغرافية والإجتماعية وكأن المعنى الخاص الذي يضفيه الكائن على أشيائه المحيطة هو سحر حقيقي يقهر صمت الطبيعة و يحول العالم من فضاء للغربة والوحشة إلى وطن روحي شاسع ينبض بالحياة والحرية المطلقة. غير أن التمحيص الفلسفي الدقيق يرفض الوقوع في فخ الثنائية المطلقة التي تفصل بين الإنصياع الكلي للبيئة أو الخلق المطلق لها من العدم بل يرى أن العلاقة بين الذات وبيئتها هي سيرورة جدلية مستمرة تتغذى على التفاعل الخلاق فالإنسان يولد بالفعل داخل بيئة محددة تفرضه عليها شروط الزمان والمكان ولكن هذه البيئة لا تظل قطعا قوالب جامدة بل تتحول بفعل طاقة السحر الإدراكي والوعي بالعدم إلى مادة طيعة تتشكل بإستمرار تبعا للمعاني الجديدة التي يبتكرها الإنسان ليفهم بها وجوده فالتاريخ البشري برمته هو شاهد حي على أن الإنسان يتأثر ببيئته ولكنه في الوقت ذاته يخلقها ويغيرها ويترك بصمته الفريدة عليها ليغدو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحول شروط بيئته الضيقة إلى فضاء لا نهائي من الحرية والمعنى المكتوب بمداد الوعي و العدم و السحر الإبداعي الخالص.

_ مخاض الهاوية وولادة الجوهر: جَدَل تآكل الهوية والعدم في مرآة الوهم السحري

تتجسد الأزمة الأنطلوجية الكبرى في الفلسفة الوجودية حين تلتفت الذات نحو الهاوية لتختبر مدى صلابة هويتها في مواجهة فراغ العدم المطلق حيث يبرز تساؤل جذري عميق عما إذا كانت الهوية الإنسانية تتآكل وتتلاشى حين تقترب الكينونة من هذه التخوم القصوى أم أن هذا الإقتراب يمثل في حقيقته فرصة كبرى لتطهير الذات من أوهامها المادية وإعادة تأسيس كينونتها على أسس أصفى وأعمق و في خضم التوتر الدائم بين السحر والعدم تتأرجح الهوية بين قطبين متصارعين قطب الثبات الوهمي الذي تحرسه الطقوس السحرية وقطب التلاشي الخلاق الذي يفرضه سحر العدم حين يبتلع كل المظاهر السطحية ويبقي فقط على الجوهر العاري للوجود البشري بكل آلامه وتساؤلاته الكبرى التي لا تهدأ. إن الهوية في تصورها العادي والمألوف ليست سوى بناء إجتماعي ونفسي هش ومتراكم تتشكل لبناته من الأسماء والأدوار والذكريات والإرتباطات المادية التي يحرص الإنسان على جمعها وحراستها بيقظة تامة لتوهم نفسه بأنه كيان ثابت ومستقل غير أن هذا البناء الهش يبدأ في التداعي والتأكل تدريجيا كلما إقتربت الذات من حافة العدم فالعدم ليس مجرد غياب فيزيائي بل هو قوة مذيبة لكل الحدود و الفروق الفردية وحين تطل النفس برأسها على هذه الهوة السحيقة تفقد الأسماء معانيها و تتلاشى الأدوار الزائفة وتنهار اليقينيات الجاهزة التي كانت تشكل درعا حاميا لهوية الإنسان ليجد الكائن نفسه مجردا من كل قشوره السحرية و الإجتماعية فيتحول شعور الأنا من يقين صلب إلى تساؤل قلق وغائم يوشك على الذوبان الكامل في لجة العدم المظلم والممتد بلا حدود. على الجانب المقابل يتدخل السحر كآلية دفاعية إستباقية تلجأ إليها الهوية حين تشعر بخطر التآكل الوشيك فالإنسان المهدد بالزوال يبدأ في إختلاق طقوس جديدة ونسج قصص و أوهام مكثفة حول ذاته وتاريخه محاولا رفع جدران سحرية منيعة تقيه برودة العدم وتبقي على تماسكه المزعوم غير أن هذا السحر النفسي يظل عاجزا عن إيقاف المد العارم للعدم الذي يحفر عميقا في بنية الكينونة ليكشف عن أن الهوية الصلبة لم تكن سوى وهم عابر وأن الإقتراب من حافة الفناء هو إختبار حقيقي لقوة الوعي الذي إما أن ينهار تحت وطأة الخوف وفقدان المعنى وإما أن يتسامى فوق هذا التآكل ليدرك أن الهوية الأصيلة لا تكمن في الجمود بل في القدرة المستمرة على إعادة الخلق من رحم الفراغ ذاته. من هذا المنظور الفلسفي الشامل يتضح أن تآكل الهوية عند الإقتراب من حافة العدم ليس مجرد خسارة سلبية بل هو عملية هدم خالصة و مطلوبة لكي تنعتق الذات من سجن الأنا الضيق و تفتح أبوابها على إتساع اللامحدود فالإنسان الذي يتجاسر على الإقتراب من العدم دون أن يصاب بالعمى أو الجنون يكتشف أن هويته القديمة كانت مجرد قناع باهت وأن التآكل الحقيقي هو في الواقع ميلاد جديد لهوية أكثر عمقا و صدقا تدرك تمام الإدراك أن الوجود البشري برمته هو عبارة عن ومضة متوهجة بين عدمين وأن السحر الحقيقي لا يكمن في التشبث بالأوهام بل في شجاعة الوقوف على حافة الهاوية وتحويل تآكل الهوية إلى مساحة حرة لإعادة كتابة المعنى بمداد الوعي المطلق.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- هَنْدَسَةُ الِإحْتِمَالَاتِ الْعَكْسِيَّةِ: عِلْمُ إسْتِعَاد ...
- هَنْدَسَةُ الِإحْتِمَالَاتِ الْعَكْسِيَّةِ: عِلْمُ إسْتِعَاد ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الترميز المعلوماتي الطاقي في البنى المادية: أسس و تطبيقات عل ...
- الترميز المعلوماتي الطاقي في البنى المادية: أسس و تطبيقات عل ...
- كُرُونُوتُوبْيَا الحَيَاةِ: سِيمْفُونِيَّةُ الزَّمَانِ وَالم ...


المزيد.....




- طهران تلوح بـ-استئناف الحرب- دفاعا عن سيادتها على مضيق هرمز ...
- السعودية تتوعد -المليشيات- وتوجه رسالة للعراق
- قبل لقاء ترامب ونتنياهو.. خطة أمريكية تربط انسحاب إسرائيل بن ...
- إسرائيل تقول إن طائرات حربية أمريكية أقلعت من قواعدها لضرب إ ...
- كيف تغيّر الأحوال الجوية القاسية الزراعة في ألمانيا؟
- زاخاروفا: هجمات نظام كييف على سفينة إيرانية تؤكد رغبته بتوسي ...
- 50% راسبون.. كلية طب مصرية تعلن نتائج صادمة
- اليمن.. الحوثيون يعلنون استهداف ناقلة نفط سعودية بالصواريخ ا ...
- الشرطة المصرية توجه ضربة قوية لعصابات المخدرات والسلاح
- مجلة بريطانية توضح مستقبل أوروبا بعد إعادة واشنطن نشر قواتها ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-