عبدالهادي خلف
باحث
(Abdulhadi Khalaf)
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 13:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في 14 أغسطس/آب 1971، بدا المستقبلُ واعدًا مع إعلان إستقلال البحرين عن المملكة المتحدة. فلقد رفعت التصريحات التي أدلى بها حاكم البحرين وقتها، الشيخ عيسى بن سلمان، ومسؤولون حكوميون آخرون سقف توقعات الشعب بحياة أفضل في دولة ذات سيادة وتمارس حقها في تقرير مصيرها.ا
بلغت تلك التوقعات ذروتها عندما أقرّ الحاكمُ علنًا أن الدساتير هي من متطلبات الدول الحديثة، وأقرّ ضرورة صياغة دستور للبحرين. (نخلة، 1976: 117) إلا أنه وعائلته في الواقع كانوا يضمرون خلاف ذلك فرأيناهم يختارون المماطلة. إلا أن فترة الانتظارانتهت سريعاً بفضل إنتفاضة احتجاجية جماهيرية خلال ربيع عام 1972. ا
في يونيو/حزيران 1973، صاغ مجلسٌ تأسيسي منتخب دستوراً للبلاد. وبعد ستة أشهر، إنتخب الذكورالبحرينيون المؤهلون أعضاءَ أول برلمان في البلاد. وخلال العامين التالييْن استفادت المعارضة من المنصات البرلمانية لمسائلة السياسات الحكومية ولاقتراح سياسات وتشريعات بديلة. فبرزت إلى العلن مجالات الخلاف بين الطرفيْن، السلطة والمعارضة، لتشمل الفساد ونهب الأراضي و وسوء الإدارة و والسياسة الخارجية. ومن بين هذه الأخيرة، كان الخلاف حول صفقة مقترحة لتأجير الأراضي والمناطق الساحلية التي أخلاها البريطانيون عام ١٩٧١على الولايات المتحدة الأمريكية.ا
اإستخف ممثلو الحكومة في البرلمان بمخاوف المعارضة وقللوا من أهمية الاتفاقية زاعمين أنها مجرد صفقة عقارية قصيرة الأجل لإيواء مكتب للتسهيلات البحرية. حاولت المعارضة البرلمانية عبرأعضاء كتلة الشعب اليسارية عبثًا توضيح المخاطر السياسية والأمنية التي ستجلبها القاعدة الأمريكية المقترحة. وأعادت المعارضة، داخل البرلمان وخارجه، التذكير بأنه خلال فترة هيمنتها على البحرين استخدمت بريطانيا قواعدها في بلادنا لشن غارات جوية ضد حركات التحرير في عُمان خلال خمسينيات القرن الماضي، وفي جنوب اليمن في ستينياته، وفي ظُفار في سبعينياته.ا
كذلك جادلت المعارضة بأن البحرين المستقلة لا ينبغي أن تكون موطنًا لقواعد عسكرية أجنبية خشية استخدامها في العدوان على جيراننا. كما أوضحت بأن السماح لقوة أجنبية بإنشاء قواعد في بلادنا سيُعرّضنا لمخاطر جمة، بما في ذلك تعريض بلادنا لأعمال انتقامية من الطرف أو الأطراف المتضررة. ا
لم تُفلح تلك المناشدات والتحذيرات في تغيير موقف السلطة وحلفائها آنذاك. فتم توقيع اتفاقية الإيجار بين الولايات المتحدة والبحرين دون طرحها للنقاش أو على البرلمان التصويت.
زعمت الحكومة أن الاتفاقية شأن سيادي يخص الحاكم وحده. وفيما بعد إستمرأ الحاكم إستخدام عبارة ” شأنٌ سيادي يخص الحاكم وحده” ليفعل ما يشاء وقتما يشاء. ففي 25 أغسطس/آب 1975، قرر حاكم البحرين توسيع صلاحياته السيادية. فبعد أقل من أربع سنوات على استقلالنا، قرر الحاكم حلّ البرلمان، وتعليق العمل بالدستور واصدر مرسومًا أميرياً يسمح لأجهزة الأمن احتجاز نشطاء المعارضة لمدة ثلاث سنوات دون محاكمة. ا
القاعدة الأمريكية فوق القانون
خلال العقود الخمسة التالية، تطورت المنشآت التي استأجرتها الولايات المتحدة في الفترة 1973-1974 لتصبح قاعدة عسكرية أمريكية متكاملة. فهي تقع بشكل رئيسي في منطقة الجفير، إلا أن ولها امتدادات كبيرة في مطار المحرق وقاعدة الشيخ عيسى الجوية.ا
تضم منطقة القاعدة الأمريكية حاليًا أكثر من ثمانية آلاف عسكري أمريكي. وهي مقر قيادة الأسطول الخامس الأمريكي، والقيادة المركزية الأمريكية، ووحدات استخباراتية ولوجستية متنوعة. ا
وفي نفس المنطقة، ولكن بشكل منفصل، إستعادت بريطانيا، منذ ديسمبر/كانون الأول 2014، وجودها العسكري بإنشاء قاعدة دائمة للقوات البحرية الملكية. وفي أبريل/نيسان 2018 تم توسيع تلك القاعدة بافتتاح ما يُسمى بـ” منشآة المملكة المتحدة للدعم البحري” التي تكفل ملك البحرين بمعظم تكاليف بنائها كهدية كريمة منه إلى بريطانيا.ا
جديرٌ بالذكر أن القاعدة الأمريكية في البحرين هي منطقة ذات سيادة لا تخضع للقوانين المحلية. وتتوسع الحصانة التي يتمتع بها العسكريون والمدنيون الأمريكيون العاملون فيها إلى ما وراء حدود القاعدة. ونتيجة لذلك، شهدت البحرين العديد من الحوادث خارج القاعدة تورط فيها أفراد من الجيش الأمريكي ولم تتمكن الشرطة البحرينية من متابعتها. لا فرق هنا بين مخالفة مرورية أو شجار في ملهى ليلي أو سلوك غوغائي في الشوارع أو مقتل عاملة مقهى بعد اغتصابها أو إطلاق نار في بهو فندق. ا
دور البحرين الحيوي
قبل ثلاثة أسابيع من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، احتفلت البحرين الرسمية بالذكرى الثامنة والخمسين لتأسيس قوة دفاع البحرين. وقتها انشغلت وسائل الإعلام المحلية بتصريحات القائد العام، المشير الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، الذي أكد مجدداً تصريحاته السابقة بأن “جميع أسلحة ووحدات قوة دفاع البحرين في أعلى مستويات الجاهزية القتالية والدفاعية.” وكرر المشير الإشادة بالتنسيق العسكري والتعاون الدفاعي المنتظم بين البحرين والولايات المتحدة سواءً عن طريق اجتماعاته الدورية مع القيادة المركزية الأمريكية المتمركزة في البحرين، أو خلال زيارات ولي العهد المتكررة إلى واشنطن. (لأيام، 5 فبراير2006).ا
لم تُثر تلك التصريحات قلق الرأي العام. فلقد إعتاد الناس على سماع التصريحات الرنانة التي يميل المسئولون فيها إلى المبالغة في وصف “الدور الحيوي” للبحرين في السياسة الأمريكية بالمنطقة. فهذا الدور الحيوي، كما يقال لنا مراراً وتكراراً، قد تكرّس من خلال مشاركة البحرين على مدى العقود الماضية في عمليات عسكرية متنوعة تحت قيادة الولايات المتحدة في الخليج العربي والمحيط الهندي وخليج عدن.ا
يتضح لمن يتابعون وسائل الإعلام المحلية أن الملك يعتبر بلاده قوةً إقليمية ذات دور حيوي. وتأكيدًا على هذه المشاعر الملكية، أعاد المشير التذكير بالأوامر الملكية لقوات الدفاع البحرينية بمواصلة الاضطلاع بـ”دورها الحيوي في صون السلم والأمن الدوليين… في مكافحة الإرهاب، ومكافحة القرصنة في المحيط الهندي، وإجراء عمليات مراقبة بحرية في إطار قرارات الأمم المتحدة، وتأمين خطوط إمداد الطاقة العالمية، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والمشاركة الفعالة في مهام الإغاثة والعمل الإنساني”. (صحيفة الأيام، 5 فبراير 2026).أ
المدنيون في البحرين أصبحوا دروعاً بشرية للقاعدة الأمريكية
عشية الحرب على إيران، بدا واضحاً أن ملك البحرين ونظامه واثقان تمام الثقة بتطمينات ترامب ونتنياهو بأن الحرب المتوقعة مع إيران ستكون سريعة وحاسمة. فلذلك إقتصر إهتمام الملك ونظامه على تكديس الأسلحة والمعدات العسكرية وأهملا تماماً مسؤوليتهما في وضع استراتيجية فعّالة لحماية المدنيين من التداعيات المحتملة لأي نزاع عسكري قد تشارك فيه القوات الأجنبية المتمركزة في البحرين.ا
ويبدو من متابعة ما تتعرض له البحرين من تداعيات الحرب الدائرة الآن أن إهمال الملك ونظامه قد يرقى مستوى إعتباره إجراماً بحق البحرين وأهلها بعد أن سمحا للولايات المتحدة (وإسرائيل) أن تستخدما بلادنا كنقطة من نقاط انطلاق المغامرة العسكرية المستمرة.ا
فبملاحظة الخصائص الديموغرافية والجغرافية الأساسية للبحرين، يتبين أنها ستعاني من عدة نقاط ضعف في أي مواجهة عسكرية. فبسبب صغر مساحتها، يمكن تحديد مواقع جميع المعسكرات والمنشآت التي تستخدمها قوات الدفاع البحرينية وتلك المخصصة للقوات العسكرية الأمريكية والبريطانية المتمركزة في البلاد. فجميعها تقريبًا يقع بجوار مناطق سكنية.ا
تبعد قاعدة الجفير (التي تضم كما ذكرتُ القيادة المركزية الأمريكية، والأسطول الخامس الأمريكي، وقوات الدعم البحري البريطانية) مسافة تقل عن كيلومترين عن منطقتين مكتظتين بالسكان في العاصمة هما العدلية والجفير. يسكن في هاتيْن المنطقتيْن مواطنون ومغتربون، كما تضمان عددًا كبيرًا من الفنادق والمباني السكنية المفروشة والمقاهي والمطاعم والحانات.
تلك المسافة القصيرة نفسها تفصل المناطق السكنية عن معظم المرافق الحيوية والاستراتيجية في البلاد، مثل مصفاة النفط في جزيرة سترة أو معامل البتروكيماويات في الجزيرة نفسها.ا
من جهة أخرى، تزداد التأاثيرات السلبية للكثافة السكانية في البحرين وصغر مساحتها بسبب إهمال السلطة للتخطيط الإستباقي وعدم سعيها لتوفير التجهيزات والبنى التحتية التي يمكن أن تخفف على المدنيين تداعيات الحرب المتوقعة. فحين تكون البلاد غيرمستعدة بشكل كافٍ سيعاني المدنيون فيها معاناة شديدة إذا تعرضت لهجوم من عدو يائس، بغض النظرعن مدى تطور أسلحته أوعدم دقة تقنيات التهديف لديه. ا
وفوق كل ما سبق، رأينا بعد إندلاع الحرب الأخيرة في 28 فبراير/شباط كيف تهاونت السلطات المعنية في إرشاد المدنيين إلى ما يمكنهم الإستفادة منه لتخفيف معاناتهم. ولذلك إنقضت عدة أيام حرجة بعد إندلاع الحرب قبل أن تعلن تلك السلطات عن أسماء ومواقع ثلاثة وثلاثين مدرسة ومركز تجاري تم تخصيصها على عجل ودون تأهيل لتكون ملاجئ مفتوحة للمدنيين. فهذا العدد ليس سوى ذلك جزء صغير جداُ من الملاجئ ومراكز الإيواء التي تحتاجها البلاد. فوفقاً للمصادر الرسمية، تبين أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين يمكن إيواؤهم في تلك المواقع يقل عن 26 ألف شخص من بين عدد سكان البلاد الذي يتجاوز مليونًا ونصف المليون نسمة. (خليج تايمز 16 يونيو 2026). ا
لكل هذه الأسباب، تبقى الشكوك قائمة بشأن التصريحات المتباهية التي يطلقها الملك والمشير وغيرهم من المسئولين عن استعداد البحرين للمشاركة في حرب إقليمية. ا
أختم هذه الملاحظات بالإشارة إلى ما يلي:
قبل خمسة عقود، تنازل حاكم البحرين، الشيخ عيسى بن سلمان، عن استقلالنا وحقنا في تقرير المصير حين وافق على اتفاقية إيجار القاعدة العسكرية بين الولايات المتحدة والبحرين. وهو بذلك مهّد الطريق لإبنه، الملك حمد، ليقود البحرين إلى مسارٍ متهوّر وليُجبر سكانها أن يكونوا دروعاً بشرية لتلك القاعدة. الحالُ مؤسفٌ الآن، كما كان قبل خمسة عقود. لم يُستشر شعب البحرين في الحالْين، ومع ذلك عليه أن يتحمل تداعيات حرب لا يريدها.ا
#عبدالهادي_خلف (هاشتاغ)
Abdulhadi_Khalaf#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟