أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كرار عيسى عبد الحسين - حين خبا البرق: نيتشه في مرايا من عرفوه في الذكرى السنوية لرحيل فريدريش فيلهلم نيتشه — روكن، 25 آب 1900















المزيد.....

حين خبا البرق: نيتشه في مرايا من عرفوه في الذكرى السنوية لرحيل فريدريش فيلهلم نيتشه — روكن، 25 آب 1900


كرار عيسى عبد الحسين

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 21:07
المحور: قضايا ثقافية
    


في الخامس والعشرين من أغسطس من عام 1900، أسلم فريدريش فيلهلم نيتشه روحه في هدأة فايمار، بعد إحدى عشرة سنة من صمتٍ عقليٍ مطبق تلا انهياره المروع في تورينو مطلع سنة 1889وكأنه يعانق فيه كل ألم العالم قبل أن يسقط هو نفسه في صمتٍ لم يُكتب له أن يُفكَ. إحدى عشرة سنة قضاها خراباً حياً، بعيداً عن الحياة التي علم البشر كيف يُحبونها حتى في قسوتها. رعته أمه أولا في ناومبورغ، ثم أخته إليزابيث في فيلا زيلبربليك بفايمار.
ولم يكن رحيله حدثاً عابراً يُطوى مع الأيام. لقد كان كما تكشف شهادات معاصريه، لحظة انكسارٍ في وعي أوروبا كلها. إذ وقف أقرب الناس إليه، تلاميذه وأصدقاؤه وخصومه على السواء، أمام جثمانٍ صامتٍ لعقلٍ لم يكفّ يوماً عن الصراخ.
حين وصلت أنباء انهياره إلى بازل، كتب صديقه اللاهوتي فرانتس أوفربك الذي هرع لانتشاله من تورينو، رسالة إلى بيتر غاست يعترف فيها بيأسٍ لا يوارى، مختتما شهادته بجملة توجز هول اللحظة: "انتهى أمر نيتشه!". أما بيتر غاست، ذلك المريد المخلص الذي نسخ له آلاف الصفحات بيده فلم يكد يصدّق أن الرجل الذي اعتبره من أسمى ما أنجبت البشرية بات محبوساً خلف جدران مصحة للمجانين. وتساءل كيف يمكن للمرء أن يكون رحيماً بصديقٍ كهذا إلا بحمايته من استنزاف عقله المتقّد.
ثم بدأت سنوات الغسق الطويلة. غاست نفسه، الذي كان يصغي إلى ارتجالات نيتشه على البيانو بانبهار، عاد بعد عامٍ واحد ليكتب أن ذلك الإحساس الموسيقي قد تلاشى تماماً، وأن كل شيء غدا مضطرباً وزائفاً. وفي زيارته الأخيرة إليه عام 1895، لم يجد أوفربك سوى جسدٍ منطوٍ على نفسه، كوحشٍ جريحٍ لا يبتغي غير السكينة، صامتاً تماماً، لا ألم ظاهرا عليه سوى نفورٍ غامضٍ يسكن عينيه الخاويتين. أما الكاتبة الألمانية غابرييله رويتر، فوقفت مرتجفةً أمام نظرةٍ وصفتها بأنها "تنبع من أغوارٍ لا تُسبر من المعاناة"، وكأن روحه العظيمة التعيسة ما تزال حبيسة ذلك الجسد المنعزل. وحين رآه الفيلسوف النمساوي رودولف شتاينر جالساً في شرفة فيلا زيلبربليك بردائه الأبيض المطوي، بدا له وكأنه إله أبيقوري متوَّج لا يعبأ بمن حوله، رجلٌ يستحيل أن يموت.
وفي عصر ذلك اليوم من آب 1900، وبحسب رواية أخته إليزابيث فورستر-نيتشه، حرك شفتيه كمن يريد أن يقول شيئاً فتردد، ثم هز رأسه فجأةً وأغمض عينيه بمحض إرادته ومات. "هكذا مات زرادشت"، على حد تعبيرها. وعند حفرته في روكن، وقف بيتر غاست يودعه بكلمات ستظل ملتبسة الدلالة على رجلٍ حارب فكرة القداسة طوال حياته: "ليكن اسمك مقدَّساً لكل الأجيال القادمة". وشاء قدر السخرية أن يشهد المهندس الألماني فريتز شوماخر، وهو أحد الحاضرين، كيف تبعت العلمانيةُ المدرسيةُ الجافةُ التي حاربها نيتشه طوال حياته نعشَه حتى القبر، حتى قال إنه لو نهض من موته لطرد الخطيب من النافذة وطارد الجميع خارج معبده.
ولعل الناقد الدنماركي غيورغ برانديس، أول من حاضر علناً عن فلسفة نيتشه، كان الأدق في تلخيص مأساته حين كتب في نعيه أن أشد ما في قدره مرارةً هو أنه، بعد أن تعطّش إلى الاعتراف حتى المرض، بلغه أخيراً وهو حي، لكنه كان "منفيًاً عن الحياة" ذاتها.
وحده الشاعر الألماني شتيفان غيورغه بدا وكأنه يرثي الصوت لا الجسد حين كتب في قصيدته "نيتشه" أن رجلاً واحداً نهض حاداً كالبرق، فشقّ الصخور وقسم المعسكرات، وصرخ بجنون عصره حتى تمزّقت حنجرته، بينما استمر الآخرون، أذكياء كانوا أم بُلهاء، صادقين أم زائفين، في الكلام والضحك والتآمر وكأن شيئاً لم يكن. فمضى المُحذِّر وبقيت العجلة تندفع نحو الفراغ من غير يدٍ تجرؤ على إيقافها.
وحين وقف الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك في فايمار عام 2000، في الذكرى المئوية بالتمام لرحيله، سائل الحاضرين: أعلينا أن نصدّق حكمه هو على نفسه بأنه لم يكن «إنساناً، بل كان ديناميتاً»؟ وكانت لو أندرياس سالومه، رفيقته الفكرية، قد استبقت هذا السؤال بعقودٍ حين وصفت ضحكته المزدوجة التي ما زلنا نسمع صداها: ضحكة التائه، وضحكة الفاتح معاً.
لكن الرجل الذي وصف نفسه بأنه "ليس إنساناً، بل ديناميت"، كان قد قدّر مصيره منذ زمن: أن يشقّ تاريخ البشرية إلى نصفين. لقد شخّص عصرنا بجرأةٍ لم يجرؤ عليها غيره: "موت الإله"، وفجر العدمية الأوروبية، محذّراً إيانا من الرضا الخانع بحياة "الإنسان الأخير" ذلك المخلوق المرتاح الذي يزعم أنه اخترع السعادة. وفي مقابل هذا الرضا الفاتر، دعانا إلى أن نصير ما نحن عليه، وأن نخوض غمار التجاوز الذاتي المؤلم والجميل معاً، وأن نبلغ الاختبار الأقصى: حبً القدر Amor Fati)) حتى نستطيع أن نصرخ في وجه العود الأبدي في وجه كل لحظة ألمٍ وفرح تتكرر إلى ما لا نهاية.
وحين أسدل الستار على نور وعيه، بدأ العالم يعيد كتابة إرثه من دون إذنه. فأخته إليزابيث عبثت بمخطوطاته لتُخرج للناس كتاب (إرادة القوة) — كتابًا لم يكتبه نيتشه قط — ومهدت بذلك لتشويهٍ سياسي طارد اسمه عقوداً طويلة، حين استُعير هذا الاسم زوراً لنشر الكراهية، هو الذي كان يصف هذا الحقد بأنه "جرب القلب" ذاته.
ومع ذلك، صدقت نبوءته: "بعض الناس يُولدون بعد موتهم". فقد أضاء فكره الحقيقي قرناً بأكمله من التفكير الإنساني. من فرويد ويونغ وأدلر في أعماق النفس، إلى هيدغر وسارتر وكامو في الوجودية، وصولًا إلى فوكو ودولوز ودريدا في ما بعد البنيوية. قال هيدغر ذات مرة إن كل من يفكر اليوم إنما يفكر في ضوء نيتشه وظلّه معا، سواء أكان معه أم عليه.
لم يُرِد نيتشه أتباعا صمّ ولا عقائد جامدة. فطلبه الأخير كان أشبه بوصية تناقض وصية اليسوع لحواريه: "والآن أطلب منكم أن تفقدوني وتجدوا أنفسكم؛ ولن أعود إليكم إلا حين تكونوا جميعا" قد أنكرتموني". فلنتذكره اليوم لا كأثرٍ أكاديمي بارد، بل كديناميتٍ شقّ تاريخ الإنسان إلى نصفين، وكصوتٍ ما زال يهمس في أعماقنا بعبارته الأخيرة الموجعة الجميلة: "ديونيسوس في مواجهة المصلوب".
وما زلنا، بعد أكثر من قرنٍ وربع، نقف كما وقف أولئك عند قبره في روكن: بين رهبةٍ وحزنٍ وحيرة، أمام رجلٍ أراد أن يُفهَم لا أن يُقدَّس، فحوله العالم رغم إرادته إلى أسطورة. ولعل خير وفاءٍ لذكراه اليوم ليس أن نردد أقواله، بل أن نجرؤ، كما طلب هو نفسه، على أن نفقده لنجد أنفسنا.



#كرار_عيسى_عبد_الحسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البرتقالة المقشَّرة: تفكيك لاهوت الاستعلاء الأخلاقي وسياسات ...
- عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة
- لستَ تقرأه بشكلٍ صحيح: خمس أفكار ستغيّر نظرتك إلى النص الأدب ...
- صدى المهمَّش: جوائز الايمي وتفكيك الخطاب الجمعي العربي


المزيد.....




- ترامب: البحرية الأمريكية أزالت جميع الألغام البحرية في مضيق ...
- بيان عُماني إيراني مشترك يكشف عن مقترح لإدارة مضيق هرمز.. ما ...
- بحماية جنود إسرائيليين.. نائب يميني متطرف يحطم نصباً فلسطيني ...
- وزير: طائرة -الإطفاء- الروسية قامت مرارا بحماية البيوت من ال ...
- ألمانيا ترحّل 23 أفغانيًا -معظمهم مدانون بجرائم خطيرة-
- السعودية تؤكد ضرورة بقاء مضيق هرمز وباب المندب مفتوحين وآمني ...
- 5 عادات يومية ترفع ضغط الدم دون أن تشعر
- عُمان وإيران تتفقان على إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك في مضيق ه ...
- الجيش الروسي يدمر خزانات وقود تابعة للقوات الأوكرانية في مين ...
- قراءة إسرائيلية: الولايات المتحدة تريد قطع صلة إيران بالعالم ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كرار عيسى عبد الحسين - حين خبا البرق: نيتشه في مرايا من عرفوه في الذكرى السنوية لرحيل فريدريش فيلهلم نيتشه — روكن، 25 آب 1900