أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - كرار عيسى عبد الحسين - البرتقالة المقشَّرة: تفكيك لاهوت الاستعلاء الأخلاقي وسياسات اللوم















المزيد.....

البرتقالة المقشَّرة: تفكيك لاهوت الاستعلاء الأخلاقي وسياسات اللوم


كرار عيسى عبد الحسين

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 01:54
المحور: المجتمع المدني
    


فتاةٌ تمشي وحدها في الساعة الرابعة فجراً بشارع التانكي في منطقة المنصور. تتعرّض للتحرش. تنتقل الواقعة، كما تنتقل كل واقعة مثيرة للجدل في زمننا، من فعلٍ عابرٍ في الشارع إلى نصٍّ مفتوحٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، يُعاد إنتاجه وتأويله وتوظيفه في معارك رمزية لا علاقة لها -في جوهرها- بما جرى فعلاً لتلك الفتاة، بقدر ما هي معارك حول من نحن، وما الذي نعتقد أنه طبيعي أو شاذ، مقبول أو مرفوض من سلوك الجسد الأنثوي في الفضاء العام.
هنا بالضبط تكمن القيمة الفلسفية للحادثة: ليست الواقعة نفسها ما يستحق التأمل بقدر ما يستحقه الانقسام الذي أحدثته. فالمجتمع، حين ينقسم حيال واقعةٍ كهذه، إنما يكشف -رغماً عنه- عن بنيته الأخلاقية العميقة: من يُحاسَب؟ من يُعفى؟ ومن يملك أصلاً سلطة إصدار الحكم؟
انقسم الجمهور، كما يحدث دوما، إلى فريقين: فريقٌ يقف -صراحةً أو ضمناً- إلى جانب من ارتكبوا التحرش، متكئاً على ما يمكن تسميته نظرية البرتقالة المقشَّرة؛ وفريقٌ آخر يطالب بأقصى العقوبات القانونية بحق المتحرشين. وقد يبدو الفريقان على طرفي نقيض، لكنهما -في العمق- يتشاركان الآلية ذاتها: كلاهما يُصدر حكماً أخلاقياً فورياً وحاسماً، مستنداً إلى انفعال جمعي لا إلى تفكيكٍ فلسفي للمسألة. سنحاول في هذه المقالة أن نفعل ما لا يفعله الطرفان: أن نسأل، قبل أن نُدين أو نُبرِّئ، مَن يملك أصلاً الحق في إصدار الحكم؟ وعلى أي أساس؟
نظرية البرتقالة المقشَّرة استعارة شائعة في خطابنا الشعبي: البرتقالة المقشَّرة (أي الجسد الأنثوي "المكشوف" أو الخارج عن الحماية التقليدية) تستدعي الذباب (أي المتحرشين) بحكم طبيعتها، لا بحكم اختيار الذباب أو مسؤوليته. والمشكلة في هذه الاستعارة ليست بلاغية فحسب، بل معرفية وأخلاقية بامتياز: فهي تُخرج فعل التحرش من دائرة الفعل الأخلاقي الإرادي -الذي يُسأل عنه فاعله- إلى دائرة الحتمية الطبيعية التي لا تُسأل عنها الطبيعة. حين نقول الذباب سيهاجم البرتقالة المكشوفة، فإننا لا نصف فعلاً أخلاقياً يمكن للذبابة أن تمتنع عنه، بل غريزة لا خيار فيها. وبذلك، وبكل بساطةٍ بلاغية خبيثة، يتحول المتحرش من فاعلٍ أخلاقي مسؤول إلى قوةٍ طبيعية معفاة من المساءلة، بينما تتحمل الضحية -وهي وحدها- كامل العبء الأخلاقي للواقعة.
والسؤال، إن طُرح بصيغته الساذجة "هل الفتاة مخطئة؟"، يحتمل إجابتين متعارضتين تماماً، بحسب الموقع المعرفي الذي نُجيب منه:
من موقع المجتمع المحافظ: نعم، هي مخطئة، لأن خروجها وحدها في تلك الساعة يخالف عرفاً اجتماعياً راسخاً يحدد للجسد الأنثوي زمانه ومكانه المسموحَين.
من موقع فلسفة الحرية الفردية: لا، ليست مخطئة، لأنها -ما دامت بالغة راشدة- تملك الحق الكامل في التصرف وفق تقديرها الخاص، حتى لو تعارض هذا التقدير مع العرف السائد. وليس من حق أحد أن يمارس عليها استعلاءً أخلاقياً، حتى لو صدقت عليها كل الصور النمطية التي يتخيلها الرأي العام عنها.
هاتان الإجابتان لا تلتقيان، لأنهما تصدران عن مرجعيتين مختلفتين جذريا: الأولى ترى الفرد وظيفةً من وظائف الجماعة، ملزماً بالانصياع لأعرافها كي يحظى بحمايتها؛ والثانية ترى الفرد غايةً في ذاته، سابقًا على الجماعة ومستقلاً عن سلطتها الأخلاقية، طالما لم يُلحق ضررًا بغيره.
لكن السؤال الأعمق ليس "هل أخطأت الفتاة؟"، إنما: "ما الذي يمنح المتحرش -أو المتفرج المتحرش بصرياً ولفظياً عبر خطابه على مواقع التواصل- الحق في معاقبتها على خطئها المفترض؟"
هنا يكمن الخلل البنيوي في نظرية البرتقالة المقشرة: أصحابها لا يكتفون بإصدار حكم أخلاقي -وهو أمرٌ متاح لأي أحد، ولو كان متسرعاً. إنهم يذهبون إلى ما هو أخطر: يمنحون أنفسهم، أو يمنحون الآخر المتحرش، الحق في ممارسة فعلٍ لا أخلاقي (التحرش، الإيذاء، التعدي) بحق من يعتقدون أنها فقدت استحقاق الحماية الأخلاقية. أي أنهم يقولون، من غير أن يصرحوا بذلك حرفياً: "يجوز أن نمارس اللاأخلاق تجاه مَن نراه فاقداً للأخلاق". وهذا بالضبط المنطق الذي رجل دين ممعم رأيٌ فقهي مثير للجدل عندما أجاز الغيبة والبهتان بحق الأعداء متى كان في ذلك مصلحة للأمة: تعليق الحكم الأخلاقي الكوني -تحريم الغيبة والبهتان، تحريم التحرش والإيذاء- بشرطٍ مسبق يتعلق بهوية الضحية أو "استحقاقها". وهذا انتهاكٌ مباشر لأبسط شروط العقلانية الأخلاقية: فالقاعدة الأخلاقية، إن كانت قاعدةً حقًا، يجب أن تكون كونيةً غير مشروطة -بحسب ما يسميه كانط الأمر المطلق- لا أن تُعلَق أو تُلغى بحسب من نراه يستحق أو لا يستحق أن تُطبق عليه. من يبرر التحرش بذريعة لباسها أو توقيت خروجها، ومن يبرر الغيبة والبهتان بذريعة المصلحة، يشتركان في الخطيئة المعرفية عينها: تحويل الأخلاق من التزامٍ كوني إلى امتيازٍ انتقائي يُمنح أو يُسحب بحسب هوى القاضي الذي نصّب نفسه.
لنفترض جدلاً أن الفتاة أخطأت بالمعنى العرفي، أي أنها خالفت عادةً اجتماعية. فما الضرر الذي ألحقته بغيرها؟ لا شيء. لقد عرضت، في أسوأ الأحوال، نفسها وحدها للخطر، دون أن يمتد أثر فعلها إلى أي طرفٍ ثالث. وهنا يصبح مبدأ الفيلسوف جون ستيوارت مل حول الحرية حاسماً: لا يحق للمجتمع تقييد حرية الفرد إلا حين يترتب على فعله ضررٌ يلحق بالغير؛ أما ما دام الفعل قاصراً على صاحبه، فهو من صميم حريته الشخصية، ولا سلطان لأحدٍ عليه فيه. فالمعيار الحاسم للمساءلة ليس مخالفة العرف، بل إلحاق الضرر الفعلي بالغير. وبهذا المعيار بالذات، تنقلب المعادلة كلياً: فالمتحرشون، لا الفتاة، هم من ألحقوا الضرر الفعلي والمباشر بطرفٍ آخر؛ هم من مارسوا الإكراه على جسدٍ لم يمنحهم إذناً؛ هم -وحدهم- من يقع تحت طائلة الضرار.
يذهب إيمانويل كانط إلى أن جوهر الأخلاق يكمن في معاملة الإنسان دوما كغايةٍ في ذاته، لا كوسيلةٍ تُستخدم لتحقيق غرضٍ آخر. والتحرش، في جوهره، هو بالضبط هذا: تحويل جسد الآخر -رغماً عنه، دون رضاه- إلى أداةٍ لإشباع رغبةٍ أو ممارسة سلطة. هنا، ومهما بلغ خطأ الضحية العرفي، يبقى فعل المتحرش هو الانتهاك الأخلاقي الأعمق والأخطر، لأنه يُنكر على الآخر صفته ككائنٍ عاقلٍ حر له إرادته المستقلة، ويختزله إلى مجرد موضوع. أما خطأ الفتاة -إن سلمنا جدلاً بوجوده- فهو، في أقصى تقدير، خطأٌ تجاه نفسها فحسب، لا تجاه أحدٍ سواها؛ وهذا فارقٌ جوهري: هي الفاعلة الوحيدة والمتحملة الوحيدة لعواقب فعلها، بينما المتحرش فاعلٌ بحق طرفٍ آخر لم يرضَ ولم يُستأذن.
يصف ميشيل فوكو كيف تنتقل السلطة، في المجتمعات الحديثة، من القمع المباشر إلى الانضباط الذاتي. يتعلم الأفراد أن يراقبوا أنفسهم وأن يراقبوا بعضهم بعضاً وكأن عيناً خفية تلاحقهم في كل حين. ونظرية البرتقالة المقشرة، حين تُثار في مثل هذه الحوادث، ليست إلا تجلياً من تجليات هذه العين الجمعية وهي تمارس سلطتها على الجسد الأنثوي تحديدا: أي زمنٍ يُسمح للمرأة أن تشغله؟ أي مكان؟ أي هيئة؟ السؤال المهووس "ماذا كانت تفعل في الرابعة فجرا؟" ليس سؤالاً عن الحادثة. إنه تجسيدٌ لرغبةٍ جمعية في تحديد الحدود المسموح بها لوجود المرأة في الفضاء العام، وإعادة إنتاج هذه الحدود عبر كل واقعةٍ جديدة، إلى أن تصبح طبيعية وكأنها لم تكن يوما صناعة اجتماعية.
نفهم من هذا التفكيك أن اللوم في حادثةٍ كهذه لا يمكن توزيعه بالتساوي بين طرفين غير متكافئين أخلاقياً: طرفٌ مارس فعلاً يخصه وحده (الخروج وحدها فجرا)، وطرفٌ مارس فعلا يمس غيره قسراً (التحرش). حتى لو مُنحت الفتاة أقصى درجات الخطأ العرفي الممكنة، فإن هذا الخطأ يبقى شأنها الخاص، لا يخول أحداً حق التدخل الأخلاقي أو الجسدي فيه. أما المتحرشون فقد تجاوزوا حدود الفعل الخاص إلى فعلٍ عمومي يمس حرية الغير وكرامته وسلامته الجسدية، وهو وحده -بهذا المعيار- الفعل المستوجب للمساءلة الأخلاقية والقانونية معاً.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه حادثة شارع التانكي ليس "هل أخطأت الفتاة؟"، بل: أي مجتمعٍ نريد أن نبنيه؟ مجتمعٌ تُصادَر فيه حرية الأفراد تحت غطاء الفضيلة العامة، فيما يُعفى المعتدون بذريعة الاستفزاز؟ أم مجتمعٌ يفصل بوضوح بين ما هو خاص بالفرد لا يُسأل عنه إلا أمام نفسه وضميره، وما هو تعدٍ على الغير يستوجب القانون والمحاسبة؟
الجواب الفلسفي واضح وإن ظل بعيد المنال اجتماعيا: لا حق لأحدٍ في ممارسة استعلاءٍ أخلاقي على جسدٍ لم يؤذِ سواه ولا عذر لمن يؤذي جسداً لم يأذن له بذلك، مهما قُشِرت البرتقالة.



#كرار_عيسى_عبد_الحسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة
- لستَ تقرأه بشكلٍ صحيح: خمس أفكار ستغيّر نظرتك إلى النص الأدب ...
- صدى المهمَّش: جوائز الايمي وتفكيك الخطاب الجمعي العربي


المزيد.....




- ألمانيا.. آلاف الأشخاص يتظاهرون في كولونيا تضامنا مع المثليي ...
- بريطانيا تشهد احتجاجات ضد إنشاء مركز لطالبي اللجوء
- من نار المعارك إلى مياه الأمطار.. مأساة النازحين في السودان ...
- وجهك يكفي.. كيف تتقفى السلطات الأمريكية المهاجرين ومؤيديهم؟ ...
- جنون الإيجارات يحاصر النازحين العائدين إلى ركام الضاحية الجن ...
- خارطة طريق تركية لإعادة السوريين اللاجئين لديها إلى ديارهم
- المرصد الأورومتوسطي: إسرائيل تشل منظومة النقل وتدفع غزة نحو ...
- الأنبار ثانية بعد بغداد في انتهاكات حرية الصحافة خلال 6 أشهر ...
- هجوم جديد لتصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة
- اعتقال المئات على خلفية حرائق الغابات في فرنسا، لكن من المسؤ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - كرار عيسى عبد الحسين - البرتقالة المقشَّرة: تفكيك لاهوت الاستعلاء الأخلاقي وسياسات اللوم