أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (4-9)















المزيد.....

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (4-9)


عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني

(Abdalla Elfakki Elbashir)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 23:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، وقوله إن المفكر محمود محمد طه لم يقدم تفسيراً لأسباب تخلف السودان. ونستكمل ما تناولناه في الحلقة السابقة بشأن محور " تفسير أسباب التخلف في السودان في كتابات محمود محمد طه".

العدالة الاقتصادية ومحاربة الفقر
"ساووا السودانيين في الفقر الى أن يتساووا في الغنى"

لا يقتصر تناول المفكر محمود محمد طه لأسباب تخلف السودان على الجوانب السياسية أو الفكرية، بل يمتد إلى قضايا العدالة الاقتصادية، والتعليم، والهوية الوطنية، وإدارة التنوع الثقافي، كما سيرد لاحقاً، وهي جميعها موضوعات أفرد لها مؤلفات وبيانات وخطابات منذ خمسينيات القرن العشرين. ويُعد محمود محمد طه من أوائل المفكرين السودانيين الذين تناولوا قضية الفقر والعدالة الاقتصادية بصورة منهجية في كتاباتهم المنشورة خلال خمسينيات القرن العشرين. فقد كتب في 5 فبراير 1954، في صحيفة الجمهورية، مقالاً بعنوان: "ساووا السودانيين في الفقر الى أن يتساووا في الغنى"، وبنفس العنوان أصدر الجمهوريون كتاباً في العام 1979. وجاء في مقدمة الكتاب: "إن المقترحات الثورية التي يحملها هذا الكتاب... ". وتوضح مقدمة الكتاب أن هذه المقترحات ليست حلولاً ظرفية فحسب، وإنما مرحلة انتقالية نحو مشروع أشمل يقوم على المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويرتبط برؤية المؤلف للاشتراكية كما بسطها في الرسالة الثانية من الإسلام.
وأضافت مقدمة الكتاب في التوضيح، حيث ورد: "إننا نعلم أن معالجتنا التي نسهم بها في هذا الكتاب إنما تجرى لنظام اقتصاد رأسمالي، أردنا أن نطامن من غلوائه، وأن نجعله معبرا نحو الحل الأساسي لمصاعب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ذلك الحل الذي يقوم على نهج متكامل ذي ثلاث شعب: المساواة السياسية، المساواة الاقتصادية، والمساواة الاجتماعية".
وتكشف هذه النصوص أن محمود محمد طه لم يكتف بالإشارة إلى مشكلة الفقر، وإنما ربطها ببنية النظام الاقتصادي والاجتماعي، وطرح تصوراً لإصلاحها، وهو ما يناقض القول بأنه لم يفسر أسباب التخلف.
جدير بالذكر أن تشخيص الفقر وموضوعات تنمية الإنسان، ونهضة المجتمع، والعدالة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية من المحاور المركزية عند المفكر محمود محمد طه، وكتب وتحدث عنها كثيراً، وسيأتي ذلك ضمن محور خصصناه لتناول رؤية محمود محمد طه تجاه التنمية بالمقارنة مع رؤية البروفيسور أمارتيا سن صاحب أطروحة: التنمية حرية Development as Freedom.

نقد الإرث الاستعماري والاستعداد للاستقلال

"الشعب السوداني شعب أصيل، وأريد بذلك أن الشعب السوداني سليم المعدن، فإذا أحسن صقاله ظهرت نفاسته، ومع أن ساسته منه وهم بذلك يشاركونه أصالته إلا أن سادتهم، قد زيفوهم وأوسعوهم تزييفاً.. علموهم فأفسدوا تعليمهم وربوهم فأساءوا تربيتهم ولم تكن روح الخدمة العامة ولا روح التضحية ولا روح الوطنية الحقة عنصراً من عناصر تعليمنا ولا عاملاً من عوامل تربيتنا على يد مستعمرينا".
محمود محمد طه، 4 أكتوبر 1958

تناول محمود محمد طه خطر أثر المعرفة الاستعمارية على مستقبل السودان والدول المستعمَرة، ودعا إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد الاستقلال، وفصل في ذلك في العديد من بياناته ومقالاته ويمكن الاطلاع عليها وعلى ما يتأتي أدناه بشأنها ضمن: (عبدالله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، 2021). كما حذر من خطر المعرفة الاستعمارية وآثارها العابرة للزمان والثقافة والجغرافيا، ولخص خطرها، قائلاً: "إن الاستعمار سيخرج من الأرض ولكنه سيبقى في العقول". وأضاف، قائلاً: "إن الإنجليز قد يجلون غداً ثم لا نجد أنفسنا أحراراً ولا مستقلين، لأن الاستقلال والحرية لا تجئ إلا نتيجة للحكم الواعي الرشيد وذلك أمر لا يتفق اتفاقاً وإنما يجئ عن تعمد وتوخ ودراسة واعية". ويرى محمود محمد طه أن الاستعمار، زيَّف الساسة وأوسعهم تزييفاً، وعلمهم فأفسد تعليمهم ورباهم فأساء تربيتهم ولم تكن روح الخدمة العامة ولا روح التضحية ولا روح الوطنية الحقة عنصراً من عناصر تعليمنا ولا عاملاً من عوامل تربيتنا على يد مستعمرينا. لقد وجه محمود محمد طه نقداً باكراً وواسعاً وقوياً للسياج المعرفي الذي أحاط به الاستعمار الشعوب المستعمَرَة، عبر نوع التعليم والثقافة والاقتصاد ومختلف مجالات الحياة، لا سيما في السودان. كذلك قدم مواقف عملية في سبيل تفكيك المعرفة الاستعمارية. كما مثلت حياته في حد ذاتها نقداً للمعرفة الاستعمارية، فهو لم يكن صفوياً في مزاجه أو سلوكه، ولم يتمثل أياً من النماذج التي تمثلها طلائع المتعلمين، نموذج المثقف الإنجليزي أو نموذج الفقيه الأزهري. لقد عاش حياة بسيطة وكان منزله في حي شعبي ومفتوح لعامة الشعب وحريصاً على الالتصاق بالشارع وقضاياه. نشر الأستاذ محمود نقده في المقالات والكتب منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وذلك قبل بروز خطاب نقد الآثار الاستعمارية، مدرسة دراسات الاستعمار، ومدرسة دراسات ما بعد الاستعمار.
ويرى محمود محمد طه أن الاستقلال لا يعني مجرد تحرير الأرض بخروج المستعمر، وإنما لا يكتمل إلا بتحرير العقول، وهو ما يجعل معركة الاستقلال، في تصوره، معركة للتحرر من آثار الاستعمار الفكرية والثقافية والسياسية، وبناء وعي قادر على ممارسة الحرية والاستقلال ممارسة فعلية. فقد دعا إلى تحرير العقول والفكر السياسي بالعمل وفقاً للدراسات والمناهج العلمية في البناء والتخطيط في مختلف المجالات. ويجب أن تكون الحركة الوطنية نفسها حركة عمل منتج لا حركة تهريج وهتاف بسقوط الاستعمار ليس إلا . فقبل تأسيس الحزب الجمهوري في أكتوبر 1945، الذي أصبح رئيسه، دعا إلى تحرير الفكر السياسي ومناخه من الثنائية التي غرسها الاستعمار وتعمقت مع قيام الأحزاب السودانية، حيث الأحزاب الاتحادية التي تنادي بالوحدة مع مصر تحت التاج المصري، والأحزاب الاستقلالية التي كانت متهمة بالدعوة إلى تاج محلي بالتحالف مع بريطانيا.. فكلاهما كان (ملكياً)". فجاء (الجمهوريون) يدعون إلى (الجمهورية الديمقراطية). وعلل الحزب توخيه للحكم الجمهوري في المذكرة التفسيرية لدستوره، قائلاً: "لأن الحكم لا يجعل فضلاً لمواطن على آخر إلا بقدر صلاحيته وكفاءته للاضطلاع بالأعباء المنوطة به، ولأنه، من ناحية أخرى، لا يقيد الناس بضرب من ضروب الولاء والتقديس اللذين لا مصلحة للإنسانية فيهما" . يضاف إلى ذلك أن الحزب: "يرى أن النظام الجمهوري هو أرقى ما وصل اليه اجتهاد العقل البشري في بحثه الطويل عن الحكم المثالي" . ونادى الحزب بالجلاء التام للاستعمار دون تحالف أو اتحاد أو وحدة مع أي من دولتي الاستعمار. عاب محمود محمد طه على الحركة الوطنية انقسامها على نفسها، فريق يريد تحرير البلاد بالتعاون مع الاستعمار البريطاني وفريق يريد تحرير البلاد بالتعاون مع مصر. اقر المتعاونين مع مصر في الكفاح ضد الإنجليز، وخالفهم في الاتحاد مع مصر، حتى ولو كان "الاتحاد في التاج كرمز فقط". وأوضح بأننا والمصريين طلاب حرية، وزملاء جهاد وعدوُّنا واحد، هو الاستعمار البريطاني فينبغي أن نتفق على جهاده، وإجلائه، لنكون نحن أحراراً في بلادنا، وليكونوا هم أحرارا في بلادهم.. ويجب ألا ينسينا اجترار العواطف أن للمصريين مطمعا في بلادنا.
وأرجع محمود محمد طه غياب التضحيات عند القادة والسياسيين في سبيل الاستقلال، وفقر السجل الوطني من التضحيات والشراكة في النضال، إلى تربية الاستعمار لقادة الحركة الوطنية. كما بيَّن أن غياب التضحية في مسيرة الحركة الوطنية، يعني وجود الانتهازية لدى قادة الحركة الوطنية. وأوضح بأن الانتهازية تعني أن كل شخص يريد لنفسه، وبهذه الصورة تربى القادة والساسة، حتى أن الشعب أدرك بأن قادته وساسته انتهازيون.

سُبل استكمال الاستقلال

"إن الإنجليز قد يجلون غداً ثم لا نجد أنفسنا أحراراً ولا مستقلين، لأن الاستقلال والحرية لا تجىء إلا نتيجة للحكم الواعي الرشيد وذلك أمر لا يتفق اتفاقاً وإنما يجىء عن تعمد وتوخ ودراسة واعية".
محمود محمد طه
صحيفة أنباء السودان، غرة نوفمبر 1958

تناول المفكر محمود محمد طه في العديد من كتاباته وأحاديثه، ولا سيما في كتابه الدعوة الإسلامية الجديدة (1974)، سُبل استكمال الاستقلال من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وذكر قائلاً: «نحن دعاة تغيير.. نحن دعاة ثورة فكرية، وثورة اجتماعية، تحدث عن طريق الإسلام»، وفصل في ذلك. كما تناول أثر الاستعمار في البلدان المستعمَرة، وذكر أن البلاد العربية، «حيث وجدتموها، تعيش على المدنية الغربية.. هي تحارب الاستعمار باللفظ، وتدافع عنه، وتعيشه، في الواقع». ثم بيّن قائلاً: «نحن حتى الآن مستقلون سياسياً، مستعمرون فكرياً.. فكرك، وفكري، ليس عنده غير الثقافة الغربية.. الثقافة المستعمرانا (التي تستعمرنا)، وقد أخرجنا مستعمرينا من أرضنا، وهي لا تزال تستعمر عقولنا» (ص 12).
ويكشف هذا الطرح أن المفكر محمود محمد طه لم ينظر إلى الاستقلال السياسي بوصفه نهاية للاستعمار، وإنما عده مرحلة أولى في مسار تحرر أوسع يتطلب استكمال الاستقلال اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً. فحديثه عن «الثورة الفكرية» و«الثورة الاجتماعية» يكشف عن رؤيته إلى أن بقاء البنية الفكرية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار يمكن أن يفرغ الاستقلال السياسي من مضمونه. وتتضح هذه الرؤية بصورة أكثر مباشرة في تشخيصه لحال البلدان العربية التي، في نظره، تحارب الاستعمار على المستوى الخطابي، بينما تظل أسيرة لمدنيته وثقافته في واقعها العملي. ومن هنا جاءت عبارته الدالة: «نحن حتى الآن مستقلون سياسياً، مستعمرون فكرياً»، التي تلخص تصوراً للاستعمار باعتباره ظاهرة تتجاوز الاحتلال العسكري والسيطرة السياسية إلى الهيمنة على أنماط التفكير والثقافة، وعلى المرجعيات التي ينظر المجتمع من خلالها إلى ذاته والعالم من حوله.
وبهذا المعنى، فإن نقد المفكر محمود محمد طه للاستعمار يتضمن تفسيراً لأحد وجوه التخلف، يتمثل في استمرار التبعية الفكرية بعد زوال التبعية السياسية، وفي عجز المجتمعات عن إنتاج رؤيتها المستقلة لقضاياها واحتياجاتها. كما أن ربطه بين الاستقلال الفكري والثورة الاجتماعية والاقتصادية يؤكد أن طرحه لم يكن قائماً على معالجة جزئية لأزمة السودان، وإنما على رؤية مترابطة تنظر إلى التخلف بوصفه نتاجاً لتداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية. ولذلك، تمثل هذه النصوص شاهداً إضافياً على حضور سؤال أسباب التخلف في طرح محمود محمد طه، ولا سيما من زاوية نقد الاستعمار وآثاره الممتدة في بنية المجتمع والوعي.
وعليه، فإن القول بأن المفكر محمود محمد طه لم يقدم في أعماله تفسيراً لأسباب تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية، كما ذهب إلى ذلك الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، يحتاج إلى مراجعة في ضوء هذا التراث الفكري الواسع. فموقف المفكر محمود محمد طه من الاستعمار، وهو موضوع هذا المحور، لم ينحصر في الدعوة إلى جلاء المستعمر، وإنما اتجه إلى تحليل آثاره العميقة في بنية المجتمع والدولة والتعليم والثقافة والوعي السياسي، والتنبيه إلى أن بقاء الاستعمار في العقول قد يكون أخطر من بقائه في الأرض. كما ربط بين تخلف المجتمع وأنماط التربية والتعليم والسياسة التي أفرزها الاستعمار، وبين الانتهازية وضعف الوعي الوطني وعجز النخب عن تأسيس حكم ديمقراطي رشيد، مستقل في قراره وإرادته.
ومن ثم، فإن ما يبدو في بعض الكتابات السودانية، ولا سيما كتاب الدكتور أمين، بوصفه غياباً لتفسير أسباب التخلف، يتبين، في ضوء ما تقدم، أنه قد يكون نتيجة لقصور في قراءة أعمال المفكر محمود محمد طه واستجلاء ترابط أفكاره وتعدد مستوياتها، أكثر من كونه غياباً فعلياً لهذه المعالجة في طرحه الفكري. وهنا تتجلى إحدى صور الضعف التي تعاني منها الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه؛ إذ لا تكمن المشكلة في ندرة مصادره أو غياب مواقفه الموثقة، وإنما في محدودية الاطلاع عليها، وضعف الاشتغال النقدي عليها وفقاً للأسس العلمية. ومن ثم، تظل الحاجة قائمة إلى إعادة قراءة طرح محمود محمد طه قراءة تتجاوز الأحكام الإجمالية إلى فحص نصوصه وتحليل أطروحاته في قضايا الاستعمار والتخلف والنهضة والحداثة، بما يكشف عن مدى إسهامه في تقديم إجابات سودانية مبكرة عن الأسئلة التي شغلت الفكر العربي والإسلامي الحديث، ويعيد الاعتبار إلى هذا التراث الفكري بوصفه مادة أساسية في دراسة تشكل الفكر السوداني الحديث ومقارباته لقضايا التخلف والاستقلال والنهضة.

إدارة التنوع الثقافي والهوية الوطنية

"كنت من المحظوظين الذين التقوا الأستاذ محمود واستمعوا اليه... ومن أكثر ما علق بالذاكرة حديثه الذى خصنى به والذى قال فيه: (حب السودان من حب الله)".
تاج السر حسين، 27 يناير 2007
صحيفة سودانايل،"محمود محمد طه الذي عرفته"

كما درس المفكر محمود محمد طه قضايا التنوع الثقافي في السودان، ودعا إلى احترام التنوع الثقافي وحسن إدارته، وفصل في ذلك منذ أربعينيات القرن الماضي، ومن بين أقواله: "كون السودان قطراً شاسعاً وفيه من اختلاف اللهجات والعنصريات والعادات ما فيه إنما هو من دواعي التفاؤل بمستقبل هذا البلد وليس من دواعي اليأس أو التخوف- هو من دواعي التفاؤل لأن خصائص كل عنصرية من هذه العنصريات إذا نمت وهذبت وتفتقت طاقاتها الأصلية فستزيد من حيوية الأمة السودانية في مجموعها وتخصب شخصيتها وتزيد من وزنها وزناً ومن قيمتها قيمة". ولكل هذا حذر من انتماء السودان إلى جامعة الدول العربية، منذ ارهاصات تكوينها في الأربعينات من القرن الماضي، لما للانتماء إليها من نتائج سلبية على مستقبل بلد ينعم بكِظة التنوع الثقافي، فضلاً عند تداخل ذلك التنوع مع محيطه الأفريقي. فأصدر الحزب الجمهوري بياناً في 6 ديسمبر 1946، قال فيه: "نحن سودانيون، والتفكير في أننا سودانيون يجب أن يسبق أي شيء آخر". ودعا إلى تحقيق الوحدة أولاً، قبل الانتماء للجامعة العربية، وكتب، قائلاً: يجب تحقيق الوحدة الداخلية أولاً، من ثم على ضوء الوحدة بين مكونات السودان تكييف علاقاته الخارجية. وأكد البيان بأن رفض الحزب الجمهوري لعضوية السودان في الجامعة العربية، تعود إلى أن هُويَّة الشعب السوداني، ليست بالهُويَّة العربية، وإنما هو شعب أفريقي. ولهذا، وعندما انتمى السودان إلى جامعة الدول العربية، أصدر بياناً مشخصاً فيه هُوية السودان، وكتب، قائلاً: "يجب الانسحاب فوراً من الجامعة العربية وذلك لسببين أولهما أننا أمة أفريقية وثانيهما أن الجامعة العربية أصبحت تابعه لوزارة الخارجية المصرية ولم تعد تمثل دولاً مستقلة" (صحيفة أنباء السودان، 23 أغسطس 1958). وأتبع بيانه هذا ببيان آخر جاء في 18 أكتوبر 1958، حيث كتب، قائلاً: "نحن كشعب أفريقي فتى له مكانته في القارة الإفريقية، [يمكن أن] نخدم أنفسنا ونخدم الشعوب المجاورة، بل ويمكن أن نقدم خدمات أكبر لقضايا الأحرار وقضية السلام العالمي بأوسع وأيسر مما يمكن أن نفعل ونحن داخل إطار جامعة الدول العربية".
تُبرز هذه الرؤية أن إدارة التنوع الثقافي ليست مجرد اعتراف بالاختلاف، بل هي أساسٌ لبناء هوية وطنية سودانية جامعة تستمد قوتها من تعدد مكوناتها. ومن هذا المنطلق، ربط المفكر محمود محمد طه بين ترسيخ الوحدة الداخلية وصياغة علاقات السودان الخارجية بما يحفظ استقلال هويته ويعكس واقعه الثقافي والأفريقي.
وسنقدم في الحلقتين القادمتين إضاءة على موضوع إصلاح التعليم عند المفكر محمود محمد طه من خلال عدة محاور، هي: التعليم الجديد وإعداد الإنسان الحر- خطاب اليونسكو ومُساجلات التعليم بين محمود محمد طه ومحمد محمد علي- تشخيص واقع التعليم في السودان ورهانات إصلاحه- قراءة في خطاب المفكر محمود محمد طه إلى عميد معهد بخت الرضا (1958)- التحذير من فصل التعليم إلى تعليم الديني وتعليم مدني- التعليم واللغة- تعلموا كيف تتعلمون؟
نلتقي في الحلقة الخامسة (5- 9).



#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)       Abdalla_Elfakki_Elbashir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- نحن والتراث... تصاهل الأفكار على أرض الثورة الجزائرية- قراءة ...
- كتاب جديد- نظرية صوفية للتطور: الإصلاح الحداثي لمحمود محمد ط ...
- نحو مسار جديد للعلاقات المصرية- السودانية: قراءة في رؤية الم ...
- تقديم لكتاب: الفكرة الجمهورية من خلال الردود على معارضيها، ل ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: الفهم الجديد للإسلام/ ...
- السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة ...
- السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة ...
- السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: تأثير المفكر محمود محم ...
- السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال- إضاءة على ثورة ...
- السودان: الإرث الثوري لدولة ما بعد الاستقلال: إضاءة على ثورة ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: تأثير المفكر محمود محم ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: استدعاء المحكمة لفتوتى ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: التحالف الديني العريض ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: من محكمة الردة 1968 وح ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: التحالف الديني العريض ...
- تجليات يُتم الفكر في الفضاء الإسلامي: التحالف الديني العريض ...


المزيد.....




- عبدول في مرمى الجمهوريين.. هل تتحول هويته الإسلامية إلى معرك ...
- سلطات الاحتلال تمدد إبعاد مفتي القدس عن المسجد الأقصى لستة أ ...
- سوريا.. تكبيرات في المساجد واحتفالات بحكم إعدام بشار الأسد و ...
- زلزال مميت في كولومبيا يضرب مانيزاليس ويلحق أضرارا بالكاتدرا ...
- الجيش الليبي: مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اُغتيل بعبوة ن ...
- كنائس فلسطين: اعتداءات إسرائيل على المسيحيين يهدد وجودهم
- رفات يهود مقابل أسرى لبنانيين؟ طرح إسرائيلي جديد يدخل المفاو ...
- اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس توجّه رسالة إلى كنائس العالم ب ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسط قيود مشددة على ال ...
- عاجل | الرئيس الإيراني: أجريت لقاء جيدا جدا مع المرشد الأعلى ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (4-9)