أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 17:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الفجر الأخير على حافة اللاشيء: أنطولوجيا السحر و الجسد في مواجهة العدم المطلق

يمتد الصراع الأزلي بين الوجود والعدم كخيط رفيع ودموي يشكل تاريخ الوعي البشري المأزوم في علاقته مع الموت و الفناء حيث يجد الإنسان نفسه منذ اللحظة الأولى لوجوده عالقاً بين رغبة عارمة في الخلود وقسوة حتمية بيولوجية تتمثل في الزوال وهنا بالضبط يتدخل السحر لا بإعتباره مجرد خرافة بدائية أو محاولة ساذجة لتفسير الظواهر الطبيعية بل بوصفه نسقاً معرفياً وأنطولوجياً متكاملاً يسعى إلى إعادة هندسة الواقع ومواجهة العدم المطلق بكل تجلياته المرعبة إن الممارسات السحرية في جوهرها هي ترجمة حركية وجسدية لهذا الصراع الفلسفي العنيف حيث تتحول المفاهيم المجردة المتعلقة بالموت والحياة إلى أفعال ملموسة وطرائق طقسية صارمة ومحسوبة بدقة متناهية فالساحر حين يقف في مركز الدائرة الطقسية لا يمارس مجرد شعائر عابرة بل يخوض حرباً ضروساً لإستعادة سيطرة الكينونة على فوضى اللاشيء وهنا تبرز الحركة الجسدية كأداة ميتافيزيقية بامتياز فالرقصات الدائرية المتواصلة التي تنتهي بالغشيان أو الإهاج العضوي ليست سوى محاولة واعية أو غريزية للهروب من خطية الزمن و جبروت الموت فالحركة الدائرية تلغي البداية والنهاية وتوهم الممارس بأنه قد خرج من أسر الزمن السريّ الذي يقوده نحو القبر وبالمثل فإن حركات الأيدي الرمزية ورسم الرموز الهندسية المعقدة في الهواء أو على الأرض وإشعال النيران المقدسة و إصدار الترددات الصوتية والتعاويذ الإيقاعية كلها أسلحة حركية يواجه بها الإنسان طغيان العدم المتربص به من كل جانب إن هذه التصرفات الطقسية تؤسس لما يمكن وصفه بأنطولوجيا الفعل السحري حيث يصبح الجسد الإنساني ساحة معركة تتصارع فيها قوى الحياة المستميتة مع قوى الفناء الداهمة فكل إيماءة و كل خطوة وكل ضربة طقسية على الطبول تحمل دلالة عميقة مفادها أن الوجود لم يرضخ بعد وأن الكينونة قادرة على خلق نفسها من جديد في وجه العدم المتربص فالعدم هنا ليس غياباً بسيطاً للمادة بل هو تهديد وجودي شامل يطال المعنى والذاكرة والهوية و الجوهر الإنساني بأسره ومن هنا يصبح الطقس السحري محاولة مستمرة لإعادة خلق العالم وتثبيته في وجه سيولة الفناء التي تهدد بإبتلاع كل شيء فالرسم على الرمال يمثل محاولة لإعطاء شكل دائم لما هو عابر ومؤقت وإشعال النار يعبر عن إستدعاء للنور في قلب عتمة العدم المطلق والنحت برموز معينة هو ترسيخ للمعنى في قلب اللامعنى الكوني و تتحول الحركات السحرية بالتالي إلى جدار حماية رمزي و فعّال يبنيه الإنسان حول كينونته الهشة لحمايتها من الإنهيار السحيق نحو اللاشيء إن هذه الممارسات تجسد فهما متقدما لكون الموت ليس مجرد توقف بيولوجي للحياة فحسب بل هو المحو الكلي لكل ما هو إنساني و لذلك يعمل الطقس كآلية دفاعية كبرى تعيد صياغة العلاقة مع الموت وتحوله من قدر مطلق أعمى إلى قوة يمكن التفاوض معها أو ترويضها أو حتى دحرها مؤقتا عبر طقوس العبور و التحول لتظل هذه الحركات والتعاويذ شاهدة أبدية على رغبة الإنسان العصية في الخلود و تشبثه الأبدي بالحياة في مواجهة عاصفة الفناء الكبرى التي لا تهدأ.

_ شظايا المرآة وخراب الأنا: أنطولوجيا التشظي السحري في مواجهة وحدة الكينونة

يمثل الإشتغال على الرموز والمرايا المكسورة في سياقات طقوس كسر الهوية وتشتيت الوعي البشري مدخلاً أنطولوجياً بالغ التعقيد والعمق يتجاوز البعد السطحي للممارسة الظاهراتية ليلامس تخوم الميتافيزيقا والعدمية المعاصرة حيث تتحول المادة المصمتة إلى كائن لغوي و رمزي يحمل في طياته بذور التفكيك الجذري للكائن فالمرايا التي تشكل عبر التاريخ البشري أداة مركزية لوعي الذات و تجلي الأنا من خلال الإنعكاس والتوحد البصري تصبح حين تتعرض للكسر والإتلاف سبيلاً ناجعاً لتمزيق وحدة الوعي و إحداث قطيعة إنفرطت معها عرى الإستمرارية السيكولوجية والوجودية للإنسان إن الكسر هنا لا يعبر عن مجرد عطل فيزيائي أو تلف مادي عارض بل هو فعل سحري مدبر يهدف إلى إعادة هندسة الوعي الإنساني عبر شظايا متناثرة تعكس واقعاً مكسوراً ومبعثراً مما ينعكس مباشرة على بنية الهوية التي لم تعد تتسيد ككتلة صلبة ومتماسكة بل غدت شتاتاً متناثراً يعجز عن إعادة تركيب نفسه في صورة كلية منسجمة. يتأسس هذا التحليل الفلسفي في جوهره على الإشتباك العضوي بين السحر بوصفه إرادة هيمنة وتلاعب بالبنى الخفية للواقع وبين العدم بإعتباره الأفق الأطروحي الذي تؤول إليه كل محاولات تفكيك المعنى فعندما تُستدعى الرموز المقفرة من دلالاتها الأصلية وتُحشر داخل طقوس تعتمد على التشظي والتبعثر فإنها تؤدي وظيفة هدم ممنهج للبنية الرمزية التي يستند إليها الفرد في إدراك ذاته وعالمه المحيط فالرمز السحري في أصله هو جسر رابط بين المحسوس والمعقول بين الظاهر والباطن وحين يُعاد تشكيله عبر مفردات التكسير والتهشيم فإنه يتحول إلى أداة لتعطيل هذا الجسر وإلغاء القدرة على العبور نحو المعنى المستقر مما يدفع الوعي البشري إلى دخول متاهة لا قرار لها حيث تفقد الكلمات والأشياء أسماءها وتتلاشى الحدود الفاصلة بين الحقيقي والوهمي ويجد الكائن نفسه محاصراً في براثن عدمية مطلقة تجرده تدريجياً من ملامحه الفريدة وتلغي خصوصية هويته الفردية لصالح كتلة هلامية من الإنطباعات المشتتة والمبتورة. تتجلى خطورة المرايا المكسورة بوجه خاص في قدرتها المارقة على إنتاج لانهائي لصورة الذات و لكن بصورة مشوهة ومجزأة فبدلاً من أن تقدم المرآة إنعكاسا ًموحداً يجمع أشتات الكائن في مرأى واحد جامع فإن الشظايا المتعددة تعيد إنتاج الأنا بصورة ممزقة موزعة على مساحات مختلفة ومتناقضة في آن واحد وهذا التعدد القسري للصور يؤدي إلى ما يمكن تسميته بفقدان المركزية الأنطولوجية حيث يفقد الإنسان مرجعيته الداخلية ويصبح رهينة لإنعكاسات متعددة لا يجمعها جامع ولا يؤطرها إطار مما ينشأ عنه صراع داخلي خفي لا ينتهي بين أجزاء الهوية المتنافرة وكل شظية مرآة تبدو وكأنها تطالب بحق الوجود و التمثيل المستقل بينما هي في الحقيقة ليست سوى جزء عقيم من كل غائب و هذا التمزق البنيوي يتيح للطقوس السحرية أن تتغلغل بفاعلية قصوى داخل نسيج الوعي لأن الوعي المفتت والمنهك في محاولات عبثية لرأفت شظاياه هو وعي عاجز عن المقاومة أو الممانعة وفاقد للقدرة على التمييز بين حقيقة ذاته ووهم الإنعكاسات المفروضة عليه من الخارج. في السياق العدمي الصرف يغدو كسر الهوية و تشتيت الوعي عبر هذه الوسائل الرمزية بمثابة تحقيق عملي لمقولات العدم وتجسيد حسي لفكرة العدم المطلق التي تقوض كل أساس ثابت للوجود البشري فالسحر هنا لا يعمل في فراغ بل يستثمر القلق الوجودي العميق الكامن في طيات الوعي البشري حيال زواله وفنائه ليوظفه كأداة هدم ذاتي إذ إن تدمير الرموز الجامعة وتهشيم المرايا الحاضنة لإنعكاس الذات يترك الإنسان وجهاً لوجه أمام هاوية العدم بلا حراسة معنوية وبلا دروع ثقافية أو هوياتية تقيه صقيع اللاشيء وعندما تنعدم المعايير و تتلاشى المرجعيات التي يستند إليها الوعي في رسم حدود كينونته ينهار البناء النفسي برمته و تتفسخ الروابط التي تشد الإنسان إلى واقعه و إلى جماعته ليتحول تدريجياً إلى طيف عابر في كنف العدم يكابد إغتراباً مطلقاً لا خلاص منه ولا مخرج ليكون بذلك نتاجاً خالصاً لطقوس شيطانية إستطاعت أن تحول الوعي من قلعة للحرية والمعنى إلى حطام تذروه رياح العدمية العبثية والمطلقة.

_ صمت الذاكرة وخراب الروح: أنطولوجيا المحو السحري و سقوط الكينونة في العدمية الآلية

ينطلق الإشتغال الفلسفي على ظاهرة إفراغ الذاكرة عبر السحر من تفكيك الجوهر الأنطولوجي للكائن البشري الذي لا يكتفي بالوجود البيولوجي البحت بل يتقوم أساسا بالذاكرة بوصفها الحصن المنيع للوعي والوعاء الحافظ للهوية و الإمتداد الزمني للذات فالتاريخ الشخصي والجمعي المترسب في خلايا الذاكرة هو الذي يمنح الإنسان قدرته الفريدة على المقاومة والرفض والإختيار الحر وعندما يتدخل السحر كقوة ميتافيزيقية مهدمة للبنية الباطنية فإنه لا يستهدف الجسد الفاني بل يوجه ضربته القاصمة إلى الجوهر العاقل المتمثل في الذاكرة عبر آليات محو وتغيب تفرغ الداخل الإنساني من محتواه الأصلي ليتحول الإنسان من كائن حر و فاعل تاريخي إلى مجرد هيكل فارغ جاهز للإستقبال و التشكيل القسري إن هذا الفراغ المروع الذي يخلفه السحر في الذاكرة لا يترك الذات في حالة حياد وجودي بل يفتح باباً واسعاً أمام العدم ليحتل المساحات الشاغرة التي كانت مأهولة بالمعنى والخبرة والوعي الذاتي. في هذا السياق المظلم يتبوأ العدم مكانة الفاعل الأساسي في عملية المسخ والتحويل إذ إن إفراغ الذاكرة ليس مجرد عملية سلبية تتمثل في النسيان الطبيعي أو التلاشي التدريجي للذكريات بل هو هجوم كوني مدمر يعطل آليات المعنى و يقوض أساس الوجود الإنساني فحين يتم تفريغ الذاكرة ينشأ فراغ أنطولوجي حاد يفزع الطبيعة التي لا توظف الفراغ بل تستعيض عنه فوراً بقوى الهيمنة الخارجية وهنا يتسلل العدم ليحل محل الذاكرة المفقودة محولاً الوعي البشري من فضاء رحب للحرية والإبداع والرفض إلى أرض محروقة تخلو من أي مقاومة ذاتية وبدلاً من أن يبقى الكائن البشري سيد قراره ومالك مصيره يصبح مرآة عاكسة لإرادة قوى خارجية لا تظهر للعيان لكنها تمارس سلطتها المطلقة عبر هذا الفراغ العدمي المؤسس للتبعية التامة حيث يصبح الإنسان مسلوب الإرادة تماماً ومنزوع القدرة على التساؤل أو المحاكمة العقلية وكأن العدم قد غرس جذوره في عمق الروح ليعيد هندستها وفق مقاسات الطاعة المطلقة والإذعان الاعمى. هذا التحول الجذري ينقل الكائن البشري بدقة متناهية من مرتبة الشخص الحر المتمتع بالسيادة على أفعاله إلى مرتبة الآلة الطائعة التي تتسم بالآلية الصرفة والخلو من الروح فالآلة في جوهرها لا تملك غاية ذاتية بل تستمد وظيفتها و حركتها من المهام التي تمليها عليها القوة الخارجية المحركة لها وهكذا يفقد الإنسان بمجرد تعرض ذاكرته للمحو السحري القدرة على المبادرة والأصالة ويتحول إلى أداة عمياء تسيرها خيوط خفية تحركها الإرادة المهيمنة كيفما شاءت دون أي مقاومة أو شعور بالإغتراب لأن شعور الإغتراب نفسه يقتضي وجود ذاكرة تقارن بين الواقع المعيش والواقع الأصلي المفقود وبغياب هذه الذاكرة يتطابق الكائن المسحور مع أدواتيته الجديدة ويتقبل عبوديته بوصفها طبيعته الثانية وكأنه لم يكن يوماً كائناً حراً قادراً على الخلق والإبتكار والتمرد على قيود التسلط والإستعباد. تتأكد هذه المأساة الوجودية حين نتأمل أبعاد العلاقة الجدلية بين السحر و العدم والسلطة الخارجية حيث يتكشف لنا أن السحر ليس سوى تقنية تدميرية تفرغ الوجود البشري من كثافته الإنسانية ليصبح الوعي مجرد سطح مصقول تنعكس عليه أوامر السيد الخارجي بلا إعتراض ولا تباطؤ وبذلك ينتفي الفارق الجوهري بين الكائن الحي والآلة المصنوعة بل إن الآلة قد تبدو أحياناً أكثر إستقلالية إذا ما قورنت بذلك الإنسان الذي جرد من ذاكرته وأفرغ من روحه فتحول إلى ترس صامت في ماكينة القوى الخارجية المهيمنة التي وظفت السحر كأداة قصوى للهيمنة والإستلاب الكلي وفي هذا التلاشي التام للذات الإنسانية يتجلى أعمق مأزق وجودي يمكن أن يواجهه الإنسان وهو مأزق التحول من ذات واعية و مبدعة وصانعة للتاريخ إلى موضوع محض و محض أداة طائعة تفقد حتى حلمها بالحرية لأنها نسيت أساساً معنى أن يكون للإنسان تاريخ و ذاكرة وهوية مستقلة.

_ بياض البدايات وصرخة الخلق: أنطولوجيا إستنطاق العدم وتوليد الكينونة في أتون الإبداع السحري

إن الفلسفة الكبرى لم تكن يوماً سوى محاولة جبارة للإجابة عن سؤال الحضور والغياب حيث يشكل العدم في التفكير الميتافيزيقي المعاصر لا سيما في الأنطولوجيا الظاهراتية الوجود الحق الذي يسبق كل ماهية ويقف في خلفية كل موجود بوصفه الرحم الأبدي الذي تخرج منه إمكانيات التحقق وإن الممارس الحقيقي في حقول الوعي والإبداع و التجريب لا ينظر إلى العدم بإعتباره فراغاً سلبياً أو حالة من العدمية المطلقة المواتية لليأس بل يدركه بوصفه طاقة أولية خاماً تسبق التعيينات والتشكلات وتتضمن في أحشائها كل إحتمالات الكينونة الكامنة التي لم تر النور بعد ومن هنا تبدأ عملية الإستنطاق الكبرى حيث يتدخل الممارس لا ليهدم الموجودات بل ليعيدها إلى أصلها الجذري أي إلى منطقة البياض الأعظم التي تسبق الكتابة و التشكيل وهناك في تلك البؤرة الصامتة يتعامل مع العدم بإعتباره مادة أولية قابلة للتشكيل و البعث من جديد من خلال تفعيل طاقات التخييل الراديكالي التي تقوض البديهيات و تكسر قوالب المألوف ليغدو الفراغ مساحة للحرية المطلقة التي لا تحدها قيود الممكنات المتداولة. تتجلى هذه العملية الإستنطاقية بأصفى تجلياتها في التداخل المفهومي المثير بين السحر والعدم حيث لا يُفهم السحر هنا بإعتباره مجرد ممارسات ميتافيزيقية غابرة بل بوصفه القوة الخارقة للعادة التي تمتلك القدرة على جلب الكائن من اللاكائن وإظهار المستور في طيات الغيب وإن الساحر أو الممارس السحري في إطار التحليل الفلسفي العميق هو إنسان يقف على حافة الهاوية بين ما هو معلوم وما هو مجهول ممسكاً بخيوط الغياب ليحيلها إلى حضور فاعل وإن آليات السحر تقوم أساساً على إحداث قطع معرفي مع الواقع المباشر و إلغاء القوانين السببية الصلبة لفتح ثغرات في جدار الوجود يمكن من خلالها النفاذ إلى العوالم الممكنة وفي هذا السياق يتحول العدم إلى أداة سحرية بإمتياز إذ إن إستنطاقه يتطلب بالضرورة التخلي عن ثقل الهوية الشخصية و التحررات المسبقة والدخول في حالة من التلاشي الوجودي المؤقت حيث يفقد الممارس تعييناته لكي يمتزج بالكتلة الكونية الخام وحين يتحقق هذا الإلتئام التام مع العدم يصبح الممارس قادراً على إعادة صياغة العالم من جديد وكأنه يخلقه للمرة الأولى مستلهمة طاقاته من ذلك الصمت الكوني المهيب الذي يسبق صرخة الخلق الأولى. إن تحويل العدم إلى مصدر للإلهام الجديد يمر حتماً عبر مراحل من المخاض الوجودي العسير الذي يختبر فيه الممارس حدود قدرته على الإحتمال ومواجهة بياض الصفحة أو الوجود الخاوي دون خوف أو فزع فالإنسان بطبيعته يهرب من الفراغ لأنه يذكّره بالفناء و الموت بينما الممارس السحري الفيلسوف يعانق هذا الفراغ ويتخذه مرآة يرى فيها إنعكاسات إمكانياته غير المكتشفة وعندما يمارس هذا الإستنطاق فإنه لا يبحث عن إجابات جاهزة بل يطرح الأسئلة الجذرية التي تهز أركان اليقين المبتذل وتفتح الأفق أمام تدفقات الإلهام العذبة التي تنبع مباشرة من منبع الوجود الأصلي وإن هذا الإلهام الجديد ليس تكراراً للقديم ولا ترقيعاً للمستهلك بل هو إنبثاق مفاجئ لمعنى لم يكن ليوجد لولا تلك الرحلة الجريئة في أعماق العدم حيث تتكسر المرايا التقليدية للواقع وتتخلق عوالم دلالية جديدة تمنح الكينونة أبعاداً لم تكن متخيلة من قبل. بهذه الكيفية يصبح العدم رفيقاً درب لا عدواً مهيباً ويتحول الإستنطاق إلى طقس يومي من طقوس الولادة المستمرة حيث يتجدد الممارس في كل مرة يدخل فيها في مخاض الغياب ليخرج منه محملاً بشحنات من الإلهام الخلاق الذي يعيد تشكيل الوعي والوجود معاً وإن هذه العلاقة الجدلية بين السحر والعدم تثبت أن الإبداع الحقيقي لا ينبت في حقول الوفرة والإمتلاء بل يولد دائماً من رحم الفراغ و من عمق المعاناة الصامتة التي تسبق إنبلاج الفجر المعرفي الجديد لتظل التجربة الإنسانية في أعمق تجلياتها رحلة مستمرة لترويض العدم وجعله حليفاً للإنسان في سعيه الدائم نحو تجاوز حدود الكائن المحدود وإعتلاء مراقي اللامتناهي في رحاب الإبداع والحرية الكونية المطلقة.

_ الموت كبوابة للعبور: أنطولوجيا المواجهة السحرية و الوجودية للعدم وفلسفة الانبعاث الأبدي

إن التقاطع الخفي بين الممارسات السحرية العملية و الفلسفات الوجودية يشكل واحدة من أكثر البؤر الفكرية إثارة للعمق والتأمل لا سيما عندما يوضع الموت في قلب المعادلة بإعتباره الحد الأقصى للعدم والحقيقة المطلقة التي تكشف هشاشة الكائن البشري وتحدي وجوده المؤقت وحيث تنظر الفلسفات الوجودية خصوصاً عند مارتن هايدغر وجان بول سارتر إلى الموت بإعتباره الإمكانية التي لا إمكانية بعدها والعدم الأصلي الذي يعطي للوجود معناه ويحرره من تفاهة اليومي والإبتذال فإن الممارسات السحرية لا تتعامل مع الموت بوصفه نهاية حتمية ومطلقة بل تنظر إليه كبوابة عبور كبرى ومنطقة تحول جذري بين أطوار الكينونة المختلفة وإن السحر العملي في جوهره الطقوسي والرمزي يمثل محاولة جريئة لمواجهة فزع العدم الفناء من خلال إعادة دمجه في نسيج الحياة اليومية عبر خلق طقوس إستباقية للموت الرمزي حيث يدخل الساحر أو الممارس في حالة من التلاشي الإختياري والموت المؤقت للذات الواعية لكي يخرج من تلك التجربة الكيانية محملاً بقوة الانبعاث و القدرة على تجاوز الحدود الزمنية والمكانية المادية المفروضة على الوجود الإنساني المحدود. تتجلى هذه المفارقة بوضوح تام عندما ندرك أن كلا من الفلسفة الوجودية والممارسة السحرية ترفضان الهروب البليد من حقيقة الفناء وتلتقيان على ضرورة مواجهة العدم وجهاً لوجه دون أقنعة أو أوساط مزيفة فبينما تدعو الوجودية إلى العيش على حافة الهاوية عبر الوعي الحاد بالموت الذي يضفي الأصالة على الوجود البشري ويحرره من سجن الحشد والأحكام المسبقة تذهب الممارسة السحرية إلى أبعد من ذلك بكثير لتمارس هذا الوعي بطريقة إجرائية تطبيقية تحول الفزع من الموت إلى طاقة ديناميكية فاعلة وإن الساحر العملي في طقوسه المظلمة والخلوات العميقة لا يهرب من فكرة الفناء بل يستدعيها ويستنطقها ويجعلها جزءاً من عدته المعرفية والنفسية لكي يكسر إبستمولوجيا الخوف ويزيل القداسة الزائفة التي يحيط بها العقل البشري المادي نهاية الجسد وحيث يتحد الوعي الوجودي بالقلق مع الفعل السحري المتمثل في إستدعاء القوى الخفية وخرق قوانين الطبيعة المألوفة ليتولد من هذا الإلتئام إنسان جديد لا يرهبه العدم ولا تستبده حتمية الموت بل يتعامل معها بوصفها المادة الخام الكبرى التي تصاغ منها آفاق الإبداع الخارق والتحرر المطلق من قيود الكينونة الزائلة. إن هذا التلاحم العميق بين السحر والوجودية في مقاربتهما للموت يفكك تماماً الثنائيات التقليدية بين الحياة والعدم ليقدم رؤية مركبة ترى في الموت محركاً أساسياً لكل دفع إبداعي و دافعاً جوهرياً لكل تحول سحري فالممارس السحري حين يواجه الموت رمزياً عبر طقوس العبور والإنتقال يمارس في الحقيقة ذات التمرد الوجودي ضد العبثية والعدمية المطلقة وكأنه يقول للطبيعة وللزمن إن الوجود البشري ليس مجرد صدفة عبثية تنتهي بالعدم المطبق بل هو طاقة جبارة قادرة على إستنطاق العدم ذاته و إستخراج الحياة من رحم الرفات وإن هذا الإستنطاق العملي للعدم في مواجهة حتمية الفناء يعيد الإعتبار للإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن ينظر إلى الهاوية دون أن تفقد عيناه بريق القدرة على الخلق والإبتكار وإن تقاطع السحر مع الفلسفة الوجودية هنا ليس تقاطعاً نظرياً عابراً بل هو إلتحام جذري في خندق المواجهة الكبرى ضد الفناء والنسيان ليصبح الموت في النهاية ليس نهاية المطاف بل هو النقطة التي يبدأ منها السحر الحقيقي و الوجود الأصيل في نسج عوالم جديدة تتحدى الزمن و تنتصر على العدم بقوة الإرادة والتخييل الراديكالي الجريء.

_ تقويض الأسماء وخراب اليقين: أنطولوجيا الرموز السرية وفلسفة التخريب الخلاق في النسق السحري

إن الرموز السرية في النسق السحري العميق لا تمثل مجرد رسوم جرافيكية تزيينية أو إشارات تعبيرية باهتة بل تشكل أدوات إبستمولوجية راديكالية تهدف منذ اللحظة الأولى لتأسيسها في محيط الممارس إلى تقويض ثبات الأسماء و الأشياء وخلخلة البنى اللغوية والأنطولوجية التي يستند إليها الواقع اليومي المبتذل وحيث تستمد هذه الرموز قوتها الإستثنائية من قدرتها على كسر التطابق الكلاسيكي بين الدال و المدلول وبين الإسم والمسمى فإنها عندما تُنقش أو تُستحضر في فضاء الممارس تبدأ فوراً في إحداث تآكل خفي في اليقينيات المستقرة التي تعطي للأشياء هوياتها الصلبة وأسماءها المطلقة وكأن الرمز السري نافذة تطل مباشرة على لغة ما قبل التأسيس لغة تتسم بالسيولة و الإضطراب الدائم حيث تفقد الطاولة إسمها والجدار هويته ليعود كل موجود إلى حالته الأولية الغامضة المرتبطة بالعدم الأصلي وهو ما يضع الممارس في مواجهة مستمرة مع بياض الكينونة الخام بعيداً عن القوالب الجاهزة التي تصنف العالم و تحد من إمكانياته اللانهائية. تتجلى الفاعلية العملية لهذه الرموز في قدرتها العجيبة على إحداث زلزال دلالي يطال أسماء الأشياء ذاتها بإعتبار أن التسمية في الفلسفة وفي السحر هي القفص الحديدي الذي يحبس الكائن ويفرض عليه طاعته للزمن والمكان وبينما يعيش الإنسان العادي أسيراً لتلك الأسماء التي تضفي على محيطه نوعاً من الأمان الوهمي والإستقرار المخادع يقوم الممارس عبر إستخدام الرموز السرية بتفكيك منظومة التسميات وتحطيم الأصنام اللغوية التي تحجب حقيقة العالم لتتحول الأشياء المألوفة في بيئته إلى أطياف سائلة وإمكانيات عائمة تفقد صلابتها المادية و تذوب في لجة العدم المحيط وإن هذا الإنزياح المستمر في دلالة الأشياء لا يعكس حالة من العبث الفوضوي بل يعبر عن إستراتيجية أنطولوجية واعية تهدف إلى إعادة خلق العالم من جذوره عبر تحرير الموجودات من أسر هوياتها الوظيفية والنفعية وإعادتها إلى أفق الإمكان المطلق حيث لا يوجد شيء ثابت سوى حركة التحول المستمرة و التدفق الخلاق الذي ينبع من قلب الغياب والعدم. إن هذا التقويض المستمر لثبات الأسماء والأشياء بفعل الرموز السرية يضع الممارس في قلب تجربة وجودية قاسية و عميقة تختبر قدرته على تحمل فقدان المرجعية وصلابة الواقع حيث يتحول الغرف أو المحيط الخاص بالممارس من مساحة مادية جامدة ومستقرة إلى مخبر كوني تتصارع فيه الصور وتتداخل فيه الحدود وتتلاشى فيه الثنائيات الكلاسيكية بين الداخل والخارج و الذات والموضوع وحين تفقد الأشياء أسماءها و تتحلل الرموز من معانيها المباشرة لتدخل في صمت العدم يرتفع حجاب الوهم المادي لتنكشف للعيان تلك البنية التحتية الخفية للوجود التي تصاغ منها كل الإحتمالات وكل العوالم الممكنة و من هنا يصبح الرمز السري أداة لهدم الواقع و بنائه في آن واحد فهو يعيث فساداً في ثبات الأسماء لكي يفسح المجال أمام إنبثاق معان جديدة و إلهامات بكر لم تكن لتجد لها سبيلاً للوجود لولا ذلك التخريب الخلاق الذي أحدثته الرموز في نسيج العالم المعتاد لتستمر رحلة الممارس في ترويض العدم وتحويله إلى مادة طرية تصاغ منها أسرار الكينونة الحقة ومرافئ الحرية المطلقة.

_ مفارقة الخلود والنسيان: أنطولوجيا التلاشي السحري و عبور الوعي نحو ديمومة المطلق

إن التناقض الحاد بين رغبة الممارس في التخلد وسعيه الواعي نحو النسيان يشكل أعمق وأعقد مفارقة أنطولوجية تطبع مسار التجربة السحرية والفلسفية برمتها حيث يقف الكائن البشري ممزقاً بين شغفه الأبدي بقهر الزمن وتثبيت خطاه في سجل الخلود عبر ترك أثر لا يمحى و بين إدراكه العميق بأن التخلد الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التخلي الجذري عن الهوية والذاكرة والتعيينات الشخصية عبر بوابة النسيان المطلق وإن هذا التناقض الظاهري ليس سوى وجهين لعملة واحدة في النسق السحري العميق إذ إن رغبة التخلد ليست طمعاً مادياً في البقاء البيولوجي للجسد المحدود بل هي تطلع متعال نحو الإنصهار في اللامتناهي و الإتحاد بالجوهر الكوني الخالد بينما يأتي النسيان ليس بوصفه غفلة أو فقداً سلبياً للذاكرة بل بوصفه تقنية إبستمولوجية ووسيلة طقوسية بالغة الصرامة تهدف إلى محو الأنا الزائفة وتطهير الوعي من ركام التراكمات اليومية المبتذلة و حين يتصادم هذان الرغبتان في داخل وجدان الممارس فإنه لا يسعى إلى ترجيح كفة على الأخرى بل يتبنى جدلية مركبة تصهر التناقض في بوتقة واحدة ليصبح النسيان هو الطريق الوحيد الموصل إلى الخلود ويغدو التخلد ثمرة ناضجة لذلك الفناء الواعي والنسيان الراديكالي لكل ما هو عارض ومؤقت في كيان الإنسان. تتجلى كيفية تعامل الممارس مع هذا التناقض من خلال خلق فضاء طقوسي ونفسي يعانق فيه العدم بوصفه الملاذ الآمن الذي تتلاشى فيه ثنائيات الذاكرة والنسيان والخلود والفناء فالممارس السحري يدرك تمام الإدراك أن الذاكرة الشخصية بتفاصيلها وتاريخها وجراحها ليست سوى سجن حديدي يربط الكائن بلحظة زمنية عابرة ويمنعه من بلوغ آفاق الكينونة المطلقة و لذلك فهو يمارس طقوس النسيان الإرادي و يستدعي العدم الداخلي ليمحو تدريجياً حدود هويته المألوفة وليفرغ عقله من صخب الأسماء والمعاني المكتسبة وفي غمرة هذا النسيان المطهر يبلغ الممارس حالة من التلاشي التام حيث ينعدم الفارق بينه وبين العدم المحيط به وهنا بالضبط تكمن المفارقة السحرية الكبرى ففي اللحظة التي يختار فيها الممارس أن ينسى نفسه كلياً وأن يتخلى عن كل رغبة في البقاء الشخصي المحدود فإنه يلامس بطريقة مدهشة جوهر الخلود الأصيل إذ يتحول من كائن بيولوجي زائل إلى طاقة كونية سائلة تتجاوز أسوار الزمن و تتحد بديناميكية الوجود الأبدي المستمر وكأن التخلد الحقيقي يشترط أولاً الموت الرمزي والنسيان التام للذات لكي ينبعث الإنسان من جديد كجزء لا يتجزأ من ديمومة الكون المطلقة. إن هذا التعايش الخلاق مع التناقض بين التخلد والنسيان يحول الوعي البشري من حالة الصراع المرضي إلى حالة من التناغم الفلسفي العميق حيث يعلم الممارس أن الذاكرة تثقل الكاهن وتشده إلى الأرض بينما النسيان يمنحه أجنحة الخفة والتحليق في فضاءات الإمكان اللامتناهي وإن السحر العملي هنا يقدم أدوات منهجية صارمة لترويض هذا الصراع من خلال تفعيل التخيل الراديكالي الذي يعيد ترتيب أولويات الكينونة إذ يتعامل الممارس مع رغبته في الخلود لا كهدف أناني ضيق بل كشوق أنطولوجي عميق نحو المطلق و مع سعيه للنسيان كأداة هدم طارئة تقوض وثاق الذاكرة المحدودة وحين يندمج الشوقان معاً في قلب الممارس يختفي التناقض ليحل محله سكون كوني مهيب وبصيرة نافذة تدرك أن البقاء الأبدي لا يتحقق بالتشبث بالذاكرة بل بالإنغماس الشجاع في بياض العدم وإستنطاقه لصياغة معان جديدة للوجود تتحدى الفناء وتنتصر على الزمن بقوة الإبداع المطلق والحرية المتجردة.

_ ترويض الزمن وعبور الفناء: أنطولوجيا الخلود المعاش و سلطة الوعي الحر المطلق

إن الخروج من أسر الزمن الخطي العابر و الدخول في مرتبة تحدي الزمانية المادية يتطلب إرتقاءً أنطولوجياً صارماً يرتكز على هندسة واعية للوعي البشري حيث لا يتحقق قهر الزمن بالهروب منه أو بتراكم الأيام بل يتأتى عبر عملية إحلال جذرية تتحول فيها اللحظة من وحدة قياس عابرة إلى مركز ثقل كوني مطلق وإن الخطوة التطبيقية الأولى في هذا المسار الراديكالي تبدأ بما يمكن تسميته بالقطع الإبستمولوجي مع الإيقاع اليومي المبتذل عبر إحداث تباطؤ عميق في تدفق الوعي يتيح للممارس مراقبة الزمن وهو يتشكل لا بوصفه تياراً جارفاً يجرفه معه بل بوصفه مادة خارجية هشة يمكن تفكيكها وإعادة صياغتها وحيث يلجأ الممارس هنا إلى طقوس العزلة والتجرد التام لتعطيل محركات الذاكرة الكلاسيكية وتخدير آليات الإستمرارية البيولوجية والنفسية لكي يدخل عمداً في بياض العدم المؤقت حيث تفقد الساعات عقاربها وتتلاشى ثنائيات الماضي و المستقبل لتنفتح أمامه بوابة الحضور الصافي الممتد الذي لا تعرف الكينونة فيه معنى للذبول أو التآكل. تتلو هذه الخطوة التأسيسية مرحلة الموت الرمزي والتلاشي الإختياري داخل نسيج العدم حيث يتعين على الممارس أن يمارس طقسياً تدمير هويته الزمنية المرتبطة بالأسماء و الأدوار والمكتسبات الإجتماعية المحددة لكي يخلع عنه رداء التاريخ الشخصي ويقف عارياً تماماً أمام الهاوية وهنا تكمن اللحظة السحرية الكبرى إذ إن مواجهة العدم بلا خوف تمكن الممارس من إمتصاص طاقته الخام وإستخدامها كرافعة أنطولوجية تقفز فوق حاجز الفناء فالزمن في جوهره ليس سوى نتيجة لثبات الأشياء و تصلب هوياتها فإذا ما نجح الممارس عبر الرموز السرية والتخييل الراديكالي في تسييل تلك الهويات وإذابتها في لجة الغياب فإن الزمن يفقد سلطته الإستبدادية ويتحول إلى فضاء سائل طري تتداخل فيه العصور وتلغي فيه المسافات لتتجسد الخطوة العملية الثالثة في إعادة خلق العالم من نقطة الصفر عبر إستنطاق ذلك العدم و إستخراج إمكانيات بكر ومعان جديدة لم يطأها إيقاع التاريخ البشري المعتاد. إن تتويج هذه الخطوات التطبيقية يتمثل في بلوغ حالة الثبات الديناميكي أو ما يُعرف في النسق السحري العميق بالخلود المعاش حيث لا يعود الممارس كائناً ينتظر الموت أو يحصي دقات الزمن بل يتحول إلى عين ناظرة تتوسط العاصفة الزمنية دون أن تلمسها ريح الفناء وإن هذا الإنسان المتمرد على الزمن لا يعيش خارج الواقع بمعزل عنه بل يخترقه بعمق إستثنائي مجنداً طاقة العدم المكتسبة من طقوسه لكي يطبع أثراً خالداً في جوهر الوجود ومثلما تتفاعل الجذور الصامتة في أعماق الأرض لتمنح الشجرة قوتها فإن إستنطاق العدم يمنح الممارس تلك الحصانة الوجودية التي تجعل أفعاله وإبداعاته خارج نطاق التقادم والنسيان لتصبح حياته بأسرها معبراً ممتداً نحو المطلق ومثالا حياً لكيفية ترويض الزمن و إخضاعه لسلطة الوعي الحر المطلق.

_ جرح الذاكرة ونقاء البياض: أنطولوجيا سحر النسيان و الفيضان الروحي في أفق الحب المطلق

إن ممارسات سحر النسيان في عمقها الفلسفي و الأنطولوجي لا تمثل مجرد محاولة عابرة لمحو الذاكرة الشخصية أو التخلص من ثقل الجراحات العاطفية القديمة بل تشكل عملية جراحية راديكالية تطال البنية التحتية للوجدان البشري و تزعزع الأسس التي تقوم عليها أية إمكانية للحب والتواصل العاطفي مع الآخرين حيث يرتبط الحب تقليديا بتراكم الذكريات وتنسيق الخيوط الخفية للماضي المشترك وصياغة سردية إستمرارية تجمع بين إثنين في أفق الزمن بينما يأتي سحر النسيان ليهدم هذه السردية من أساسها ويدخل الممارس في منطقة بياض العدم المطلق حيث تتلاشى المرجعيات العاطفية و تذوب الوجوه والأسماء في لجج الغياب الكوني وإن هذا الدخول الطقوسي في العدم عبر بوابة النسيان يحدث قطيعة إبستمولوجية حادة مع الذاكرة العاطفية المعتادة ليجد الممارس نفسه عارياً من كل الأسلحة الوجدانية المألوفة ومحررًا في الوقت ذاته من قيود التعلق المرضي و العبودية للماضي مما يعيد تشكيل قدرته على التواصل العاطفي من منظور كلي جديد لا يعتمد على التملك أو التراكم بل ينطلق من حرية مطلقة تتأتى من ترويض الفراغ الداخلي و إستنطاق طاقاته الخفية. تتجسد المفارقة الكبرى في هذه العلاقة المعقدة عندما ندرك أن التخلي عن الذاكرة عبر طقوس النسيان السحري لا يعني بالضرورة جفاف الوجدان أو إنعدام القدرة على الشعور بل على العكس تماماً يحرر الحب من شروط النفعية والإبتذال اليومي ليتحول من إرتباط عاطفي مشروط بالزمن والظروف إلى حالة من الفيضان الروحي الخالص الذي يتوجه نحو الآخر لا بوصفه كائناً ملازماً لتاريخ شخصي ضيق بل بوصفه تجلياً فريداً للكون في اللحظة الصافية المعاشاة وحين يمارس الساحر أو الفيلسوف طقس التلاشي في العدم فإنه يسقط عنه قناع الأنا المتضررة وتاريخها المثقل بالأحزان و الآمال المفقودة ليقف أمام الآخر بلا دفاعات وبلا مخاوف مستمدة من تجارب الفشل القديمة وإن هذا التواصل العاطفي النابع من قلب العدم يتسم بصفاء جذري وعمق إستثنائي لأنه لا يبحث عن سند أو أمان في الذاكرة بل يقبل على الآخر من موقع الحرية الكلية والقدرة على إعادة خلق العلاقة في كل لحظة كأنها تبدأ للمرة الأولى متجاوزة بذلك حدود الفناء والتقادم الزمني الذي ينحر أواصر العلاقات البشرية العادية المعتمدة على تراكم الأيام والأعوام. إن هذا التحول الراديكالي يضع الكائن أمام إمتحان قاسي يتمثل في قدرته على تحمل وحشة الحب الخالي من ضمانات الذاكرة وثبات التقاليد العاطفية فحين يفقد الإنسان ركائز الأسماء و التواريخ والوعود القديمة في خضم إستنطاق العدم فإنه يواجه الحب بوصفه مغامرة أنطولوجية كبرى تطأ حافة الهاوية وتتطلب شجاعة فائقة لقبول الآخر في سيولته وتغيره المستمر دون محاولة حبسه في قوالب الذاكرة الجاهزة وإن الممارس الذي إستطاع أن يصادق العدم و يطوع النسيان لا يعود قادراً على الحب بالطرق التقليدية المبتذلة بل يبتكر أشكالاً جديدة للتواصل العاطفي تتجاوز اللغة والمكان لتصبح العاطفة لديه تياراً كونياً سارياً يربطه بالآخرين برباط سحري خفي يستمد قوته من بياض الفراغ و من طاقة الإبداع المطلق التي تولد دائماً من رحم الفناء و الغياب لتثبت التجربة برمتها أن أعمق أشكال الحب و التواصل لا تنبت في حقول الذاكرة المزدحمة بل تشرق ببهاء مطلق من عمق الصمت الرهيب للعدم المروّض.

_ طمس الملامح وبياض الغياب: أنطولوجيا الخروج من سجن الأنا وتجليات الحضور المطلق في النسق السحري

إن عملية طمس الملامح الشخصية للممارس خلال مراحل التدريب السحري لا تُفهم بوصفها مساراً سلبياً للتلاشي المرضي أو محواً عبثياً للوجود بل تشكل هندسة أنطولوجية دقيقة تروم إعادة خلق الكائن من جذوره عبر تدمير تدريجي لهويته السطحية والإجتماعية التي تشكلت بفعل الإكراهات التاريخية والثقافية المألوفة وحيث يدرك الممارس منذ عتبات إشتغاله الأولى أن الأنا الشخصية بتفاصيلها وملامحها البارزة ليست سوى سجن وهمي وقناع زائف يحجب عنه إمكانية النفاذ إلى الحقيقة الكونية الخام للوجود وإن هذه الآليات الطامسة تبدأ عادة بما يمكن تسميته بالإنفصال الإبستمولوجي عن شبكة العلاقات والأسماء المرجعية التي تمنح الإنسان تعييناته الإجتماعية المعتادة حيث يُخضع الممارس نفسه لطقوس العزلة الصارمة والتجرد المنهجي المتقن لتعطيل محركات الذاكرة اليومية وتفريغ الوعي من ركام الأدوار والمهام التي تربطه بالزمن والمكان المادي لتتكسر تباعاً مرايا الذات وتفقد الملامح المألوفة خصوصيتها تدريجياً لصالح الدخول في حالة من السيولة الكيانية البحتة التي تمهد الطريق للإندماج الواعي في فضاء العدم الرحب الذي يسبق كل تشكل وكل هوية. تتلو هذه الخطوة التأسيسية آليات أعمق ترتبط بالتفكيك الرمزي واللغوي للأسماء والصفات الفردية حيث يعمد الممارس عبر إستخدام الرموز السرية والتخييل الراديكالي إلى محو خطوط وجهه النفسي و المعنوي الذي يمليه عليه المجتمع وتاريخه الشخصي المحدود إذ يمارس موتاً طقسياً إختيارياً يذيب من خلاله الغرائز النفعية و الدفاعات الأناوية المتصلبة ليقف عارياً تماماً أمام بياض الهاوية المتمثلة في العدم الأصلي و إن هذا الطمس التدريجي للملامح ليس سوى عملية تحويل كيميائية للوعي يحول الممارس بموجبها من كائن بشري محدد بأسماء وألقاب و تاريخ ضيق إلى طاقة كونية سائلة تتجاوز أسوار التعيين لتنفتح على آفاق الإمكان المطلق و حين تتلاشى الملامح الشخصية بالكامل وينمحي أثر الأنا العابرة يفقد الموت فزعه وتفقد الحياة معناها الإستهلاكي البسيط ليتحول الممارس إلى بؤرة صافية للرؤية والوجود الصافي القادر على إستنطاق العدم وإستخراج أسرار الخلق البكر منه دون أن تعيق حركة إبداعه أية قيود شخصية أو رواسب هوية زائلة. إن تتويج هذه الآليات الطامسة يتبدى في بلوغ حالة من الحياد الوجودي الهادئ حيث لا يعود الممارس يسعى لإثبات ذاته أو الدفاع عن فراديته المبتذلة بل يتحول إلى مرآة كونية عاكسة للتدفقات المطلقة للوجود والخلق ومن خلال هذا التلاشى المحكم للملامح الفردية يكتسب الممارس قوته السحرية القصوى إذ إن من لا ملامح له يصبح قادراً على تقمص كل الملامح ومن لا هوية ثابتة له يستطيع أن يخترق كل الحدود وأن يعيد تشكيل الواقع بأكمله وفق إرادة متجردة لا تخضع لسلطة الزمن أو إكراهات الفناء لتثبت هذه التجربة برمتها أن الوصول إلى أقصى درجات الحضور السحري الفاعل يشترط بالضرورة المرور عبر أشد درجات الغياب والذوبان التام في بياض العدم الصامت.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ ...
- عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ ...
- عَرْشُ بَابَا دُودُو: سُرَادِقُ الذَّهَبِ وَالجِنِّ وَحِكَاي ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...


المزيد.....




- نيو مكسيكو ترفع دعوى ضد وزارة العدل الأمريكية لعدم مشاركتها ...
- لماذا يقوم عمّال بتكسير مهبط الطائرات المروحية في البيت الأب ...
- طلاب غزة يحتجون على إغلاق معبر رفح
- وساطة أممية لتعيين رئيس المفوضية الليبية
- مهدي لعريبي: الجزائر توقف أحد قادة منظمة -دي زد مافيا- الإجر ...
- وزير التربية الكويتي يصدر قرارا بإغلاق المدرسة الإيرانية الخ ...
- الخارجية الروسية تؤكد استعدادها لبحث أي أفكار أمريكية بناءة ...
- جونسون: ترامب يدرك تداعيات الصراع مع إيران على الأمريكيين
- العراق يعلن رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي
- -اليونيفيل-: إسرائيل أطلقت 113 مقذوفا على لبنان في أعلى مؤشر ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-