أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزء التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلاثمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزء التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلاثمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 17:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ درع الوهم ووهج الهاوية: حين ينقلب السر الخفي إلى فضيحة وجودية

إن تجسد الوهم المتمثل في إمتلاك السر الخفي كدرع واقٍ ضد تغلغل العدم في البنية النفسية للساحر يمثل ذروة الحيل الدفاعية التي يبتكرها الوعي الإنساني المأزوم في مواجهة هواجس الفناء والزوال إن هذا الوهم لا ينشأ من فراغ بل يتسلل إلى أعماق النفس ليقيم حصناً هشاً من الأوهام و التعاويذ متخيلاً أن حيازة المعرفة السرية تمنح الكائن مناعة أطولوجية تحميه من تسلل العدم وتآكل الهوية إن الساحر في هذه الحالة يعيش حالة من التضخم النرجسي الروحي حيث يظن أن إحتواءه للسر يجعله إستثناءً مقدساً في كون محكوم بالموت والعبث لتتحول البنية النفسية عنده إلى شبكة معقدة من التبريرات والتخدير الذاتي الذي يفصل الكائن عن مواجهة الواقع العاري ليصبح السر الخفي بمثابة الجدار الأخير الذي يحجز خلفه طوفان الفراغ المطلق. على المستوى النفسي العميق يتأتى هذا الدرع الوهمي بوصفه مسكناً أبدياً يلتجئ إليه الكائن الهش هرباً من رعب الوجود المتسرب عبر الشقوق إن العدم ليس مجرد حدث في المستقبل بل هو حضور صامت يتربص بالساحر في كل ثانية من عمره مما يدفعه إلى إختلاق عوالم موازية وأسرار غيبية يضفي عليها طابع القداسة والقوة المطلقة الساحر هنا لا يدافع عن جسده البيولوجي فحسب بل يدافع عن معناه المتخيل في الوجود متوسلاً بالرموز والطلاسم لترميم النقص الوجودي الذي يعاني منه غير أن المفارقة التراجيدية تكمن في أن كلما زاد الساحر تشبثاً بالسر الخفي وكلما بالغ في إحكام درعه الوهمي كلما إزداد إنعزالاً عن الواقع وأصبح أكثر هشاشة وعرضة لإنهيار مدمر لأن البنية النفسية المبنية على أساس من الوهم لا تستطيع صمود أمام أول هبوب لرياح الحقيقة الكونية الصارمة. و حين تنكشف اللحظة الحاسمة ويتهاوى زيف الأسرار الخفية يرتطم الساحر بصدمة العدم المروعة التي تدك حصونه الوهمية بلا رحمة إن تغلغل العدم في البنية النفسية للساحر لا يحدث عبر غزو خارجي مفاجئ بل يتم عبر إنهيار الدرع الداخلي الذي طالما إطمأن إليه الكائن لتتحول حيازة السر التي كانت مصدر قوة وإطمئنان إلى عبىء ثقيل وفضيحة وجودية تعري عجز الإنسان التام في وجه الفراغ إن سقوط هذا الدرع يترك الساحر عارياً ومجرداً من كل أغطية الحماية ليواجه الهاوية وجهاً لوجه وينقلب الوهم من درع واقٍ إلى فخ قاتل إستنزف طاقاته وأبقاه أسيراً لخوفه حتى اللحظة الأخيرة التي يتبدد فيها كل شيء ليحل محل السر الوهمي صمت العدم المطلق وحرية الوعي المجرد من كل زيف.

_ وهج المادة وصدمة الفناء: الإنتحار الأنطولوجي في مواجهة وهم الخلود

يتشكل الإشتغال الفلسفي على المفارقة الكبرى بين الفعل السحري وجوهر الواقع المادي بإعتباره بؤرة تصادم أنطولوجي عنيف ينبثق من محاولة واهمة لتعطيل ناموس الفناء حيث يقف السحر مدعيا القدرة المطلقة على قهر الزمن و تجاوز حدود المادة لترسيخ ديمومة مصطنعة بينما يخضع الوجود بأسره لسطوة الزوال المطلق وإن هذا التناقض الجذري يكشف عن هوة سحيقة بين إرادة الساحر الساعية لتثبيت الكائن في أبدية سرمدية وبين حتمية الإنحلال التي تطبع كل عنصر مادي معيش فالإنسان في محاولاته المستميتة لإستنطاق قوى العدم إنما يرتكب خرقا فاضحا لقواعد الوجود لأن الفعل السحري بطبيعته لا يعدو كونه محاولة قسرية لمد جسور وهمية فوق هاوية الفناء و هو ما يفجر أزمة وجودية طاحنة حين يصطدم الوهم السحري بصلابة الواقع المحكوم بالتحلل و الإندثار التدريجي دون إستثناء. تكمن الآلية الإجرائية لهذه المفارقة في كون السحر يستمد طاقته الخارقة من إستدعاء آليات العدم الصرف وتوظيفها لأجل تجميد اللحظة الهاربة وتخليد الكائنات والأشياء خارج سياقها الطبيعي غير أن هذا التوظيف لللاشيء يتحول سريعا إلى سلاح ذي حدين يرتد بوحشية على الممارس فالعدم بطبيعته الصماء لا يتقن سوى الإبادة والإبتلاع و لا يمتلك أي قدرة حقيقية على صيانة الديمومة المرجوة وحين يحاول الساحر أن يتخذ من الفراغ درعا واقيا يصد به هجمات الزمن فإنه يفتح في صميم الوجود ثقوباً سوداء تبتلع المعنى والمادة معا لتتداعى البنيات المادية تدريجيا تحت وقع الجرعات المركزة من العدم الموجه وتثبت التجربة أن محاولة تخليد الكائن سحرياً ليست سوى الصيغة الأكثر رعباً لإعدامه من جذوره و تجريده من حقه الطبيعي في التطور والتحول ضمن دورات الحياة والزوال المألوفة. تتأكد هذه الفلسفة السوداوية في كون الصدام بين الخلود السحري المزعوم والواقع المادي المحكوم بالزوال يسفر بالضرورة عن إنهيار إبستمولوجي شامل يصيب الوعي الإنساني بالعقم والتشوش فالإنسان الذي يراهن على السحر ليلغي حتمية الموت والفناء يجد نفسه في نهاية المطاف غارقاً في فراغ مطلق و موحش حيث لا وجود للأبدية المأمولة ولا بقاء للواقع المادي المألوف بل يتخبط الكيان في برزخ باهت من الهشاشة والضياع المطلق و الساحر هنا يدرك تمام الإدراك أن محاولته للإحتيال على الزمن عبر بوابات الهاوية تفضي حتماً إلى تدمير الأداة والموضوع معا ليتأكد أن السحر في جوهر إشتغاله ليس سوى تقنية تدميرية كبرى تعلن عجز الكائن البشري أمام جبروت الفناء وتؤكد أن أي محاولة لمقايضة الواقع المادي بالخلود العدمي إنما هي إنتحار أنطولوجي صامت يترك الكون غارقاً في صمت مطبق وفراغ سرمدي لا ينتهي.

_ وهم السيادة وعجز الكائن: حين ينقلب التمرد السحري إلى فضيحة وجودية

يقف الإنسان منذ فجوة الوجود الأولى على عتبة متناقضة تتجاذبها رغبة داكنة في الإستحواذ على المطلق ومخاوف أزلية تحاصره من كل جانب وفي هذا السياق المعقد يبرز السحر بوصفه المحاولة الأكثر راديكالية لإختراق النظام الطبيعي للأشياء أو ما يُعرف بالنواميس الكونية وإن هذا التمرد المزعوم على قوانين الوجود لا يمثل في جوهره الباطني إعلانا لسيادة الذات البشرية أو إنتصارا لإرادتها بل هو في حقيقة أمره مرآة عاكسة لعجز جذري عميق و إستحالة أطروحة تقبل الواقع بحدوده الصارمة وقسوة شروطه المتمثلة في الفناء والضعف والقصور حين يتأمل الفيلسوف ظاهرة السحر عبر التاريخ الإنساني يرى فيها صرخة إحتجاج ضد جبروت الطبيعة وقوانينها الحتمية التي لا ترحم فالزمن يمضي نحو الإضمحلال و الموت يتربص بالجسد البشري والقدر يرسم خطوطه بمعزل عن الرغبات و الأهواء وهنا ينبري الساحر ليعلن الحرب على هذا الواقع الثابت محاولا التلاعب بالعلل و المعلولات وخرق السببية عبر إستدعاء قوى خفية أو طقوس غامضة ويبدو للوهلة الأولى أن هذا السعي المحموم لإمتلاك ناصية الغيب و توجيه المقدرات يعبر عن عظمة كبرى ترفض الخضوع و الإستكانة وتأبى إلا أن تكون شريكة في صياغة الوجود غير أن القراءة النقدية الفاحصة تكشف عن مفارقة قاتمة مفادها أن الرغبة في تجاوز النواميس ليست سوى هروب بائس من حقيقة الإفلاس الوجودي. إن السحر في جوهره إقرار ضمني بالهزيمة أمام الواقع و ليس إنتصارا عليه فالإنسان القادر على تقبل واقعه لا يحتاج إلى الهروب إلى الوهم أو إلى إبتزاز الغيب بل يتعامل مع شروط وجوده بوعي ومسؤولية بينما الساحر أو المتمرد بسحر على النظام الكوني يثبت من حيث لا يدري عجزه عن تحمل صدمة الوجود ورفضه الأعمى لحقيقة كونه كائنا محدودا محكوما بالزمان والمكان فالعدم يلوح في أفق الوعي البشري كهاوية مرعبة والتعامل مع هذا العدم عبر محاولات سحرية لإيقاف الزمن أو السيطرة على مصائر الآخرين ليس سوى إستجابة دفاعية مريضة تؤكد أن الذات تعيش حالة من القطيعة التامة مع الحقيقة وتفضل الغرق في أوهام القوة على مواجهة وهنها الجذري. وعندما نربط السحر بمفهوم العدم تتكشف الأبعاد الفلسفية الأكثر عمقا لهذه الظاهرة فالعدم ليس مجرد غياب للوجود بل هو الحضور الخفي الذي يهدد الكائن البشري بالزوال والسحر إذن هو محاولة يائسة لرأب الصدع الذي يحدثه هذا العدم في جدار الكينونة ولكن هذه المحاولة محكومة بالفشل الذكور لأنها تقوم على أساس زائف فنفي الواقع عبر السحر يعني نفي الشروط الضرورية لوجود الإنسان ذاته إذ لا معنى للحرية ولا للوعي ولا للإرادة إلا داخل حدود النواميس الكونية التي تمنح الأشياء هوياتها و معانيها وحين يحاول السحر تدمير هذه الحدود فإنه لا يحرر الإنسان بل يغيبه في لا مبالاة العدم المطلق حيث تتلاشى الفروق بين الحقيقة والوهم وبين الرغبة والموضوع. من هذا المنطلق فإن التمرد السحري على النواميس الكونية ليس إلا قناعا زائفا يخفي خلفه عجزا هيكليا عن تقبل الشروط الإنسانية الأساسية فالإنسان العظيم بحق هو ذلك الذي يمتلك شجاعة مواجهة الواقع بكل مأساويته و قسوته دون أن يلجأ إلى الوهم أو التمرد العبثي الذي يمزق نسيج الوجود وكل لجوء إلى السحر هو في نهاية المطاف إعتراف ضمني بالعجز عن العيش في النور الواضح للحقائق المادية و المعنوية وسعي مرضي للتقوقع في ظلمات الوهم والخداع الذاتي مما يجعل من هذا التمرد دليلا قاطعا على السقوط لا على الصعود وعلى الضعف لا على القوة وفي هذا السياق يظل الإنسان مأزوما بين رغبته في أن يكون إلها وبين واقعه ككائن عابر يحاصره العدم من كل جانب ما لم يدرك أن عظمته الحقيقية تكمن في وعيه بحدوده وقدرته على إحتضان وجوده الفاني بشجاعة ورضا بدلا من الدوران في فلك الأوهام السحرية المدمرة.

_ من عرش الوهم إلى مرآة العدم: مخاض الشاهد المذهول على خراب العروش

يتأتى التحول الدراماتيكي في بنية الوعي السحري حين ينتقل الإنسان من موقع المدعي المتربع على عرش الوهم إلى مرتبة الشاهد العذب بالإنهيار حيث تبدأ رحلة الساحر عادة بغرور وجودي جارف يرفض الخضوع لقوانين الطبيعة والنواميس الثابتة فيتوهم أنه قادر عبر الكلمات الطقوسية و الأفعال السرية على تطويع الإرادة الكونية وتحويل العدم إلى مادة طيعة تخدم رغباته المتسلطة غير أن هذا الإستعلاء المؤقت لا يعدو أن يكون سوى قشرة هشة تغطي خوفا دفينا من الحقيقة المطلقة وحين يمعن الساحر في غيه متوخيا تجاوز الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل فإنه يدخل تدريجيا في لجة من التناقضات الوجودية التي تتكشف له شيئا فشيئا مع إصطدام طقوسه بصخرة الواقع الأصم الذي لا يلين مما يشكل نقطة الإنعطاف الكبرى في مساره. تتجلى هذه البداية الإنحدارية حين يدرك الساحر أن كل محاولة لخرق السببية لا تؤدي إلا إلى تكريس عزلته الرهيبة عن نسيج العالم فبدل أن يصبح سيدا للكون يتحول إلى سجين داخل مرآة أفعاله المصطنعة وكلما تعمقت ممارساته إزدادت الشروخ إتساعا بين رغبته الجامحة في السيطرة وبين عجزه الفعلي عن إحداث تغيير حقيقي في جوهر الأشياء فالعدم الذي حاول إستدعاءه ليكون أداة طيعة في يده يبدأ بالزحف تدريجيا ليلتهم أركان ذاته ليجد نفسه محاصرا بمنتجات أوهامه التي تفقد بريقها شيئا فشيئا وتتحول من قوى خاضعة إلى كائنات مجهولة تعبث بوعيه و تستخف بإدعاءاته وهنا ينبجس الإحساس الأول بالإنهيار حين تتوارى هالة العظمة وتتداعى حصون التكبر تحت وطأة إنكشاف الحقيقة العارية التي تفيد بأن السحر لم يكن سوى صراخ في وجه الفراغ. مع إستمرار هذا التآكل الداخلي يصل الساحر إلى لحظة التنوير المأساوي التي ينقلب فيها من فاعل متورط إلى شاهد عيان مذهول على بطلان أفعاله برمتها وفي هذه اللحظة الفلسفية الحاسمة يسقط القناع تماما ليرى بأم عينه تفاهة الطقوس التي كان يظنها قادرة على زعزعة أركان الوجود فالكلمات التي طالما رددها بيقين مزيف ترتد إليه صدى خاليا من أي معنى والرموز التي خطها بثقة العميان تتهاوى لتكشف عن بياض العدم وقسوة الفراغ المحيط به وهنا يتجمد الساحر في مكانه كمرقب صامت يعاين إنهيار مملكته الوهمية دون أن يملك حتى حق البكاء عليها لأن الدموع نفسها تفترض صلة حقيقية بالواقع وهي صلة طالما حاول قطعها عبر تمرد عبثي ومحكوم بالخسران المبين. تكتمل هذه المأساة الوجودية حين يعجز الشاهد المذهول عن العودة إلى البر الثاني للواقع المألوف بعد أن إحترقت خلفه مراكب الوهم و إنغلقت أبواب العودة إلى البساطة العذراء للأشياء فالبصيرة الجديدة التي إكتسبها عبر مخاض الإنهيار لا تمنحه الخلاص بل تضاعف من عذابه إذ تحوله إلى كائن معلق على حافة الهاوية يرى بوضوح قاطع بطلان كل ما قام به ويشهد بإنكشاف العدم كحقيقة مطلقة تحيط بالبشر من كل جانب دون أن يستطيع تغيير هذه الصيرورة أو الهروب منها وهنا يبلغ الإغتراب ذروته القصوى حيث يكتشف الإنسان بعد رحلة طويلة من المكابرة والغرور أن محايثة الوجود وتقبل حدوده بقسوتها وجمالها معا هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل وأن كل محاولة للتمرد السحري إنما تنتهي حتما إلى هذا المشهد الأخير حيث يقف الساحر متسمرا في ذهوله عاجزا حتى عن إغلاق عينيه أمام مرآة العدم التي تعكس له تفاهة غروره وجذريته العاجزة عن تجاوز أفق الإنسانية الفانية.

_ عدالة النسيان وصمت الهاوية: حين يبتلع العدم أثر العابثين

ينفتح السؤال حول مصير الساقطين في غياهب الممارسة السحرية على أفق مأساوي يتجاوز حدود العقاب الأخلاقي المعتاد ليلامس التخوم القصوى للوجود والعدم حيث يتساءل الفكر عما إذا كان النسيان الذي يبتلع هؤلاء المتمردين هو ضرب من القصاص الخارجي المسلط من قوة مفارقة أم أنه ثمرة حتمية وإستحقاق وجودي طبيعي ينبثق من صلب العبث ذاته وفي هذا السياق العميق يتكشف النسيان لا كأداة قمع تعسفية بل كإستجابة تلقائية ومحايدة من الوجود تجاه محاولات تشويهه وإختراقه عبر أوهام السحر مما يجعل الساقطين يتلاشون تدريجيا من ذاكرة الكينونة لا بغضب إلهي إنتقامي بل بفعل الجفاف الذاتي الذي تفرضه قطيعتهم الطوعية مع حقائق الأشياء وجوهر الحياة البسيطة. حين يختار الساحر الإنغماس في عوالم التمرد على النواميس الكونية فإنه يعزل نفسه طواعية عن دفق الحياة المستمر و عن تيار المعنى الذي يربط الكائنات بعضها ببعض وكلما غاص أكثر في ممارسة طقوسه الزائفة إبتعد خطوة أخرى عن الحضور الحقيقي ليتحول إلى كائن شبحي يفتقر إلى الجوهر المادي والمعنوي الضروري لبقاء الأثر وهنا لا يأتي النسيان كعقاب مفروض من الخارج لأن العقاب يفترض أصلا وجود طرفين منفصلين يحكم أحدهما على الآخر بل يظهر كإستحقاق طبيعي محتوم يفرضه قانون العدم على من أدار ظهره للوجود فالفراغ الذي خلقه الساحر في داخله عبر محاولات نفي الواقع يتسع بإستمرار حتى يبتلع هويته بالكامل ويطمس آثاره فلا تعود الذاكرة الكونية تجد مبررا أو مادة لحفظ كائن إختار من تلقاء نفسه أن يلغي شروط وجوده الفعلي ويستبدل بها خرافات الفراغ. إن العبث الكامن في صلب الممارسة السحرية يحمل في طياته بذرة فنائه الذاتي فالذي يبني عوالمه على أنقاض الأوهام ويحاول إستجرار القوى الخفية من لجة العدم لا يجر إلا الخراب على كيانه ويصبح النسيان هنا هو الوجه الآخر للعدم وهو الصيغة التي يتصفح بها الوجود دفاتره مع الكائنات التي تنكرت له فالساقطون في غياهب الممارسة لم يتم نفيهم ظلما بل هم الذين نفوا أنفسهم حين إستبدلوا بصلابة الحقيقة هشاشة الوهم ولما كانت الذاكرة البشرية والكونية مرتبطة إرتباطا وثيقا بالمعنى وبإتصال الحضور فإن الإنفصال التام عن المعنى عبر السحر يولد حتميا إنقطاعا جذريا في مسار الذاكرة مما يترك هؤلاء الساقطين يغرقون في صمت مطبق لا يثير حتى رثاء العابرين لأنهم أصبحوا لا شيء سوى صدى باهت لفعل عبثي إنتهى إلى لا مبالاة الفراغ المطلق. وعندما نتأمل هذه الظاهرة في أبعادها الأنطولوجية العميقة ندرك أن النسيان الوجودي هو العدالة الصامتة التي يعيد بها الكون ترتيب أوراقه بعد زوبعة التمرد الزائف فالطبيعة لا تحقد على العابثين ولا تعاقبهم بمعايير الأخلاق البشرية المحدودة بل تتعامل معهم بمنطق الإستحقاق المحض فمن يعزل نفسه عن النواميس الكونية محكوما عليه بأن يفقد صوته وهوِيته فيرتمي تدريجيا في أحضان العدم الذي طالما إستدعاه و إستنجد به ليكون أداة لهيمنته الزائفة ويتحول الساقطون إلى مجرد هوامش تافهة في كتاب الوجود تتلاشى كلماتهم و تندثر طقوسهم ولا يبقى منها سوى عبرة صامتة تشهد على إستحالة الهروب من حدود الكينونة وبطلان كل محاولة للقفز فوق شروط الوجود الإنساني المأساوي والجميل في آن واحد. وفي نهاية المطاف يتربع النسيان كحارس أمين على بوابة العدم لا لينتقم من الساقطين بل ليؤكد إنتصار الواقع على الوهم و قوة البقاء على رغبات الفناء فالإنسان الذي يرضى بأن يعيش في النور الصارخ للحقائق يضمن لنفسه أثرا ممتدا في ذاكرة الوجود بينما من يختار العبث السحري والهروب إلى ظلمات الوهم ينتهي به المطاف إلى حتمية النسيان الجذري حيث لا يبقى له ذكر ولا أثر سوى الفراغ الذي بدأ منه وإليه يعود ليبقى السؤال المفتوح أمام وعي الإنسان الحديث محوما حول مدى قدرته على قبول فداحة حضوره المحدود بدل الإرتماء في أتون أوهام السحر التي لا تقدم سوى العدم ثمنا لنزوة السيطرة الباطلة.

_ سراب المعنى وزيف الخلود: حين يتبخر وهم السحر على عتبة الواقع

يتشكل السؤال حول طبيعة المعنى المستولد من قلب العدم عبر الممارسة السحرية بوصفه إشكالية أنطولوجية كبرى تفكك أوهام الخلق المطلق وتكشف عن هشاشة الكينونة المصطنعة حين تنفصل عن جذورها الواقعية فالساحر الواقف على حافة الفراغ لا يقدم على خلق معنى حقيقي أو تأسيس جوهر أصيل بل يخوض مغامرة عبثية لترقيع خرائط الوهم مستعينا بمفردات مستعارة من لغة العدم ذاتها وإن هذا المعنى المبتكر ليس سوى سراب براق يخدع به العقل المنفصم عن شروط وجوده ليوهم نفسه بأنه قادر على ملىء الفراغ الهائل الذي تتركه قطيعته الطوعية مع النواميس الكونية الثابتة و لهذا فإن تتبع هذه العملية الفلسفية يضعنا أمام طبيعة زيف تفتقر إلى أي سند واقعي أو إستمرارية وجودية حقيقية. حين نغوص في تحليل ماهية هذا المعنى المزعوم يتضح لنا جليا أنه بعيد كل البعد عن الأصالة الوجودية فالأصالة تنبثق دائما من صميم التجربة الحية والتفاعل الخلاق مع حدود الواقع وقسوتها بينما المعنى السحري ينبت في التربة الرخوة للأوهام و يقتات على التمرد العبثي ضد حتميات الوجود إن الساحر لا يبتكر شيئا جديدا بالمعنى الفلسفي الخلاق بل يعيد تدوير الفراغ في قوالب بهرجية مخادعة ليوحي لنفسه وللآخرين بأنه أوجد عالما موازيا يسيطر فيه على مقدرات الأشياء غير أن هذا البناء المتهالك لا يعدو أن يكون هيكلا وهميا يستند إلى ركائز هشة من الرغبات المريضة و التعاليم الزائفة التي تنهار عند أدنى إحتكاك مع صلابة الحقيقة لتبدو المعاني السحرية مجرد قشور باهتة لا تقوى على مواجهة ريح الواقع العاتية. وعندما نتساءل عما إذا كان هذا المعنى أصيلا أم مجرد وهم مؤقت يزول بزوال التركيز فإن الإجابة تتكشف في طبيعة الفعل السحر ذاته الذي يرتبط إرتباطا وثيقا بيقظة الوعي المؤقتة وطاقتة الإستثنائية على الإيحاء فالساحر يحافظ على تماسك مملكته الوهمية طالما أنه مستغرق تماما في طقوسه منغمس في تركيزه الأعمى معزول عن صخب العالم الحقيقي ولكن ما إن يرتخي هذا التركيز أو تداخله صدمة الواقع المعيش حتى يتصدع بناء الوهم و يتلاشى المعنى المبتكر كالدخان في الهواء ليعود العدم لإبتلاع ما صنعته أصابع الخداع ويثبت أن هذا المعنى لم يكن سوى ومضة عابرة في عقل مأزوم يرفض الإعتراف بمحدوديته وقصور أدواته. إن زوال المعنى السحري بزوال التركيز هو الدليل القاطع على كذبه الجذري وإفتقاره إلى أي مقومات للبقاء فالأصالة الحقيقية لا تزول بإرتخاء الجفون و لا تتبخر بإنصراف الإنتباه بل تظل راسخة في جذور الوجود كالجبال الرواسي لأنها تستمد شرعيتها من تقبل الحقيقة بكل قسوتها ومأساويتها بينما المعنى السحري مرتبط حصرا بحالة التنويم الذاتي والهروب المستمر فإذا إنقطع خيط الوهم إنفرط عقد المعنى ووجد الساحر نفسه عاريا أمام مرآة العدم الذي فر منه طويلا ليكتشف أن كل ما إبتكره لم يكن سوى سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ليظل الإنسان بعد هذا السقوط المتكرر أمام حتمية الإختيار بين معنى أصيل ينبت في أرض الواقع وصلابته أو وهم مؤقت يزول بزوال التركيز ليترك خلفه فراغا قاتلا لا يرحم متمرديه ولا يبقي لهم ذكرا في ذاكرة الكينونة الحقة.

_ طمأنينة الفناء وبساطة الوجود: في صمت الشجاعة وخيبة العابثين

يتجلى التباين الوجودي الأعظم حين نقابل بين لجاجة الساحر المأزوم في محاولاته العبثية لخرق النواميس الكونية وبين طمأنينة الإنسان البسيط الذي يقبل فناءه بشجاعة وكرامة تامة حيث يتحول صراع السحر مع العدم إلى مرآة عكسية تسطع من خلالها جلالة القبول الهادئ لشروط الوجود الإنساني فبينما يستهلك الساحر طاقته الروحية والنفسية في معركة خاسرة لترقيع خرائط الوهم و الهروب من حتمية الموت يرتكن الإنسان البسيط إلى بصيرة فطرية عميقة تدرك أن عظمة الكائن البشري لا تكمن في الهروب من الموت أو محاربته بالسحر والتعاويذ بل في القدرة على إحتضانه كجزء أصيل من سيمفونية الحياة و جمالها العابر مما يجعل صراع السحر مع العدم دليلا سلبيا يبرز قيمة التسليم الواعي والرضا الحكيم بحدود الكينونة المتاحة. حين يتأمل الفيلسوف موقف الإنسان البسيط الذي يواجه فناءه دون رعب أو لجوء إلى أوهام السيطرة يرى أن هذا القبول ليس ضعفا أو إستكانة سلبية كما يظن المتمردون بل هو القمة الشامخة للوعي البشري الناضج فالإنسان الذي يكدح في حقول الحياة ويتقبل تقلبات القدر و يعرف أن أيامه معدودة يمارس نوعا أسمى من البطولة اليومية إذ لا يحتاج إلى إستدعاء قوى خفية أو إختلاق عوالم وهمية ليبرر وجوده بل يستمد معناه الأصيل من تواصله الحي مع تفاصيل واقعه وعلاقاته الإنسانية البسيطة و حين يلوح العدم في الأفق لا يرتجف هلعا ولا يبحث عن ثغرات سحرية للإلتفاف على الحتمية بل ينظر في عيني الفناء بثبات واثق مدركا أن القيمة الحقيقية للحياة لا تقاس بطولها ولا بقدرتها على خرق القوانين بل بصدق التجربة و عمق التقبّل. وفي المقابل فإن صراع السحر المحموم مع العدم يعكس عجزا جذريا عن بلوغ هذه الطمأنينة البسيطة فالساحر الذي ينفق عمره في محاربة الزمن وتطويع النواميس يعيش في جحيم دائم من القلق والخوف العميق من الزوال وكل محاولة سحرية لإنكار الموت أو السيطرة على المصائر هي في حقيقتها إعتراف ضمني بجبن الوجود وهلع داخلي من مواجهة الحقيقة العارية وفي هذا التناقض الصارخ ينعكس صراع السحر على صورة الإنسان البسيط ليجعلها أكثر إشراقا ونقاء فالإنسان الذي يقبل فناءه بشجاعة وكرامة لا يحتاج إلى قناع السحر لكي يبدو عظيما لأن عظمته تكمن بالذات في قدرته على العيش والموت بسلام داخل حدود النواميس الكونية بينما يظل الساحر محبوسا في ظلمات أوهامه غارقا في صراعه العبثي مع العدم الذي يبتلعه في النهاية دون أن يترك خلفه سوى صدى الخيبة والبطلان. و عندما تكتمل لوحة التأمل الفلسفي هذه يتكشف لنا أن الإنسان البسيط هو الحارس الحقيقي لمعنى الوجود في أبسط و أعمق تجلياته فهو الذي يمنح الحياة قيمتها الحقة عبر إحترامه لحدودها وتصالحه الجذري مع فنائه دون صخب أو إدعاء بينما يمثل الساحر الوجه المأزوم للغرور البشري الذي يرفض أن يكون كائنا عابرا فيحاول عبثا أن يصير إلها من خلال بوابات العدم المظلمة لتنتهي المعركة دائما بإنتصار صامت ومهيب للواقع والقبول على كل أشكال التمرد الوهمي وليبقى الإنسان البسيط هو الشاهد الحي على أن الشجاعة الحقيقية تكمن في حب الحياة كما هي والرضا بالموت كما يجب دون الحاجة إلى سحر يغير النواميس أو وهم يخدع الوعي في لحظات الإنكسار الأخير.

_ بين هشاشة الأثر وجلال الهاوية: في إشراقات السقوط و عظمة العابر

يتشكل التساؤل المأساوي حول مصير الكائن عند حافة الهاوية ليضع الفكر الفلسفي أمام ثنائية شديدة التعقيد تتجاذبها مهابة العدم المطلق وبصيرة الوعي المتأمل حيث ينفتح الأفق على إشكالية كبرى تتمثل فيما إذا كان السقوط في غياهب العدم يمثل نهاية صارخة و مطلقة لكل أثر بشري تمحوه تماما من ذاكرة الوجود أم أنه يشكل عتبة أنطولوجية كبرى تفضي إلى فهم أعمق وأدق لقيمة الأثر الهش ذاته وفي هذا السياق المفعم بالتناقضات يتكشف السقوط لا كمجرد إندثار عبثي فحسب بل كمرآة كاشفة تعيد صياغة رؤيتنا لكل ما يتركه الإنسان خلفه من شواهد وأفعال حين يواجه حتمية الفناء والقصور متجاوزا بذلك أوهام الخلود السحري التي سعى من خلالها لخرق النواميس الكونية. حين يمعن العقل في قراءة السقوط بوصفه نهاية مطلقة لكل أثر فإنه ينطلق من هلع الكائن البشري أمام صمت الفراغ المطلق و قسوة الزوال الذي يبتلع الجهد البشري برمته فالساحر المتربص على حدود الوهم والذي بنى أمجادا مزيفة على أنقاض النواميس الطبيعية ينتهي حتما إلى هذا السقوط المطبق حيث تتلاشى طقوسه وتمحى آثاره كأن لم تكن قط ويبدو العدم هنا كهاوية هائلة تلتهم كل شيء ولا تبقي لأي أثر معنوي أو مادي مكانا للتحقق مما يدفع بالوعي المأزوم إلى الإعتقاد بأن الوجود برمته مجرد هباء منثور لا طائل من ورائه غير أن هذا التصور المتشائم يظل قاصرا عن إدراك البعد الخفي الذي يتكشف في قلب المأساة ذاتها إذ إن السقوط في العدم يحمل في طياته بوادر تحول جذري في كيفية تلقينا لمعنى البقاء والأثر. هنا بالضبط تتجسد العتبة الكبرى لفهم أعمق يقودنا إلى إدراك أن هشاشة الأثر الإنساني ليست نقيضا لقيمته بل هي عين جوهره وعلة بهائه فالأثر العظيم لا يستمد صلابته من خلود وهمي أو من قدرة سحرية على تحدي قوانين الكون بل يستمدها بالذات من كونه عابرا ومهددا دائما بالزوال فالإنسان البسيط الذي يترك خلفه آثارا صغيرة مفعمة بالصدق والمحبة يقبل بفنائه الواعي مدركا أن بقاء الأثر لا يعتمد على دوامه الأبدي بل على صدق إنغماسه في اللحظة و حرارته الإنسانية الفريدة و حين يتأمل الفيلسوف هذا التباين يتبين له أن السقوط في العدم هو الذي يمنح الأثر الهش طابعه المقدس إذ لولا خطر العدم لما كان للأثر أي معنى أو وزن فالفناء هو الخلفية الداكنة التي تبرز عليها سطوة المعنى وتألق الوجود العابر. و عندما تكتمل هذه الرؤية الفلسفية يتضح جليا أن السقوط ليس محوا نهائيا للمعنى بل هو الصقل الأخير الذي ينزع عن الأثر كل زيف وبهارج فارغة ليتركه عاريا و ساطعا في بساطته المطلقة فالأثر الهش الذي يواجه شبح العدم بشجاعة ورضا هو وحده الذي يقاوم النسيان لا بقوة السحر والتسلط بل بقوة الإنتماء الحقيقي لشروط الكينونة الإنسانية الفانية وفي هذا الإحتكاك المستمر بين هشاشة الأثر وقسوة العدم يولد الفهم الأعمق الذي يعيد الإعتبار للإنسان العابر الذي لا يبتغي خلودا زائفا بل يكتفي بأن يترك بصمة رقيقة تضيء عتمة الوجود لفترة قصيرة ثم تتوارى بسلامة وحكمة تاركة وراءها شاهدا حيا على عظمة التواضع في مواجهة المطلق.

_ إفلاس الإرادة ووهم الخارق: في عجز الساحر وشجاعة الكائن الحقيقي

يتأتى التعمق في إشكالية الإعتماد على القوى الخارقة بوصفه تجسيدا صارخا لأزمة الوعي البشري حين يتخلى عن سيادته الحقيقية و يرتمي في أحضان الوهم مستنجدا بما وراء الطبيعة لتعويض نقصه الوجودي وإن الإتكاء على السحر والتعاويذ وإستدعاء القوى الخفية لا يمثل بحال من الأحوال مظهرا من مظاهر القوة أو الإرادة الجبارة بل هو في حقيقة جوهره إعتراف خفي وإقرار مبطن بعجز الإرادة البشرية عن مواجهة صدمة الواقع والإضطلاع بمسؤوليات الكينونة ضمن حدود النواميس الكونية الصارمة وحين ينبذ الإنسان قدرته على الفعل الواعي والمثابرة داخل شروط الوجود الطبيعية فإنه يعلن مبكرا إفلاسه الروحي و يستبدل بالجهد الخلاق تواكل مرضيا على قوى وهمية تأتي من عتمة العدم لتنقذه من وطأة عجزه الجذري. حين يمعن الفيلسوف النظر في طبيعة الإرادة البشرية الحقيقية يجد أنها تنبثق أساسا من قدرة الكائن على مواجهة الحقيقة بكل مأساويتها وإشتباكها مع حدود الزمان والمكان فالإرادة الحقة هي تلك التي تثبت جدارتها في الميدان المادي والمعنوي عبر الفعل الصادق و القبول الشجاع بقواعد اللعبة الوجودية غير أن اللجوء إلى القوى الخارقة ينسف هذه الأسس من جذورها لأنه ينطلق من رغبة مأزومة في إختصار المسافات والقفز فوق الحتميات الطبيعية دون دفع ثمن الإستحقاق الواعي و إن هذا الهروب نحو السحر يكشف بوضوح عن هشاشة داخلية تستبطن عجزا هيكليا عن إحتمال قسوة الواقع فبدل أن يبني الإنسان ذاته من خلال الصراع الشريف مع الصعاب يلجأ إلى إستجداء طاقات خارجية مفارقة مما يعكس شعورا عميقا بالدونية وفقدانا للثقة في قدرة النفس البشرية وحدها على صناعة المعنى و تحقيق المصير. وفي هذا السياق المتأزم تتكشف العلاقة الوثيقة بين الإعتماد على القوى الخارقة والإنزلاق نحو العدم فالإنسان الذي يتنازل عن إرادته الحقيقية ويسلم قياده لخيارات السحر و الطلاسم إنما يسلم روحه تدريجيا لإبتلاع الفراغ المطلق فالقوى الخارقة المزعومة لا تمنح إستقلالية حقيقية بل تحول مستخدمها إلى أداة طيعة بيد الوهم يفقد معها توازنه و فاعليته لتتآكل إرادته شيئا فشيئا حتى يجد نفسه غارقا في لجة من التبعية العمياء للعدم وحين يختفي تأثير الطقوس المؤقت أو تتداعى أركان الخداع يكتشف الساحر المأزوم أن إرادته التي ظنها قادرة على تطويع الكون لم تكن سوى سراب زائل وأن الإعتماد على ما هو خارق لم يكن إلا ستارا سميكا يخفي خلفه عجزا جذريا مستعصيا عن مواجهة الحياة بشجاعة الكائنات العابرة. و عندما تكتمل لوحة التحليل الفلسفي لهذه الظاهرة يتضح جليا أن الإرادة البشرية العظيمة لا تحتاج إلى خرق النواميس الكونية ولا إلى الإستعانة بقوى خفية لكي تثبت حضورها الفاعل بل تكمن عظمتها الحقّة في قبولها لحدودها و توظيف طاقاتها المحدودة ضمن أفق الواقع المتاح لتشيد صرح معناها بإرادة واعية و مستقلة وكل لجوء إلى السحر أو القوى الخارقة هو في جوهر الأمر نفي لطاقة الإنسان الخلاقة وإعلان مبطن بالإستسلام لضعف الجذور البشرية أمام جلال العدم مما يجعل من هذا الإعتماد العبثي دليلا قاطعا على أن الهروب من الواقع بالسحر ليس سوى الوجه الآخر للعجز المطلق عن العيش بكرامة وشجاعة حقيقية في قلب النور الواضح للوجود المادي والمعنوي.

_ طموح المطلق ونتيجة الصفر: في وهم الطقوس وسقوط الطموح البشري

تتموضع المأساة الكبرى للوعي البشري في تلك الفجوة الهائلة التي تنفتح بإستمرار بين طموح إنساني جامح يتطلع بلا حدود إلى تملك المطلق وتطويع أسرار الوجود وبين نتيجة واقعية بالغة الهشاشة والقصور وحين ينغمس الإنسان في ممارسة الطقوس الوهمية والتعاويذ السحرية فإنه لا يسعى لردم هذه الهوة بل يعمل بوعي أو بدونه على توسيعها إلى أقصى مداها الممكن لأن السحر في جوهريته الفلسفية يمثل الوعد الزائف بتجسيد الطموحات المطلقة عبر وسائل تافهة و منفصلة عن جذور الحقيقة والمادة وإن هذا التناقض الصارخ بين غايات الساحر العظيمة و نتائجه الهزيلة يعكس تخبطا أنطولوجيا عميقا يغرق الذات في دوامة من التمزق المستمر بين ما تتخيله لنفسها وما تفرضه عليها صرامة النواميس الكونية الثابتة. تتأتى بداية هذه الهوة المتسعة من طبيعة الطموح المطلق الذي يرفض الإعتراف بالحدود الفطرية للكائن البشري فالإنسان المأزوم بطبيعته يأنف من قبول كونه عابرا وفانياً ومحكوما بالزمان والمكان فيلجأ إلى الطقوس الوهمية بإعتبارها الجسر المزعوم الذي يعبر به نحو الألوهية والسيطرة الشاملة غير أن هذه الطقوس مهما بلغت من تعقيد وغموض لا تستطيع في النهاية أن تتجاوز أفق الفراغ الذي أنبثقت منه فحين يؤدي الساحر حركاته ويتمتم بتعويذاته متوخيا إخضاع الوجود لإرادته فإنه يبتعد خطوة جديدة عن الواقع العملي الملموس مستبدلا به بناء وهميا هشا يعيش فيه طموحه كمطلق إفتراضي لا علاقة له بصلابة وقسوة الشروط الموضوعية للحياة مما يجعله يصطدم عاجلا أم آجلا بنتيجة منتهية إلى العدم و الإنهيار. وحين تتكشف هذه النتيجة الهشة أمام عينيه تتسع الهوة شعورياً و معرفياً لتتحول إلى هاوية سحيقة تفصل بين الوهم و الحقيقة فالساحر الذي كان يظن أنه يقبض على أسرار الكون ويصوغ مقدراته يجد نفسه مجرد كائن عاجز يقف على أطلال طقوس ميتة لا تسمن ولا تغني من جوع وهنا يبرز العدم بوصفه الحقيقة الوحيدة التي تملأ الفراغ المتبقي بين الطموح الوهمي والنتيجة الصفرية فكلما زاد الإنسان من إعتماده على الطقوس الوهمية لتعويض نقصه و سد ثغرات عجزه كلما أمعن في تضخيم طموحه بصورة مرضية وكلما جاءت النتيجة أكثر هشاشة وبؤسا مما يجعله يدور في حلقت مفرغة لا تنتهي من الخيبة والإغتراب الروحي العميق عن ذاته وعن عالمه. وفي هذا السياق المتأزم يتبين لنا أن الطقوس الوهمية هي الآلية الأقوى لتدمير الطموح الإنساني الحقيقي لا لتحقيقه فالطموح الأصيل هو الذي ينمو ويتألق داخل حدود الإمكانات المتاحة ويستمد معناه من صراعه الشريف مع الواقع أما الطموح المطلق المستند إلى السحر فهو طموح مريض يرفض الشروط البشرية وينتهي حتما إلى العدم المطلق لتظل الهوة بين الطموح الهائل والنتيجة الهشة شاهدا أبديا على بطلان كل محاولة لخرق النواميس الكونية وليبقى الإنسان عاجزا عن ردم هذه الفجوة ما لم يتخلى عن أوهام السيطرة و يرتكن إلى بساطة الوجود الواعي بكل ما يحمله من فناء وجمال ومحدودية لا تقبل التجاوز.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- طوفان الكادحين فوق عرش الإمبريالية: نداء الحرب المفتوحة على ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجزء التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلاثمِائَةِ-