أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - لماذا لا نوثق أعلامنا؟ ثقافة الرثاء... في مواجهة ثقافة الذاكرة














المزيد.....

لماذا لا نوثق أعلامنا؟ ثقافة الرثاء... في مواجهة ثقافة الذاكرة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 11:42
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ثمة سؤال ظل يرافقني منذ سنوات، لكنه أصبح أكثر إلحاحاً بعد تجربتي الأخيرة في الكتابة التوثيقية:
لماذا لا نوثق أعلامنا؟
ليس لأنهم أقل قيمة من غيرهم، ولا لأنهم لم يتركوا أثرًا، بل لأننا اعتدنا أن نحتفي بالموت أكثر مما نحتفي بالحياة.
نحن بارعون في الرثاء.
ما إن يرحل كاتب أو صحفي أو فنان، حتى تمتلئ صفحات الصحف ومواقع التواصل بعبارات من قبيل: "فقدت البلاد قامة وطنية"، "لن يتكرر"، "رحل وهو يحمل هموم الوطن". ثم تنتهي الموجة سريعًا، وتعود الحياة إلى صخبها المعتاد، بينما يعود الراحل إلى صمته الأخير.
بعد أشهر قليلة، لا يبقى من ذلك كله سوى منشورات متناثرة يصعب الوصول إليها، وصور قديمة، وذكريات يحملها المقربون. أما المشروع الفكري لصاحبها، فيبدأ بالتلاشي شيئًا فشيئًا.
وهنا يبدأ النسيان.
الرثاء جميل، لكنه لا يصنع ذاكرة.
الرثاء يعبّر عن المحبة، أما التوثيق فيعبّر عن المسؤولية.
قد يكتب صديقٌ كلمة مؤثرة في لحظة الفقد، لكنها لا تستطيع أن تخبر باحثًا بعد عشرين عامًا: ماذا كتب هذا الرجل؟ وكيف تطورت أفكاره؟ وما الذي أضافه إلى مجتمعه؟
الرثاء يحفظ العاطفة، أما التوثيق فيحفظ المعرفة.
ولهذا لا ينبغي أن يحل أحدهما محل الآخر.
حين بدأت العمل على كتاب عن الراحل دينق قوج، كنت أظن أن أصعب ما سأواجهه هو الكتابة نفسها.
لكنني اكتشفت أن الكتابة كانت أسهل مراحل الرحلة.
أما الأصعب، فكان العثور على المادة.
لم أجد دراسة علمية سابقة أستند إليها، ولا كتابًا يؤرخ لمسيرته، ولا أرشيفًا يجمع إنتاجه. كانت المادة موزعة بين مقالات قديمة، ومنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وشهادات أصدقاء، ومقابلات أجريتها بنفسي مع أشخاص عرفوه وعملوا معه.
في تلك اللحظة لم أشعر بأنني أكتب عن شخص واحد، بل كنت أرى صورة أكبر: صورة ذاكرة ثقافية مهددة بالضياع.
ليست المشكلة في دينق قوج وحده.
كم من كاتب سوداني رحل ولم تُكتب عنه دراسة واحدة؟
وكم من صحفي أسهم في تشكيل الرأي العام، ثم اختفى اسمه بمجرد أن توقفت الصحف عن ذكره؟
وكم من فنان أو باحث أو معلم عاش عمره في خدمة الناس، ثم لم يبق منه سوى صورة يتيمة في مناسبة قديمة؟
المشكلة ليست في قلة الرموز.
المشكلة أننا لا نمتلك ثقافة تحويل التجربة الإنسانية إلى معرفة باقية.
ولعل ما يثير الدهشة أن الأمم التي نحترم تجاربها لم تصل إلى ما هي عليه لأنها امتلكت عددًا أكبر من المفكرين، بل لأنها امتلكت مؤسسات تحفظ أعمالهم، وجامعات تدرسهم، وباحثين يعيدون قراءتهم، وأرشيفًا يصون تفاصيل حياتهم.
أما نحن، فما زلنا نعتقد أن كلمة تأبين تكفي، وأن الوفاء ينتهي بانتهاء مراسم العزاء.
التوثيق ليس ترفًا أكاديميًا.
إنه دفاع عن حق الأجيال القادمة في أن تعرف من سبقها.
حين نوثق سيرة كاتب، فإننا لا نحفظ حياته وحدها، بل نحفظ جزءًا من تاريخ المجتمع الذي عاش فيه، والأسئلة التي شغلته، والتحولات التي شهدها عصره.
ولهذا فإن كل سيرة موثقة هي، في جوهرها، وثيقة عن وطن.
أعتقد أن الوقت قد حان لكي نغيّر علاقتنا بذاكرتنا.
أن ننتقل من رد الفعل إلى الفعل.
من كتابة كلمات الوداع، إلى كتابة الدراسات.
من الاحتفاء بالأسماء بعد رحيلها، إلى حفظ آثارها وهي ما تزال حاضرة.
فالتوثيق ليس عملًا يقوم به الباحث وحده، بل هو مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات الثقافية، والجامعات، ودور النشر، والصحافة، وتنتهي عند كل من يؤمن بأن المعرفة لا ينبغي أن تموت بموت أصحابها.
أدركت، بعد هذه التجربة، أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تفقد أحد مثقفيها، فالموت سنة الحياة.
الخطر الحقيقي هو أن تفقد ذاكرتها عنه.
فالأمم التي لا توثق أعلامها، لا تحرمهم من حقهم في التقدير فحسب، بل تحرم أبناءها من حقهم في معرفة من سبقهم، وتدفع كل جيل إلى أن يبدأ رحلته من الصفر.
ولهذا، فإن الدفاع عن الذاكرة ليس دفاعًا عن الماضي، بل هو دفاع عن المستقبل.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح ...
- كازينو أوبرا شهرزاد الزمن الجميل ماذا تعرف عنهأ
- تياترو الأزبكية | أوّل مسرح وطنيّ في تاريخ مصر
- أتني| ساحة وسوق ومقهى ثقافي في قلب الخرطوم
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (68)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (67)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (66)
- تعرف على تاريخ نادي غزل المحلة زعيم أندية الدلتا المصرية
- من هي الفنانة عبير بيبرس المتهمة بقتل زوجها رجل الأعمال
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (65)
- تعرف على قصة كورونا مع الفنانين المصريين بالتفصيل الممل
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (64)
- فضل شاكر ملك إحساس الأغنية العربية تنتهي رحلته إلى السجن
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (63)
- عبد الرحمن أبو زهرة معلم الدراما المصرية في قفص الاتهام
- مرزوق الغانم رئيسا لمجلس الأمة الكويتي للمرة الثالثة في تاري ...
- حسناء سيف الدين.. تعلن إصابتها بأورام في الرقبة
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (62)
- ميناء الإسكندرية أقدم موانئ العالم البحرية يحترق
- ميدان وتمثال مصطفى كامل وحكاية بدروم سوارس


المزيد.....




- مسؤول إيراني يعدد 6 نقاط بموجبها -تصحح أمريكا سلوكها- لفتح م ...
- اتفاق مكة للدفاع المشترك.. هل تنضم مصر قريبا؟
- سوريا.. توغل إسرائيلي في القنيطرة والإفراج عن شاب بعد اختطاف ...
- تل أبيب تترقب بحذر: القاهرة قد تنضم لحلف دفاعي إسلامي يضم قو ...
- الجيش الإسرائيلي يقتل أغناما في الضفة الغربية (صور)
- التعليم العالي: 91 ألف طالب سجلوا رغباتهم في تنسيق المرحلة ا ...
- ترافقه وزيرة التنمية المحلية.. رئيس الوزراء يبدأ جولة موسعة ...
- “بحوث الصحة الحيوانية ببنها” يجدد اعتماده الدولي “ISO 17025” ...
- تركيا ترجح انضمام مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية و ...
- الفيفا يحذر من -جهود متضافرة ومستمرة- هدفها -تقويض- مكانة إن ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - لماذا لا نوثق أعلامنا؟ ثقافة الرثاء... في مواجهة ثقافة الذاكرة