|
|
بعد الإعفاء.. هل نجح الأربعون مديرا في كتابة الرواية الأخيرة لمرحلة المهدي الرحيوي بمديرية التعليم بتيزنيت؟
عمر أوزكان
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 08:25
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
لا تنتهي المراحل الإدارية يوم توقيع قرارات الإعفاء من المهام، بل تستمر حتى يستقر الرأي العام على الرواية التي تفسرها. فبعدما يغادر كب مسؤول منصبه، تبدأ معركة أخرى أقل صخبا، لكنها أشد أثرا؛ معركة الذاكرة. فمن يملك حق كتابة الفصل الأخير؟ أهي الوقائع بما راكمته من مؤشرات ووثائق وأسئلة، أم البلاغات الرنانة بما تملكه من لغة احتفالية، لمحاولة صناعة الانطباع؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح بعد نهاية مرحلة المدير الإقليمي للتعليم المعفى بتيزنيت، ذ المهدي الرحيوي.
فبعد أشهر اتسمت بنقاش عمومي واسع حول ملفات ترتبط بتنزيل البرامج التحويلية (P1، P2، P13، P15، P17، P18، P19) لخارطة الطريق 2022-2026، وعلى رأسها مشروع المؤسسة المندمج، والدعم الممتد، والتربية الدامجة، ونتائج مؤسسات الريادة، وما أعقب ذلك من تتبع إداري جهوي ومركزي، واستفسارات رسمية، ثم قرار إعفاء من المهام، خرج إلى العلن بلاغ تكريمي نشره أربعون مديرا بصفحة فايسبوكية (TIZNIT37) يقدم المرحلة في صورة مغايرة تماما، ويمنحها شهادة نجاح تكاد تخلو من أي أثر لذلك السياق.
يظل التكريم في حد ذاته مبادرة اجتماعية وإنسانية مشروعة، ومن حق أي مجموعة أن تكرم من ترى أنه يستحق التقدير. غير أن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يتساءل: هل يجوز لبلاغ احتفالي أن يتحول إلى وثيقة لإعادة كتابة مرحلة إدارية كاملة؟ وهل يمكن لسردية تمت صياغتها بعد انتهاء المسؤولية أن تتجاهل الوقائع التي سبقتها، والأسئلة التي رافقتها، والوثائق التي أعقبتها، ثم تطلب من القارئ أن يتعامل معها باعتبارها الرواية النهائية؟
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية حفل، ولا قضية أشخاص، بل قضية ذاكرة إدارية. والذاكرة، حين تنفصل عن الوقائع، تتحول إلى سردية. أما حين تبنى على الوثائق، والمؤشرات، وتسلسل الأحداث، فإنها تصبح تاريخا. وبين السردية والتاريخ، نحاول أن نضع أمام القارئ الوقائع كما هي، لنترك له وحده حق إصدار الحكم.
قبل أن يكتب الأربعون مديرا سرديتهم.. ماذا كانت الوقائع تقول؟
لم يبدأ النقاش حول مرحلة تدبير المدير الإقليمي المعفى مع صدور بلاغ تكريم الأربعين مديرًا، ولا مع قرار إعفائه من مهامه، بل سبق ذلك بأشهر، حين تحولت ملفات ترتبط بتنزيل البرامج التحويلية لخارطة الطريق 2022-2026 إلى موضوع نقاش مهني وإعلامي متزايد.
فقد نشرت سلسلة من التحقيقات الصحفية تناولت مؤشرات مشروع المؤسسة المندمج، والدعم الممتد، والتربية الدامجة، ونتائج بعض مؤسسات الريادة، والحفل الإقليمي للتميز... وهي ملفات لا تمثل تفاصيل هامشية في عمل المديرية الإقليمية للتعليم بتيزنيت، بل تشكل صلب الأوراش الإصلاحية التي جعلتها الوزارة معيارا لقياس جودة التنزيل، ومدى احترام مبادئ الحكامة، ونجاعة التدبير، وربط المسؤولية بالنتائج.
ولم يبق أثر هذه الملفات محصورا في النقاش الإعلامي، بل امتد إلى الفضاء المؤسساتي؛ إذ أصبحت موضوعا لعشرات الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بما يعكس انتقالها من دائرة الجدل المحلي إلى مستوى الرقابة البرلمانية على تنفيذ السياسات العمومية. كما انتقلت هذه الملفات إلى مستوى المتابعة الإدارية، حيث أصبحت محل استفسارات رسمية على المستوى المركزي، قبل أن تنتهي المرحلة بقرار إعفاء المدير الإقليمي المهدي الرحيوي وتعيين الأستاذ عبد اللطيف أجكرير لتدبير المديرية.
إن أهمية هذا التسلسل لا تكمن في مجرد تتابع الأحداث زمنيا، وإنما في كشفه للسياق الحقيقي الذي انتهت فيه تلك المرحلة. فالمراحل الإدارية لا يمكن قراءتها من لحظة نهايتها فقط، وإنما من المسار الذي قاد إليها، ومن الأسئلة التي أثيرت خلالها، ومن الكيفية التي تعاملت بها المؤسسات المختصة مع تلك الأسئلة.
ولهذا، فإن أي محاولة لقراءة تلك المرحلة بمعزل عن هذا السياق، واختزالها في لحظة احتفالية لاحقة، لا تقدم للقارئ الصورة كاملة، وإنما تقدم جزءا منها فقط. فالسرديات قد تختار ما تريد أن ترويه، أما الوقائع فلا تملك هذا الترف؛ لأنها، في النهاية، لا تتشكل بالرغبات، بل بما وقع فعلا، وبما بقي ثابتا في الوثائق، وبما أصبح جزءا من المسار الذي انتهت إليه تلك المرحلة.
هل تكفي لحظة تكريم لكتابة ذاكرة مرحلة كاملة؟
بعد هذا المسار، جاء البلاغ المرافق لحفل التكريم، لا بوصفه خبرا عن مناسبة اجتماعية، وإنما بوصفه نصا فشل في ترسيخ رؤية مكتملة عن المرحلة المنتهية. فلم يقتصر على وصف أجواء الحفل، أو التعبير عن مشاعر الوفاء والامتنان، بل مضى أبعد من ذلك، مقدما حصيلة شبه نهائية لتجربة إدارية أجمعت المديريات المركزية، والمفتشية العامة، والوحدة الجهوية للإفتحاص عن فشلها.
فقد رسم البلاغ صورة لمسؤول قاد مرحلة اتسمت بالحكمة، وحسن التدبير، والانفتاح، والإنجاز، واحترام الأسرة التعليمية، حتى بدا نص البلاغ وكأنه يمنح تلك المرحلة شهادة براءة من كل ما سجلته اللجان المختصة حولها، ويقدم للقارئ خلاصة جاهزة لا تحتاج إلى مراجعة أو مساءلة.
وهنا لا يتعلق الأمر بحق أصحاب البلاغ -الأربعون مديرا- في التعبير عن رأيهم، فهذا حق لا ينازعهم فيه أحد، وإنما يتعلق بطبيعة الخطاب نفسه. فالبلاغ لم يكتف بالقول: نحن نقدر المسؤول، بل أوحى بأن المرحلة، في مجملها، كانت محل تقدير، وأن صورتها أصبحت محسومة، وكأن ما سبقها من نقاشات، وما رافقها من أسئلة، وما انتهت إليه من وقائع، لم يكن جزءا من تاريخها.
غير أن المراحل الإدارية لا تقيم بلغة الامتنان، كما لا يمكن اختزالها في لحظة تكريم، لأن التكريم فعل وجداني، بينما التقييم فعل مؤسساتي يقوم على المؤشرات، والنتائج، والوثائق، ومدى تحقيق الأهداف التي جاءت من أجلها السياسات العمومية.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل كان من حق المنظمين أن يكرموا المدير الإقليمي المعفي المهدي الرحيوي؟ وإنما: هل يملك بلاغ الأربعين مديرا أن يعيد كتابة مرحلة إدارية انتهت في سياق مختلف، وأن يقدم سرديته للرأي العام باعتبارها الرواية النهائية؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من الضروري العودة إلى الوقائع مرة أخرى، لأن السرديات قد تكتبها الأقلام، أما التاريخ الإداري فلا يكتبه إلا ما يصمد أمام الفحص والتدقيق.
حين نسفت الوقائع سردية الأربعين مديرا!
إذا كان بلاغ الأربعين مديرا قد سعى إلى ترسيخ صورة توحي بأن المرحلة المنتهية كانت محل تقدير الأسرة التعليمية بإقليم تيزنيت، فإن أول ما يقتضيه الإنصاف هو اختبار هذه الصورة على ضوء الوقائع، لأن التمثيلية ليست ادعاء بل معطى قابلا للقياس.
وبالرجوع إلى لائحة الحضور الرسمية، ومقارنتها بالصور الملتقطة أثناء الحفل، تتكشف معطيات يصعب تجاوزها. فقد قاطعت هيئة التدريس بأكملها هذا اللقاء، باعتبارها تمثل أكبر مكون داخل المنظومة التربوية بالإقليم، بما يقارب (2500) ألفين وخمسمائة أستاذة وأستاذ.
كما غابت، بصورة كاملة، هيئات التفتيش بمختلف مكوناتها؛ فلم يحضر أي مفتش تربوي، ولا أي مفتش للتخطيط - وهو الإطار الذي ينتمي له المدير الإقليمي المعفى-، ولا أي مفتش للتوجيه، ولا أي مفتش للشؤون الإدارية والمالية.
وامتدت المقاطعة إلى الإدارة التربوية بالتعليم الثانوي، إذ لم يسجل حضور أي مدير من مديري الثانويات الإعدادية، ولا أي مدير من مديري الثانويات التأهيلية.
أما داخل المديرية الإقليمية نفسها، فقد قاطع جميع رؤساء المصالح الحفل، وقاطعه جميع المتصرفين، وجميع ملحقي الإدارة والإقتصاد، وجميع مستشاري التخطيط، وجميع ميتشاري التوجيه... ولم يظهر ضمن الحضور سوى موظف واحد فقط - المسؤول عن البرنامج التحويلي P1-، رغم أن عدد موظفي المديرية يقارب مائتي موظف.
ولم يقتصر الغياب على البنيات الإدارية والمهنية داخل المنظومة، بل امتد، بحسب معطيات الحضور إلى الهيئات الوسيطة التي تضطلع بتمثيل جزء كبير من الأسرة التعليمية. إذ لم يسجل حضور أي ممثل للنقابات التعليمية.
كما قاطعت الحفل مختلف الجمعيات المدنية والمهنية المرتبطة بالشأن التربوي، بما في ذلك شخصيات وهيئات تحسب، خلال المرحلة السابقة، ضمن الدوائر القريبة سياسيا من المدير الإقليمي المعفى.
كما صدرت عن بعض الفاعلين النقابيين والسياسيين، ممن كانوا يعدون من المقربين من المدير الإقليمي المعفى، تصريحات علنية، أعلنوا فيها مقاطعة حفل التكريم، مبررين ذلك بما اعتبروه حصيلة سلبية خلفها تدبيره الفاشل لتلك المرحلة على المنظومة التربوية بالإقليم.
وفي المقابل، اقتصر الحضور من بين مديري مؤسسات التعليم الابتدائي على أربعين (40) مديرا من أصل خمسة وتمانين (85).
وبالرجوع للحاضرين، وإخضاع لائحة جمع تبرعات تنظيم الحفل والصور للتدقيق والتمحيص، تتكشف معطيات ذات دلالة بالغة. إذ تشير البيانات إلى أن (28) مديرا من أصل (40) الأربعين ما زالت مشاريع المؤسسة المندمجة بمؤسساتهم تعج باختلالات في التنفيذ، دون أن يخضع أي منهم لأي عملية افتحاص أو تفتيش طيلة فترة تدبير المدير الإقليمي المعفى.
وفي السياق ذاته، فإن من بين الحاضرين (03 من أصل 04) ممن تعرضوا لحادثة سير في شهر دجنبر 2024 في طريقهم لسيدي عيسى، دون أن تطالهم أي مسطرة إدارية رغم ثبوت تنقلهم لأغراض الاستجمام في أوقات العمل الرسمية. علاوة على ذلك، عرفت مؤشرات نتائج الريادة تراجعا وانحدارا ملحوظا في مؤسسات ( 17) سبعة عشر مديرا من ضمن نفس المجموعة.
كما أن مؤسسات ثلاثة عشر (13) مديرا من الحاضرين فشلت في تفعيل الدعم الممتد، فيما سجلت معطيات إحصائية مثيرة أن من بين الحاضرين من أضيفت أسماءهم للوائح المستفيدين من الدعم الممتد دون القيام به. ولا تعدو هذه المعطيات أن تكون مؤشرات إضافية تعزز دوافع تنظيم الحفل.
قد يبدو الرقم أربعين (40)، في ظاهره، مجرد رقم. لكنه، في هذه الحالة، يكتسب دلالة تتجاوز الحساب العددي. إذ أصبح الحد الفاصل بين من حضروا ومن غابوا، وبين من عبروا عن موقفهم، ومن قاطعوا الحفل، وهجروا المنظمين وجمعيتهم لغير رجعة. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق بقيمة المبادرة، ولا بحق أصحابها في التكريم، وإنما بحدود تمثيليتها.
فحين تغيب أغلب المكونات المهنية للمنظومة التربوية، والجمعيات والنقابات...يصبح من الصعب اعتبار بلاغ صادر عن ذلك اللقاء معبرا عن الأسرة التعليمية بالإقليم. إنه، في أفضل الأحوال، يعبر عن رأي الأربعين مديرا، أما توسيع هذا الرأي ليصبح رواية جماعية، فهو أمر لا تثبته الكلمات، بل تنفيه الأرقام، وتفنده.
وهكذا، فإن أول تصدع في سردية حفل التكريم لم يصنعه نقد معارض، ولا تدوينة أو تعليق بمواقع التواصل الإجتماعي، ولا مقال صحفي، وإنما صنعته معطيات الحضور نفسها. فالأرقام، بخلاف البلاغات، لا تدخل في السجالات، ولاتجامل أحدا. إنها تكتفي بأن تحصي، لكنها، تملك ميزة لا تملكها الكلمات. وفي أحيان كثيرة، تقول أكثر مما تقوله الخطب، وتضع حدودا دقيقة لما وقع فعلا، ولما لم يقع.
هل تكتب البلاغات الذاكرة.. أم تكتبها نتائج التدبير؟
لا يتعلق الأمر، في نهاية المطاف، بحفل تكريم، ولا ببلاغ صحفي، ولا حتى بشخص مدير إقليمي أنهت الوزارة مسؤوليته قبل خمسة و أربعين يوما من تقاعده. فالأشخاص يرحلون، والمناصب تتغير، لكن ما يبقى هو الكيفية التي تكتب بها ذاكرة المؤسسات.
ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء أي تجربة إدارية، ليس صدور قرار بإعفاء مسؤول أو إحالته على التقاعد، وإنما أن تتحول الذاكرة إلى ملكية خاصة، يكتبها من يملك المنصة الأخيرة، بينما تغيب عنها الوقائع التي صنعت تلك المرحلة بكل نجاحاتها وإخفاقاتها.
ولهذا، فإنه لا يجوز أن نختزل الذاكرة الإدارية في خطاب احتفالي فاشل، فالتاريخ الحقيقي للمؤسسات، لا تكتبه الرغبات، بل ما تتركه التجارب من مؤشرات، وما تكشفه الوثائق الرسمية - الاستفسارات المركزية ووثيقة الإعفاء نموذجا-، وما تنتهي إليه آليات التقييم والمساءلة.
ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في إعادة تقييم شخص بعينه، وإنما في الدفاع عن مبدأ أبعد من الأشخاص جميعا؛ وهو أن البرامج العمومية، وخاصة البرامج التحويلية لخارطة الطريق 2022-2026، لا تقاس بالخطب التي تقال عنها، بل بما حققته على أرض الواقع، وبمدى احترام قواعد الحكامة التي قامت عليها، وبما انتهت إليه مؤسسات التتبع والتقييم بشأنها.
إن رواية الأربعين مديرا، وهي تحاول أن تجعل صوتها أعلى من غيره... تناست أن الوقائع لا تدخل في هذا التنافس. إنها لا ترفع صوتها، ولا تكتب البلاغات، ولا تصفق في حفلات التكريم. ومع ذلك، فإنها تبقى، في نهاية الأمر، الشاهد الوحيد الذي لا يتغير بتغير المسؤولين، ولا يتقاعد بتقاعدهم، ولا يسقط بمرور الزمن.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرا بعد كل مرحلة إدارية ليس: من كتب أجمل بلاغ؟ وإنما، أي رواية استطاعت أن تصمد أمام الوقائع؟
على سبيل الختم: أربعون مديرا.. وآلاف الغائبين!
انتهت المسؤولية الإدارية للمدير الآقليمي للتعليم بتيزنيت بقرار الإعفاء، لكن يبدو أن معركة أخرى قد بدأت: معركة إعادة كتابة الذاكرة. وهنا اختار الأربعون مديرا طي صفحة كاملة من الأسئلة والوقائع والوثائق، واستبدالها ببلاغ احتفالي يوزع شهادات النجاح، ويمنح صكوك حسن التدبير، ويعلن إجماعا نسفته معطيات الحضور نفسها.
قد ينجح أي بلاغ في أن يصنع لحظة احتفاء، وقد تستطيع الكلمات، لبعض الوقت، أن تمنح الانطباع بأن الرواية قد اكتملت، وأنها قد كتبت الصفحة الأخيرة. غير أن الذاكرة المؤسساتية لا تقفلها مراسم التكريم، ولا يختمها توقيعات البلاغات. فهي تظل مفتوحة، لأن معيارها ليس جمال العبارة، بل صلابة الوقائع.
ولعل المفارقة الأبلغ أن سردية حفل التكريم، التي أرادت أن تتحدث باسم الأسرة التعليمية لم تجد، في نهاية المطاف، سوى (40) أربعين مديرا من أصل (85) خمسة وثمانين مديرا بالتعليم الابتدائي، بينما قاطعتها بقية مكونات المنظومة: آلاف الأستاذات والأساتذة، وهيئات التفتيش بكل تخصصاتها، ومديرو التعليم الثانوي بسلكيه، ورؤساء المصالح، ومعظم موظفي المديرية، وكل النقابات التعليمية والجمعيات... ولم يكن هذا الغياب مجرد رقم في لائحة حضور، بل أصبح جزءا من معنى الرواية نفسها.
إن الرقم أربعين يحمل، في الوجدان الشعبي، وفي الثقافة الأمازيغية خصوصا، دلالات متعددة. وهنا ترتبط دلالته باكتمال مرحلة وبداية أخرى. لكن مفارقته هنا مختلفة. إذ لم يكن رقما يعلن اكتمال الإجماع، بل رقما كشف ضعف سردية أصحابه، وحدوده.
لم يثبت الرقم أربعون أن الأسرة التعليمية تكلمت بصوت واحد، بل أثبت أن من تكلموا لم يكونوا سوى ظل شاحب، وصدى باهث. ويمثلون الجزء الأكثر هشاشة، ووهنا وتداعيا من بنيان المنظومة. وأثبت أن من دبج البيان ومن تبنوا الفكرة لا يمثلون سوى رماد القاعدة.
ولهذا، فإن السؤال الذي افتتحنا به هذا المقال يجد جوابه في نهايته: من يكتب الرواية الأخيرة؟ ليس البلاغ، لأنه يعبر عن رغبة أصحابه في ترميم صورتهم المهزوزة وصورة المدير الإقليمي المعفى... وإنما الوقائع، لأنها وحدها تبقى عندما تنتهي الكلمات، وتتبخر البلاغات، ويغادر الجميع المنصة.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق لكل مسؤولية عامة: قد ينجح أصحابها في اختيار كلمات النهاية، لكنهم لا يملكون أبدا حق اختيار الطريقة التي سيكتب بها التاريخ صفحتها الأخيرة.
#عمر_أوزكان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإصلاح التربوي بالمغرب: المنتدى الجهوي حول منظومة التربية و
...
-
15 تلميذاً بإدارة متكاملة.. مدرسة أشباح في المغرب تثير عاصفة
...
-
ترقية الموظفين بالمغرب: تجربة جهوية تكسر الجمود الإداري وتضع
...
-
من الحكامة إلى الإخلال الدستوري: قراءة قانونية في تعثر مشروع
...
-
الدعم التربوي الممتد بتيزنيت: نجاح وطني يتعثر محليا!
المزيد.....
-
أوكرانيا: هجوم روسي على منطقة كييف يخلّف 15 قتيلاً
-
قطر.. حمد بن جاسم يذكّر بغزّة ودور اللجان التي شُكِّلَتْ من
...
-
القيادة المركزية الأمريكية: المسار الجنوبي عبر مضيق هرمز لا
...
-
ترامب يحذر إيران من مغبة عدم فتح مضيق هرمز -قريبا جداً-
-
DW تتحقق: حملات تضليل روسية تستهدف الانتخابات الألمانية
-
من تاجرة مخدرات إلى هتك عرض شاب.. أبرز التهم الموجهة للمذيعة
...
-
ترامب: إثبات عجز إيران عن تصنيع السلاح النووي -بات قريباً-
-
أمام فوهات البنادق.. هروب نحو المجهول!
-
الولايات المتحدة تحدد قائمة الزيجات المعترف بها لمنح البطاقة
...
-
قد تبدأ في الفم.. طبيبة تكشف أمراضا خطيرة لا علاقة لها بالأس
...
المزيد.....
-
التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الكنز المخفي
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
-
خطوات البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
المزيد.....
|