عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني
(Abdalla Elfakki Elbashir)
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 23:31
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
اقحام الناقد لما يتناقض مع البنية المفهومية للفهم الجديد للإسلام
ما لم يقله محمود محمد طه وأثر ذلك في المقارنة مع الزركشي
استهل الدكتور أمين تناوله في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، بالوقوف عند جوهر طرح المفكر محمود محمد طه، وأشار إلى أن الإسلام عنده رسالتان، وهما: الرسالة الثانية من الإسلام، التي تقوم على آيات الأصول، الآيات المكية، والتي تشتمل على قيم التسامح والحرية والكرامة، والرسالة الأولى من الإسلام التي تقوم على آيات الفروع، الآيات المدنية. وفي تقديري، هذا مدخل سليم وصحيح، غير أن الدكتور أمين فارق الصحة وخالف مصادر الفهم الجديد للإسلام، عندما كتب، قائلاً: "ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، ..." (ص 188). المخالفة هنا في قوله "للأبد"، فهي مفردة لم ترد قط في كل كتابات المفكر محمود محمد طه وأحاديثه، ولم يقل على الأطلاق إن الرسالة الثانية من الإسلام ستصبح الرسالة الأصل "للأبد". ذلك لأن القول بـ "للأبد" يتناقض مع الفكرة المركزية للرسالة الثانية من الإسلام، التي تقوم على بعث آيات الأصول، الآيات المكية، والتي كانت منسوخة في السابق، بحكم الوقت، لتكون هي صاحبة الوقت في العصر الحاضر، ولتكون هي عمدة التشريع الجديد "الشريعة المطورة" من داخل القرآن، ولكن ليس للأبد، كما قال دكتور أمين، لماذا؟ لأن الإنسانية في المستقبل، ستحدث لها نكسة وستتراجع، فتعود ثانية لمستوى تحتاج فيه لبعث آيات الفروع، الآيات المدنية، وتُنسخ آيات الأصول/ الآيات المكية، ومن ثم يتم تحكيم الآيات المدنية/ آيات الفروع. إذن الأمر يتصل بحكم الوقت.
لم يكتف الدكتور أمين بإيراد مفردة "للأبد" من عنده، وإنما قام بتوظيفها في إجراء مقارنة مع الإمام بدر الدين الزركشي (1344م- 1392م) بشأن النسخ في كتابه: البرهان في علوم القرآن، ج2. فقد كتب الدكتور أمين، قائلاً:
"ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، تختلف عن رأي الزركشي الذي أعتقد أن آيات الإكراه والقتال المدنية هي الأصل وتظل سارية المفعول ما دامت المجتمعات الإسلامية في وضع أقوى، كما يمكن تأجيلها في حالة الضعف وتفعيل آيات التسامح إلى أن تتم استعادة القوة حين يسمح الوقت بعودة أحكام الجهاد والقتال مرة أخرى" (ص 189).
وهذه مقارنة مفارقة للأسس العلمية، كون مفردة "للأبد"، التي أظهرت التناقض مع الزركشي وهو القائل: "كما يمكن تأجيلها" والقائل: "حين يسمح الوقت"، بينما أخبر الدكتور أمين القراء والقارئات، بلا حق، أن آيات الإسماح، الآيات المكية عند المفكر محمود محمد طه تصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، وهذا غير صحيح البتة. والحق أن الدكتور أمين كان يمكن أن يخلص في مقارنته لنتيجة مختلفة، لو درس موضوع النسخ عند الزركشي في الفصل الرابع والثلاثون "معرفة ناسخه من منسوخه"، (الصفحات 28- 44) من كتابه المشار إليه أعلاه، واستحضر قوله: "وسبق أن أشار الزركشي إلى النسخ الوارد ذكره في القرآن يعني تأجيل الحكم وليس إلغاءه؛ لأن القراءة الصحيحة لننسها هي ننسئها بالهمزة ومعناها التأجيل"، مقروناً بقول المفكر محمود محمد طه في كتابه: الرسالة الثانية من الإسلام: "قال تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).. قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) يعني: ما نلغي، ونرفع من حكم آية.. قوله: (أَوْ نُنسِئهَا) يعني نؤجل من فعل حكمها.. (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) يعني أقرب لفهم الناس، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة.. (أَوْ مِثْلِهَا) يعني نعيدها، هي نفسها، إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها.. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح، بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة، في القرن السابع، منسوخة الآن" (ص 9- 10). ويقرأ المفكر محمود محمد طه مفردة "ننسها"/ كما هي عند الزركشي، "ننسئها". وهي تفيد التأجيل والتأخير وليس الإلغاء. يقول الزركشي: "وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المُنْسَأِ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما" (ص 42). وهنا يظهر عند الزركشي، كما هو عند محمود محمد طه، خضوع الأمر لحكم الوقت. كذلك يقول الزركشي: "ويعود هذان الحُكْمَانِ، أعني الْمَسْالمَةَ عند الضعف وَالْمُسَايَفَةَ عند الْقُوَّةِ، يعود سببهما، وليس حكم الْمُسَايَفَةِ ناسخًا لحُكْم الْمُسَالَمَةِ بل كل منهما يجب امتثاله في وقته" (ص 43). وهذه هي الحكمة، كما يقول المفكر محمود محمد طه، وراء النسخ.. فليس النسخ، إذن، إلغاء تاما، وإنما هو إرجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت" (الرسالة الثانية من الإسلام، ص 10). فما هو الوقت؟ يقول محمود محمد طه: "الوقت هو اللحظة الحاضرة.. ذلك بأن اللحظة الحاضرة هي أصل الزمان، وهي وسط بين طرفين، كليهما، في حكم الحقيقة، باطل، وإنما يعتبر وجودهما في حكم العقل، حكم الشريعة". (محمود محمد طه، القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى، أم درمان، 1971، ص 43). وما هو حكم الوقت؟ يقول محمود محمد طه: "والصيرورة المحتومة من القصور إلى الرشد إنما تنفذ في الزمن، وبنفاذها يقـع ما يسمى بحكم الوقت" (محمود محمد طه، تطوير شريعة الأحوال الشخصية، ط3، أم درمان، 1971، ص 3-4.). لذلك إن موضوع حكم الوقت موضوع مركزي عند محمود محمد طه، وقد سبق ونشرت ورقة بعنوان: "حكم الوقت الذي يقتضي فهمًا جديدًا للقرآن والإسلام"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، مركز دراسات فلسفة الدين، السنة الثلاثون، العدد (81- 82)، بغداد 1447- 2026، صفحات 137- 161. كما قدمت ورقة أخرى بعنوان: "دَّلالة المناسبة وحكم الوقت في الفهم الجديد للإسلام"، في الندوة العلمية الدولية الموسومة بـ: المناسَبيّ في اللغة والأدب والحضارة، تنظيم قسم اللغة العربية، كلية الآداب والفنون والإنسانيات منوبة، جامعة منوبة، تونس، (16- 17- 18 أفريل/ أبريل 2025)، ونشرت في كتاب ضمن أعمال المؤتمر.
إن مفردة "للأبد" التي أوردها الدكتور أمين، وبالمعنى الذي بنى عليه مقارنته مع الزركشي، لا وجود لها في مصادر الفهم الجديد للإسلام، ولا في كتابات محمود محمد طه أو أحاديثه. ومن ثم فإن الإشكال لا يكمن في مجرد استعمال لفظة لم ترد في النصوص، وإنما في اتخاذها مقدمةً تحليلية تُبنى عليها نتائج نقدية ومقارنات علمية. وبذلك لم تعد المقارنة منصبة على ما تقوله نصوص الفهم الجديد للإسلام بالفعل، وإنما على معنى أضافه الناقد إليها من عنده، ثم تعامل معه كما لو كان جزءًا من بنيتها المفهومية. وهذه مفارقة منهجية واضحة؛ إذ إن النقد العلمي يقتضي أن ينطلق من المفاهيم كما صاغها صاحبها، لا من مفاهيم تُنسب إليه دون سند نصي، ثم تُستخلص منها أحكام نقدية. ولو التزم الدكتور أمين بالنصوص المؤسسة للفهم الجديد للإسلام، لوجد أن فكرة حكم الوقت هي المبدأ الحاكم لمسألة النسخ، وأن انتقال الحكم بين آيات الأصول وآيات الفروع ليس انتقالًا نهائيًا أو للأبد، وإنما انتقال تحكمه مقتضيات الوقت. ومن ثم فإن إقحام مفهوم التأبيد "للأبد" يناقض الأساس النظري الذي تقوم عليه الفكرة نفسها، ويغيّر بنيتها الداخلية قبل أن يبدأ نقدها. وعليه، فإن نسبة مفهوم التأبيد "للأبد" إلى الفهم الجديد للإسلام تظل دعوى لا يسندها نص صريح من مصادره، وإنما تقوم على افتراض أدخله الناقد في بنية الخطاب، ثم اتخذه أساسًا للمقارنة مع الزركشي ولإقامة حكمه النقدي. وبهذا يصبح محل النقاش الحقيقي هو مدى صحة هذا الافتراض نفسه، لا النتائج التي بُنيت عليه؛ إذ إن كل مقارنة تُشيَّد على مقدمة غير منسوبة إلى صاحب الطرح تظل مقارنةً فاقدةً لشرطها المنهجي الأول، وهو تمثيل موضوع النقد تمثيلًا أمينًا قبل الشروع في تقويمه.
تقنيات الكتابة: الاجتزاء وتغيير دلالة النص في خدمة الاستنتاج
كتب الدكتور أمين، قائلاً: "ويتسم مشروع محمود طه بمنحه الأولوية للأزمة التي تعاني منها الحضارة الإنسانية المعاصرة ومحاولة معالجتها عن طريق الرسالة الثانية، والتمهيد لذلك بتأسيس الحزب الجمهوري ليشمل نشاطه كل أنحاء السودان "لأن المدنية الجديدة لا بد لها من أن تطبق داخل هذه الحدود قبل أن تسترعي انتباه الإنسانية". ولم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية وأسباب الإقلاع الحضاري لأوروبا بعد القرن السادس عشر، وكيفية تحقيقه في العالم الإسلامي..." (ص 189).
تكشف هذه الفقرة عن إشكال منهجي في توظيف النصوص، يتمثل في الاجتزاء الذي يؤدي إلى تغيير دلالة النص، ثم توظيف هذا الاجتزاء في بناء استنتاج لا يسنده النص الأصلي. وهذا يُعد من أبرز صور الإخلال بأمانة النقل والاستدلال في البحث العلمي. فالاقتباس الذي اعتمد عليه الكاتب لا يدل على أن محمود محمد طه لم يعالج قضايا التخلف في السودان أو أسباب الأزمة في العالم الإسلامي، وإنما يتناول سياقًا آخر يتعلق بمنهج تطبيق المشروع، واختيار السودان مجالًا أوليًا لانطلاقه. ويتضح أثر الاجتزاء عند مقارنة النص المقتبس بسياقه الكامل؛ إذ حذف الاقتباس عناصر أساسية من النص الأصلي، منها تأكيد محمود محمد طه على الطابع الإنساني العالمي للمدنية الجديدة، وقوله: "إن الأسرة البشرية وحدة"، وكذلك تحديده لأول خطوة في سبيل تطبيقها بقوله: "إجلاء الاستعمار في جميع مظاهره إجلاءً تامًا ناجزًا". كما أغفل حديثه عن بناء الوحدة القومية وتجاوز الفوارق الاجتماعية والسياسية، وهي عناصر تكشف أن الحديث لا ينحصر في حدود جغرافية ضيقة، بل يرتبط برؤية حضارية شاملة.
ولتوضيح سياق النص ودلالته، يحسن إيراد النص كاملًا كما ورد في مصدره، وقد اجتزأ الدكتور أمين طرفاً منه، فأفضى إلى قراءة لا يسندها السياق الكامل للنص. كتب محمود محمد طه في العام 1951، قائلاً: "وسمة هذه المدنية الجديدة الإنسانية، فإنها ترى أن الأسرة البشرية وحدة وأن الطبيعة البشرية حيث وجدت فهي بشرية وأن الحرية والرفاهية حق مقدس طبيعي للأسود والأبيض والأحمر والأصفر.. وسيبدأ الحزب الجمهوري بتنظيم منزله.. ومنزل الحزب الجمهوري السودان بكامل حدوده الجغرافية القائمة الى عام 1934 ذلك بأن هذه المدنية الجديدة لابد لها أن تطبق داخل هذه الحدود قبل أن تسترعي انتباه الإنسانية اللاغبة أي المتعبة المنهكة، الضاربة في التيه.. وأول خطوة في سبيل تطبيقها إجلاء الاستعمار في جميع مظاهره إجلاءً تاماً ناجزاً.. وسلاحنا في إجلاء الاستعمار عدم التعاون معه أول الأمر نبلغ بعدم التعاون هذا درجة العصيان المدني آخر الأمر فإذا تم ذلك فقد أصبح بقاء الاستعمار ضرباً من المحال وأما سبيلنا إلى تحقيق العصيان المدني فهو الاستقتال في سبيل نشر الدعوة حتى تتم لنا الوحدة القومية بخلق سودان يؤمن بذاتية متميزة ومصير واحد يفهم أفراده المسائل العامة على نحو قريب من قريب فتزول بذلك الفوارق الوضعية من اجتماعية وسياسية فترتبط أجزاء القطر من شماله وجنوبه وشرقة وغربه فيصبح كتلة سياسية واجتماعية متحدة الأغراض متحدة المنافع متقاربة الاحساس". (الحزب الجمهوري، "مذكرة تفسيرية- دستور الحزب الجمهوري"، 30 نوفمبر 1951، دار الوثائق القومية، مجموعة الأحزاب السودانية، 2/1/31، الخرطوم).
يتضح بالمقارنة ما بين أورده الدكتور أمين، ونص المفكر محمود محمد طه، أن الإشكال لا يكمن في اختصار النص في حد ذاته، فالاختصار قد يكون مشروعًا إذا حافظ على المعنى والسياق، وإنما يكمن في أن الاختصار هنا أدى إلى تحويل دلالة النص ثم استخدامه أساسًا لاستنتاج لا ينهض عليه. وبذلك يتبين أن الاستنتاج الذي انتهى إليه الدكتور أمين لم ينبنِ على النص في سياقه الكامل، وإنما على نص مجتزأ غُيِّرت دلالته بحذف عناصره التفسيرية، هو ما يضعف الأساس الاستدلالي للحكم الذي خلص إليه. كما تناول الدكتور أمين مسألة تأسيس الحزب الجمهوري، وربطها بالتمهيد للرسالة الثانية من الإسلام، وتطبيق المدنية الإنسانية الجديدة، وهو ما يستدعي مناقشة مستقلة، نتناولها في المحور التالي.
#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)
Abdalla_Elfakki_Elbashir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟