أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع المستقبل قراءة في القيم الإيجابية ودروس الإخفاقات في بناء الشخصية الجماعية















المزيد.....

الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع المستقبل قراءة في القيم الإيجابية ودروس الإخفاقات في بناء الشخصية الجماعية


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 06:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة منهجية
إن الحديث عن هوية جماعية لشعوب المرتفعات الجبلية في زاغروس والهلال الخصيب«ميزوبوتاميا» لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه بحثاً عن صفات ثابتة أو خصائص عرقية موروثة، بل بوصفه محاولة لفهم منظومة من القيم والتجارب التاريخية التي تشكلت عبر قرون طويلة في بيئة جغرافية وسياسية شديدة التعقيد، عند ملتقى إمبراطوريات ودول متعاقبة.
فقد عاشت هذه المجتمعات، على اختلاف تسمياتها عبر العصور، تحت تأثير قوى إقليمية كبرى، وتعرضت لغزوات وتحولات ديموغرافية وثقافية عميقة. ومع ذلك استمرت أشكال متعددة من الهوية المحلية واللغة والروابط الاجتماعية في مناطق واسعة من هذا الفضاء الجبلي «ميزوبوتاميا». من هذا الواقع يمكن استخلاص قيم تاريخية ينبغي ألا تتحول إلى مجرد مفاخرة بالماضي، بل إلى عناصر عملية في بناء هوية جماعية حديثة، منتجة لا مستهلكة للذاكرة.

أولاً: قيمة الصمود ومحدودية اختزالها في البعد العسكري
يمثل الصمود إحدى أبرز السمات التي يمكن استخلاصها من تاريخ هذه المجتمعات، التي حافظت رغم تعرضها المتكرر للغزو والتقسيم ومحاولات الاستيعاب الثقافي على قدر مهم من هويتها الاجتماعية واللغوية. غير أن هذه القيمة لا ينبغي اختزالها في المقاومة المسلحة؛ ففي العصر الحديث قد تكون المقاومة الثقافية والمعرفية والمؤسساتية أكثر جدوى من المقاومة العسكرية: حماية اللغة، وتطوير التعليم، وتوثيق التاريخ بمنهج علمي، وبناء المؤسسات، كلها أشكال من الصمود الحضاري الذي لا يستنزف المجتمع بل يراكم قدرته.
الدرس المستخلص: ينبغي أن تُقاس قوة أي جماعة بقدرتها على تحويل الصمود إلى مؤسسات وتنمية ومعرفة، لا بمجرد قدرتها على تحمّل الضغط.
ثانياً: الريادة الحضارية القديمة كمرجعية للإنتاج لا للتفاخر
ترتبط منطقة زاغروس والهلال الخصيب بأقدم البيئات التي شهدت تطور الزراعة والاستقرار البشري. وتشير الأدلة الأثرية والجينية الحديثة إلى أن الزراعة نشأت في هذه المنطقة قبل نحو عشرة آلاف عام في منطقة بين جنوب شرق الأناضول وإيران والعراق وسوريا، وهي المنطقة التي تُعرف تقليدياً بالهلال الخصيب، وأن جبال زاغروس شهدت على وجه التحديد أقدم الأدلة المعروفة على تدجين الماعز، إلى جانب أدلة على ممارسة الزراعة المبكرة في سفوحها. كما تؤكد دراسات أخرى أن سفوح زاغروس شهدت أقدم مؤشرات على زراعة الحبوب والبقوليات وتربية الحيوانات، ضمن فترة زمنية تعود إلى ما بين 11700 و8400 سنة قبل الميلاد.
كما شهدت المنطقة قيام كيانات سياسية قديمة مهمة، من أبرزها الدولة الميدية، التي أسهمت إلى جانب البابليين في إسقاط العاصمة الآشورية نينوى سنة 612 قبل الميلاد، في واحدة من أكبر التحولات الجيوسياسية في تاريخ الشرق الأدنى القديم. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإرث لا تكمن في تحويله إلى مصدر للتفاخر القومي، بل في استعادة فكرة أن مجتمعاً كان قادراً على الابتكار والتنظيم في الماضي قادر أيضاً على بناء مستقبله بالعلم والمؤسسات.
الدرس المستخلص: نقل مركز الثقل من تمجيد الماضي إلى إنتاج المستقبل، عبر التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والزراعة الحديثة وبناء رأس المال البشري.
ثالثاً: التحالف بوصفه منهجاً سياسياً لا حدثاً تاريخياً معزولاً
تكشف التجارب التاريخية أن القوى الصغيرة أو المتوسطة نادراً ما تحقق أهدافها الكبرى بالمواجهة المنفردة مع القوى الإقليمية والدولية. ويُستشهد في هذا السياق بتحالف الميديين والبابليين ضد آشور، إذ يذكر السجل التاريخي أن الملك الميدي سياخارس أبرم مع الملك البابلي نابوبولاصر معاهدة تحالف رسمية بعد الاستيلاء المشترك على مدينة آشور، جرى توثيقها في الوقائع البابلية، وهو تحالف أسهم في إسقاط نينوى عام 612 ق.م وإنهاء الهيمنة الآشورية على الشرق الأدنى القديم.
غير أن الدرس الأهم ليس في التحالف ذاته، بل في المنهج السياسي الذي يمثله: تحديد المصالح بدقة، ومعرفة موازين القوى، وإدراك حدود الإمكانات الذاتية، واختيار الشركاء على أساس المصالح المشتركة لا العواطف.
الدرس المستخلص: التحالف ليس تنازلاً عن الهوية، والعلاقات الدولية لا تُدار بالعاطفة وحدها؛ بناء شراكات إقليمية ودولية متوازنة يُعد أحد أهم عناصر القوة لأي جماعة سياسية صاعدة.
رابعاً: الجغرافيا كرأس مال استراتيجي لا رابطة عاطفية فقط
كانت الطبيعة الجبلية لهذا الفضاء عاملاً مؤثراً في تشكيل المجتمعات المحلية وقدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقلال الاجتماعي والثقافي. لكن هذه الجغرافيا يمكن أن تتحول في العصر الحديث إلى عنصر تنموي واستراتيجي: المياه، والزراعة، والطاقة، والموقع الجغرافي، والتنوع البيئي، والممرات التجارية، جميعها عناصر قابلة للتحويل من معطيات طبيعية إلى رأس مال استراتيجي فعلي.
الدرس المستخلص: يجب أن يتحول الارتباط بالأرض من رابطة رمزية إلى سياسات ملموسة لحماية الموارد والبيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
خامساً: الأعياد والرموز الجامعة بين التوظيف السياسي والحذر العلمي
تحتل بعض الأعياد الموسمية، وفي مقدمتها احتفالات رأس السنة الجديدة (نوروز)، مكانة بارزة في الذاكرة الثقافية لشعوب هذه المنطقة، وقد اكتسبت في العصر الحديث أهمية خاصة بوصفها مناسبة للتعبير عن الهوية والانتماء والذاكرة الجماعية، لقدرتها على تجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية وتحويل الذاكرة الثقافية إلى مساحة مشتركة.
غير أن التعامل مع تاريخ هذه الرموز يستدعي حذراً علمياً؛ فهناك اختلافات واسعة بين الروايات المتعلقة بأصولها وتطورها التاريخي، ولا يمكن التعامل مع بعض الروايات القومية المتداولة على أنها حقائق قطعية مثبتة.
الدرس المستخلص: تحتاج أي هوية جماعية معاصرة إلى رموز جامعة تتجاوز الانقسامات الداخلية، شريطة تقديمها بوصفها تراثاً ثقافياً مشتركاً لا أداة للصراع الداخلي.
سادساً: مكانة المرأة بين الاستدلال التاريخي والحاجة المعاصرة
تُظهر بعض الأدبيات المتعلقة بمجتمعات زاغروس وبلاد الرافدين القديمة أدواراً مهمة للمرأة في مراحل تاريخية مختلفة. غير أن من الضروري تجنّب إسقاط المفاهيم المعاصرة للمساواة بين الجنسين بصورة مباشرة على مجتمعات قديمة ذات بنية اجتماعية مختلفة جذرياً عن الدولة والمجتمع الحديثين. والاستفادة من هذا التراث لا تحتاج إلى إثبات "تقدّم" تاريخي مطلق في حقوق المرأة، بل إلى الإقرار بأن المجتمعات المعاصرة في هذا الفضاء تمتلك مبررات تاريخية واجتماعية كافية لتعزيز دور المرأة اليوم.
الدرس المستخلص: تمكين المرأة في التعليم والاقتصاد والسياسة ليس استجابة لضغط خارجي، بل ضرورة لبناء مجتمع أكثر إنتاجية وتماسكاً وقدرة تنافسية.
خاتمة: من الذاكرة إلى المشروع
إن القيمة الحقيقية لهذا الإرث التاريخي لا تكمن في إثبات أن هذه الشعوب كانت دائماً على حق أو أنها امتلكت حضارة متفوقة على غيرها، بل في استخراج الدروس التي تساعدها على صناعة مستقبلها. ويمكن اختزال المنظومة الإيجابية لهذه الهوية الجماعية في ستة عناصر: الصمود، والبناء، والتحالف، والارتباط بالأرض، والرموز الجامعة، وتمكين الإنسان.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ حين ننتقل من مستوى القيم إلى مستوى المؤسسات. فالهوية الجبلية المستقبلية لا ينبغي أن تكون هوية مقاومة للآخر فحسب، بل هوية منتجة للمعرفة، قادرة على بناء المؤسسات، واقعية في السياسة، منفتحة على العالم، متمسكة بخصوصيتها، وقادرة على تحويل الجغرافيا والتاريخ إلى قوة تنموية واستراتيجية. والمطلوب، في نهاية المطاف، ليس أن تبقى هذه الشعوب شاهدة على تاريخها، بل أن تصبح صانعة له.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تكره الشعوب بعضها بالفطرة؟ العداء الأهلي بين البنية السيا ...
- الانتماء الحي نحو تأسيس دينامي لشرعية الجماعة السياسية بين ح ...
- بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في ال ...
- قراءة في التوازن الإقليمي والاستراتيجية المستقلة: رد على أطر ...
- أسطورة التجانس القومي: التعددية الفلسفية والدستورية في بنية ...
- تشكُّل القومية الآشورية المعاصرة: بين الهندسة الاستعمارية وا ...
- دراسة أكاديمية موسعة: كورد خراسان (التاريخ، الديموغرافيا، ال ...
- الإطار المنهجي لاختبار نظرية الشراكة الدستورية في التجارب ال ...
- ما بعد -الدولة القومية والإيديولوجيا: زيارة بارزاني لدمشق وه ...
- من احتواء التنوع إلى إعادة صياغة الشرعية: نظرية الشراكة الدس ...
- حتمية الجغرافيا ووهم التحالف التكتيكي: قراءة أكاديمية في الق ...
- إدارة التنوع وإعادة بناء الدولة: مبدأ التوازن الديناميكي بين ...
- الولاء الدستوري بوصفه حصيلة للشراكة الوطنية: دراسة تحليليّة ...
- عمر آغا شمدين وحي الأكراد في دمشق شبكة العلاقات، النضال الوط ...
- ديناميكيات الأفول الجيوسياسي: حتمية -تاريخ الصلاحية- وتفكيك ...
- المسألة الكوردية وبناء الدولة المركبة: الشراكة الدستورية كمد ...
- سوريا بين الدولة الواحدة والدولة متعددة القوميات مقاربة مقار ...
- تفكيك صدام الهويات: نظرية -الولاء المركب- وإدارة الانتماءات ...
- بين فكوك أربعة وسراب الحلفاء: المعضلة الكوردية من حطام -سايك ...
- تاريخ الصلاحية الجيوسياسي: تشريح -الدور الوظيفي- ولماذا لم ت ...


المزيد.....




- من قصر الرئاسة إلى قوائم الإعدام.. حكم غيابي بحق بشار الأسد ...
- تحليل.. إدارة ترامب تقول إن النفط يتدفق بشكل طبيعي من المنطق ...
- ترامب: طائرتي بعد التبديل السري في تركيا كانت في خطر أكبر
- كارثة بوقع أليم: -ارفع رأسك عاليا-!
- جدل في نيويورك حول سفر زوجة العمدة إلى سوريا ولبنان برفقة حر ...
- مقتل طفل ورجل وإصابة 8 آخرين في هجوم أوكراني بمسيرات على إقل ...
- واشنطن تشكر بوتين بعد العفو عن المواطن الأمريكي روبرت غيلمان ...
- الدفاع الروسية: منظومات الدفاع الجوي أسقطت 502 مسيرة أوكراني ...
- وزير التعليم العالي يشيد بجهود المكتب الإعلامي في توعية وإرش ...
- مباشر: مقتل 6 أشخاص في هجوم للحوثيين بمضيق باب المندب وواشنط ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع المستقبل قراءة في القيم الإيجابية ودروس الإخفاقات في بناء الشخصية الجماعية