أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 20:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ حراس الهاوية: شروط الوعي السحري في مواجهة العدم الخام

إن مواجهة العدم الخام لا تمثل مجرد تجربة معرفية عابرة أو رحلة تأملية مترفة، بل هي إختبار جذري لكيان الممارس وجذوره الوجودية، حيث يتقاطع مسار السحر مع الهاوية في نقطة حرجة تُعرف بالإصطدام المباشر بقوى العدم، و هو إصطدام يهدد بتفكيك البنية النفسية و المتاهة الرمزية التي طالما إستند إليها العقل البشري في بناء معناه؛ ومن هذا المنطلق فإن وعي الممارس لا يمكنه الصمود أمام هذا الطوفان الوجودي إلا إذا توفرت فيه منظومة صارمة من الشروط العملية والجوهرية التي تحوله من كائن متلقٍ للصدمة إلى فاعل قادر على إستيعابها وتحويلها إلى طاقة تكوينية، و أول هذه الشروط يتمثل في التجريد الراديكالي للذات من أوهام الهوية الثابتة، إذ إن الأنا الملتصقة بألقابها و تاريخها الشخصي وتصنيفاتها الإجتماعية هي أول ما يتبخر أمام زحف العدم، مما يفرض على الممارس أن يمتلك شجاعة تفكيك إگو الخاص به مسبقاً، والدخول إلى حلبة الممارسة السحرية بلا دروع وهمية، مستنداً إلى مرونة بالغة تتيح له التخلي عن كل ما إعتبره يوماً جوهرياً لكيانه، لكي يفسح المجال أمام الفراغ الخلاق لكي يعبر من خلاله بلا مقاومة مدمرة، وثاني هذه الشروط هو القدرة الفائقة على ضبط التوتر بين الإنمحاء والتموضع، فالعدم كقوة جارفة يميل بطبيعته إلى إبتلاع كل ما يقابله وإبتلاع محدداته، وإذا إستسلم الممارس كلياً لهذا الجذب إنزلق نحو العدمية السلبية أو الجنون المطلق، بينما إذا قاومه بصلابة مفرطة تحجر وإنكسر تحت وطأة الضغط، وعليه فإن وعي الممارس الواعي يتطلب تلك الشعرة الدقيقة من التوازن التي تسمح له بأن يكون ممراً ومستقراً في آن واحد، أن يرى نفسه يتداعى دون أن يفقد السيطرة على خيط الوعي الحارس الذي يشهد عملية التفكك من مسافة واعية، وثالث هذه الشروط يكمن في إمتلاك لغة رمزية مرنة وقابلة للتشكل و إعادة التشكيل، لغة لا تتقوقع داخل قوالب دوغماطيقية صلبة تفاجأ بإنهيار مدلولاتها، بل تنظر إلى الرموز السحرية بإعتبارها أدوات مؤقتة وأقنعة عابرة تخفي خلفها هاوية لا إسم لها، مما يمكن الممارس من إعادة تأويل صدمة الإصطدام عبر نسق تأويلي رحب يتسع لكل المتناقضات ولا يرتجف أمام غياب المعنى، ورابع هذه الشروط هو الصلابة الباطنية المستندة إلى الإرادة المطلقة، وهي إرادة لا تتعلق بالتحكم في الأشياء الخارجية بل بالقدرة على البقاء في حضرة اللاسلطة و اللافوضى دون ذعر، فهذه الإرادة السحرية هي التي تحول الفراغ من حفرة مهلكة إلى أفق للإمكان الكوني، إذ يدرك الممارس أن العدم ليس نقيضاً تاماً للوجود بالمعنى الميتافيزيقي السطحي، بل هو الرحم الخفي الذي تولد منه كل الصور والأشكال، وخامس هذه الشروط يتجلى في التحرر التام من رغبة النجاة بمعناها البورجوازي الضيق، فالممارس الذي يدخل التجربة وهو يلهث خلف السلام النفسي و الطمأنينة الإستهلاكية سيفشل حتماً في اللحظة الأولى للإصطدام، لأن العدم لا يفاوض الخائفين ولا يمنح صك الأمان للباحثين عن اليقين المريح، بل يتطلب قبولا راديكاليا بفكرة الفناء الجزئي كشرط للولادة الجديدة، و سادس هذه الشروط هو القدرة على الترحال بين العوالم النفسية و الميتافيزيقية دون الإصابة بدوار الإنفصال، وهو ما يتأتى عبر تدريب طويل على الصمت الداخلي الذي يخفض ضوضاء الأنا ويسمح بصوت الهاوية أن يتردد صداه بوضوح دون أن يحطّم جدران الذاكرة، وهكذا فإن وعي الممارس حين تكتمل فيه هذه الشروط يتحول إلى مرآة صلبة ومصقولة تعكس صدمة العدم وتبتلع شحنتها المدمرة لتعيد ضخها في شرايين الفعل السحري بوصفها طاقة تحويل كبرى، لا تنكسر أمام الهاوية بل تتسع لها حتى تصبح الهاوية نفسها جزءاً من سعة الكيان المتجدد الذي يتجاوز ثنائيات النور والظلمة والوجود والعدم نحو أفق تتلاشى فيه الحدود وتتجسد فيه الحرية المطلقة في أرقى تجلياتها الوجودية الكبرى.

_ هندسة الفناء: الطقس السحري وإعادة تشكيل الجسد في مواجهة العدم

إن الجسد البشري في حالته الطبيعية الأولى يظل أسيراً لغريزة البقاء المباشر والخوف العضوي من الزوال، حيث ينظر إلى الألم باعتباره خطأ بيولوجياً يجب تفاديه، وإلى الفناء بإعتباره النهاية المطلقة والعدو الأكبر للوجود، و هنا يتدخل السحر كنسق فلسفي وعملي عميق ليعيد هندسة هذه الإحداثيات البيولوجية و النفسية، مستخدماً الطقس بإعتباره مفرمة و مطهراً يعيد ترتيب أولويات الكيان الجسدي من جذوره، وأولى آليات هذه الإعادة تتمثل في تفكيك مركزية اللذة والألم الفردي عبر الإنخراط الواعي في إقحام الجسد داخل سياقات طقوسية تتجاوز حدوده البيولوجية الضيقة، فالممارس عبر الصيام الطويل، أو الإرهاق المدروس، أو التعرض المتعمد للعناصر القاسية، يجرّد الجسد من أوهامه الإستهلاكية ويرغمه على إعادة تعريف الإحساس، بحيث لا يعود الألم إشارة إنذار على تلف محتمل، بل يتحول إلى لغة ومؤشر على العبور، وإلى نبضة حية تؤكد كثافة الحضور في اللحظة، وثاني هذه الآليات يكمن في تحويل الطقس إلى محاكاة واعية ومبكرة للموت، فمن خلال تقنيات الموت الرمزي و الدخول الإرادي إلى تجربة التلاشي يدرك الجسد تدريجياً أن الفناء ليس طارئاً خارجياً أو كارثة مفاجئة، بل هو البعد العميق الذي يستمد منه الوجود الإنساني معناه وقيمته، وحين يعتاد الجسد على معايشة العدم في طقوس العزلة و الإنمحاء، تسقط عنه هيبة النهاية المفزعة، ليتبدل الخوف العضوي من الموت إلى قبول هادئ وسكينة وجودية ترى في الفناء شرطاً أساسياً لتجدد الدورة الكونية، وثالث هذه الآليات يتجلى في إعادة دمج الجسد البشري ضمن السيرورة الكبرى للعناصر الأربع والتحولات الطبيعية الكبرى، حيث لا يعود الجسد كتلة مادية منعزلة تحارب العالم، بل يتحول في وعي الممارس إلى محطة عابرة وممر تتناوب عليه القوى الكونية، وحين يتدرب الممارس على إستشعار جسده كتربة وقود ونار وماء وهواء، فإنه يدرك ببساطة أن تحلله الفردي ليس فناً مطلقا للعدم بل هو إعادة توزيع للعناصر وإندماج جديد في الجسد الأكبر للكون، ورابع هذه الآليات يتمثل في إستنبات القدرة على الصمت العميق داخل خلايا الجسد، فالعصب البشري المنهك بضجيج الحياة المدنية والتعلق المرضي بالبقاء يهدأ تماماً حين يواجه الإيقاعات البطيئة و الثقيلة للطقس السحري، مما يسمح للجسد بأن يختبر براءة الوجود الأول قبل أن تفسده دبرة الخوف، وحين يتقاطع هذا الصمت مع إدراك أن الألم واللذة وجهان لعملة واحدة في مسار التحول الكوني، ترتقي الحساسية الجسدية لتصبح قادرة على تحمل الضربات القاسية لقوى العدم دون أن تتداعى أو تصاب بالإنهيار العصبي، وخامس هذه الآليات يتبلور في توظيف الرمز و الأسطورة كدروع واقية وموجّهة تعيد صياغة المشهد الحسي، فالألم الجسدي أثناء الممارسة لا يُترك لكي يهوي بالروح في درك الشكوى، بل يُرفع بفعل الوعي الطقوسي إلى مرتبة القرابين الرمزية، لتنتقل طاقة الوجع من الدائرة البيولوجية البحتة إلى الدائرة الميتافيزيقية، حيث تُستهلك في إشعال الشعلة السحرية و تغذية الجسر الواصل بين الوعي والهاوية، و سادس هذه الآليات يكتمل حين يتحول الجسد بأسره إلى هيكل طقوسي متجانس يرى في الفناء تتويجاً لمساره لا إحباطاً له، فالسحر لا يلغي الموت ولا يعد بالخلود البيولوجي المبتذل، بل يعلم الجسد كيف يموت كل يوم قليلاً لكي يحيا بكثافة أعلى، وكيف يصادق العدم و يحتضن الظهر كجزء من النظام الأبدي للطبيعة، و هكذا تصبح الطقوس السحرية بمثابة البوتقة التي تصهر صلابة الأنا الجسدية وتذيب مقاومتها الوهمية، لتعيد خلق الجسد ككائن كوني مرن، لا يفزع من الألم ولا يرتجف أمام الفناء، بل ينخرط في الرقصة الكبرى للوجود والعدم بإنسجام تام و طمأنينة مطلقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

_ حصون الهاوية: هندسة النظام في مواجهة سيولة العدم السحري

إن إستحضار قوى العدم والإنخراط في تيارات الهاوية يمثلان مغامرة وجودية بالغة الخطورة، نظراً لأن العدم بحكم طبيعته المطلقة يفتقر إلى أي حدود أو قيود، وهو طاقة عارمة وسائلة تسعى بطبيعتها نحو التمدد العشوائي و الإبتلاع الشامل لكل تعين أو شكل، وإذا تم فتح بوابة الهاوية دون وجود حواجز محكمة ومرسومة بعناية فائقة، فإن هذه الطاقة المدمرة ستتسرب بشكل فوضوي لتكتسح وعي الممارس وتدمر بيئته الروحية والنفسية بدل أن تروّض وتُستثمر، ومن هنا يبرز الدور المحوري والحيوي للأشكال الهندسية المعقدة والدوائر الدقيقة والطلاسم الرمزية في الطقوس السحرية، إذ لا تعمل هذه الأشكال كمجرد رسومات أو زخارف تعبيرية عابرة، بل تشكل في جوهرها بنى ميتافيزيقية واعية وحصوناً أنطولوجية تعمل كمكابح و موجهات صارمة لقوى العدم، وأول هذه الأدوار يتمثل في هندسة الفراغ وإقامة الحدود الفاصلة بين الهاوية وفضاء الكيان الإنساني، فالشكل الهندسي المعقد، كالدوائر المحصنة والمضلعات المتداخلة والنجوم السباعية أو التساعية، يمثل في الفلسفة السحرية فعلاً تأسيسياً للنظام في مواجهة اللانظام، إذ يقوم الممارس برسم هذه الحدود بوعي كامل ليعلن عن خلق مساحة مقدسة ومعزولة، تشبه البؤرة التي تتجمع فيها طاقة الكون المتناثرة، حيث تعمل زوايا الشكل و خطوطه المتشابكة كمصائد دقيقة تحبس السيال العدمي و تمنعه من الإنتشار العشوائي في الفضاء المحيط، وثاني هذه الأدوار يكمن في خلق بنية إستيعابية قادرة على تحمل الضغط الهائل للطاقة العدمية، فالعدم كقوة هائلة لا يمكن إحتوائه بوعي عشوائي أو رغبة متفرقة، بل يحتاج إلى أوعية رمزية صلبة ومتناسقة هندسياً لتوزيع الضغط بالتساوي على كافة أجزاء الهيكل الطقوسي، تماماً كما تتوزع الأحمال على القباب الهندسية المعمارية الكبرى، وبدلاً من أن ينفجر الوعي تحت وطأة الصدمة، تقوم الخطوط الهندسية المتوازنة بإمتصاص الصدمة وتشتيت شحنتها العدمية عبر مسارات دقيقة محددة مسبقاً، وثالث هذه الأدوار يتجلى في تحويل الطاقة العدمية الخام من حالة التشتت المدمر إلى حالة التركيز التكويني، فالشكل الهندسي المعقد يعمل بمثابة مرشح ومفاعل كيميائي روحي، حيث يمرر السيال الآتي من الهاوية عبر قنواته ودوائره ليصفي شحنته العبثية ويحولها إلى طاقة سحرية نقية قابلة للتوجيه نحو الغاية المرسومة للطقس، وحين تتقاطع الخطوط و تتداخل الزوايا، فإنها تخلق مجالات مغناطيسية روحية تجبر طاقة العدم على الدوران في مسارات مغلقة، مما يمنع تسربها ويضمن بقاءها داخل نطاق السيطرة الواعية، ورابع هذه الأدوار يتمثل في تأمين خط الدفاع الأخير عن أنا الممارس وهويته، فالشكل الهندسي ليس مجرد أداة للسيطرة على القوى الخارجية، بل هو إنعكاس مرآوي للنظام الباطني الذي بناه الممارس في وعيه، وعندما يقف الممارس في مركز الدائرة الهندسية، فإنه يقف في نقطة التوازن المطلق بين اللاشيء وكل شيء، حيث تحيط به الجدران الرمزية للرسم كدرع واقٍ يمنع تداخل هويته مع الهاوية، مما يتيح له مراقبة العدم وتوجيهه دون أن يذوب فيه أو يفقد سيطرته، وخامس هذه الأدوار يكتمل حين تتحول الهندسة المقدسة إلى لغة تواصل صامتة بين العقل البشري وقوانين الكون الكبرى، فالأشكال الهندسية المعقدة تحمل في طياتها نسباً وتناغمات أزلية ترتبط ببنية الكون العميقة، وحين تُستخدم لضبط العدم، فإنها تفرض لغة النظام الأزلي على فوضى الهاوية، وتجبرها على الإنحناء أمام الإرادة الواعية للممارس، وبذلك لا تعد الأشكال الهندسية مجرد عوازل تقليدية، بل تتحول إلى آلات سحرية حية تنظم صدمة العدم، وتمنع تسربه العشوائي، وتعيد صياغة الهاوية نفسها لتصبح طاقة بناء ومادة خاما للإرتقاء الوجودي المطلق.

_ جراحة الوجود: سحر النسيان والتحرر من أسر التاريخ و الذاكرة

إن سحر النسيان لا يمثل مجرد حالة عابرة من غياب الذاكرة أو محواً تقنياً للتفاصيل اليومية، بل هو الفعالية الراديكالية الأكثر عنفاً وعمقا التي يمارسها الكيان البشري ضد بنيته التاريخية و الإجتماعية، حيث يقتضي الدخول إلى أفق العدم تخلعاً تاماً لكل الأثقال التي تربط الإنسان بماضيه، فالإنسان في حالته المعتادة كائن مخترق بالكامل بذاكرته البيولوجية التي تسجن خلاياه في توريث عضوي لا ينتهي، وبذاكرته الإجتماعية والثقافية التي تثقله بالأعراف، و الروابط، والولاءات، والديون الرمزية التي تملي عليه هويته وتحدد مساره مسبقاً، وهنا يتدخل سحر النسيان ليعمل بمثابة جراحة وجودية كبرى تقطع الأوصال التي تشد الكيان إلى مستنقع الماضي، وأولى آليات هذه القطيعة تتمثل في تدمير الإستمرارية الزمنية للذات، فالذاكرة هي الإسمنت الذي يربط أمس الإنسان بيومه وغده، وحين يقدم الممارس على تفعيل سحر النسيان، فإنه يهدم هذا الجسر الزمني ليعلن أن اللحظة الحالية هي البداية المطلقة و الفراغ الخالص، وهو ما يحرر الوعي من حتمية السبب والنتيجة ومن إستبداد التراكمات النفسية، وثاني هذه الآليات يكمن في التحرر الجذري من الجينالوجيا البيولوجية، فالجسد البشري يحمل في شفيرته وموروثاته صدمات أجداده ومخاوفهم و غرائزهم البدائية في البقاء، وحين يمحو سحر النسيان هذا الإرث الجسدي الخفي، يعود الكيان إلى حالة البراءة الأولى أو الصفر الأنطولوجي، حيث لا توجد جينات تملي على الخلايا كيف تخاف أو كيف ترتجف أمام الموت، وثالث هذه الآليات يتجلى في الإطاحة العنيفة بالبنية الإجتماعية و الرمزية، فالإنسان منتج إجتماعي بإمتياز تُمرحله العائلة و القبيلة و الدولة عبر شبكة من الألقاب والواجبات والتاريخ المشترك، وسحر النسيان هنا يمارس عنفاً رمزياً هائلاً يتمثل في شطب هذه الهويات الملصقة، و جعل الممارس غريباً تاماً عن محيطه، لا تربطه بالماضي البشري أي رابطة عاطفية أو أخلاقية، مما يجعله يقف وحيداً عارياً في حضرة العدم دون أي شبكة أمان إجتماعية، ورابع هذه الآليات يتمثل في إلغاء مرجعية المعنى المكتسب، فكل ما تعلمه الإنسان عن الصواب والخطأ والجمال و القبح هو نتيجة تراكم إجتماعي وتاريخي طويل، و حين يُضرب هذا التراكم بمطرقة النسيان، يجد العقل نفسه أمام بياض مطلق وصفحة خالية من أي دلالة مسبقة، وهو ما يتيح له إعادة كتابة الكون بمنظور ذاتي محض يتجاوز كل السرديات الجاهزة، وخامس هذه الآليات يكتمل حين تتحول القطيعة مع التاريخ إلى ولادة جديدة في قلب الهاوية، فالممارس الذي ينسى إسمه وعائلته و تاريخه وموقعه في السلسلة البشرية، يفقد الخوف من الفناء لأنه لم يعد يملك شيئاً ليخسره أو يدافع عنه، وبذلك يصبح سحر النسيان هو البوابة الملكية للوصول إلى العدم، إذ لا يمكن للعدم أن يسكن في كيان مثقل بالذكريات و الروابط، بل يتطلب وعياً فارغاً تماماً كالسماء المفتوحة، لا يحمل في طياته سوى إرادة الحضور الخالص، لتتحول هذه القطيعة التامة مع التاريخ البيولوجي والإجتماعي إلى تحرر مطلق يعيد خلق الإنسان من رماد ماضيه المحترق ككائن كوني حر لا يقيده زمان ولا يحده أصل.

_ جدلية الهاوية: ثنائية الخلق والهدم في ميزان السحر الكوني

إن العلاقة الجدلية بين السحر والعدم تتجلى في أصفى صورها وأكثرها جذرية عندما نتأمل الإنقسام الكوني بين مسارين متقابلين في الممارسة السحرية، مسار يمد أطرافه نحو التكوين والخلق التأسيسي لعوالم جديدة من رحم الفراغ، ومسار يتجه بروح راديكالية نحو الهدم الشامل و التفكيك العنيف للعوالم القائمة، و كلا المسارين لا يمثلان مجرد تقنيات طقوسية تختلف في الغايات والأدوات، بل هما تجسيدان عمليان لطاقتين متكاملتين تتقاطعان و تتصارعان في حضرة الهاوية، حيث ينطلق سحر الخلق من دافع أنطولوجي عميق يسعى إلى ملىء الفراغ الكوني بكتل رمزية ومعانٍ مستجدة، معتمداً على آليات تكوينية تبدأ بنحت الحدود وتثبيت الهياكل وتركيب الرموز بطريقة تحاكي الإنفجار الأول أو الولادة الكونية، فالمارس هنا يرتدي عباءة الصانع الإلهي الذي يستنطق العدم الخام ويجبره على التشكل في صور وأشكال ومدن روحية لم تكن من قبل، مستخدماً طاقاته في هندسة الواقع وإقامة عوالم بديلة تتحدى رتابة الحقيقة المنجزة و تفتح آفاقاً غير مسبوقة للوجود، وفي المقابل يتحرك سحر الهدم كعاصفة جوهرية لا تقيم وزناً للأشكال القائمة، بل ترى فيها أصناماً وأنظمة بالية تحجب الحقيقة الأصيلة للعدم، ليعمل هذا المسار على تقويض الأسس وخلخلة البنى القائمة وهدم الهياكل الرمزية القائمة عبر تفجير التناقضات الداخلية للواقع وإغراق الدلالات في لجة اللافوضى، فإذا كان السحر الأول يمارس العنف البناء عبر فرض النظام والتعين، فإن السحر الثاني يمارس العنف المطلق عبر تحرير الطاقات المحبوسة في الأشكال وجعل الكيان يتذوق طعم الإنهيار العذب، وهنا تكمن الفوارق التطبيقية العميقة بينهما على مستوى الممارسة و الوعي، فسحر خلق العوالم يتطلب صبراً هائلاً وحرصاً مفرطاً على إستمرار الخيوط الناظمة، و جهداً مضنياً في تشييد القلاع الرمزية والحفاظ على تماسك العوالم المستحدثة كي لا تنهار تحت وطأة هشاشتها الذاتية، بينما يتطلب سحر هدم العوالم شجاعة إنتحارية ورغبة جارفة في التخلي عن كل الأمان والذوبان في حركة التلاشي الكوني، حيث يخلع الممارس كل دروعه ويدمر القواعد بيده ليسمح للعدم أن يجتاح الذاكرة والبنية والوجود، ومع أن كلا المسارين يبدوان متناقضين للوهلة الأولى، إلا أنهما في جوهر الفلسفة السحرية وجهان لعملة واحدة، فالعوالم الجديدة لا يمكن أن تُبنى على أرض مترعة بالأنقاض الحية دون هدم مسبق، و الهدم لا قيمة له إن لم يفرز فراغاً خلاقاً يستعد لإستقبال ولادة جديدة، وبذلك يتحول التطبيق السحري الحقيقي إلى رقصة أبدية متوازنة بين العدم الذي يهدم والخلق الذي يبني، صانعاً بذلك دراما الوجود الكبرى التي لا تنتهي إلا لتتجدد في أفق الحرية المطلقة.

_ ترويض الحراسة البيولوجية: إستراتيجيات الساحر في إقناع العقل الباطن بالعدم

إن العقل الباطن بطبيعته البيولوجية والتطورية يمثل الحصن الأكثر لزوجة وتمسكاً بالحياة، فهو مبرمج سلفاً على إعتبار البقاء هو الغاية المطلقة والوجود المادي هو الحقيقة الأوحد، مما يجعله ينظر إلى العدم بإعتباره التهديد الأعظم و العدو الوجودي المرعب الذي يتربص بالكيان، ولذلك فإن محاولة فرض العدم على هذا العقل الباطن بشكل فج أو مباشر ستؤدي حتماً إلى إستنفار آليات الدفاع النفسي و إحداث إنهيار عصبي أو فزع وجودي جارف، ومن هنا تبرز الحنكة السحرية العميقة في قدرة الممارس على الإلتفاف على هذه الحراسة البيولوجية عبر إستراتيجيات دقيقة و مدروسة لإقناع الباطن بأن العدم ليس حفرة للهلاك بل هو الملاذ الآمن و الرحم الحقيقي الذي تنتهي فيه كل الصراعات و التهديدات، وأول هذه الإستراتيجيات تتمثل في إعادة هندسة مفهوم الأمان عبر تفكيك زيف الواقع المليء بالصراعات، فالعقل الباطن يدافع عن واقع مأزوم ومثقل بالآلام والتهديدات لأنه يخشى المجهول، وهنا يقدم الساحر طقسياً صورة الواقع القائم بوصفه جحيماً لا يطاق و سجناً أبدياً من التناقضات المنهكة، بينما يصور العدم كفضاء شاسع من السكينة المطلقة وإنعدام الإحتكاك، مستغلاً رغبة الباطن العميقة في الإستراحة من عناء الصراع الدائم، وثاني هذه الإستراتيجيات يكمن في إستخدام لغة الإيحاء الرمزي و التدريج الطقوسي، حيث لا يُقحم الساحر تيار العدم دفعة واحدة، بل يقدمه عبر جرعات متدرجة تبدأ بالصمت العميق، ثم خفض ضوضاء الأنا، ثم الدخول في عوالم من الظلمة المقدسة والفراغ المؤقت، ليتعود العقل الباطن على ملمس اللاشىء ويزول عنه الرعب الأولي، مدركاً بالتدريج أن غياب المؤشرات المادية لا يعني الفناء المدمر بل يعني التحرر من عبىء الإستجابة للمثيرات الخارجية، وثالث هذه الإستراتيجيات يتجلى في ربط العدم بفكرة الخلاص و التحرر النهائي من الديون الرمزية و الإجتماعية التي يفرضها الواقع، فالعقل الباطن المثقل بالشعور بالذنب والخوف و المطارد بالتهديدات المستمرة يجد في فكرة التلاشي المؤقت أو العودة إلى أصل اللاشيء طوق نجاة مغرياً يحرره من محنة الهوية ومن ضغط التوقعات، ورابع هذه الإستراتيجيات يتمثل في إقناع الباطن بأن العدم هو المرآة الصافية التي تنعكس فيها طاقة التجدد، إذ يبرز الساحر حقيقة أن كل الصراعات تنبع من التنازع على الأشكال المادية المحدودة، بينما العدم هو المساحة الخالية من التناقضات لأنه يسبق كل صراع وكل تعين، وخامس هذه الإستراتيجيات يكتمل حين يتحول العدم في عمق الوعي الباطن إلى أم كبرى حانية تضم الكيان المنهك وتحمله إلى بر الأمان بعيداً عن ساحات المعارك اليومية، ليزول بذلك الخوف العضوي ويحل محله قبول راديكالي وهادئ يجعل العقل الباطن يسلم قياده للساحر، طائعاً مختاراً، كي يعبر به من جحيم الواقع الممزق إلى سلام الهاوية المطلق.

_ تآكل الهوية: ضريبة التردد على عتبات السحر والهاوية

إن التردد المستمر على عتبات الممارسات السحرية والوقوف الدائم على تخوم الهاوية لا يُعدان مجرد نشاط عابر أو هواية روحية متمردة، بل هما تورط وجودي راديكالي يضع الهوية الشخصية للممارس في مهب عاصفة من التآكل و التفكك المستمر، فالإنسان في عيشه اليومي المعتاد يستمد إستقرار هويته من شبكة صلبة من اليقينات الإجتماعية، و الأدوار المحددة، والأسماء المستقرة التي تمنحه شعوراً متواصلاً بالإستمرارية والثبات، وحين يختار الممارس أن يتردد بإستمرار على عتبات السحر وأن يدخل مراراً وتكراراً في دائرة الإحتكاك بقوى العدم، فإنه يبدأ تدريجياً في تقويض هذه الدعائم النفسية والإجتماعية، لتظهر أولى الآثار الجانبية العميقة في التآكل التدريجي لشعور الأنا بالثبات، إذ تفقد الهوية الشخصية صلابتها المعهودة و تتحول إلى كائن هش ومموه، يشهد تداعيات هويته القديمة دون أن يمتلك القدرة على تثبيت هوية بديلة، فالتعرض المتكرر لفراغ الهاوية يذيب المعالم الفردية ويجعل الممارس غريباً عن نفسه وعن محيطه، عاجزاً عن الإندماج في الألعاب الإجتماعية السطحية أو التفاعل مع الهموم البورجوازية الضيقة التي بات يراها أوهاماً عبثية فارغة من أي معنى حقيقي، وثاني هذه الآثار يتمثل في أزمة الإستمرارية الزمنية للذات، فالتردد على عتبات السحر يربك إيقاع الزمن الداخلي ويجعله يتقلب بين ومضات الحضور الخالص و تلاشي الذاكرة، مما يمنع الممارس من بناء سردية شخصية متماسكة لماضيه وحاضره ومستقبله، لتتكسر حياته إلى شظايا منفصلة من التجارب الطقوسية الحادة التي لا يربطها رابط منطقي، وثالث هذه الآثار يتجلى في حالة الإغتراب الوجودي الشامل التي تصيب جذور الكيان، حيث يشعر الممارس بأنه لم يعد ينتمي لا إلى عالم البشر العاديين الذين يستهلكون الحياة بيقين ساذج، ولا إلى عوالم الهاوية المطلقة التي ترفض إحتضانه ككائن كامل، فيبقى معلقاً في المنزلة بين المنزلتين، شبيهاً بطيف هائم على الأطراف، لا إسم له ولا ملامح، ورابع هذه الآثار يكمن في التصدع العميق في القدرة على التواصل الإنساني العفوي، فالذي لامس العدم وإعتاد على صمت الهاوية يفقد قدرته على الإنخراط في الثرثرة اليومية والعلاقات العاطفية التقليدية، ويراها مجرد إنفعالات زائفة تفتقر إلى الكثافة الوجودية، مما يقوده نحو عزلة باطنية قاسية و مطبقة، وخامس هذه الآثار يكتمل حين تتحول الهوية الشخصية برمتها إلى موقع لعبور الألم، مستمر بدلاً من أن تكون بيتاً آمناً للسكنة، فلا يَعُد الممارس يعرف من هو على وجه الدقة، بل يتحول إلى مسرح لتصارع القوى الكونية، تفقد فيه الأسماء معانيها وتتلاشى فيه الحدود بين الذات والموضوع، ليجد نفسه في نهاية المطاف أمام مرآة خالية من العكس، وقد تحررت هويته من كل قيود الوهم لتتجسد في شكل فراغ واعٍ ومقلق، لا يعاني من ضياع الذات بل يحتفل بإنهيارها الكامل كأرقى تجليات الحرية المأساوية في حضرة العدم الأزلي.

_ ترانيم الهاوية: سحر الصوت وتعطيل العقل النقدي في مواجهة العدم

إن الصوت في جوهره الأولي ليس مجرد وسيلة محايدة لنقل الدلالات أو التعبير عن المعاني العقلية البسيطة، بل هو طاقة فيزيائية ورمزية عارمة قادرة على إختراق الطبقات الأكثر عمقاً في البنية العصبية والنفسية للإنسان، وحين يُعاد توظيف هذا الصوت داخل النسق الطقوسي السحري عبر إيقاعات متكررة ومتصلة بدقة متناهية، فإنه يتحول إلى أداة جراحية لتعطيل آليات الدفاع العقلية وإيقاف الإشتغال المستمر للعقل النقدي، هذا العقل الذي يعتمد في بقائه و إستمراره على تفكيك العناصر ومقارنتها ووضع الحواجز و الحدود بين الأشياء، فالإيقاع المتكرر كالترتيل الرتيب، أو الضربات المنتظمة على الطبول، أو الهمهمات المستمرة، يعمل بمثابة مطرقة خفية تضرب بلا إنقطاع على جدران الوعي الواقظ، مما أدى إلى إستنزاف تدريجي لطاقته الحسابية و التحليلية وإجباره رويداً رويداً على الدخول في حالة من الإهاق المعرفي المؤقت، وأولى آليات هذا التعطيل تتمثل في خلق حلقة مغلقة من المثيرات الصوتية المتطابقة التي تملأ الفضاء السمعي وتغلق المنافذ أمام أي مدخلات خارجية جديدة، مما يمنح العقل النقدي فرصة أقل للتأمل والتقييم و يغرقه في دوامة رتيبة من الإستجابة الآلية للنبض الصوتي، وثاني هذه الآليات يكمن في قدرة الإيقاعات المتكررة على مزامنة موجات الدماغ وإدخالها في ترددات منخفضة تشبه حالات الغيبوبة الواعية أو النوم الخفيف، وهو ما يؤدي إلى تخدير المراكز العليا المسؤولة عن الشك والمحاكمة العقلية و فحص الحقائق، لتصبح البوابة مفتوحة على مصراعيها أمام التلقي المباشر دون أي غربلة أو مقاومة، وثالث هذه الآليات يتجلى في تفريغ الوعي من محتواه التراكمي المتمثل في الهموم اليومية والذكريات والأفكار المتناثرة، إذ يقوم الإيقاع بدور المكنسة الرمزية التي تكتسح هذه الشوائب وتطردها خارج نطاق الإنتباه، مستبدلة الضوضاء الداخلية بكتلة صوتية متجانسة ومتسقة تحصر كل إهتمام الممارس في نقطة واحدة مرعوبة و مضيئة في آن واحد، ورابع هذه الآليات يتمثل في توليد شعور بالذوبان الجماعي أو الفردي داخل التردد الكوني، حيث يفقد الصوت حالته الفردية و يتحول إلى نبض شامل يغمر الكيان، مما يسهل عملية تذويب الأنا وإلغاء المسافة الفاصلة بين الذات والموضوع، و هي المسافة الضرورية لإشتغال التفكير النقدي، وخامس هذه الآليات يكتمل حين يتحول الفراغ الناتج عن تعطيل العقل النقدي وتفريغ الوعي إلى بيئة مثالية وإستثنائية لإستقبال صدمة العدم، فالساحر لا يسعى إلى إلغاء تفكير الممارس عبثاً، بل يمهد له الطريق لكي يفرغ ذهنه من كل الصراعات الوهمية والأفكار الدغماطيقية، لكي يصبح وعيه عبارة عن شاشة صافية ومرآة نقية تنعكس فيها طاقة الهاوية بلا تشويش وبلا مقاومة، لتتحول الإيقاعات الصوتية المتكررة إلى الجسر الموسيقي والطقوسي الذي يعبر عليه الإنسان من ضوضاء العالم المليء بالمعاني المؤقتة إلى صمت العدم المطلق، حيث تتلاشى الأسئلة وتنتهي الأجوبة وتتجسد الحرية الوجودية الخالصة في أرقى وأعنف تجلياتها الطقوسية الكبرى.

_ عجز أم تمرد: ثنائية المادة والعدم في أفق الممارسة السحرية

إن السؤال عما إذا كان لجوء الإنسان إلى الممارسات السحرية يعكس عجزا بنيويا في مواجهة صلابة المادة أم يمثّل رفضا إستباقيا لجبروت قوانينها لا يمثل مجرد إشكالية تاريخية أو أنثروبولوجية عابرة، بل هو إستنطاق جذري لطبيعة الوجود الإنساني وتأرجحه الدائم بين حتمية القيود الكونية وطموح الحرية المطلقة، و حين نتأمل هذه الثنائية في مرآة العلاقة بين السحر والعدم، يتكشف لنا أن السحر ليس مجرد محاولة بدائية وفاشلة للسيطرة على الطبيعة قبل بزوغ العلم التجريبي كما يصور العقل الوضعاني المادي، بل هو إستراتيجية وجودية كبرى تنطوي في آن واحد على إعتراف درامي بهشاشة الكيان في مواجهة طغيان المادة و رفض راديكالي لكل الأنظمة والقوانين التي تحاول تطويع الوعي البشري وإخضاعه لمنطق العلة و المعلول، وأول أبعاد هذا التحليل يتمثل في النظر إلى العجز البنيوي بإعتباره نقطة الإنطلاق الضرورية لأي فعل سحري، فالمادة في حضورها الكثيف والصموت تفرض على الإنسان حدودا صارمة لا يمكن تجاوزها بالوسائل الفيزيائية المتاحة في فترات الضعف البشري، مما يجعل الممارس يواجه جدارا من الإستعصاء المادي الذي يهدد بقائه ومعناه، وهنا يبدو السحر كصرخة إستغاثة أو محاولة يائسة لكسر هذا الطوق المادي عبر إستدعاء قوى خفية تعوض النقص العضوي والتقني للجسد الإنساني، غير أن هذا العجز ليس دليلا على قلة حيلة مطلقة، بل هو العتبة التي يدرك من خلالها الإنسان أن المادة المنجزة ليست هي الحقيقة الوحيدة للوجود، و ثاني أبعاد هذه الإشكالية يكمن في التحول الجذري الذي ينقله من مرتبة العجز البنيوي إلى مرتبة الرفض الإستباقي، فالممارس الحقيقي لا يقف أمام المادة بموقف المستجدي المرتجف، بل يتجاوز القوانين الفيزيائية المفروضة قسرا ليعلن قطيعة تامة مع حتمية الطبيعة، وهو ما يفسر لماذا يتجه السحر نحو العدم بإعتباره الملاذ الأكبر والمصدر الخفي لكل الإمكانيات، فالرفض الإستباقي لقوانين المادة هو في جوهره رفض للحدود التي يفرضها الواقع المنجز على حرية الروح، حيث يرى الساحر أن قوانين الجاذبية و الزمن والتحلل ليست سوى قيود مؤقتة يجب تقويضها عبر الإنغماس في سيولة الهاوية، وثالث أبعاد هذا التداخل يترأى في الكيفية التي يستثمر بها السحر طاقة العدم لهدم صنمية المادة، فالعلم المادي يتعامل مع الأشياء بإعتبارها كتلا صلبة يجب فهمها و إخضاعها لمنطق الإستهلاك والإستخدام، بينما يتعامل السحر مع المادة بإعتبارها غشاء رقيقا ووهميا يستر وراءه فراغا هائلا يمكن إعادة تشكيله أو محوه بالكامل، وحين يرفض الممارس قوانين المادة إستباقيا، فانه يمارس عنفا رمزيا يعيد الأشياء إلى أصلها العدمي، جاعلا من الصلابة المادية طينا لينا يستجيب لإرادة الوعي المطلق، ورابع أبعاد هذا التحليل يتجلى في إزدواجية الدافع الممارس، فهو عجز من حيث الإنطلاق المادي ورفض من حيث الغاية الوجودية، فالبداية تكون دائما من شعور الكيان بالإختناق داخل القوانين الصارمة للواقع، لكن المسار يتطور سريعا ليصبح تمردا ميتافيزيقيا على النظام الكوني برمته، حيث لا يهدف السحر إلى تحسين ظروف العيش المادي أو توفير رفاهية دنيوية ضيقة، بل يهدف إلى إثبات قدرة الإنسان على الوجود خارج أسوار الضرورة الطبيعية، و خامس أبعاد هذه الجدلية يكتمل حين يدرك الممارس أن العدم الذي يلجأ إليه هربا من قسوة المادة هو نفسه الفراغ الخلاق الذي تذوب فيه كل الثنائيات، فلا تعود المادة عدوا يجب قهره و لا القانون الكوني قفصا يجب تحطيمه، بل يتحول الوجود بأسره إلى رقصة حرة تتلاشى فيها حدود العجز والرفض معا، ليتجسد السحر في النهاية بإعتباره التعبير الأعظم عن إرادة الإنسان في رفض الخضوع لأي حتمية، سواء كانت بيولوجية أو مادية، وليبقى الكيان شاهدا أبديا على أن الحرية الحقيقية لا تبتنى على طاعة القوانين بل على القدرة العبثية والخلاقة على العبور من خلال العدم إلى آفاق لا حدود لها.

_ بوابات الهاوية: شحن الرمز السحري وتحويله من جمود الحبر إلى طاقة الوجود

إن الرمز السحري في لحظة تجريده الأولى لا يعدو أن يكون رسماً هندسياً صامتاً أو خطوطاً ميتة على ورق أو حجر، يبدو ظاهرياً كأنه عاجز عن مغادرة مساحته الورقية أو الذهنية ليمس العالم الخارجي، غير أن السحر كفلسفة و ممارسة يدرك تماماً أن الرمز ليس مجرد علامة دلالية إعتباطية كما تفهمها اللسانيات الحديثة، بل هو نافذة أنطولوجية حية وبوابات تطل مباشرة على الهاوية والعدم الخام، ولكي يتحول هذا الرمز المجرد من حبر جامد إلى طاقة عارمة قادرة على إعادة ترتيب الأعيان وإختراق الجسد الصلب للواقع، فإنه يعتمد على آلية عملية معقدة تبدأ بكسر العزل بين الدال والمدلول وإعادة شحن الرمز بسيال اللافوضى الكونية، وأولى خطوات هذه الآلية تتمثل في تفريغ الرمز من معناه الوظيفي اليومي وتحويله إلى بؤرة لتكثيف الإنتباه المطلق، فالممارس حين يتأمل الرمز أو يرسمه ببطىء واعي يربط دقات قلبه و إيقاع تنفسه بضربات الخط، مما يجعل الرمز يتحول تدريجياً من شكل مرئي خارجي إلى إمتداد عضوي لوعي الساحر، وثاني هذه الخطوات يكمن في إستدعاء طاقة العدم خلف الأشكال، فالرمز السحري الحقيقي مصمم هندسياً بطريقة تجعله يعمل كمكثف كهربائي روحي، يسحب طاقة الفراغ المطلق التي تسبق كل تعين مادي ويحصرها في مساحته الضيقة، و حين يتشبع الرمز بهذا السيال العدمي، فإنه يفقد براءته الشكلية و يتحول إلى قنبلة ميتافيزيقية محملة بطاقة التفكيك وإعادة التكوين، وثالث هذه الخطوات يتجلى في عملية التفعيل الإرادي الموجه، حيث لا تُترك هذه الطاقة محبوسة داخل الخطوط، بل تُشحن بإرادة حديدية و صوت جهير أو نية راديكالية توجه هذا الفيض نحو العين المستهدفة، سواء كانت فرداً أو حدثاً أو مادة صلبة، ورابع هذه الخطوات يتمثل في إذابة الحدود الوهمية بين ذات الممارس والرمز و العين الخارجية، ففي لحظة الذروة الطقوسية يدرك الساحر أن الرمز ليس أداة منفصلة عنه بل هو هو، وأن المادة المستهدفة ليست سوى كثافة وهمية للعدم نفسه، مما يسمح للسيال الطاقي بالعبور عبر مسار الرمز ليسحق المقاومة الفيزيائية للواقع ويغير بنيته الجوهرية، وخامس هذه الخطوات يكتمل حين ينفجر الرمز في الأعيان لا كضربة مادية غاشمة، بل كعدوى وجودية تسري في تفاصيل المادة وتجبرها على الإنحناء أمام النظام الرمزي الجديد، ليتحول الرمز المجرد عبر هذه السلسلة العملية من مجرد فكرة على هامش الوجود إلى فاعل أنطولوجي رهيب يثبت أن الكلمات والرسومات حين تُستنطق من قلب العدم قادرة حقاً على تدمير العوالم وبنائها من جديد.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ ...
- عِلْمُ فَلَكِ الْأَمَاكِنِ (Topography-Astrology): تَقْعِيدٌ ...
- عَرْشُ بَابَا دُودُو: سُرَادِقُ الذَّهَبِ وَالجِنِّ وَحِكَاي ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- هَنْدَسَةُ الِإحْتِمَالَاتِ الْعَكْسِيَّةِ: عِلْمُ إسْتِعَاد ...


المزيد.....




- مع زيارة ملادينوف.. مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من الأراضي التي ...
- هل تدخل ماكرون فعلاً لإسقاط مشروع إنفانتينو؟.. تقرير يكشف تأ ...
- واشنطن تعلن حالة الطوارئ لمواجهة -أسوأ كارثة طبيعية تواجهها ...
- العراق.. كتلة الصادقون النيابية تطلق سلسلة إجراءات بعد استهد ...
- إسرائيل توسع الخط الأصفر وتبتلع مزيدا من أراضي الفلسطينيين ف ...
- أكثر من 2250 اعتداء استيطانيا خلال تموز
- نازحو السودان.. معاناة يمدها نقص التمويل
- برلمان شباب ليبيا ينظم حوارا وطنيا
- الموت يفجع محمد هنيدي
- قشقاوي: إيران في -حرب شاملة- مع أمريكا.. نتبع شيئا يتجاوز ال ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-