|
|
العائلة الحاكمة في البحرين وقبائلها
عبدالهادي خلف
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الإهتمام الدوري الذي تبديه العائلة الحاكمة بعلاقاتها القبلية وبما تتطلبه إدامة تلك العلاقات من طقوس إجتماعية وأعراف بما في ذلك ما يوثقه الإعلام الرسمي من زيارات غير منتظمة يقوم بها كبار العائلة الحاكمة لوجهاء القبائل. رغم ذلك، ليس لهؤلاء الوجهاء دورٌ سياسي يلعبونه بصفتهم هذه سوى حين يتم إستدعائهم لإعلان دعمهم للسلطة ولتأكيد ولاءهم لولاة الأمر حين تواجه تحديات داخلية أو خارجية. عدا ذلك ثمة منهم من يقوم أيضاً خدمات تزيينية من قبيل المشاركة في سباق الهجن والصقارة أو رقصة العرضة وما إلى ذلك الأنشطة الفولكلورية في الأعياد والمناسبات منذ عشرينيات القرن الماضي لم تعد صالحة المفاهيم “القبلية” لتحليل الحراك السياسي الاجتماعي في البلاد. فلقد دشنت الإجراءات الإصلاحية التي أدخلها البريطانيون، بما فيها عزلهم لحاكم البحرين عيسى بن علي، تغييرات كثيرة سرّعت تآكل الأسس التي أعطت الانتماء القبلي مفاعيله السياسية والاجتماعية
حاولت القبائل المتحالفة مع العائلة الحاكمة معارضة الإجراءات البريطانية وخاصة تلك المتعلقة بإستبدال حاكم البلاد بإبنه. إلا أن تلك المعارضة فشلت أمام الإصرار البريطاني على تنفيذه وعلى تثبيت أن مصدر شرعية الحاكم الجديد هو التأييد البريطاني له وليس شرعيته القبلية كان من نتائج السياسة البريطانية تجريد القبائل من دورها السياسي وكذلك تخليص العائلة الحاكمة من حاجتها المباشرة إلى إعتراف القبائل بسلطتها ودعمهم لإستقرار حكمها. وبذلك خسر أفراد القبائل إمتيازات كانوا يعتبرونها مستحقة بسبب مشاركتهم في غزو البحرين أوبسبب دورهم، بعد الفتح، في إدامة سيطرة آل خليفة على البلاد. وفوق ذلك، لم يعد ممكناً لهم محاولة التعويض عن تلك الخسارة بغارات النهب التي كان بعضهم يشنها على أهالي القرى. فلقد شاهدوا كيف عاقب البريطانيون قبيلة الدواسر بطردها من البحرين ومصادرة الأراضي التي إستحوذت عليها تحت غطاء الإصلاحات
وفّرالبريطانيون الحماية للعائلة الحاكمة من جهة كما تولوا، من الجهة الأخرى، الإشراف المباشرعلى تدشين “مشروع الدولة” وتنفيذ تفاصيله. فبرزت تدريجياً أجهزة حكومية وأنظمة إدارية وقانونية وصار لدى العائلة الحاكمة قوات نظامية لحفظ الأمن ولجباية الضرائب ولتثبيت سلطتها دون الحاجة إلى “الفداوية” أو غيرهم من أفراد القبائل المناط بهم تقديم خدمات أخرى. من نتائج ذلك أن العائلة الحاكمة أصبحت أقوى مما كانت عليه. فلم لم تعد سيدة بين قبائل متساوية، بل صارت سيدة مفردة على أتباعٍ عليهم تأكيد ولائهم لها كلما تقاطعت طرقاتهم معها تسارعت التغيرات جرّاء تحول العائلة الحاكمة من شريك في تحالف قبلي يتقاسم غنائم الفتح إلى صاحب عمل مباشر وغير مباشر، وإلى مصْدر للعطايا والمكرمات. فلم يعد قصر شيخ العائلة الحاكمة مفتوحاً كما كانت مفتوحة خيمة أجداده أمام شيوخ القبائل الذين تحالفوا معه في قرنٍ مضى. وصار على أفراد تلك القبائل الحليفة أن يتعودوا على الإندماج في المجتمع بالعمل والعيش مثل غيرهم من أهل البلاد أوالهجرة إلى المناطق التي تسكنها فروعٌ أخرى من نفس القبيلة في شرق الجزيرة العربية
لم يدم بؤس أفراد العوائل القبلية طويلاً. فلقد ساهم تسارع التغيرات الاقتصادية والإجتماعية في العقود التالية، علاوة على إستقرار الأوضاع الأمنية الذي وفرت أسبابه الإجراءات الإصلاحية البريطانية، في إزدياد إندماج أبناء العوائل القبلية (وبناتها لاحقاً) في النسيج الإجتماعي البحريني. وإنخرط كثيرون منهم، كأقرانهم من أهل البلاد، في الأعمال الجديدة. كما وفَّرت الصناعة النفطية، منذ بدء ثلاثينيات القرن الماضي، فرص نمو أنشطة إقتصادية رديفة ومجالات عمل متنوعة بما فيها سوق العقارات والسمسرة وتهريب الذهب وغيرها من الأعمال التجارية بما فيها تجارة الترانزيت. وهذه فتحت المجال لتشغيل أعدادٍ كبيرة من سكان البلاد بمن فيهم أبناء العوائل القبلية. أما المتعلمون منهم فتوجهوا، كغيرهم من أهل البلاد، إلي الوظائف الحكومية
للأسف لا تتوافر، فيما أعرف، دراسات حول تأثيرات الأوضاع المعيشية الجديدة، وخاصة الحرمان من الإمتيازات السابقة والإضطرار إلى الإندماج ببقية السكان، على الروابط القبلية الداخلية وعلى علاقة الأفراد القبليين بغيرهم. إلا أن ما هو متوافر يؤكد إزدياد فرص الإندماج ومجالاته بين فئات المجتمع البحريني على إختلاف أصولها. وهنا قد يكفي أن أشير إلى ثلاثة أمور. أولها هو ظروف العمل التي جاءت بها الصناعة النفطية مما فرض على العمال فيها تظافر الجهود من أجل تحسين تلك الظروف. والثاني هو دور التوسع في التعليم النظامي الذي أدى إلى كسر الحواجز بين مكونات المجتمع وإلى تحويل المدارس إلى مجالات للتفاعل والنشاط السياسي والثقافي. أما الثالث فهو توسع السوق التجارية نتيجة للإستقرار الأمني ولإستعادة العائلات التجارية نشاطها بعد فترة ركود قاسية إثر أنهيار تجارة اللؤلؤ في المنطقة التي كانت عصب الإقتصاد المحلي ينعكس الإندماج الذي أتناوله هنا في جميع تفاصيل تاريخ البحرين الإجتماعي وتعرجاته منذ نهاية عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن . فلقد صارت أسماء أغلب العوائل القبلية تتجاور مع أسماء غيرها من العوائل البحرينية في أغلب مواقع النشاط الإجتماعي وفي أغلب الأحياء السكنية وفي الأسواق وفي الملاعب وفي غيرها بل وحتى في المعتقلات وزنازن التعذيب، وفي المنافي. وصرنا نجد بعض تلك الأسماء القبلية بين قوائم أسماء الفقراء سكنة الأكواخ المبنية من سعف النخيل في الحورة وسلماباد على سبيل المثال، وهم يطلبون المساعدة بعد حرق أكواخهم. وتتشابك تلك الأسماء أيضاً بين المحتجين المشاركين في الاضرابات العمالية أوالمظاهرات ممن تعتقلهم قوات أمن تحت قيادة أبناء عمومة او خؤولة أولئك المحتجين وفي فترة لاحقة، أي في السنوات الأولى بعد تأسيس الحرس الوطني (قوة الدفاع حالياً) تجاورت تلك الأسماء في قوائم العسكريين المفصولين من الخدمة بسبب الشك في ولائهم، أو بسبب صدور أحكام بسجنهم لسنوات طويلة إلى حد المؤبد بتهمة إنخراطهم في “خلايا” أُتهمت بالتخطيط لقلب نظام الحكم. وسيجد من يراجع السجلات المتفرقة لأسماء المعتقلين والممنوعين من السفر والمنفيين من نشطاء الحركات الوطنية والعمالية والطلابية طيلة سبعة عقود مضت سيجدون إختلاط أسماء العوائل القبلية، مثل النعيمي والبنعلي والذوادي وسند والشملان واللحدان والزياني والعسيري ومطر والعجاجي والذكير وبوعلاي والمضحكي والبوفلاسة وغيرها، مع أسماء عوائل بحرينية أخرى، مثل شبر ومرهون وغلوم.
بالمقابل تتجاور اٍسماء أغلب هذه العائلات في السجلات التي تحفظ أسماء من رتبت لهم جبهتا التحرير والشعبية السريّتان بعثات دراسية مكنتهم ومكنتهن من الحصول على الشهادات العالية في مختلف التخصصات من جامعات ومعاهد الإتحاد السوفياتي وبقية بلدان المعسكر الإشتراكي وكوبا من جانبٍ آخر لابد لي من الإشارة هنا إلى أن من يراجع تلك السجلات على إختلافها سوف لن يجد أسماء بعض العوائل القبلية في قوائم المشاركين في أيٍ من تلك الأنشطة والحراكات التي ذكرتها. وهذا سلوك لا يختلف عن سلوك بعض العوائل الأخرى من سلالة شبر ومرهون وغلوم التي نأت بنفسها عن المشاركة في أي نشاط يشكك في ولاء أفرادها للعائلة الحاكمة.
بدأت مسيرة الإندماج الوطني في التباطؤ، وإن لم يتوقف، في نهاية ستينيات القرن الماضي حين بدأ التحضير للإستقلال. فلقد تبين لبريطانيا أن لا قدرة لها على إدامة بقائها في الخليج رغم العروض السخية التي تلقتها لكى تبقى. عندها ثبت لحكام الخليج أن لا مفر لهم من الإستقلال وأن عليهم تدبير أمورهم. شهدت فترة التحضير لإعلان إستقلال تحديثاً في الإدارات الحكومية تتطلب توظيف أعداد كبيرة مما جعل الحكومةَ عشية الإستقلال تحلُ في محل شركة النفط كأكبر مستخدم في البلاد. كما شمل التحضير لإعلان الإستقلال إنشاء ما أصبح فيما بعد قوة دفاع البحرين وكذلك توسيع جهازيْ الشرطة والأمن. فتحت قوة الدفاع والأجهزة الأمنية مجالات العمل أمام كثيرين من أبناء وبنات العوائل القبلية فيما يشبه إستعادتهم لوظيفة “الفداوي”الذي فقدها أجدادهم قبل أربعة عقود إستمر بعد الإستقلال إهتمام العائلة الحاكمة بإعطاء الأفضلية في التعيين في القوات المسلحة والقوى الأمنية لأبناء وبنات العوائل القبلية. إلا أن من الملاحظ أن ذلك لم يترافق مع تمكينهم من إستعادة دور الشريك الذي كان يلعبه أجدادهم. بل يمكن المجازفة بطرح زعميْن. أولهما أن تلك الأفضلية أصبحت محاطة بحذر شديد في السنوات الأخيرة وخاصة منذ إندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة مع قطر في صيف 2017. أما الزعم الثاني فيتمثل في أن العائلة الحاكمة بدأت تسعى حثيثاً لإيجاد بدائل دائمة تخفف من إعتماد العائلة الحاكمة على أبناء وبنات العوائل القبلية في صفوف قوة الدفاع والحرس الوطني وأجهزة الشرطة والأمن. سأتوقف قليلاً لتسجيل ملاحظة أن أحداً لم يتوقع أن تندلع الأزمة الخليجية الأخيرة في 2017، ولا أن تستمر لأربع سنوات. ولم يكن متوقعاً أن تتصاعد المناكفات الدورية بين حكام الخليج بالشكل الذي تصاعدت عليه بحيث وقفت المنطقة أمام خطر داهم يتمثل بقيام قوات “درع الجزيرة” بمهاجمة قطر لإستبدال حاكمها. على هامش تلك الأزمة برزت مشكلات حياتية متعددة الأوجه عانت منها عوائل قبلية في بلدان الخليج العربي كافة. إلا أن المعاناة كانت أشد بين العوائل القبلية البحرينية التي لها إمتدادت مباشرة في قطر قطعت السلطات في البحرين علاقاتها الديبلوماسية مع قطر وإغلقت حركة الطيران معها وإقفلت مياهها الإقليمية أمامها. وفوق ذلك إتخذت عدداً من القرارات العبثية التي لم تميز بين شعب قطر وحكومتها. بل أن بعض تلك القرارات كان إنتقامياً إلى درجة الفجور في الخصومة مثل إعتبار “التعاطف مع قطر” عبر وسائل الإتصال الإجتماعية جريمة تعرِّض مرتكبها إلى السجن لمدة خمس سنوات والغرامة طيلة تلك الأزمة تجاهلت السلطة في البحرين حقيقة أن لغالبية العوائل القبلية التي ينحدر منها عددٌ كبير من ضباط وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية البحرينية إمتدادات مباشرة وحميمة في قطر. بل أن الاسر المشتركة القطرية-البحرينية تزايدت بعد الطفرة النفطية بسبب سهولة التواصل بين البلدين وبسبب هجرة البحرينيين إلى الدوحة تحت إغراء الأفضلية في التعيين وبسبب وفرة الأعمال وإرتفاع الرواتب والإمتيازات الوظيفية عن مثيلاتها في البحرين.
-2-
ثمة إمتيازات مباشرة وغير مباشرة يتمتع بها وجهاء العوائل القبلية وحواشيهم. ولكنهم يتعرضون إلى الإبتزاز عبر التهديد بإلغاء تلك الإمتيازات. ولهذا لا حاجة للتذكير بأنها ليست المرة الأولي التي تمارس السلطة فيها هذا الشكل الإبتزاز الذي تتعرض له العوائل القبلية المقيمة في البحرين. ا إحدى المرات السابقة حدثت أيضاً في 2014 و ترافقت مع ضجيج إعلامي بعد أن إعتقلت السلطة مواطناً ينتمي لقبيلة الجلاهمة (التي ينتمي أفرادها لعدة جنسيات خليجية) بتهمتيْ “التحريض على كراهية النظام” و”الدعوة إلى الهجرة من البحرين”. ولم يُطلق سراح ذلك المعتقل إلا إثر حملة إحتجاجات قوى سياسية محلية وتدخلات وجهاء القبيلة في البحرين والكويت. إلا أن الخلاف بين العائلتين الحاكمتين بقيَ على أشده مما أدي في صيف تلك السنة نفسها إلى سحب البحرين سفيرها من الدوحة إحتجاجاً على قيام قطر بتجنيس “أفراد بعض العوائل البحرينية من خلال إغرائهم بالحصـول على بعض المزايا”. ولتأكيد جدية القضية أدلى وزير الخارجية البحريني السابق بتصريح أوضح فيه أن حكومته تعارض الجهود القطرية لسببيْن أولهما أمني ويتمثل في “محاولة إفراغ البحرين من أهلها”، والثاني هو أن قطر تتعامل مع موضوع التجنيس “على أساس مذهبي، إذا كان (الشخص) سنيّاً من قبائل عربية من أهل البحرين فالباب مفتوح، وإذا كان شيعيّاً فالباب أمامه مغلق”. (“البحرين تلوم قطر على تجنيس انتقائي لمواطنيها.”جريدة العرب 8/8/2014)ا
كان مستغرباً وقتها توجيه ذلك الإتهام بتجنيس مواطني دولة أخرى إلى قطر وهي التي ضربت واحداً من أسوأ الأمثلة على تلاعب العوائل الحاكمة في الخليج بموضوع الجنسية. فقبل تصريح الوزير البحريني بعشر سنوات قامت الحكومة القطرية بتجريد بضعة آلاف مواطن ينتمون إلى قبيلة المري (الغفران) من جنسيتهم القطرية بحجة احتفاظهم بجنسيات أخرى.ا
طيلة فترات تأزيم العلاقات البحرينية – القطرية تعودت السلطة البحرينية أن تتجاهل وبإصرار ً حقيقة أن العوائل القبلية البحرينية هي الجزء الأصغر عدداً، وربما الأهون سياسياً، من أفخاذِ وفصائل لقبائل أكبر يعيش بعضها في أكثرمن بلد خليجي. وهذا أحد أسباب حاجتها للتواصل الدائم مع إمتداداتها القبلية في الدول الأخرى. في كتابه “مجتمع البحرين ,أثر الهجرة الخارجية في تغير بنائه الإجتماعي”(1977) نشر الدكتور فيصل الزياني مسحاً ميدانياً قام به لما سمّاه “الوجود القبلي في البحرين”. في الكتاب عدّد الزياني أسماء سبعة وعشرين قبيلة إستقرت في عشرين قرية بالإضافة إلى تلك الأسر إالتي إستقرت في بعض أحياء مدينة المحرق فسُميت تلك الأحياء بإسمها. ا
من يهتم بالتدقيق في الأرقام قد يأتي برقمٍ أكبر أو أصغر من تلك التي نقلتُها من كتاب الدكتور الزياني لأرقام القبائل البحرينية والقرى التي يسكنونها. فظروف المعيشة في منطقتنا في تلك السنوات كثيراً ما كانت تتطلب الإنتقال الجماعي من مكان لآخر بحثاً عن الرزق أو الأمان. ويالإضافة إلى ذلك فإن صغر مساحة البحرين وضعف مواردها يجعل الحاجة للإنتقال منها إلى قطر أو إلى مناطق أخرى في الساحل الشرقي للجزيرة العربية أمراً إعتياديا بل وجزءً من إرثنا التاريخي الذي يتيح لمن هاجروا العودة إلى مرابعهم في البحرين عندما تتحسن الأحوال. ولقد رأينا توسعاً لهذا النهج في بداية العهد الملكي في البحرين حين عملت السلطة على إعادة الجنسية البحرينية لمن رغب من القبائل التي هاجرت او هُجرت من البحرين بعد إزاحة عيسى بن علي.ا
في كل الأحوال، تحتاج الأرقام التي ذكرها الدكتور فيصل الزياني إلى مراجعة وتحديث. وقد يستفيد الباحثون/الباحثات مما نشره وينشره مركزالالإتصال الوطني والديوان الملكي ومختلف وسائل الإعلام الرسمية من برقيات و إعلانات الولاء للملك. (ولتخفيف الجهد على الباحثين والباحثات، ربما، أعلنت وزارة الإعلام أنها ستتولى وضع سجلٍ لتوثيق وحفظ وثائق الولاء والتأييد). من سيدرس مدلولات ما سيحتويه “أرشيف وثائق الولاء والتأييد” قد يستفيد من الصورالتي يضيفها وجهاء القبائل حديثة الإقامة في البحرين ضمن وثيقة ولاءهم. ففي بعضها يرى الناظر أن عدد أفراد القبيلة في البحرين لا يزيد عن عدد أصابع اليديْن وفي بعضها الآخر قد يصل العدد إلى العشرات بمن فيهم أطفال صغار يمتثلون لأولياء أمورهم فيوقعون الوثيقة
ما هو منشور حتى الآن يشير إلى أن عدد “القبائل” في البحرين إزداد فأصبح أكثر من ضعفيْ الرقم الذي سجّله الدكتور فيصل الزياني. وسياحظ المهتم أن أغلب الأسماء في إعلانات الولاء ووثائقه تعود لقبائل جديدة لم تسكن البحرين قبل العهد الملكي. ا نعم سمعنا من قبل ببعض تلك الأسماء حين إتجهت السلطة في البحرين بعد حل المجلس الوطني في 1975 إلى بوادي الأردن والعراق واليمن وسوريا لإستقدام عناصر وخبرات تحتاجها في قوة الدفاع والحرس الوطني وقوى الشرطة والأمن. وقتها ظنّ كثيرون أن هذا إجراء مؤقت أو إنه مجرد محاولة أخرى لإيجاد توازن عددي بين السنة والشيعة في البلاد. إلا أن آخرين شككوا في الأمر وإدّعوا أن هذا جزءٌ من تحوير لمشروعٍ فضحه “تقرير البندر” يهدف لإعادة هندسة المحتمع في البحرين بحيث تصبح جميع مكوناته، بمن فيهم الشيعة البحارنة والسنة القبليين، كغيرهم من السكان أي أقليات متناثرة كقطعٍ في لوحة فسيفساء من الهويات الفرعية التي تتحكم فيها يدُ العائلة الحاكمة. ا
تجدر الإشارة إلى أن الأعراف القبلية السائدة تعطي لكل قبيلة وأفخاذها مرتبةً ضمن تراتبية تحكمها عدة عوامل منها دورها كقبيلة أو أحد أفخاذها في المعارك التي سبقت أو تلت “فتح البحرين” وتقلبات ذلك الدور. ومنها أيضاً علاقات المصاهرة التي تربطها بكبار رجال العائلة الحاكمة ومنها أيضاً إمتداداتها في بلدان الخليج الأخرى. كما يقرر مكانتها ضمن التراتبية القبلية أيضاً إرثها من مخلفات تاريخ من الغدر المتبادل والتنازع والتقاتل بين الأطراف التي تشير إليها عبارة “آل خليفة والقبائل المتحالفة معها”. ا
يذكر النهباني في تحفته تفاصيل كثيرة (الصفحات 123-196) تأسس عليها ذلك الإرث الدفين. وهي تفاصيل تشير إلى هشـاشـة التحالفات القبلية وعدم ثباتها ليس بين العائلة الحاكمة وحليفاتها بل ضمن العائلة الحأكمة نفسها. فمنذ فتح البحرين في 1783 شهدت التحالفات القبلية في البحرين تقلبات في ولاء القبائل. بعض تلك التقلبات دفعت العائلة الخليفية للإسنتجاد بقوى إقليمية كحاكم مسقط سلطان بن أحمد أو أمير نجد سعود بن عبدالعزيز وحتى حاكم أمارة فارسية إسمه الشيخ جبارة. ( النبهاني ص 134).ا لستُ مؤهلاً للخوض في هذه المواضيع وما يرتبط بها. وفوق ذلك فإن البحث فيها يحتاج إلى موارد لا تتوافر إلا لمراكز بحثية كبرى.
إلا أن من الواجب التأكيد على أن تقلبات الولاء القبلي إرتبط بخلافات داخل العائلة الحاكمة نفسها حول مغانم الفتح بما فيها الخلافات حول من يحكم البلاد. وهي خلافات لم تنقطع طيلة أكثر من 65 سنة بعد فتح البحرين. أغلب تلك الخلافات كانت تحل بالتقاتل وتنتهي حين يُقتل الحاكم أو من تصدى لمنافسته. طيلة تلك الفترة كانت القبائل تقاتل مع هذا الفريق ضد ذاك . وحين ينهزم من تناصره القبيلة ينقلب ولاءها أو تهاجر إلى منطقة أخرى.ا أدى إستمرار تلك الخلافات والغزوات المتبادلة إلى إنزعاج بريطانيا التي وضعت يدها على منطقة الخليج برمتها. وقتها إ تخذ البريطانيون عدة إجراءات لتعميم الهدوء في المنطقة. وكان من بين تلك الإجراءات نفيهم لحاكم البحرين وقتها وإستدعائهم إبن أخيه، أي عيسى بن علي، من الزبارة لتنصيبه حاكماً في 1869. وكادت الخلافات القديمة أن تتكرر بعد أن قرر البريطانيون إزاحة المذكور وتنصيب إبنه حمد في 1923 لولا القرارات التعسفية والحاسمة التي إتخذها البريطانيون ضد أنصار عيسى بن علي.
أختم هذه الملاحظات بالعودة إلى تصريح وزير الخارجية السابق الذي اُشتهر بتصريحاته غير المتّزِنة لملاحظة أن ما قاله ورَد لاحقاً على لسان غيره من المسئولين. عكست التصريحات من جهة، عجز مؤسسات مجلس التعاون الخليجي وتخبط عائلاتها الحاكمة في محاولاتها تأكيد شرعيتها بوسائلها التقليدية. كما أنه، من جهة أخرى، جلب الإنتباه إلى القلق المزمن في جميع بلدان المنطقة وفي البحرين خصوصاً من الهشاشة السكانية فيها. فهل حقاً يمكن تخفيف ذلك القلق ناهيك عن معالجة أسبابه البنيوية بتجريم إبدال مواطن لجنسيته؟ وهل حقاً سيكون إبدال جنسية مواطن أو حتى بضع عشرات من المواطنين لجنسياتهم كسباً لدولة خليجية وخسارة لإخرى بل تهديداً أمنياً لها ومحاولة لفرض تغيير ديمغرافي فيها؟ ثم، أليس من حق السلطات القطرية أن تفعل بالضبط ما تفعله السلطة في البحرين، أي إعطاء الأفضلية للأفراد من العوائل القبلية؟ا تعيدني هذه الأسئلة وتفرعاتها إلى المعضلة التي سماها بسام الطيبي بـ “تزامن ماهو غير متزامن” (1990) وشرحتها في كتاب “المهمة غير المنجزة”. وهي ذات المعضلة التي تعاني منها جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي إلا أنها تبدو أكثروضوحاً في البحرين.ا تتلخص المعضلة في جهود السلطة إلى فرض تزامن نمطيْن من أنماط الحكم لكلٍ منهما جذور راسخة في مرحلة تاريخية مختلفة. أحدهما تطور لتنظيم ممارسة السلطة والحكم في عصورهيمنة الإقطاع والعلاقات الإقطاعية. وثانيهما نمطٌ تطور لمواجهة متطلبات الحداثة وبناء الدول الوطنية الحديثة.ا
في البحرين، كما في بقية بلدان الخليج العربي، يصّرُ الحاكمُ على ممارسة الحكم إستناداً على النمطيْن وقتما يشاء وكيفما يشاء. لذلك نرى الملك يتصرف، شاهر ظاهر، على سنة أجداده كشيخ قبيلة مستبد يستند إلى الأعراف القبلية ويحتكم إليها ليقود قبيلته مستنداً إلى قاعدة من القبائل والأفراد الذين يعلنون الولاء له. وحين تتصاعب الأمور عليه أو حين تعانده قاعدته القبلية نراه يعمل جاهداً على إستكمالها وحتى إستبدالها بقاعدة قبلية جديدة أشد طوعاً. حين يلعب ْ دور الشيخ المستبد يتجاهل كل تعهداته ووعوده وحتى الإلتزامات التي تفرضها الأعراف. فلا غَرْوْ أن نراه يعاقب مواطناً لأنه أراد تغيير جنسيته ويعاقب مواطناً آخر بتجريده من جنسيته. وفي الوقت نفسه وفي مجالات آخرى يلعب دور الحاكم العصري المستنير مؤكداً إلتزامه بدستور مكتوب ويدعي إحتكامه إلى التشريعات الدستورية في دولةً حديثة تضمن لمواطنيها المساواة وتوفر لهم أسباب الولاء لها. ا عوضاً عن حل هذه المعضلة أو محاولة تجاوزها، أصبح تزامن ما لا يتزامن قاعدة من قواعد الحكم في منطقتنا وإسلوباً مفضلاً للتعاطي مع الأزمات. بحيث أصبح الحاكمُ، كما هو حال البحرين وخاصة في العهد الملكي، يحمل سيفيْن: سيفَ القبيلة وسيفَ الدولة الحديثة ليضرب بأحدهما حسب مقتضي الحال.
#عبدالهادي_خلف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بشائر التغيير
-
نظرة على الدور التاريخي لأجور «بابكو»
-
ملاحظة حول ملكية دستورية حقيقية..غير مملكة غير و غير
-
البحرين : بين الجد و الهزل
-
الشهيد مزاحم عبدالحميد الشتر: اختلف فيك الطائفيون!
-
أزمة الإصلاح السـياسي في البحريْن
-
مداخلة للدكتور عبدالهادي خلف في نــدوة الامتيازات و حقوق الإ
...
المزيد.....
-
-تُبت عن أي حاجة غريبة-.. أحمد سعد يقص ضفائره أمام الكاميرا
...
-
معاهدة صداقة -تاريخية- بين لندن وبرلين... طوي صفحة بريكست؟
-
عقد على بريكست: تقارب جديد بين برلين ولندن يبدد إرث الانفصال
...
-
روبيو: لا يحق لأي دولة فرض رسوم العبور في مضيق هرمز
-
مشاهد صادمة تثير غضب المصريين بعد الفوزعلى نيوزيلندا.. ماذا
...
-
أردوغان: تركيا وبولندا تؤيدان التوصل إلى تسوية سلمية عاجلة ف
...
-
-إفريقيا قارة المستقبل- – ناميبيا
-
الكشف عن هوية منفذ هجوم مكتبة كاليفورنيا -المأساوي والصادم-.
...
-
رحلة البشر لتخفيف الألم.. بين الإيبوبروفين والباراسيتامول
-
قرار دولي لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد قوات حفظ السلام الأممية
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|