|
|
طوفان الكادحين فوق عرش الإمبريالية: نداء الحرب المفتوحة على الرأسمالية والرجعية -من جحيم التبعية و الريع إلى حتمية الثورة الإشتراكية العالمية-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 00:28
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
إن التحليل الماركسي الثوري للأزمات الدولية، و تحديداً تلك التي تطفو على سطح العلاقة بين دولتين مثل المغرب و إسبانيا، لا يقف عند حدود السرديات الدبلوماسية الرسمية التي تُغلف الصراعات بالسيادة الوطنية أو المصالح العليا للأمة. إننا هنا بصدد تفكيك بنية مركبة تُخفي تحت ستار النزاعات الحدودية والدبلوماسية صراعاً طبقياً عالمياً تتقاطع فيه مصالح الإحتكارات الرأسمالية العابرة للقارات مع طموحات البرجوازيات المحلية الباحثة عن تمديد عمر أنظمتها. إننا نرفض التعامل مع الدولتين ككتل صماء أو شعوب متجانسة؛ فالدولة في التحليل الماركسي ليست حكماً محايداً، بل هي لجنة تنفيذية تدير المصالح المشتركة للطبقات السائدة. عندما تشتعل الأزمات في مضيق جبل طارق أو في ملفات الهجرة أو السيادة، فإننا لا نشهد صراع شعب ضد شعب، بل نشهد مناورات تقوم بها الكومبرادورية (البرجوازية المرتبطة بالخارج) في الرباط في مواجهة البرجوازية الإحتكارية في مدريد، وكلاهما يسعى لتثبيت دعائم إستغلاله للبروليتاريا والفقراء في بلده تحت يافطة الدفاع عن الوطن. إن الإنخراط في الإصطفاف خلف الوطنية في أي من الطرفين هو خيانة تاريخية للمهمة الأممية للبروليتاريا. فالنزاعات التي تغذيها وسائل الإعلام البرجوازية في الضفتين ليست سوى أفيون يُحقن في عروق الجماهير لتعطيل وعيها الطبقي وتشتيت إنتباهها عن العدو الحقيقي المشترك: النظام الرأسمالي العالمي الذي يتغذى على تمزيق الشعوب ورهن مقدراتها لمراكز التراكم الإمبريالي في واشنطن وبروكسل. إن موقعنا التحليلي لا ينطلق من المصلحة الوطنية لأي من الطرفين، بل ينطلق من مصلحة البروليتاريا العالمية، حيث نرى في هذا الصراع الجيوسياسي إنعكاساً لحالة التعفن الإمبريالي التي تعجز فيها الرأسمالية عن حل تناقضاتها إلا بمزيد من الحروب الوكيلية، وإعادة تقسيم الأسواق، وإستنزاف فائض القيمة من جيوب العمال، سواء في مزارع الأندلس أو في ورشات الدار البيضاء. لهذا، فإن مهمتنا الأولى هي تعرية هذه الأوهام القومية وإثبات أن تحرر العمال في مدريد من قبضة اليمين الفاشي والبرجوازية الإسبانية هو نفس معركة العمال في المغرب ضد الإستغلال الرأسمالي المحلي المرتبط بالخارج، و أن أي حديث عن سيادة خارج أفق الإشتراكية هو مجرد سراب يخدم بقاء أرباب العمل والحكام في مواقعهم. لا يمكن فهم طبيعة التشابكات والتوترات المستمرة بين الإمبريالية الإسبانية والتشكيلة الإجتماعية-الإقتصادية في المغرب بمعزل عن القانون الموضوعي الذي حكم تطور الرأسمالية العالمية: "قانون التطور اللامنتظم والمركب" كما صاغه ليون تروتسكي. إن هذا القانون يفسر لنا كيف تتجاور وتتداخل بنى إجتماعية وإقتصادية شديدة التفاوت ضمن فضاء جغرافي واحد محكوم بالتبعية. فمن جهة، تقف إسبانيا كحلقة ضعيفة نسبياً ومتأخرة في سلسلة المركز الإمبريالي الأوروبي، تعاني من هشاشة بنيوية و محكومة بالتبعية التاريخية لرأس المال الإحتكاري الألماني والفرنسي والأمريكي. ومن جهة أخرى، يمثل المغرب تشكيلة إجتماعية مشوهة ومأزومة، تتقاطع فيها بقايا أشكال الإنتاج شبه الإقطاعية مع رأسمالية كومبرادورية طفيلية مرتبطة عضوياً بالسوق العالمية، حيث يُفرض عليها التخصص في إنتاج السلع ذات القيمة المضافة المنخفضة والخدمات الرخيصة. إن هذا التطور اللامنتظم والمركب ينتج عنه دينامية فريدة من الإبتزاز المتبادل والإعتماد المتبادل المشحون بالصراع؛ فإسبانيا، لعجزها عن منافسة المراكز الإمبريالية الكبرى في الشمال، تسعى دائماً لتأكيد هيمنتها الكولونيالية المتبقية عبر ممارسة دور الشرطي الإقليمي و المبتز للضفة الجنوبية. و في المقابل، تستخدم البرجوازية البيروقراطية والمالكة في المغرب هذا الإختلال التاريخي لتبرير إستمرار القبضة الأمنية وتوسيع مراكمة ثرواتها عبر ربط الإقتصاد المحلي بسلاسل القيمة الأوروبية المتآكلة. إن الأزمات الحدودية المتكررة، وملفات الصيد البحري، والتبادل التجاري غير المتكافئ، ليست سوى إنعكاس حي لهذا التشابك المركب، حيث تُدفع البروليتاريا والطبقات الكادحة في الضفتين ثمن هذا التطور المعوق الذي يمنع أي نمو مستقل أو متوازن، و يجعل من فضاء البحر الأبيض المتوسط حوضاً دائماً للإستنزاف الرأسمالي والتنافس الطبقي المحتدم تحت إشراف الدوائر الإمبريالية العليا. تتجلى أزمة الرأسمالية الإسبانية في هيكلها المأزوم وعجزها التاريخي عن تحقيق إقلاع إقتصادي متين يضاهي المراكز الإمبريالية المهيمنة في شمال ووسط أوروبا، مما جعلها حلقة ضعيفة ودائمة التذبذب داخل المنظومة الأطلسية-الأوروبية. هذه الهشاشة الإقتصادية تنعكس بالضرورة صراعاً محتدماً داخل كتلة السلطة والشرائح البرجوازية المختلفة في مدريد؛ بين رأسمالية مالية وإحتكارية مرتبطة عضوياً بدوائر بروكسل وواشنطن، وفئات برجوازية صغيرة ومتوسطة تتآكل بفعل الأزمات الدورية للرأسمالية، وصولاً إلى قوى اليمين الفاشي الجديد المتمثل في أحزاب مثل "فوكس" و بقايا الإرث الفرنكاوي التي تعتاش على النعرة الشوفينية و الإستعمارية القديمة. عندما تتأزم الأوضاع الإجتماعية و تتفاقم نسب البطالة و التضخم وتنفجر التناقضات الطبقية للطبقة العاملة الإسبانية، تلجأ هذه الدوائر الحاكمة المتصارعة إلى إستراتيجية خبيثة لتصدير أزمتها الداخلية نحو الخارج. تُعد العلاقة مع المغرب والضغط عبر ملفات الحدود والسيادة والهجرة أداة إلهاء كلاسيكية تستخدمها الطبقة الحاكمة في مدريد لتوحيد الجبهة الداخلية المتهالكة خلف شعارات الأمن القومي و حماية الحدود. فالأزمات المفتعلة و التلويح الدائم بالورقة الأمنية ليسا سوى مناورات تعبويّة تهدف إلى شل وعي البروليتاريا الإسبانية وصرف أنظارها عن المستغلين الحقيقيين في الداخل، مع الحفاظ في نفس الوقت على شبكة المصالح الإستعمارية القديمة التي تضمن تدفق الأرباح وإستنزاف أسواق الجوار. إن الصراع بين أجنحة البرجوازية الإسبانية إزاء قضايا الجوار المغاربي ليس صراعات مبادئ، بل هو تنافس محموم حول من يدير أداة الإبتزاز بكفاءة أعلى لضمان حصة أكبر من فائض القيمة المستخرج عبر إستغلال عمال الضفتين. إن الصعود المتسارع لقوى اليمين المتطرف و الفاشية الجديدة في إسبانيا وعموم الفضاء الأوروبي ليس مجرد إنحراف سياسي طارئ أو خطأ في مسار الديمقراطية البرجوازية، بل هو التعبير العضوي والأكثر توحشاً عن الرأسمالية في أطوار أزمتها الهيكلية العميقة. عجز النظام الرأسمالي عن تقديم أي أفق مادي أو رفاه للطبقات العاملة و الفئات الوسطى المتآكلة فتح المجال واسعاً أمام هذه الحركات لإستدعاء الخطاب الشوفيني والعنصري وإستعادة شبح الإرث الإستعماري العجوز. في العلاقة مع المغرب و جوار المتوسط، يعمل اليمين الفاشي على تحويل ورقة الهجرة السرية و التهديد الخارجي إلى وقود أيديولوجي دائم، مستهدفاً شحن الوعي الزائف للعمال الأوروبيين و إقناعهم بأن بؤسهم المعيشي وبطالتهم سببهما الغريب القادم من الجنوب لا النظام الرأسمالي المحلي الذي يمتص دماءهم. بهذه الطريقة، تنجح البرجوازية عبر أجنحتها الفاشية في تحقيق هدفين إستراتيجيين: أولاً، تمزيق وحدة الطبقة العاملة العالمية وعرقلة أي تضامن أممي بين العمال المهاجرين والعمال المحليين؛ وثانياً، إعادة تدوير الآليات الإستعمارية القديمة للسيطرة والهيمنة تحت يافطة حماية الهوية الأوروبية و الأمن القومي. إن التحالف الضمني و المكشوف بين دوائر اليمين الفاشي وأجهزة الدولة العميقة في أوروبا يهدف إلى تكريس التبعية الأبدية لبلدان الجنوب و تحويل العمال المهاجرين إلى جيش إحتياطي للعمل محروم من أبسط الحقوق الإنسانية و النقابية، مما يضمن لأرباب العمل فائض ربح هائل على أنقاض كرامة الإنسان. إن مواجهة هذا المد الفاشي لا تكون بالإستجداء الليبرالي لحقوق الإنسان، بل بتحطيم أسس النظام الرأسمالي الذي يفرخ هذه الوحوش السياسية ويغذيها. لا يمكن قراءة الديناميكيات الجيوسياسية بين المغرب و إسبانيا بمعزل عن مركز القيادة المطلقة للمعسكر الإمبريالي العالمي ممثلاً في الإمبريالية الأمريكية. فالولايات المتحدة، بوصفها المهيمن على النظام الرأسمالي الدولي، لا تدير النزاعات الإقليمية بهدف إقرار الإستقرار أو الحلول العادلة، بل بإستراتيجيتها القائمة على إدارة الفوضى وإدامة التناقضات بما يضمن تبعية الدول الوظيفية لمخططاتها العسكرية و الإقتصادية. إن القرار الأمريكي بالإعتراف بالسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية لم يكن هبة مجانية أو خطوة دبلوماسية معزولة، بل كان حلقة مقصودة ضمن إعادة هندسة التحالفات الإقليمية لإحكام السيطرة الأطلسية على البوابة الإستراتيجية لشمال إفريقيا وحوض المتوسط. تسعى واشنطن من خلال هذه المناورات إلى ضمان ولاء مطلق للأنظمة الإقليمية، وربط مصائرها الإستراتيجية بالمنظومة العسكرية الغربية، فضلاً عن خلق توترات مسيطر عليها تمنع أي تقارب أو تكامل حقيقي قد يفلت من العباءة الأمريكية. إن الوجود الإمبريالي الأمريكي يعمل كمهندس خفي يوزع الأدوار بين الحلفاء الأطلسيين كإسبانيا والوكلاء الإقليميين كالمغرب، موظفاً النزاعات الحدودية كورقة ضغط مستمرة لإبقاء المنطقة رهينة لحسابات سباق التسلح وحماية المصالح الإحتكارية للشركات العابرة للقارات. بالنسبة للبروليتاريا و الطبقات الكادحة، فإن هذا التدخل الأطلسي يعني المزيد من عسكرة المجتمعات، وتبديد الثروات الوطنية في صفقات التسلح العبثية، و إبقاء المنطقة بأسرها تحت مقصلة الهيمنة الإستعمارية الجديدة التي تعيق أي أفق للتحرر الإجتماعي والإقتصادي. يمثل الإندماج العلني للكيان الصهيوني في المعادلة الجيوسياسية لشمال إفريقيا، عبر مسار التطبيع المبرم تحت المظلة الإمبريالية، إنعطافاً نوعياً خطيراً يتجاوز حدود المناورات الدبلوماسية التقليدية إلى التشابك العضوي للأجهزة الأمنية والعسكرية. إن البرجوازيات البيروقراطية الحاكمة في المنطقة، المأزومة بنيوياً والعاجزة عن تحقيق شرعية شعبية حقيقية تستند إلى التنمية والعدالة الإجتماعية، ترتهن اليوم بشكل محموم للتقنيات العسكرية و الإستخباراتية الصهيونية بغية توفير درع أمني يحمي عروشها ضد أي هبة محتملة للجماهير الكادحة. هذا التحالف المشبوه لا يعكس سوى مأزق طبقي عميق؛ فالحكام لا يترددون في إستيراد أعتى أدوات الموت والتجسس و السيطرة الرقمية لتقويض أي حراك عمالي أو شعبي، غير مبالين بسحق الذاكرة النضالية لشعوب المنطقة التي طالما نصرت قضايا التحرر العادل. إن هذا التقاطع الخبيث يربط المصير الطبقي للأنظمة الرجعية بمنظومة إستعمارية إستيطانية متكاملة، محولاً الأراضي الوطنية إلى منصات لإختبار التكنولوجيا العسكرية الصهيونية و تكريس التبعية الأطلسية-الصهيونية المشتركة. بالنسبة للبروليتاريا والفقراء في المغرب و فلسطين وعموم فضاء المتوسط، فإن هذا التشابك يكشف بوضوح أن العدو الطبقي واحد؛ فالسلطات التي تسحق حقوق العمال وتسرق فائض قيمتهم في الداخل هي نفسها التي تفتح أبواب الأوطان للوكلاء الصهيونيين لضمان إستمرار قمع تطلعات التحرر. إن النضال ضد هذا الإختراق الصهيوني-الإمبريالي ليس مجرد تضامن أخلاقي عابر، بل هو معركة طبقية حتمية لتكسير حلقات الإستبداد والتبعية التي تهدد مستقبل الوجود العمالي والشعبي بأسره. تُلعب قضية الصحراء الغربية، في الخطاب الأيديولوجي للأنظمة الحاكمة في المنطقة، دور الوظيفة الوثيقة المتمثلة في كونها أفيوناً قومياً يُصار إلى حقنه بإستمرار في شرايين الوعي الجماهيري لتعطيل التناقضات الإجتماعية الحقيقية. إن البرجوازية البيروقراطية و الكومبرادورية، عندما تجد نفسها عاجزة كلياً عن معالجة الأزمات البنيوية المتفجرة المتمثلة في البطالة المستشراء، وفقر الكادحين، وتدهور الخدمات الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية، تلجأ فوراً إلى تعبئة الشوفينية الوطنية وإستدعاء شعارات الوحدة الترابية أو الدفاع عن السيادة كملاذ أخير لتوحيد المجتمع قسرياً خلف خنادق الوهم القومي. يتم تحويل هذا النزاع الجيوسياسي إلى صنم مقدّس يُحظر مجرد الإقتراب من نقده، حيث تُستخدم آلات القمع الإعلامي والأمني لتجريم أي وعي طبقي يحاول توجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي: أرباب العمل، والشركات الإحتكارية، والتحالفات الإمبريالية التي تنهب ثروات البلاد. إن الماركسية الثورية لا تنظر إلى النزاعات الإقليمية و الحدودية بمنظار العواطف القومية الضيقة، بل تقيس كل شيء بميزان المصلحة التاريخية للبروليتاريا والتحرر الإجتماعي. فالصراع الدائر حول الصحراء ليس سوى ورقة إبتزاز متبادلة ومجالاً حيوياً لتثبيت أركان الأنظمة الإستبدادية وتبرير سياسات التقشف و عسكرة الميزانيات على حساب لقمة عيش العمال والفقراء. إن إستمرار هذا النزاع يخدم بإمتياز مصالح القوى الإمبريالية التي تجد فيه الذريعة المثلى لإبتزاز الدول، وتأبيد سباق التسلح، ومنع أي تكامل إقليمي حقيقي قد يحرر شعوب المنطقة من ربقة التبعية. لهذا فإن تحرير الجماهير من هذا الوهم القومي و إستعادة وعيها الطبقي المستقل يمثلان الشرط الأساسي و الضروري لأي ثورة إجتماعية ناجحة تطيح بالإستبداد و الإستغلال معاً. في خضم الصراعات الجيوسياسية والطبقية المحتدمة في المنطقة، تلعب شرائح واسعة مما يُصنف خطأً باليسار الإصلاحي، أو قوى البرجوازية الوضيعة، دوراً خيانياً بإمتياز عبر تخلخها المستمر عن المبادئ الأساسية للأممية البروليتارية. هذه الفئات، المتأرجحة بطبيعتها الإجتماعية بين البرجوازية الكبيرة والطبقة العاملة، تعجز تاريخياً عن تبني خط ثوري مستقل، فتسقط تباعاً في مستنقع التبعية للدوائر القومية الضيقة أو تنجر وراء أوهام التدخل الديمقراطي الإمبريالي. إن هذا اليسار المزيف يقف إما مدافعاً عن رجعية الدولة القطرية و شوفينيتها تحت يافطة الوطنية المزعومة، أو مروجاً لتسويات ليبرالية وهمية تحت رعاية الهيئات الإستعمارية والأمم المتحدة، مطعناً بذلك وحدة الطبقة العاملة العابرة للحدود في مقتل ومحائداً لدورها الطليعي. إن الممارسة السياسية لهذه التشكيلات الإصلاحية تقوم على طمس التناقضات الطبقية الحقيقية وإستبدالها بتحالفات طبقية زائفة مع أجنحة من البرجوازية البيروقراطية أو الليبرالية، بحجة مواجهة الخطر الخارجي أو تحقيق الحد الأدنى من الديمقراطية البرجوازية. هكذا تتحول هذه القوى إلى أداة تكميلية لترويض الغضب الجماهيري، وإحتواء الحركات الإحتجاجية للعمال والفقراء، وتوجيهها نحو مسودة الصفقات الفوقية التي لا تخدم سوى أرباب العمل و المستغلين. إن الماركسية الثورية تؤكد أن النضال ضد هذه البيروقراطيات الإصلاحية واليسار المتردد هو جزء لا يتجزأ من المعركة الكبرى لتخليص الحركة العمالية من الإنتهازية، و بناء طليعة ثورية صلبة ترفض كل أشكال التنازل عن الإستقلال السياسي للطبقة العاملة. إن البنية الإقتصادية لكل من المغرب وإسبانيا ليست سوى ترس صغير ضمن آلية أوسع وأكثر توحشاً لشبكات التراكم الرأسمالي العالمي ومراكز قراره في بروكسل وواشنطن. فالتبعية هنا ليست خياراً سياسياً عابراً يمكن تعديله بالنوايا الحسنة أو الإصلاحات التكنوقراطية، بل هي قدر بنيوي فرضته الرأسمالية الإحتكارية في أطوار إمبريالتها، حيث يُرسم لكل إقتصاد دور وظيفي محدد بدقة. فبينما تحافظ إسبانيا على موقعها كحلقة ضعيفة ومحطة وسيطة تنفذ إملاءات المركز الأوروبي المهيمن، يُكرس الإقتصاد المغربي قسراً كفضاء للريع، والإستخراج، وتوفير الموارد الأولية، و اليد العاملة الرخيصة المستنزفة. هذا الإندماج المشوه يعتمد كلياً على قطاعات هشة مثل الزراعة الصناعية الموجهة للتصدير على حساب الأمن الغذائي المحلي، و الصيد البحري المستنزف، والمناولة الصناعية المعتمدة على إنخفاض الأجور وغياب أبسط الحقوق النقابية. إن الأزمات الدورية والتوترات المستمرة بين الضفتين تعكس في جوهرها تقلبات هذا الإندماج القسري وصراع الشركات الإحتكارية على تقاسم فائض القيمة المستخرج من عرق الكادحين. فإقتصاد الريع والمضاربة لا ينتج تنمية ولا إستقراراً، بل يكرس التفاوت الطبقي الفاحش، ويخلق جيوشاً جرارة من العاطلين و المهمشين الذين يتحولون لاحقاً إلى مادة إعلامية للإبتزاز السياسي أو سلع بشرية على حدود المتوسط. إن أي حديث عن إستقلال إقتصادي أو تنمية وطنية تحت سقف النظام الرأسمالي العالمي والتبعية البنيوية ليس سوى خداع أيديولوجي؛ فالخروج من جحيم هذا الإستغلال لا يكون إلا بتحطيم سلاسل التبعية، و تأميم وسائل الإنتاج الكبرى، وبناء إقتصاد إشتراكي مخطط يلبي الإحتياجات الفعلية للجماهير الكادحة لا أرباب العمل و الإحتكارات الدولية. خلف صخب المعارك الدبلوماسية، والتلويح بإغلاق الحدود، وخطابات السيادة الوطنية التي تملأ وسائل الإعلام الرسمية في مدريد والرباط، تختبئ الحقيقة المادية الأبسط والأكثر وحشية في النظام الرأسمالي: الصراع الضاري بين الإحتكارات والشركات العابرة للقارات على تقاسم الأسواق، و التحكم في سلاسل التوريد، و السيطرة على مصادر الطاقة والموارد الطبيعية. إن التوترات المفتعلة والصلح المفاجئ، و الأزمات الدبلوماسية التي تتفجر وتنطفئ وفق حسابات دقيقة، ليست سوى تعبير عن مد وجزر الصراع المادي البحت بين أرباب العمل ووكالائهم السياسيين على حصد فائض القيمة المستخرج من عرق العمال المحليين. ففي قطاعات الصيد البحري، والزراعة الصناعية المكثفة، والطاقات المتجددة، ومشاريع البنية التحتية الكبرى، تتقاطع مصالح الشركات الإحتكارية الأوروبية والمغربية في شبكة معقدة من النهب المنظم، بينما تكتفي البروباغندا الرسمية بتغذية النعرات القومية لصرف أنظار الطبقة العاملة عن الحصاد المر لهذه الشراكات الإستغلالية. إن هذه التحالفات الإقتصادية المصلحية تُبنى حصراً على أنقاض حقوق الكادحين، حيث تُستنزف الموارد البيئية و المائية للشعوب لتصدير الغلال والخيرات نحو أسواق الشمال، بينما يُترك العمال والفقراء في الجنوب يواجهون غلاء المعيشة والتهميش الممنهج. كل إتفاقيات التبادل الحر والشراكات الإستراتيجية المبرمة تحت وصاية الدوائر الإمبريالية لا تسفر إلا عن تكريس هذا الإختلال البنيوي، و تحويل إقتصاديات المنطقة إلى مجرد ملاحق تابعة لخدمة مراكز التراكم الرأسمالي العالمي. إن الماركسية الثورية تؤكد أن فض هذا الإشتباك الإستغلالي لا يمكن أن يتم عبر المساومات الدبلوماسية البرجوازية أو تعديل بنود العقود التجارية، بل يتطلب إسقاط سيطرة الإحتكارات الرأسمالية، ونزع ملكية وسائل الإنتاج الكبرى، ووضعها تحت الرقابة الديمقراطية المباشرة للطبقة العاملة عبر تخطيط إشتراكي يستجيب لحاجيات المجتمعات لا لأطماع الشركات العابرة للقارات. إن التعاطي الماركسي الثوري مع قضايا تقرير المصير و الإنفصال أو الوحدة لا ينطلق أبداً من مسلمات ميتافيزيقية أو عواطف قومية مجردة، بل يُقاس دائماً وفق المعيار اللينيني-التروتسكي الصارم: مدى خدمة هذه الشعارات لمصلحة الثورة الإشتراكية العالمية والتحرير الطبقي للبروليتاريا. ففي عصر التعفن الإمبريالي، تحولت العديد من النزاعات القومية أو الإنفصالية إلى أدوات خبيثة بيد دوائر المخابرات الكبرى و الشركات الإحتكارية لتمزيق الكيانات الجغرافية، وإعادة هندسة مناطق النفوذ، وإشعال حروب وكيلية تستنزف دماء الشعوب وتمنع أي تضامن أممي عابر للحدود. عندما تصبح الشعارات التحريرية مطية لتمرير أجندات القوى الإمبريالية والصهيونية، أو عندما تستخدمها البرجوازيات المحلية كأداة لإبتزاز بعضها البعض وتأبيد الإستبداد الداخلي، فإن واجب الطليعة الثورية هو كشف زيف هذه الصراعات ومقاومة الإنخراط في الإصطفاف خلف أي من المعسكرين البرجوازيين المتصارعين. إن الماركسية لا تعارض مبدئياً حق الأمم في تقرير مصيرها، لكنها ترفض تماماً تحويل هذا الحق إلى صنم أيديولوجي يبرر تقسيم العمال و تشتيت نضالهم المشترك ضد العدو الطبقي الحقيقي. فالتحرر الحقيقي للشعوب المغاربية و الإيبيرية لا يتحقق عبر قيام دويلات جديدة تظل تابعة لمراكز الإمبريالية ولا تملك من أمر إقتصادها شيئاً، ولا عبر ترسيخ هيمنة أنظمة قومية إستبدادية تستعمل السيادة غطاءً لقمع الكادحين. إن الحل الجذري والوحيد للمسألة القومية والحدودية يكمن حصراً في إسقاط الأنظمة الرأسمالية والرجعية في الضفتين، وكسر الحدود المصطنعة التي رسمها الإستعمار القديم والجديد، وتمهيد الطريق أمام إتحاد إقليمي حر يقوم على أسس إشتراكية بروليتارية بحتة تضمن المساواة التامة لكافة المجموعات و الشعوب دون إستغلال أو إكراه. إن التكثيف الهائل للمناورات العسكرية المشتركة، والوجود الإستخباراتي المكثف، وتأسيس القواعد التجسسية في مضيق جبل طارق و الإمتدادات الأطلسية والمتوسطية، ليس سوى تجسيد مادي لسعي الإمبريالية الأمريكية وحلف الناتو نحو فرض السطوة المطلقة وتحويل حوض البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إستراتيجية خاضعة بالكامل لسيطرتها العسكرية. في قلب هذا المخطط الإستعماري، يبرز الدمج الوظيفي المتسارع للكيان الصهيوني في الهياكل الأمنية الإقليمية، مستهدفاً فرض طوق حديدي من الردع الشامل ضد أي إمكانية لبروز إستقلال سياسي أو عسكري حقيقي لدول المنطقة. إن هذه الترتيبات العسكرية لا تهدف أبداً إلى حماية أمن الشعوب أو إستقرار الحدود، بل تسعى لتأمين طرق إمداد الطاقة، وضمان الهيمنة على ممرات التجارة العالمية، وإجهاض مسبقاً لأي هبة شعبية أو محاولة تحرر إقليمية تهدد المصالح الإحتكارية للثلاثي الأطلسي. بالنسبة للطبقة العاملة والفقراء في ضفتي المتوسط، فإن هذه العسكرة المفرطة تعني إستنزافاً مباشراً لمقدرات الشعوب وإقتصادياتها الوطنية عبر تخصيص ميزانيات ضخمة لصفقات التسلح المليارية على حساب الصحة و التعليم و البنية التحتية الإجتماعية. كما أنها تحول مجتمعات المنطقة إلى ثكنات عسكرية متقدمة جاهزة دائماً للإشتعال في حروب وكيلية تخدم أجندات البنتاغون و عواصم القرار الأوروبي و الصهيوني. إن الماركسية الثورية تؤكد أن النضال ضد عسكرة المتوسط هو معركة وجودية للبروليتاريا، حيث لا يمكن تحقيق السلم الإجتماعي والتحرر التام إلا بتحطيم الحلف الأطلسي، وتفكيك القواعد العسكرية الأجنبية، و طرد الوكلاء الصهاينة والإمبرياليين، وربط مصير شعوب المنطقة بالنضال المشترك لإسقاط الأنظمة العسكرية والرجعية التي تبيع السيادة بثمن بخس لضمان إستمرار إستبدادها. تُستعمل ورقة الهجرة السرية، واللجوء القسري، و التنقل البشري بأسره من قِبل الدوائر الحاكمة في الإتحاد الأوروبي وإسبانيا، جنباً إلى جنب مع الأنظمة الوظيفية في الجنوب، كأداة ضغط سياسي دائمة ووسيلة مساومة إبتزازية رخيصة. فعلى حدود المتوسط، لا تُعامل الهجرة كأزمة إنسانية تتطلب حلولاً تنموية، بل يُنظر إليها كصمام دمج أمني يُفتح أو يُغلق وفقاً لمزاج الصفقات الدبلوماسية وحجم المساعدات و الإبتزاز المالي المتبادل. وفي نفس الوقت، يُوظف العمال المهاجرون المستنزفون الذين يعبرون هذه الحدود في حقول جنوب إسبانيا، و ورشات البناء، وخدمات المدن الأوروبية، كجيش إحتياطي محروم جذرياً من أبسط حقوق المواطنة، وشروط العمل الإنسانية، والحماية النقابية. هذا الوضع المأساوي يخدم بشكل مباشر مصالح أرباب العمل ورأس المال الإحتكاري، الذي يحقق أرباحاً خيالية عبر إستغلال هذه اليد العاملة الرخيصة والمنزوعة الإرادة. على المستوى الأيديولوجي، تنجح البرجوازية و أجنحتها الفاشية في إستغلال هذا الوجود المهاجر لتحويله إلى كبش فداء يلقى عليه وزر الأزمات الإقتصادية وبطالة العمال المحليين، مما يغذي النعرات العنصرية ويبني جدران العداء داخل صفوف الطبقة العاملة نفسها. إن هذا الإنقسام المفتعل بين العمال المحليين والعمال المهاجرين هو أعظم خدمة تُقدم لنظام الإستغلال الرأسمالي، إذ يعطل وعيهم الطبقي الموحد ويحول إنتباههم عن المستغل الحقيقي المشترك. إن الماركسية الثورية ترفع شعار الأممية البروليتارية المبدئي: "لا فرق بين عامل محلي وعامل مهاجر، فالعدو واحد وهو رأس المال". إن تحرير البروليتاريا المهاجرة من جحيم الإستغلال والقمع والتمييز لا ينفصل أبداً عن النضال العام للطبقة العاملة في الضفتين لإسقاط النظام الرأسمالي وبناء عالم تسوده العدالة و الإشتراكية وحرية التنقل المطلقة لكل البشر. إن التعويل المستمر على أروقة الدبلوماسية الدولية، و المؤتمرات الأممية، والمبادرات التسوية التي ترعاها الهيئات الإمبريالية، لا يعدو كونها سراباً ليبرالياً يهدف إلى تخدير الوعي الجماهيري وإدامة الأزمات لا حلها. فالمنظمات الدولية والمؤسسات الدبلوماسية ليست سوى لجان تنفيذية لإدارة شؤون البرجوازية العالمية و الشركات الإحتكارية الكبرى، و هي تعجز بنيوياً عن تقديم أي حل عادل لقضايا الشعوب المقهورة لأن وجودها ذاته مستمد من إستمرار هذا النظام الإستغلالي. كل جولة تفاوض، وكل إتفاق تسوية بروقراطية يُبرم خلف الأبواب المغلقة بين الأنظمة الرجعية والدوائر الإستعمارية، لا يسفر إلا عن صفقات جديدة على حساب دماء الكادحين، حيث تُباع القضايا وتُشترى السيادة وفقاً لموازين القوى المؤقتة للرأسمال العالمي. إن الوهم القائل بأن الحوار الدبلوماسي أو الوساطة الدولية يمكن أن يحققا تحرراً وطنياً أو عدالة إجتماعية هو تضليل أيديولوجي تروجه البرجوازية الوضيعة لثني الجماهير عن الإنخراط في طريق النضال الثوري المستقل. إن التاريخ المعاصر يثبت أن كل المعاهدات و الإتفاقيات المبرمة تحت سقف الإمبريالية لم تفعل شيئاً سوى ترسيخ التبعية، وتشريع النهب الممنهج للثروات، وإبقاء شعوب المنطقة رهينة لإبتزاز الصفقات السرية والمساومات الفوقية. بالنسبة للطبقة العاملة والفقراء، فإن الإعتماد على هذه الآليات البرجوازية هو طريق مسدود يؤدي حتماً إلى المزيد من الإحباط وضياع الحقوق. تؤكد الماركسية الثورية أن الحقوق التاريخية للطبقات المقهورة لا تُستجدى على موائد المفاوضات الدبلوماسية ولا تُمنح كمنحة من لدن الهيئات الإستعمارية، بل تُنتزع حصراً عبر الصراع الطبقي المستقل و النضال الميداني الجذري الذي يستهدف إسقاط منظومة الإستغلال بأسرها، وتأسيس سلطة العمال و الشعب البديلة التي لا تساوم على كرامة الإنسان ولا على مقدرات الأوطان. إن التمعن في بنية الصراع القائم بين الأنظمة الرجعية في المغرب وإسبانيا وحلفائهما الإمبرياليين والصهاينة يكشف بوضوح تام عجز المهام الديمقراطية البرجوازية عن إيجاد أي حل جذري لمشاكل الجماهير ضمن أفق النظام القائم. فالبرجوازيات المحلية، المرتبطة عضوياً بمراكز التراكم الرأسمالي العالمي والمدعومة بأعتى أجهزة القمع والإستبداد، غير قادرة تاريخياً على إنجاز أبسط الحقوق الديمقراطية أو تحقيق سيادة وطنية حقيقية، لأن مجرد بقائها كطبقة سائدة مرتبط بمدى خضوعها لشروط التبعية و الإستغلال الأجنبي. من هنا، فإن أي فصل بين النضال من أجل الحريات الديمقراطية (حرية التعبير، الحق في التنظيم، إسقاط الإستبداد، و حرية الصحافة) وبين المعركة الكبرى ضد الرأسمالية والإمبريالية هو وهم إصلاحي قاتل يقود الحركات الإحتجاجية نحو طريق مسدود من المساومات المخيبة للآمال. تؤكد النظرية الماركسية الثورية، وتحديداً عبر قانون الثورة الدائمة، أن المهام الديمقراطية العالقة في البلدان المتخلفة و التابعة لا يمكن أن تُنجزها البرجوازية الوطنية المزعومة التي أثبتت عجزها التاريخي، بل وحدها الطبقة العاملة المسلحة بوعيها الثوري والتحالف المتين لفقراء الفلاحين والكادحين قادرة على قيادة المجتمع نحو إنجاز هذه المهام عبر تحطيم أجهزة الدولة البورجوازية وربط النضال الديمقراطي فوراً بالإشتراكية. إن إسقاط الأنظمة الإستبدادية و تفكيك منظومة القمع الأطلسية-الصهيونية لا يمكن أن يتحققا إلا بإنتصار الثورة الاشتراكية الإقليمية والعالمية التي تضع وسائل الإنتاج و الثروات الهائلة تحت الرقابة المباشرة للجماهير العمالية المنتجة، محولة بذلك الديمقراطية من مجرد واجهة شكلية وفارغة تخدم أرباب العمل إلى ديمقراطية عمالية حقيقية وجذرية تعبر عن مصالح الأغلبية الساحقة من الكادحين. تستثمر الدوائر الحاكمة في مدريد والرباط، بدعم وتوجيه من الاحتكارات العابرة للقارات و المراكز الإمبريالية، أموالاً طائلة لتمويل جيوش من الأبواق الإعلامية، والمثقفين المرتزقة، و منصات التضليل الممنهج لترسيخ ما سمّاه ماركس بالوعي الزائف. تتمثل الوظيفة الأساسية لهذه الآلة الدعائية الضخمة في صنع أعداء وهميين للشعوب؛ حيث يُصور العمال و المواطنون في إسبانيا للمغاربة على أنهم إمتداد للإستعمار الحاقد، بينما يُصور العمال و المهاجرون المغاربة في إسبانيا على أنهم مهددون لهوية المجتمع وبطالة أبنائه. يهدف هذا الشحن الشوفيني الممنهج إلى حجب الحقيقة المادية الصارخة عن أعيّن الجماهير: أن العدو الحقيقي والمشترك للطبقة العاملة في الضفتين ليس هو الشعب الجار أو الشق الآخر من الكادحين، بل هو النظام الرأسمالي العالمي و الطبقات الحاكمة المحلية التي تمتص دماء العمال وتستنزف ثروات الأوطان. إن صناعة العدو الوهمي هي صمام الأمان الأهم للأنظمة الإستبدادية والبرجوازية المأزومة، إذ تضمن تحويل غضب الجماهير المغلوبة على أمرها من مساره الصحيح الموجه ضد أرباب العمل والمستغلين إلى صراعات قومية وعنصرية عقيمة لا تخدم سوى عروش الحكام ومصالح الشركات الكبرى. هذا الحجاب الإعلامي يمنع تبلور التضامن الطبقي الأممي ويحفظ إستقرار التبعية عبر إبقاء المجتمعات غارقة في مستنقع التعصب والإنقسام. تؤكد الماركسية الثورية أن تحطيم هذا الوعي الزائف وكشف زيف الدعاية البرجوازية هما خط الدفاع الأول لأي نضال تحرري؛ فلا يمكن للطبقة العاملة أن تنتصر في معركتها ضد الإستغلال ما لم تتمكن من إسقاط الأقنعة القومية والعنصرية التي يفرضها الإعلام الرأسمالي، وإدراك أن وحدتها العابرة للحدود هي السلاح الأقوى لنسف كل عروش الإستبداد و النهب. إن الأزمات المتكررة والتوترات المستمرة بين الأنظمة في الضفتين تسقط نهائياً الأوهام الليبرالية التي تروج لحياد الدولة وتصوّر مؤسساتها العسكرية، والبوليسية، والقضائية، و الدبلوماسية على أنها تمثل الصالح العام أو الإرادة الشعبية. إن الدولة، وفق التحليل الماركسي الثوري، لم تكن يوماً سوى أداة طبقية صلبة، أو بعبارة لينين "لجنة تنفيذية لإدارة الشؤون العامة للبرجوازية برمتها"، مسلطة كالسيف لضمان إستمرار إستغلال الكادحين و حماية مصالح التحالف الطبقي السائد المكون من الكومبرادور، والبرجوازية البيروقراطية، و الإحتكارات المرتبطة بالخارج. عندما تتأزم الأوضاع الإقتصادية وتتصاعد الإحتجاجات الإجتماعية، تتخلى الدولة بسرعة عن قناعها الديمقراطي الشكلي لتكشف عن وجهها الحقيقي كآلة قمع عارية تستخدم البوليس، والمحاكم الإستثنائية، والقوانين الزجرية، والإعلام الموجه لسحق أي محاولة لتنظيم الصفوف العمالية أو المطالبة بالحقوق الأساسية. إن هذه الأجهزة القمعية لا يمكن إصلاحها، ولا يمكن أن تتحول يوماً إلى خادم لمصلحة الشعب مهما تغيرت الوجوه في قمة الهرم السياسي؛ لأن بنيتها ذاتها مصممة لحماية الملكية الخاصة و تأبيد التبعية للإستعمار. تثبت الأحداث أن التنسيق الأمني والعسكري بين أجهزة الدولة في الضفتين، و تحت إشراف الدوائر الإمبريالية و الصهيونية، يتم بسلاسة تامة عندما يتعلق الأمر بقمع الحركات الإحتجاجية أو تتبع النشطاء المناهضين للسياسات اللاإنسانية. لهذا فإن الماركسية الثورية تؤكد بحزم أن المهمة التاريخية للطبقة العاملة ليست هي السيطرة على جهاز الدولة البرجوازية القديم أو محاولة أنسنته، بل تحطيمه بالكامل من أساسه و بناء دولة جديدة من نوع مختلف تماماً: دولة مجالس العمال والفقراء المسلحة، التي تمارس ديمقراطية حقيقية وجذرية تضع نهاية نهائية لكل أشكال الإستغلال والإضطهاد الطبقي. في ختام هذه الأطروحة التحليلية لبنيات الإستغلال و التبعية والتوترات الجيوسياسية بين إنجازات البرجوازية في الضفتين والأنظمة الوظيفية في الشمال الإفريقي، تتجلّى الحقيقة التاريخية الأبديّة التي أثبتتها كافة مخاضات الصراع الطبقي: ليس هناك أي أفق للخلاص أو التحرر الحقيقي للإنسانية الكادحة تحت سقف النظام الرأسمالي-الإمبريالي المتأزم. إن كل محاولة للإصلاح الموضعي، أو التسويات الدبلوماسية البرجوازية، أو الرهان على الأوهام القومية والوطنية الضيقة، لا تعني سوى إعادة تدوير عجلة الإستغلال وإطالة أمد عذاب الشعوب. إن الأزمات البنيوية المتفجرة من حروب، وتضخم، وبطالة، و تشريد، وإستنزاف للموارد، وعسكرة للحدود، ليست سوى ملامح لبربرية رأسمالية لم تعد تملك ما تقدمه للمجتمعات سوى المزيد من الخراب والدمار. من هنا، تبرز الأممية البروليتارية ليس كشعار شعاراتي عابر، بل كحاجة مادية ملحة وشرط حتمي للإنتصار؛ فما دام العدو الطبقي عالمياً و منظماً عابراً للحدود عبر الشركات الإحتكارات و التحالفات الإمبريالية والصهيونية، فإن مواجهته لا يمكن أن تتذلل في أطر قطرية أو قومية معزولة. إن النضال المشترك لعمال وفقراء إسبانيا والمغرب وعموم فضاء المتوسط والعالم يمثل القوة المادية الوحيدة القادرة على تكسير سلاسل الإستعباد. إن البديل التاريخي الوحيد القائم في وجه همجية الرأسمالية هو الثورة الإشتراكية العالمية، وبناء مجتمع بلا طبقات ولا إستغلال، حيث تُنزع ملكية وسائل الإنتاج الكبرى وتوضع تحت الرقابة الديمقراطية المباشرة للمنتجين أنفسهم. إنها معركة الحتمية التاريخية: إما الإشتراكية التي تضمن تحرر الإنسان و كرامته، أو البربرية الرأسمالية التي تقود البشرية جمعاء نحو الهاوية. إن إنجاز المهام التاريخية الجسيمة المتمثلة في إسقاط منظومة الإستغلال الرأسمالي، وتفكيك التحالفات الإستبدادية الإمبريالية-الصهيونية، و تحطيم آلات القمع و القهر في الضفتين، لا يمكن أن يتحقق بشكل عفوي أو عبر هبات جماهيرية عفوية ومبعثرة مهما بلغت شجاعتها. إن العفويّة وحدها، رغم ضرورتها كوقود للثورة، تظل عاجزة عن الإنتصار ما لم تقترن بالوعي النظري المتقدم والتنظيم الحديدي الصارم المتمثل في الحزب الثوري المستقل للطبقة العاملة. هذا الحزب الأممي المنشود ليس نخبَة متعالية عن الجماهير، بل هو طليعة الطليعة، الذاكرة الحية لنضالات البروليتاريا، والبوصلة التي توجّه الضربات المركزة نحو حلقات الضعف في سلسلة النظام الرأسمالي المعاصر. إن بناء هذا البديل الثوري يستلزم أولاً وقبل كل شيء قطعاً جذرياً لا مهادنة فيه مع أوهام اليسار الإصلاحي، و البيروقراطيات النقابية المرتشية، و النزاعات القومية و الشوفينية التي تروج لها الطبقات الحاكمة لإلهاء الكادحين. كما يتطلب توحيد نضالات عمال الضفتين، والفقراء و المهمشين، والبروليتاريا المهاجرة في جبهة طبقية أممية واحدة ترفع عالياً راية ماركس، و إنجلز، ولينين، وتروتسكي. إن معركة التحرر ليست حلماً طوباوياً، بل هي حتمية تاريخية يفرضها واقع الإستغلال المتوحش والتعفن الإمبريالي المستمر. فلتتحد طاقات العمال و الكادحين في كل مكان؛ فليس ما يخسرونه في هذه المعركة سوى سلاسلهم، وأمامهم عالماً بأكمله يملكونه. إن إسدال الستار على هذه الورقة التحليلية لا يعني بأي حال نهاية الصراع، بل يمثل بداية الفعل الميداني والنظري الواعي لترجمة هذه الإستنتاجات إلى طاقة ثورية حية داخل صفوف الطبقة العاملة. إن العالم الذي تقوده البرجوازيات الإحتكارية، وتديره آلة الحروب الإمبريالية، و تحميه أجهزة الإستبداد والكيان الصهيوني، قد أثبت تاريخياً ومادياً أنه طريق مسدود يقود البشرية جمعاء نحو الهاوية والخراب البيئي و الإجتماعي. لم تعد الإنسانية الكادحة تملك ترف الإنتظار أو التعويل على الحلول الوهمية و التسويات الإصلاحية؛ فإما أن تنتصر إرادة الحياة والإشتراكية، وإما أن تبتلعنا بربرية الرأسمالية في أطوار أزمتها النهائية و المستعرة. إن الحلم بالحرية والعدالة والمساواة لم يعد مجرد طوباوية حالمة، بل تحول بفضل تطور الصراع الطبقي إلى ضرورة مادية ملحة وحتمية تاريخية. وحين تتوحد سواعد عمال و مضطهدي الضفتين من إسبانيا إلى المغرب وعموم فضاء المتوسط والعالم متحررين من قيود الشوفينية القومية و أكاذيب الإعلام البرجوازي وقيود البيروقراطيات الإصلاحية، حينها فقط ستتزلزل عروش المستغلين وتسقط حصون الطغيان. إن بناء المجتمع الاشتراكي العالمي، حيث تُلغى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ويُدار الإقتصاد ديمقراطياً لتلبية الإحتياجات الإنسانية لا لتحقيق الأرباح، هو الملاذ الوحيد المتبقي لإنقاذ البشرية. "يا عمال العالم والعالم العربي والمغاربي وإسبانيا آتحدوا! ليس لديكم ما تخسرونه سوى سلاسلكم، وأمامكم عالماً بأكمله تملكونه."
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
-
الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ
...
المزيد.....
-
ترامب وإيران.. صفقة هرمز تنهي الحرب
-
-سنتكوم- تعلن اعتراض سفينة شحن في مضيق هرمز وموقع تتبع سفن ي
...
-
بندقية -كلاشنيكوف- الروسية.. ما سر شهرتها الواسعة وكيف تحولت
...
-
يونهاب: كوريا الشمالية أطلقت قذيفة نحو البحر
-
مصادر عسكرية ليبية لـ RT: ضبط خلية يشتبه بارتباطها بأنشطة إر
...
-
هيئة البث الإسرائيلية: -اتفاق غزة- يتضمن سداد 400 مليون دولا
...
-
وزير العدل المغربي: متمسكون بأراضينا وسنستعيد سبتة ومليلية ب
...
-
تشكيل لجنة أمنية للتحقيق في اغتيال المنصوري.. والقيادة العام
...
-
أول 3 صحفيين دخلوا هيروشيما وناغازاكي بعد ضربهما بالقنبلة ال
...
-
-ربيع- إسرائيل في أمريكا اللاتينية.. تحوّل القارة أم حكوماته
...
المزيد.....
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
المزيد.....
|