أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين - المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية.. تطور لمفهوم وأشكال النضال وإشكاليات الكفاح المسلح















المزيد.....



المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية.. تطور لمفهوم وأشكال النضال وإشكاليات الكفاح المسلح


الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 02:20
المحور: القضية الفلسطينية
    


■ مقدمة
1- مفهوم المقاومة وأشكالها في حركات التحرر الوطني
2- مشروعية المقاومة الفلسطينية في ضوء القانون الدولي
3- تطور مفهوم المقاومة المسلحة في الحركة الفلسطينية
4- إشكالية الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية
5- المحددات الموضوعية للكفاح المسلح
6- حصاد الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية

آب (أغسطس

مقدمة
■ شكلت مسألة المقاومة، منذ إنطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية - 1964، واحدة من أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي إستحوذت على إهتمام القوى الوطنية الفلسطينية بمختلف مكوناتها. ونظراً لأن المقاومة بأشكالها شكلت الركيزة الأساسية لعموم حركات التحرر الوطني في العالم، إلا أن الجدل – في الحالة الفلسطينية - لم يكن يدور حول مبدأ المقاومة، إنما حول مضمونها وأشكالها وأساليب ممارستها، إضافة إلى تحديد الشكل النضالي الأكثر ملاءمة في كل مرحلة من مراحل الصراع مع الإحتلال الإسرائيلي.
وفي كل المنعطفات التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية، كان النقاش حول مسألة المقاومة يطفو إلى السطح، وفي أعقاب 7 أكتوبر 2023، إحتدم النقاش حولها، وما زال، في ضوء ما أفرزته الحرب من نتائج عسكرية وسياسية، وما أثارته من تساؤلات بشأن جدوى إستمرار بعض أشكال المقاومة، وبخاصة العمل المسلح، ودور الأخير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني.
من هنا، تبرز أهمية تقديم تحليل تاريخي لتطور مفهوم المقاومة في الفكر السياسي الفلسطيني، وإستعراض تطور أشكالها، مع التركيز على مكانة الكفاح المسلح ضمن الإستراتيجية المعتمدة، وتقييم التجربة التاريخية لهذا الخيار في ضوء المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها العملية الوطنية■
(1)
مفهوم المقاومة وأشكالها في حركات التحرر الوطني
■ في النظر إلى الواقع التاريخي لجميع حركات التحرر الوطني، تبدو المقاومة قاسمها المشترك، ولا توجد أصلاً حركة تحرر أسقطت من مشروعها ممارسة المقاومة بأيٍ من أشكالها، حيث سعت من خلالها فرض كلفة سياسية/عسكرية/إقتصادية على قوة الإحتلال، تقويضاً لقدرتها على الإستمرار في السيطرة على الأرض والشعب، وهناك الكثير من النماذج التي يمكن إستحضارها في هذا السياق.
غير أن مفهوم المقاومة، بالمعنى التاريخي، لا يمكن أن يقتصر على العمل العسكري وحده، بل هو يشمل أشكالاً واسعة من الأدوات والأساليب التي تختلف باختلاف الظروف الموضوعية والذاتية التي تحكم مسار النضال الوطني. ومن ثم، فإن المنطق السليم يقوم على تحديد الشكل أو الأشكال الأكثر ملاءمة لتحقيق أهداف التحرر الوطني في مرحلة بعينها، آخذين بالإعتبار تجارب المقاومة في حركات التحرر العالمية، التي إعتمدت أكثر من صيغة وأكثر من شكل لعل أبرزها يتمثل فيما يلي:
1- المقاومة الشعبية، وتشمل المظاهرات، والإعتصامات، والإضرابات، والعصيان المدني، ومختلف أشكال وأدوات النضال الجماهيري التي تعتمد بالضرورة على المشاركة الشعبية الواسعة؛ وتعتمد هذه المقاومة على «الوزن النوعي» للجمهور وفعالية الحشد، وتهدف بشكل مباشر إلى التأثير على يوميات الإحتلال وشل قدراته وعمل أذرعه، أكانوا مستوطنين أو مرتزقة أو غير ذلك، وكشف وجهه الحقيقي أمام الرأي العام العالمي، الخ... وبالتالي، فهذه المقاومة تسعى لإستنزاف المحتل عسكرياً ونفسياً وإقتصادياً عبر تعطيل عجلة حياته الطبيعية.
إن النموذج الحي لما سبق هو فعاليات الإنتفاضة الأولى - 1987، التي شملت مختلف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزه والقدس، ولم تكن تمتلك في مواجهة المحتل ومستوطنيه سوى الإرادة وصوتها الهادر في الشوارع، عكست قدرة عالية لدى المتظاهرين في الإنضباط، وإستخدام وسائل المواجهة المتاحة وبمتناول اليد، على غرار الحجارة، ما أكسبها تسمية «ثورة الحجارة»، التي إستفادت من تغطية إعلامية واسعة حظيت بها، نقلت فعالياتها إلى العالم بأسره، مجترحة بذلك ثنائية «الكاميرا والحجارة».
2- المقاومة المسلحة، التي تقوم على إستخدام القوة العسكرية المنظمة على يد مجموعات مدربة تهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية في صفوفه. يعتمد هذا النوع من المقاومة على محاولة إحداث نوع من «الردع المباشر»، وهو يحتاح إلى قدرات إستخباراتية عالية وتخطيط جيد، وتكتيكات عسكرية غير متوقعة نظراً لاختلال موازين القوى العسكرية لصالح المحتل. وهدفها الأساسي إثبات أن الإحتلال له ثمن باهظ لن يتمكن من تحمل أعبائه في المدى الأبعد.
3- المقاومة العنفية غير المسلحة، وهي شكل يقع بين المقاومة الشعبية والعمل العسكري، وتشمل إستخدام الحجارة، والزجاجات الحارقة، وبعض وسائل الإشتباك المحدودة التي لا يستخدم فيها السلاح الناري، ويطلق على هذا النوع من المقاومة إسم: «الإحتكاكات اليومية»، كونها تعبر عن الرفض العفوي من قبل عموم الشعب للإحتلال وأدواته. وبالتالي، فإن التحركات الشعبية عادة ما تأخذ أشكالاً عفوية أو شبه منظمة من قبل جمهور الشباب المنتفض عند الحواجز وبوابات المستوطنات.. وهي تحركات شعبية لا تملك إمكانيات عسكرية، لكنها تريد بإنتفاضها أن تؤكد للعالم رفضها للتعايش مع الإحتلال، وهي تسعى للإفادة من كل ما هو متاح في البيئة المحيطة بها لإستخدامه كسلاح دفاعي، في مواجهة القوة المفرطة التي يزج بها الإحتلال.
4- «المقاومة الناعمة»، التي تعتمد توظيف الأدوات القانونية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية في مواجهة الإحتلال على المستويين الإقليمي والدولي، وعادة ما يطلق على هذا النوع من المقاومة بـ «حرب الغرف المغلقة»، أو «صراع الرواية»، أو «الحرب والدعاية النفسية».. وعادة ما يطلق على هذه الحرب مصطلح «الحرب الناعمة»، التي تستخدم فيها وسائل غير عسكرية للتأثير على أفكار ومواقف وسلوك الرأي العام، بهدف تجريد الإحتلال من شرعيته الدولية، وعزله إقتصادياً وثقافياً، بمثال حملات المقاطعة (BDS) وملاحقة قادة الإحتلال وجنوده أمام المحاكم الدولية والوطنية، وهي معركة من شأنها أن تزلزل أركان الإحتلال، خاصة إذا ما نجحت في توظيف القانون الدولي والضمير العالمي لخدمة الهدف السياسي والحقوق الوطنية■
■■■
■ إن هذه الأشكال من المقاومة، لا يجب أن تكون مستقلة عن بعضها البعض، بل إن تحقيق الهدف الإستراتيجي يحتم التداخل فيما بينها في إطار إستراتيجية شاملة تجمع بين كافة أشكال الرفض والممانعة، لتشكل في النهاية ما يمكن أن يطلق عليه «جدار المقاومة» متعدد الأذرع، الذي يصعب على الإحتلال مواجهته أو محاصرته.
وتتحرك هذه الأشكال ضمن دينامية مرنة لا تجعل من أي شكل نضالي أداة ثابتة في الصدارة، بل يتحدد إستخدام كل شكل وفقاً للظروف السياسية والميدانية السائدة، وتبعاً لميزان القوى القائم على الأرض، وطبيعة المرحلة التي يمر بها الصراع. ومن هنا، فإن نجاح أي حركة تحرر وطني لا يرتبط تاريخياً، أو واقعياً بالإعتماد على شكل واحد من أشكال المقاومة، وإنما يقاس بمدى قدرة الحركة على إدارة إستخدام مختلف الأدوات النضالية بسلاسة، وحساب التوقيت المناسب لتوظيف كل واحدة منها، بما يحقق المعادلة الذهبية المتمثلة في أعلى درجات الفاعلية والأثر بأدنى مستويات الخسائر والتكاليف.
ويعد هذا التكامل جوهر العمل الإستراتيجي، حيث تقع على عاتق القيادة السياسية مسؤولية إدارته من خلال تحديد الشكل الرئيسي للنضال في كل مرحلة، مع الإبقاء على بقية الأشكال بوصفها أدوات مساندة تستخدم وفق مقتضيات التطورات. ولذلك، فإن مسألة إختيار الشكل النضالي ليست قراراً جامداً، بل تخضع لمراجعة مستمرة ودائمة إستناداً إلى تغير الظروف الموضوعية على الأرض، وتحولات البيئة الإقليمية والدولية، وتطور طبيعة الصراع مع الإحتلال وأدواته، وبما يضمن بقاء المشروع التحرري مستمراً وقادراً على التكيف بمرونة مع كافة التحديات■
(2)
مشروعية المقاومة الفلسطينية في ضوء القانون الدولي
■ لا يمكن النظر إلى المقاومة الفلسطينية إلا بوصفها نتيجة مباشرة للإحتلال الإسرائيلي، وليست سبباً له؛ فالمقاومة لم تنشأ بمعزل عن الواقع الذي فرضه الإحتلال، وإنما جاءت إستجابةً لحالة مستمرة من الحرمان من الحقوق الوطنية والإنسانية الأساسية، ومنذ عام 1948، لم يقتصر المشروع الإسرائيلي على السيطرة على نحو 78% من مساحة فلسطين التاريخية، بل إستمرت سياسات الإحتلال التوسعية بعد عام 1967 في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، من خلال الإستيطان، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والتهجير القسري، والحصار، والإعتقالات، وإستخدام القوة العسكرية المفرطة بحق السكان المدنيين. وقد إعتبرت هذه الممارسات في العديد من قرارات الأمم المتحدة إنتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وأسهمت في تكريس نظام إحتلال طويل الأمد يحرم الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره.
■ على هذه الخلفية، تُعد المقاومة الفلسطينية تعبيراً عن حق قانوني أصيل للشعب الفلسطيني في مواجهة الإحتلال، باعتبارها إمتداداً لحق الشعوب الواقعة تحت الإحتلال الأجنبي في تقرير مصيرها والتحرر من السيطرة الأجنبية. ويستند هذا الحق إلى مباديء راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة؛ الذي أكد إحترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها؛ كما نَصَّت المادة الأولى المشتركة من «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» و«العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية» - 1966 على أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، وأن لها بمقتضى هذا الحق أن تقرر بحرية مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق تنميتها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
■ وقد أكدت الأمم المتحدة هذا المبدأ في العديد من قراراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها القرار الرقم 1514 - 1960 بشأن منح الإستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، الذي رَسَّخَ حق الشعوب الخاضعة للإستعمار والإحتلال في الحرية والإستقلال. كما أكد القرار الرقم 3236 - 1974 الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والإستقلال والسيادة الوطنية، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
وفي السياق ذاته، إعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الرقم 37/43 - 1982، الذي أكد شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الإحتلال والإستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير والإستقلال، بما في ذلك الشعب الفلسطيني. ويُعد هذا القرار من أبرز القرارات التي إستندت إليها الأدبيات القانونية والسياسية في تأكيد الإعتراف الدولي بحق الشعوب الواقعة تحت الإحتلال في النضال من أجل إنهاء الإحتلال، في إطار قواعد القانون الدولي.
■ كما جددت الجمعية العامة هذا الموقف في قرارها الصادر في أيلول/سبتمبر 2024، الذي طالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال إثني عشر شهراً، تنفيذاً للرأي الإستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية المترتبة على إستمرار الإحتلال الإسرائيلي. ودعا القرار إلى سحب جميع القوات العسكرية الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء جميع الأنشطة الإستيطانية وإجلاء المستوطنين، وإعادة الأراضي والممتلكات التي تم الإستيلاء عليها منذ عام 1967، وتمكين الفلسطينيين الذين نزحوا بسبب الإحتلال من العودة إلى أماكن إقامتهم، وعدم إتخاذ أي إجراءات تعيق الشعب الفلسطيني عن ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.
■ وعليه، فإن الإعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال يستند إلى منظومة متكاملة من قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأحكام القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالإحتلال العسكري، والقرارات المتعاقبة الصادرة عن الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار، تُفهم المقاومة الفلسطينية باعتبارها تعبيراً عن حق أصيل للشعب الفلسطيني في إنهاء الإحتلال وإستعادة حقوقه الوطنية، مع بقاء ممارسة هذا الحق خاضعة للقواعد والضوابط التي يقررها القانون الدولي، ولا سيما قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحكم سلوك أطراف النزاعات المسلحة■
(3)
تطور مفهوم المقاومة المسلحة في الحركة الفلسطينية
■ رغم أن جذور المقاومة المسلحة الفلسطينية تعود إلى المراحل التي سبقت نكبة عام 1948، حين برزت كرد فعل طبيعي على حملات الإرهاب والتطهير العرقي التي مارستها العصابات الصهيونية (كالهاجاناه والإرجون) لفرض مشروعها الإستيطاني والإستعماري، إلا أنها ظلت لفترات طويلة حبيسة الإطار المحلي والدفاعي والعفوي. وبعد كارثة التهجير الجماعي، تجسدت المقاومة في عمليات «فردية» أو «فدائية» مشتتة، كانت تفتقر إلى المظلة الوطنية الموحدة. ولم تتحول لتأخذ الصيغة المنظمة، إلا بعد مرور أكثر من عقدين على النكبة؛ مع بداية تبلور الوعي الوطني الفلسطيني، وإنطلاق الكفاح المسلح المنظم الذي أعاد صياغة النضال من مجرد «ردود أفعال آنية» إلى «حركة تحرر وطني» ببرنامج سياسي موحد إلتفت حوله كافة فئات الشعب الفلسطيني..
لذلك، فقد إرتبط تطور مفهوم المقاومة المسلحة في الفكر السياسي الفلسطيني بنشأة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا سيما منذ تأسيس م.ت.ف - 1964. ففي تلك المرحلة، ساد داخل المنظمة تصور يقوم على أن عملية التحرير ينبغي أن تعتمد على جيش نظامي، تمثل في جيش التحرير الفلسطيني، الذي كان من المفترض أن يعمل تحت سقف الإستراتيجية العسكرية الرسمية العربية، وأن يخضع للظروف السياسية والعسكرية التي تحكم عمل الجيوش النظامية في مواجهة إسرائيل.
■ وفي المقابل، برز إتجاه آخر قادته حركة «فتح»، تبنى الكفاح المسلح بوصفه الشكل الرئيسي للنضال الوطني. وقد تجلى هذا التوجه من خلال تشكيل مجموعات فدائية تولت مهمة تنفيذ عمليات عسكرية ضد الإحتلال الإسرائيلي، وعبر الإبتعاد عن القرار الرسمي «المُحْجِم» للجيوش العربية؛ بينما ظهر إتجاه ثالث مثلته «حركة القوميين العرب»، دعا إلى تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ومدروسة بعناية، مع الحرص على عدم الإنجرار إلى حرب عربية شاملة ومبكرة، لمّا تستكمل تحضيراتها بعد.
وإستمر هذا الجدل بين هذه التصورات حتى جاءت هزيمة 1967، لتحدث تحولاً مفصلياً وزلزالاً سياسياً ونفسياً في مسار الفكر السياسي الفلسطيني، أسهم في صعود «الكفاح المسلح الفلسطيني» ليتبوأ مكانته كأداة رئيسة وحقيقية تُعتمد لإستعادة الحقوق.
■ في ظل هذه الأجواء إنتقلت قيادة م.ت.ف إلى فصائل المقاومة، بعد إقرار «الميثاق الوطني الفلسطيني»- 1968، الذي حسم في مادته التاسعة بأن «الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين»، ما منح الكفاح المسلح في ذلك الحين، مكانة متميِّزة في الفكر السياسي الفلسطيني.
غير أن هذا التصور، رغم إنسجامه التام مع المناخ السياسي الذي أعقب هزيمة 1967، أضفى طابعاً مطلقاً على أحد أشكال النضال، وحوله إلى الإستراتيجية الحصرية للتحرير. ومع مرور الوقت، أثبتت التجربة العملية التي راكمتها الحركة الفلسطينية، أن الكفاح المسلح، إذ يمثل أحد أدوات النضال الوطني الحيوية، لكنه لا يختزل الإستراتيجية الوطنية بأكملها. وأدركت القيادة الفلسطينية أن الفاعلية الحقيقية لهذا الكفاح لا تتحقق بمعزل عن أشكال النضال الأخرى، بل ترتبط بقدرته على التكامل العضوي مع مختلف الأدوات السياسية، والشعبية، والدبلوماسية، والإعلامية، ضمن رؤية وطنية شاملة ومرنة تراعي المتغيرات السياسية والعسكرية وموازين القوى المتحركة■
(4)
إشكالية الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية
■ إثر هزيمة الجيوش العربية، التي إنتهت إليها حرب 1967، تصدر «الكفاح المسلح» المشهد السياسي الفلسطيني، مستنداً إلى تأييد شعبي فلسطيني وعربي كاسح وبرؤية نظرية عبَّرت عنها المادة التاسعة آنفة الذكر من الميثاق الوطني الفلسطيني. وقد أدى هذا الطرح بأسلوب الإطلاق، إلى جعل الكفاح العسكري في الوعي الجمعي مرادفاً للمقاومة بذاتها، ومقياساً لشرعية الفصائل وفعاليتها. وفي ضوء طغيان الكفاح المسلح على ما عداه من عناوين، تحولت الساحة الفلسطينية إلى ساحة تنافس محموم بين الفصائل في سعيها لإثبات وجودها من خلال العمليات العسكرية. هذا التنافس لم يكن مجرد مناورة ميدانية، بل كان يعكس معادلة سياسية وإجتماعية عميقة؛ فالشعب الفلسطيني، الذي تشكل وعيه الجمعي من خلال عدسة المقاومة المسلحة، نتيجة ما تعرض له من نكسات ومعاناة بفعل واقع اللجوء في الشتات والقمع في الداخل، كان يمنح شرعيته وتأييده للفصائل التي تنشط وتضحي في الميدان.
■ لذلك، لم تعد العمليات العسكرية مجرد أداة نضال ضمن إستراتيجية شاملة، بل وسيلة لتأكيد وجود الفصائل وإلتزامها بالعمل المسلح وترويج ذلك على المستويين الداخلي والخارجي، وأصبح العمل المسلح للفصائل الفلسطينية يقاس بمدى التأثير الإعلامي والنفسي الذي يحدثه على مستوى حشد الشارع، أكثر من قياسها بمعايير الجدوى العسكرية الإستراتيجية طويلة المدى. وهو ما عمّق حالة التعددية الفصائلية القائمة على الإنجاز العسكري، وأسهم في توليد قناعة راسخة لدى القيادة والجمهور على حد سواء، مفادها أن البندقية هي الضامن الوحيد لبقاء القضية حَيَّة، ما جعل التراجع عن هذا الخيار، أو إعادة ترتيب أولوياته أمراً بالغ الصعوبة في مراحل لاحقة.
■ غير أن القراءة المعمقة للتجربة الفلسطينية تكشف فجوة كبيرة بين هذا التصور النظري والشروط الموضوعية للصراع؛ فالواقع أثبت أن الكفاح المسلح، رغم مشروعيته وأحقيته وضرورته كأحد أشكال المقاومة، يمثل أداة واحدة ضمن منظومة نضالية متكاملة، ولا يمكن أن يُختزل فيه المشروع الوطني بأكمله. إن الإستراتيجية الفعالة تقتضي توظيفاً مرناً لمجموعة من الأدوات السياسية، والدبلوماسية، والإعلامية، والجماهيرية، والعسكرية، تتغير أولوياتها بحسب تطورات البيئة السياسية وميزان القوى.
■ وفي المقابل، ورغم هيمنة الخطاب العسكري، نجحت م.ت.ف في أداء وظائف وطنية جوهرية تجاوزت الميدان العسكري؛ وشملت إعادة صياغة الهوية الوطنية، وجمع شتات المجتمع الفلسطيني في كل مكان، وبناء المؤسسات، وقيادة المعركة الدبلوماسية والسياسية عربياً ودولياً. وهي أدوار حيوية شكلت عمق المشروع الوطني، وإن ظلت في ظل الهيمنة الخطابية للكفاح المسلح تحظى باهتمام أقل مما تستحق. وعليه، فإن التقييم الموضوعي للتجربة الفلسطينية لا ينبغي أن يختزل بثنائية «النجاح أو الفشل» لهذا الشكل النضالي أو ذاك، بل يجب أن يُؤسس على مدى قدرة الحركة الوطنية على مواءمة أدوات نضالها المتنوعة مع بيئة عملها، ومدى مرونتها في تحقيق الأهداف الممكنة في كل محطة تاريخية، وفق معطيات الصراع وشروطه الموضوعية■
(5)
المحددات الموضوعية للكفاح المسلح
■ في إطار النقاش الموضوعي لتاريخ العمل المسلح الفلسطيني، فإن الإنطلاق من مقارنات مباشرة مع تجارب حركات التحرر الوطني الأخرى يعتبر قاصراً، رغم ما يجمع هذه التجارب من قواسم مشتركة تتعلق بطبيعة الصراع الإستعماري والتطلع إلى تقرير المصير؛ فالتجربة الفلسطينية تنفرد بخصائص موضوعية وجيوسياسية فارقة، أثرت في مسار المقاومة، وعلى عكس معظم حركات التحرر التي خاضت معاركها على أرض وطنية متصلة، تُحظى بعمق إستراتيجي واضح، فقد واجه الشعب الفلسطيني ومقاومته إشكالية عدم وجود مؤسسات، فضلاً عن الشتات الجغرافي، مما حرمهم من قاعدة ثابتة وجعل حركتهم العسكرية عرضة لتقلبات السياسات الإقليمية. كما أن الحالة العربية المحيطة، وتعقيدات البيئة الدولية، فرضت جميعها معطيات مختلفة حاكمة. لذا، فإن قراءة التجربة الفلسطينية تستدعي منهجاً مستقلاً يعي هذه الفوارق الموضوعية، بديلاً لإسقاط نماذج نظرية مستعارة لا تنطبق على الخصوصية التاريخية والمركبة للقضية الفلسطينية.
■ واجه الكفاح المسلح الفلسطيني منذ إنطلاقته مجموعة من المحددات البنيوية التي أثرت في قدرته على تحقيق أهدافه المعلنة، فعلى الصعيد الجغرافي، تفتقر فلسطين إلى العديد من المقومات التي ساعدت حركات التحرر الوطني الأخرى على تطوير حروب شعبية طويلة الأمد، من خلال إقامة قواعد إرتكاز ذات شأن لقوات المقاومة؛ كما أن السيطرة الإسرائيلية المحكمة على المجال الجغرافي الفلسطيني حَدَّت من إمكانية بناء بنية عسكرية مستقرة قادرة على التوسع والتركيم التدريجي.
أما على الصعيد السياسي، فقد إعتمدت المقاومة الفلسطينية - وإن بدرجات متفاوتة - على دول الجوار العربي لتشكيل عمق سياسي يحتضن قواعدها ويؤمن خطوط إمدادها. وقد جعل ذلك إستمرارية العمل العسكري مرتبطة إلى حد كبير بالتحولات السياسية الداخلية في تلك الدول وبطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، الأمر الذي أوجد تداخلًا مستمراً بين الإعتبارات الوطنية الفلسطينية والمصالح السيادية للدول المضيفة.
■ وبناءً على هذه المعطيات، لم تتمكن التجربة الفلسطينية من تطوير نموذج مشابه لنماذج حركات التحرر الوطني في الصين أو ڤيتنام أو الجزائر على سبيل المثال، والتي إستندت إلى وجود مناطق محررة توسعت بشكل تدريجي وصولاً إلى مرحلة الحسم العسكري والسياسي.
محاولات إقامة قواعد إرتكاز داخل فلسطين
■ إنطلاقاً من القناعة الإستراتيجية بضرورة إمتلاك قواعد إرتكاز على الأرض الوطنية، وإستلهاماً من النماذج التاريخية لحركات التحرر الأخرى التي إعتمدت على العمق الجغرافي المتصل، شهدت المسيرة الكفاحية الفلسطينية محاولات متكررة لتأسيس بؤر وقواعد عسكرية داخل الأراضي المحتلة؛ بيد أن المراجعة الموضوعية لهذه التجارب تكشف إصطدامها بمعطيات الواقع الميداني والموازين غير المتكافئة، فلم ينجح أي منها في التبلور كنموذج نضالي مستدام. وقد عجزت هذه المحاولات، بالنتيجة، عن توفير شروط الديمومة، أو تحقيق التراكم العسكري والإستراتيجي المطلوب، مما حال دون تحولها إلى قوة قادرة على الإستمرار، وعكس في الوقت ذاته صعوبة إسقاط تجارب التحرر الأخرى على الحالة الفلسطينية، التي تفتقر إلى مقومات الدولة الحاضنة والعمق الإستراتيجي. ومن هذه التجارب:
1- تجربة قطاع غزة – 1970/1971
■ كانت أول محاولة جدية لإقامة بنية مقاومة مستقرة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، مستفيدة من الكثافة السكانية العالية في المخيمات الفلسطينية ومن وجود خبرات عسكرية وتنظيمية موروثة منذ خمسينيات ق 20 داخل القطاع.
وقد تمكنت المقاومة خلال تلك الفترة من فرض حضور ميداني ملموس، إلى درجة دفعت القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى الإقرار بصعوبة السيطرة الكاملة على القطاع، حيث «يسود الفدائي ليلاً، والجيش الإسرائيلي نهاراً»(!)، إلا أن الإجراءات العسكرية والأمنية المكثفة التي إعتمدها الإحتلال في وقت لاحق، مستفيداً من إفتقاد المقاومة للعمق الجغرافي الذي يتيح الإمداد، أدت إلى تفكيك البنية التنظيمية للمقاومة وصولاً إلى إخماد جذوتها.
2- تجربة المناطق (أ) خلال الإنتفاضة الثانية – 2004/2000
■ أوجدت إتفاقيات أوسلو واقعاً سياسياً جديداً تمثل في قيام مناطق سُمِيَّت (أ)، تخضع أمنياً وإدارياً للسلطة الفلسطينية، وهو ما أتاح – وبحدود معيَّنة - بناء بنية تنظيمية وعسكرية فيها خلال سنوات الإنتفاضة الثانية. غير أن الإجتياحات العسكرية الإسرائيلية الواسعة، ولا سيما خلال عملية «السور الواقي» - 2002، أدت إلى تدمير جزء كبير من هذه البنية، وأفقدت التجربة مقومات الإستمرار، لتتراجع قدرتها على أداء الدور المنشود.
3- تجربة قطاع غزة بعد عام 2007
■ تمثل هذه التجربة المرحلة الأكثر تطوراً في مسار المقاومة المسلحة الفلسطينية من الناحية العسكرية والتنظيمية. فقد تمكنت الفصائل الفلسطينية من بناء منظومة قتالية متقدمة وبنى تحتية عسكرية متطورة شملت شبكة واسعة من الأنفاق، وقدرات صاروخية متنامية، وهيكلية تنظيمية وعسكرية أكثر تماسكاً مقارنة بالتجارب السابقة. وبلغت هذه المنظومة ذروة تطورها خلال عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أظهرت مستوى متقدماً من التخطيط والتنظيم والقدرة العسكرية. غير أن التطورات اللاحقة للحرب كشفت في الوقت ذاته أن الإنجاز العسكري، في وضع الحصار المفروض عليه، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف السياسية، ما لم تتوافر بيئة إقليمية ودولية، وحتى فلسطينية فاعلة، جاهزة لتقديم الإسناد اللازم، بوجهة قادرة على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية وإستراتيجية مستدامة■
(6)
حصاد الكفاح المسلح في التجربة الفلسطينية
■ بغض النظر عن الجدل الذي قد يثار حول مسار العمل المسلح الفلسطيني ونتائجه، فإن من الإنصاف أن لا يتم تجاهل النتائج الهامة التي حققها، والتي تتجاوز مجرد تكوين الرصيد العسكري أو العملياتي؛ بعد أن ساهم في كسر إحتكار العدو للقوة، والحفاظ على حيوية القضية، وفرض معادلة تكلفة جديدة. غير أن المراجعة الموضوعية تكشف أيضاً عن مفارقة إستراتيجية؛ إذ حالت ظروف موضوعية، تتعلق بميزان القوى الإقليمي والدولي وتعقيدات البيئة المحيطة، دون ترجمة هذا الزخم النضالي الذي مثَّله الكفاح المسلح في مرحلة من مراحله، والإنجازات الميدانية المحققة، إلى مكاسب سياسية ملموسة. وهو ما أدى في المحصلة إلى عجز العمل العسكري عن إختراق السقف الإستراتيجي للصراع، ليظل الإنجاز حبيس حدوده التكتيكية دون أن يفضي إلى التحول السياسي والإستراتيجي المنشود.
■ لذلك، فإن تقييم الكفاح المسلح ينبغي أن يستند إلى تحليل ما حققه فعلياً ضمن الظروف التي عمل في إطارها، وليس إلى مقارنته بنماذج تحرر وطني نشأت في بيئات جغرافية وسياسية وعسكرية مختلفة بصورة جوهرية عن الحالة الفلسطينية؛ فعدم تمكن الكفاح المسلح من إختراق السقف المذكور لا يعني بالضرورة فشله بوصفه أحد أشكال النضال الوطني، وإنما يعكس حدود فعاليته في ظل واقع سياسي وعسكري لم يسمح له بالتطور وفق الشروط التي توفرت لتجارب كفاحية أخرى.
وعليه، فإن القراءة العلمية للتجربة الفلسطينية تقتضي التمييز بين حدود الوسيلة وحدود الإستراتيجية، فالكفاح المسلح يظل أداة من أدوات النضال الوطني تتحدد فعاليتها بمدى إنسجامها مع الواقع الموضوعي، وبقدرتها على التكامل مع سائر أشكال المقاومة، وليس باعتبارها الطريق الوحيد أو الأداة الحصرية لتحقيق أهداف التحرر الوطني.
■ يقتضي التقييم الموضوعي لتجربة الكفاح المسلح الفلسطيني الإبتعاد عن الأحكام المطلقة، سواء تلك التي تنظر إليه باعتباره الطريق الوحيد للتحرر الوطني، أو تلك التي تصمه بالفشل المطلق بسبب عدم تمكنه من إنهاء الإحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؛ فالمنهج العلمي يقتضي تقييم أي وسيلة نضالية في ضوء ما حققته من أهداف فعلية، والظروف التي عملت في إطارها، والقيود التي كَبَّلتها.
وفي سياق التقييم الشامل، لا يجوز إختزال نتائج الكفاح المسلح فحسب بمعيار مدى التقدم نحو إنجاز أهداف النضال التحرري، حيث الإدراك الواقعي للحدود الموضوعية التي لم يكن بإمكان الكفاح المسلح أن يتجاوزها، لا يجب أن يجعلنا نتجاهل حقيقة أن المسار الكفاحي الذي مَثَّله الكفاح المسلح تمكن من تحقيق إنجازات مهمة، في ضوء تجاوز الفعل العسكري حدوده التكتيكية ليترك تأثيرات جوهرية على أكثر من صعيد، ساهمت في صياغة الواقع الفلسطيني وبناء مشروعيته، وهو ما يمكن رصده على النحو التالي:
أولاً- إعادة إدراج القضية الفلسطينية في الأجندة الإقليمية والدولية
■ شكل الكفاح المسلح، منذ أواخر ستينيات ق 20، نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية، إذ أسهم في نقلها من إطار الصراع العربي - الإسرائيلي إلى قضية يمتلك شعبها حركة وطنية مستقلة تعبّر عن إرادته وتقود نضاله الوطني. وقد ساعدت العمليات الفدائية، وما رافقها من نشاط سياسي وإعلامي، على إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الإهتمام العربي والدولي، كما عززت الإعتراف الواسع بـ م.ت.ف ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ربطاً بالحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف.
■ لم تقتصر منجزات الكفاح المسلح على الصعيد الميداني فحسب، بل إمتدت تداعياته لتطال الفضاءات السياسية بعمق، حيث أسهم بشكل حاسم في بلورة وتثبيت الحضور الفلسطيني المستقل كقوة سياسية فاعلة في النظامين العربي والدولي. وتجلى هذا التحول النوعي في بروز م.ت.ف بمكانتها التمثيلية، مما منحها حضوراً وتأثيراً واضحاً في مختلف المحافل والأطر العربية والإقليمية والدولية. وقد تعززت هذه المكانة السياسية بفعل الزخم النضالي الذي كسر العزلة المفروضة على القضية، وساهم في حشد الدعم الدولي الواسع، ما ساعد في إعادة صياغة صورة الفلسطيني على الخريطة العالمية؛ فانتقل من مجرد لاجيء أو ضحية إلى شعب يناضل من أجل تقرير مصيره بحرية على ترابه الوطني.
ثانياً- ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية
■ كان للكفاح المسلح دور بارز في إعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية، بعد ما تعرض له المجتمع الفلسطيني من تفكك عقب النكبة – 1948، فقد وفر العمل الفدائي إطاراً جامعاً للفلسطينيين، وأسهم في إعادة بناء الوعي الوطني على أساس وحدة الشعب والقضية، بما عزز إستقلالية الحركة الوطنية الفلسطينية عن الأطر الرسمية العربية. وأدى هذا التطور إلى ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها أحد أهم المنجزات التاريخية للحركة الوطنية، بعد أن إنتقلت من حالة التشتت إلى حالة التنظيم والتمثيل السياسي والمؤسسي واضح المعالم.
ثالثاً- الإسهام في بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية
■ إمتدت الآثار الإيجابية للكفاح المسلح لتطال المجال المؤسسي، حيث أسهم في توفير البيئة السياسية التي سمحت ببناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت إطاراً جامعاً لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وأدت وظائف سياسية وإجتماعية وثقافية وإدارية أسهمت في بلورة الكيانية السياسية الفلسطينية. وبالمحصلة، فإن الكفاح المسلح لم يكن منفصلاً عن عملية بناء المؤسسات الوطنية، بل كان أحد العوامل التي ساعدت على نشوء تلك المؤسسات وتطورها.
رابعاً- حماية المشروع الوطني الفلسطيني
■ تمثل إحدى النتائج المهمة للكفاح المسلح في دوره في حماية البنية التنظيمية والسياسية للحركة الوطنية الفلسطينية، بعد أن خاضت الفصائل الفلسطينية، في مراحل متعددة، مواجهات هدفت إلى حماية المخيمات الفلسطينية، وصون مؤسسات م.ت.ف، والحفاظ على إستمرارية الثورة الفلسطينية في مواجهة محاولات الإقصاء أو التصفية. وعليه، فإن الوظيفة الدفاعية للكفاح المسلح شكلت أحد أبعاده الأساسية، حيث ساعدت على الحفاظ على إستمرارية المشروع الوطني الفلسطيني في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، ومَكَّنت مؤسسات الحركة الوطنية من مواصلة دورها السياسي والدبلوماسي.
خامساً- معركة الكرامة بوصفها نموذجاً للتحول السياسي
■ تُعد معركة الكرامة - 21/3/1968، إحدى المحطات المفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لما أحدثته من آثار سياسية ومعنوية تجاوزت حدود نتائجها العسكرية المباشرة، لا سيما أنها جاءت بعد أقل من عام على هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران/ يونيو 1967.
وقد أسهمت المعركة في إستعادة جانب من الثقة بقدرة الفلسطينيين على المبادرة والمقاومة، ورَسَّخَت قناعة متزايدة بإمكانية أن يضطلع الشعب الفلسطيني بدور مباشر في قيادة نضاله الوطني، بعيداً عن الإعتماد على الجيوش العربية النظامية. كما أدت إلى تزايد الإقبال على فصائل المقاومة، ما عزز حضورها السياسي والتنظيمي داخل المجتمع الفلسطيني وفي البيئة العربية عموماً.
ومن هذا المنطلق، فإن القيمة التاريخية لمعركة الكرامة لا تقاس بنتائجها العسكرية فحسب، وإنما بما أحدثته من تحول في الوعي السياسي الفلسطيني والعربي، وبما وفرته من شرعية شعبية وسياسية أسهمت في تعزيز مكانة الحركة الوطنية الفلسطينية خلال السنوات اللاحقة.
سادساً- حدود الكفاح المسلح في تحقيق أهداف التحرير
■ من أبرز هذه الحدود غياب مناطق إرتكاز مستقرة داخل فلسطين، وإعتماد المقاومة بدرجات متفاوتة على دول الجوار العربي، وما رافق ذلك من تأثر نشاطها بالتحولات السياسية في تلك الدول؛ كما أسهم التفوق العسكري الإسرائيلي، وما يحظى به من دعم سياسي وعسكري دولي، في الحد من قدرة المقاومة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج يبنى عليها. وإلى جانب ذلك، إفتقرت الحالة الفلسطينية إلى بيئة إقليمية ودولية تتيح إستثمار الإنجازات الميدانية وتحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة.
وعليه، فإن تفسير عدم تحقق أهداف التحرير من خلال إرجاعه إلى الكفاح المسلح وحده يمثل تبسيطاً لطبيعة الصراع، لأنه يغفل تأثير العوامل السياسية والإقليمية والدولية التي أحاطت بالتجربة الفلسطينية وأسهمت في رسم حدودها وإمكاناتها.
سابعاً- نقد معيار النجاح أو الفشل
■ تدعو القراءة العلمية للتجربة الفلسطينية إلى تجاوز المقاربة الثنائية التي تختزل تقييم الكفاح المسلح في سؤال واحد مفاده: هل نجح في إحداث تغيير حاسم في نسبة القوى بين المحتل والحركة الفلسطينية؟ فهذا المعيار، رغم بداهته للوهلة الأولى، لا يعكس تعقيد التجربة التاريخية ولا تعدد الوظائف التي إضطلعت بها المقاومة المسلحة خلال عقود من النضال. والأقرب إلى المنهج العلمي هو طرح سؤال أكثر شمولاً، يتمثل في: ما الذي حققه الكفاح المسلح في إطار المشروع الوطني الفلسطيني؟ وما العوامل التي حدّت من قدرته على تحقيق أهدافه كاملة؟
■ ويقود هذا المنظور إلى تقييم أكثر توازناً، يخلص إلى أن الكفاح المسلح حقق إنجازات سياسية ووطنية ومؤسسية ذات أهمية كبيرة، لكنه ظل محكوماً بقيود موضوعية رسمت حدود إستطاعته. ومن ثم، ينبغي النظر إليه بوصفه أحد مكونات الإستراتيجية الوطنية الفلسطينية، لا باعتباره الإستراتيجية بأكملها. وفي الإستنتاج العام، تكشف التجربة التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية أن الكفاح المسلح أدى دوراً محورياً في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الحضور السياسي للقضية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، فضلاً عن إسهامه في حماية مؤسسات الحركة الوطنية خلال مراحل مختلفة من تطورها.
■ في المقابل، أظهرت التجربة أن فعالية الكفاح المسلح ظلت محكومة بجملة من المحددات الجغرافية والسياسية والعسكرية، ما حال دون قدرته على تحقيق أهداف التحرير بصورة مستقلة. ومن ثم، فإن تقييم هذا الشكل من أشكال النضال ينبغي أن يتم في إطار رؤية إستراتيجية شاملة، تنظر إليه باعتباره أحد عناصر منظومة متكاملة تضم العمل السياسي والدبلوماسي والشعبي والإعلامي، بحيث تتحدد فاعلية كل أداة بمدى تكاملها مع غيرها، وباستطاعتها على تغذية أدوار بعضها البعض، ومن ثم بقدرتها على خدمة الأهداف الوطنية في ضوء معطيات كل مرحلة تاريخية■
■■■
■ تكشف التجربة التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية أن المقاومة ليست مفهومًا جامداً أو وسيلة ثابتة، وإنما عملية سياسية ووطنية متجددة، تتطور أدواتها وأساليبها بتطور طبيعة الصراع وتحولاته. ومن ثم، فإن الحفاظ على فاعلية المشروع الوطني الفلسطيني يقتضي تطوير إستراتيجية مقاومة شاملة تقوم على التكامل بين مختلف أشكال النضال، وعلى قراءة واقعية لموازين القوى، بما يتيح توظيف الإمكانات الوطنية بأعلى درجات الكفاءة والفاعلية.
إن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني لا يرتبط بالتمسك بأداة نضالية بعينها، وإنما بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إدارة التنوع في وسائل المقاومة ضمن رؤية إستراتيجية موحدة، تستوعب المتغيرات الداخلية والخارجية، وتربط بين متطلبات الصمود الوطني، والعمل السياسي والدبلوماسي، والمقاومة الشعبية، والكفاح المسلح، بما يخدم الهدف المركزي المتمثل في حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية وتعزيز فرص تجسيدها في المستقبل■
المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات
«ملف»
زياد جرغون
عضو المكتب السياسي
للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين



#الجبهة_الديمقراطية_لتحرير_فلسطين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإصلاح السياسي والدستوري الفلسطيني - في سياق التحرر الوطني ...
- بلاغ سياسي: اللجنة المركزية تؤكد على وحدة الشعب وقواه السياس ...
- في ذكرى الرحيل.. بأقلام من الجبهة الديمقراطية
- خارطة طريق لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة حرب الإبادة والضم ...
- «الديمقراطية»: بالحوار الوطني والمجتمعي، وترجمة مخرجاته نعزز ...
- -في الحرب والمقاومة-: جديد مركز ملف
- دورة القادة الشهداء( ) إسماعيل هنية .. طلال أبو ظريفة .. فؤا ...
- البلاغ السياسي الصادر عن اللجنة المركزية  للجبهة الديمقراطية ...
- العدد 87 من «كراسات ملف»: المسار الأمني في «اتفاقات أبراهام»
- في الذكرى ال76 للنكبة الوطنية ، «الديمقراطية»: آن الأوان للت ...
- المؤتمر العام الثامن للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يصادق ...
- اللقاء الفلسطيني في موسكو (29/ 2-1/3/2024) قراءة وتقدير موقف
- في مهرجان سياسي في الذكرى ال55 لانطلاقة «الديمقراطية»
- في الذكرى ال55 لانطلاقة الجبهة
- بيان صادر عن فصائل المقاومة الفلسطينية
- بيان صحفي الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين حزب الشعب الفلسطي ...
- ‏«الديمقراطية» في مذكرة إلى القمة العربية الطارئة
- في مواجهة العدوان الإسرائيلي – الاميركي المستدام - رؤية سياس ...
- العدد 73 من «كراسات ملف»: إجتماع الأمناء العامين .. العلمين، ...
- إجتماع الأمناء العامين / العلمين، 30/7/2023


المزيد.....




- وزير الخارجية السعودي يبحث جهود خفض التصعيد مع نظيره الإيران ...
- الحكومة المغربية تخرج عن صمتها بشأن أزمة سبتة، فماذا قالت؟
- حريق هائل يندلع في مصنع كيماويات في فرنسا
- إيران مباشر.. بزشكيان يعيد الحديث عن مذكرة التفاهم ومباحثات ...
- -مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح ...
- شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
- مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
- بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف ...
- الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط ...
- ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص ...


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين - المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية.. تطور لمفهوم وأشكال النضال وإشكاليات الكفاح المسلح