|
|
هاشم غرايبة.. رفيقي القديم وكتابتُه
سعود قبيلات
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 16:05
المحور:
الادب والفن
اُختيرَ الأديب الأردنيّ هاشم غرايبة ليكون شخصيَّةَ العام لملتقى السَّرد العربيّ؛ ودُعيتُ، مِنْ إدارة الملتقى، للتَّكلُّم في أولى جلساتِه؛ فكانت كلمتي هي التَّالية:
بدايةً، يستحقُّ هاشم غرايبة هذا التَّكريم. وحين يُختار أديبٌ ليكون شخصيَّةً لملتقى السَّرد العربيّ، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي ينبغي أن يُطرح لا يقتصر على ما كتب، بل يتشعَّب ويمتدّ إلى الكيفيَّة الَّتي تكوَّن بها مشروعُه الإبداعيّ، وإلى العلاقة بين حياتِه ونصوصِه، وإلى مقدار نجاحِه في تحويل التَّجربةِ الإنسانيَّة المعيشة إلى فنّ.. فنّ حقيقيّ يبقى بعد أنْ تمضي الوقائع الَّتي تناولها بزمنٍ طويل.
ومن هنا، فإنَّ الحديثَ عن هاشم غرايبة لا يجب أنْ يقتصر على استعراض أعماله، أو تتبُّع محطَّاتِ سيرته، بل يقتضي أيضاً محاولةَ فهم المشروع الَّذي أنجزه، والطَّريقة الَّتي تشكَّل بها مُنجَزُه، والخصائص الَّتي منحت كتابتَه حضورَها واستمرارَها.
وحيث أنَّه تربط بيني وبين هاشم غرايبة عَلاقةُ صداقةٍ ورفقةٍ قديمة، بدأتْ في ظروفٍ استثنائيَّةٍ داخل السِّجن، ثُمَّ استمرَّت خارجَه، فإنَّ ما سأحاوله، هنا، لن يقوم على الفصل بين هاشم الكاتب وبين هاشم الإنسان. وعموماً، فإنَّني لا أعتقد أنَّ مثلَ هذا الفصل ممكن في حالة هاشم غرايبة؛ فحياته وتجربته الشَّخصيَّة هما جزءٌ أساسيٌّ من النَّسيج الَّذي تشكَّلت منه أعمالُه الأدبيَّة.
ومع ذلك، فإنَّ هذه الورقة ليست شهادة شخصيَّة حسب، ولا محاولة لاستعادة ذكريات صداقة قديمة، وإنَّما هي أيضاً قراءة في مشروعٍ أدبيٍّ مميَّز، بُنِيَ جانبٌ كبيرٌ منها على معرفتي المباشرة والوثيقة بصاحبه. وسأحاول أنْ أبيِّن فيها كيف تحوَّلت التَّجارب الَّتي عاشها هاشم غرايبة، من الرِّيف إلى السِّجن، ومن العمل السِّياسيّ إلى التَّأمُّل في التَّاريخ والمجتمع، إلى مادَّة فنيَّة تجاوزت حدودَ التَّجربة الفرديَّة لتعبِّر عن الإنسان في معناه الأوسع.
وهذا مع تأكيدي أنَّ القيمةَ الحقيقيَّةَ للأدب لا تُقاس بمدى اقترابه مِنْ حياة صاحبه، ولا بقدر ما يتضمّنه مِنْ وقائع حقيقيَّة، وإنَّما بمقدار قدرته على تحويل تلك الحياة إلى فنّ. وهاشم غرايبة لم يوظِّف كتابتَه الأدبيَّة لتسجيل وقائع حياته، وإنَّما أعاد خلق ما عاشه في عالمٍ فنِّيٍّ مستقلّ؛ عالم يحتفظ بصلته العميقة بالواقع مِنْ غير أنْ يصبح نسخةً منه.
كما أنَّني، سأقرأ أعماله بوصفها مشروعاً واحداً، لا كتباً متفرقةً، محاولاً تتبُّعَ الخيطَ الَّذي يربط بينها جميعاً.
حوار بلغ ذروته بالصَّمت
التقيتُ بهاشم غرايبة في أواخر صيف العام 1979، في «سجن المحطَّة» السَّابق في عمَّان. وكنت قد قرأت له، قبل ذلك، بعضَ القصص الَّتي لفتت انتباهي، فدخلتُ السِّجنَ وأنا أعرف هاشم الكاتب، لكنَّني لم أكن أعرف هاشم الإنسان. وكان ذلك اللقاءُ الأوَّلُ بدايةَ صداقةٍ امتدَّت عشرات السِّنين.
في الليلة الأولى مِنْ وجودي في السِّجن، جلسنا، هاشم وأنا، على كرسيين بلاستيكيين أمام الغرفتين (14) و(15)، في شبك (1)، المخصَّص للسُّجناء السِّياسيين، ورحنا نتبادل الحديث، بلا انقطاع. وقد انقضى الليلُ كُلُّه ونحن لا نزال نواصلُ الحديثَ ونتنقَّل فيه مِنْ موضوعٍ إلى آخر. ولقد راقبنا الشَّمس وهي تطلع مِنْ فوق جبل ماركا، ونحن نواصل الحديث؛ وظللنا كذلك إلى ما بعد الظهر؛ وبعدئذٍ، استسلمنا للنَّوم. ومنذ تلك الليلة، لم ينقطع الحوارُ بيننا؛ فالسَّنوات الطَّويلة الَّتي قضيناها معاً في السِّجن، وما تلاها من الزَّمن خارج السِّجن، شهدت سلسلةً متَّصلةً مِنْ جولات النِّقاش، والتَّأمُّل، والقراءة، وتبادل الأفكار والمعارف.
تحدَّثنا في الأدب، والسِّياسة، والفكر، والفلسفة، والتَّاريخ، والتُّراث؛ وفي المجتمع، والإنسان؛ وفي الحُبّ، والمرأة؛ وفي معنى الحريَّة؛ وفي المستقبل المشرق للبشريَّة، الَّذي كنَّا نحلم به. وكنَّا نقرأُ الكتبَ نفسَها، ثُمَّ نعود لنناقشها ساعاتٍ طويلةً.. نتَّفق أحياناً، ونختلف أحياناً أخرى؛ لكنَّ اختلافَنا لم يكن يفسدُ الحوارَ؛ بل كان يغنيه ويوسِّعه. وكانت غايتُنا منه هي الاقترابُ أكثرَ فأكثرَ من الحقيقة، وتوسيعُ مساحةَ الأسئلة وتعميقُها.
ومع مرور الزَّمن، تجاوزت الصَّداقةُ بيننا الحاجةَ إلى الكلام؛ فبلغنا مرحلةً أصبح فيها الصَّمتُ شكلاً مِنْ أشكال الحوار. كنَّا نسير، أو نجلس، معاً، في ساحات السِّجن، ساعاتٍ طويلةً، مِنْ غير أنْ نتبادل كلمةً واحدة؛ ومع ذلك، لم يكن الصَّمتُ فراغاً، بل كان امتلاءً بالأفكار والمعاني. وقد علَّمتني تلك التَّجربة أنَّ الصَّداقةَ تبلغ ذروتَها عندما تنتفي الحاجةُ إلى الكلام.
وفي ظروف السِّجن القاسية، تسقط الأقنعة وتتكشَّف طبائعُ البشر الحقيقيَّة، بعيداً عن الأدوار الاجتماعيَّة والمظاهر الزَّائفة. وهناك، اكتشفتُ أنَّ هاشم لا يستعجلُ الأحكامَ، ولا يميل إلى اليقينيَّات السَّهلة. كان يُصغي أكثرَ ممَّا يتكلَّم، ويفضِّلُ الفهمَ على إطلاق الأحكام، والأسئلةَ على الأجوبة الجاهزة، والبحثَ على الادِّعاء بامتلاك الحقيقة.
وأعتقد، اليوم، أنَّ هذه السِّمةَ الشَّخصيَّةَ تُمثِّل مفتاحاً مهمَّاً لفهمِ أدبِه؛ فهاشم الَّذي يصغي طويلاً إلى البشر، ويرى تعقيدَهم قبل أنْ يحاكمَهم، هو نفسُه الكاتب الَّذي يخلق شخصيَّاتٍ تتحرَّك وفق منطقها الدَّاخليّ، لا وفق رغبات مؤلِّفها.
بعض سمات كتابة هاشم غرايبة
كثيرٌ من الكُتَّاب يبدأون من الفكرة ثُمَّ يبحثون عن شخصيَّاتٍ تحملُها؛ أمّا هاشم غرايبة، فيبدأ من الإنسان نفسِه، ومِنْ وقائع الحياة المعيشة. وشخصيَّاتُه لا تتحرَّك كي تثبت رأياً مسبقاً، ولا تتحوَّل إلى أدواتٍ ذهنيَّة، بل تعيش حياتَها في النَّصّ بسلاسة وبصورة طبيعيَّة؛ ثمَّ إنَّ هذه العمليَّة تفضي، بصورة تلقائيَّة، إلى الأفكار.
ولذلك، تبدو شخصيَّاتُه مقنعةً للقارئ؛ حتَّى عندما يختلف مع الأفكار الَّتي تعبِّر عنها أو يرفض ممارساتِها. فهي لا تتحدَّث بلغة المؤلِّف، ولا تؤدِّي أدواراً مقحمةً عليها؛ وإنما تتكلَّم بلغتها الخاصَّة، وتتحرَّك وفق منطقها الدَّاخليّ؛ كما أنَّها لا تحاول أنْ تستدرَّ عطفَ القارئ بصورةٍ مبتذلة، وإنَّما تكتفي بأنْ تكون هي نفسَها؛ وهذا مستوىً عالٍ من النَّزاهة الفنيَّة.
ولغة هاشم بعيدةٌ عن الزَّخرفة والاستعراض البلاغيّ؛ إذ أنَّه يستخدمها كوسيلةٍ للتَّعبير عن التَّجربة الإنسانيَّة، وليس لإظهار مهارتِه الأسلوبيَّة. ولذلك، جاء سرده هادئاً وعميقاً مِنْ غير فقرٍ شعوريّ، وواضحاً مِنْ غير مباشرة، وبسيطاً مِنْ غير تسطيح. وهذا النَّوع من الكتابة قد يبدو سهلاً للقارئ؛ لكنَّه، في الحقيقة، ثمرةُ سيطرةٍ كاملة على أدوات السَّرد.
الإنسان في مركز السَّرد
إنَّ القارئ الَّذي يتتبّع مسيرةَ هاشم غرايبة يرى، للوهلة الأولى، أنّه انتقل مِنْ موضوعٍ إلى آخر: من الرِّيف إلى السِّجن، ومن السِّجن إلى المدينة، ومن المدينة إلى التَّاريخ. لكنَّ هذا الانطباع يتنحَّى إذا نظرنا إلى مشروعه من الدَّاخل، لا من خلال عناوين أعماله. فما تغيَّر، في الحقيقة، هو المشهد الَّذي تجري فيه الحكاية، أمّا الحكاية نفسُها فلم تتغيّر؛ لأنَّ بطلَها ظلّ دائماً الإنسان.
ولهذا، أجدُ أنَّ تصنيفَ هاشم غرايبة بوصفه «كاتبَ الرِّيف»، أو «كاتبَ السِّجن»، أو «كاتبَ الرِّواية التَّاريخية»، لا يحيط بتجربته، بل قد يحجب وحدتَها الدَّاخليَّة. فالرِّيف، عندَه، ليس موضوعاً قائماً بذاته، وإنَّما هو البيئة الَّتي يكشف مِنْ خلالها تكوينَ الإنسان الأردنيّ؛ والسِّجن ليس مكاناً للعقوبة فقط، بل فضاءً تنكشف فيه الطَّبيعة الإنسانيَّة تحت ضغطٍ استثنائيّ؛ والمدينة ليست مجموعةً من الشَّوارع والأبنية، بل صورة لتحوُّلات المجتمع وتبدُّل قيمه؛ أمّا التَّاريخ، فليس ماضياً انقضى، وإنَّما استمرار للأسئلة نفسِها في أزمنةٍ مختلفة.
ومن هنا، فإنَّ تنقُّلَ هاشم بين هذه العوالم لم يكن انتقالاً مِنْ مشروعٍ إلى آخر؛ بل كان توسُّعاً في المشروع نفسِه.
لقد بدأ من القرية؛ لأنَّها كانت عالمَه الأوَّل، وهناك تعلَّم الإصغاءَ إلى الحياة وهي تتشكَّل بعيداً عن الضَّجيج. ولم ينظر إلى الرِّيف بوصفه فردوساً مفقوداً، كما فعل كثيرٌ من الأدباء العرب، ولم يقدِّمه باعتباره مخزوناً للفولكلور أو الحنين، بل رآه مجتمعاً حيَّاً، يتجاور فيه النُّبلُ مع الأنانيَّة، والشَّجاعةُ مع الخوف، والكرمُ مع البُخل، والحكمةُ مع الخرافة. كان يعرف أنَّ الإنسانَ لا يصبح أكثرَ نقاءً لمجرَّد أنَّه يعيش في قرية، كما لا يصبح أكثرَ فساداً لمجرَّد أنّه يعيش في مدينة. ولذلك، جاءت شخصيَّاتُه الرِّيفيَّة شخصياتٍ مِنْ لحمٍ ودم، لا نماذجَ مثاليَّة ولا رسومَ كاريكاتيريَّة.
وهاشم يعتني بالتَّفاصيل الصَّغيرة بِحِرَفيَّة؛ فهو يدرك أنَّ هويَّةَ الشَّخصيَّة الأدبيَّة لا تنجلي في المواقف الكبرى وحدِها، وإنَّما في النَّظرات والإيماءات والعادات اليوميَّة والصَّمت والكلمات العابرة.
والمكان، عندَه، ليس مجرَّدَ خلفيَّةٍ للأحداث، بل عنصر يشارك في تكوين الإنسان. فالرِّيف والمدينة والسِّجن والبيت والشَّارع تَترك جميعُها آثارهَا في الشَّخصيَّة، وتضيء العلاقةَ المعقَّدة بين الفرد وبيئته.. مِنْ غير أنْ تتحوَّل إلى تفسيرٍ ميكانيكيٍّ لها.
وينطبق الأمرُ نفسُه على الزَّمن؛ فهو، عندَه، ليس مجرَّدَ تعاقبٍ للأحداث، بل قوَّة تشكِّلُ الوعيَ، وتُغيِّر الشَّخصيَّات عبر ما تتركه التَّجاربُ في نفوسِها.
وهاشم لا يشرح شخصيَّاته للقارئ، ولا يفرض عليه تفسيراً واحداً لها، وإنَّما يتركها تكشف نفسَها تدريجيَّاً مِنْ خلالِ أفعالِها وعلاقاتِها بالآخرين. وهذه الثِّقة بالشَّخصيَّة وبالقارئ، معاً، تمنحُ السَّردَ حيويَّةً، وتجعلُه قابلاً لأكثر مِنْ قراءة. وكُلَّما عاد القارئُ إلى هذه الأعمال اكتشف فيها طبقةً جديدةً من المعنى، لأنَّ الإنسانَ الَّذي تقدِّمه لا يمكن اختزالُه في تفسيرٍ واحد.
وهنا يكمن، في تقديري، أحدُ أهمِّ أسبابِ بقاءِ هذا الأدب؛ فالعمل الأدبيّ، الَّذي يرتبط بفكرةٍ واحدة، يموت حين تموت تلك الفكرة أو تتقادم؛ أمَّا الأدب الَّذي ينفذ إلى جوهر انشغالات الإنسان، فيظلُّ قابلاً للقراءة في كُلِّ زمن، لأنَّ الإنسانَ يبقى دائماً مشغولاً بالأسئلةِ الأساسيَّةِ نفسِها: الحُريَّة، والخوف، والانتماء، والعدالة، والحُبّ، والكرامة، ومعنى الوجود.
مدرسة السِّجن.. والسِّجن كمدرسة
إذا كان الرِّيف هو المختبر الأوَّل الَّذي تعلّم فيه هاشم غرايبة مراقبةَ الإنسان في حياته الطَّبيعيَّة، فإنَّ السِّجن كان المختبرَ الَّذي اختبرَ فيه الإنسان تحت ضغطٍ استثنائيّ. وهنا، حدث التَّحوُّل الأعمقُ في تجربته؛ لأنَّ السِّجنَ لم يكن مجرَّدَ حادثةٍ صغيرة في سيرتِه، ولا مرحلةً عابرةً يمكنُ تجاوزُها، بل كان تجربةً طويلةً ومركَّبةً، تركت أثرَها في رؤيته للحياة وللبشر وللكتابة نفسِها.
كان هاشم غرايبة يعيش حياةَ السِّجن بكلِّ تفاصيلها وباندماجٍ كبير، وكان يتعامل مع السِّجن كما لو أنَّه مقرُّه النَّهائيّ. ولقد ترافقنا، هو وأنا، سنواتٍ طويلةٍ في العيش في ذلك الحيِّز المغلق الَّذي كان يُسمَّى «سجن المحطَّة». وكانت تلك السَّنوات، على قسوتِها، حياةً كاملة (مع التَّحفُّظ على كلمة حياة)، علَّمت عميقاً وبصورة دائمة في وجدان كُلٍّ منَّا؛ ولم تكن مجرَّدَ حالةِ انتظارٍ قلقة للخلاص مِنْ إسار جدران السِّجن.
كنّا نقرأ، ونتعلَّم، ونعلِّم، ونخطِّط للمستقبل، ونتناقش، ونختلف، ونتخاصم، ونتوادّ، ونضحك أحياناً، ونتسامر حتَّى مطلع الفجر، كما لو أنّنا نعيش في مدينة صغيرة لها قوانينُها الخاصَّة المختلفة عن سائر المدن الأخرى. بل إنَّ الأديبَ الأردنيَّ الرَّاحلَ فايز محمود كتب، وهو رهينُ سجن المحطَّة، ونزيلُ الغرفة نفسِها الَّتي كان هاشم غرايبة نزيلاً فيها، كتب قصَّةً طريفة بعنوان «قارَّات العالم الخمس»، تتحدَّث عن أشباك (أقسام) سجن المحطَّة الخمس.
وفي سجن المحطَّة، كان السَّجينُ السِّياسيُّ يعيش إلى جانب المحكومين في قضايا جنائيَّة، فتتشكَّل بينهم شبكةٌ معقدَّةٌ من العلاقات الإنسانيَّة تكشف أنَّ البشرَ أعقدُ كثيراً من التَّصنيفات الجاهزة.
ولذلك، حين كتب هاشم غرايبة عن السِّجن، لم يكتب عنه باعتباره جدراناً وأبواباً حديديَّة، أو وسيلة لتقييد الحُرِّيَّة، وإنَّما باعتباره حيِّزاً لمجتمعٍ إنسانيٍّ كامل، تتجاور فيه (وتتفاعل) الشَّخصيَّات والخبرات الإنسانيَّة على اختلافاتها الكبيرة. السَّجين السِّياسيّ إلى جانب المحكوم بجريمة قتل، وإلى جانب اللص، والمهرِّب، والمعلِّم، والمثقَّف، والعامل، والفلَّاح. ومِنْ هذا الاحتكاك الواسع، كانت تنشأ معرفةٌ عميقة بالنَّفس البشريَّة، لا يمكن اكتسابُها من القراءة وحدِها.
ولذلك، أيضاً، انصرف اهتمامُ هاشم، في كتابته عن السِّجن، إلى السُّؤال عن: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُحاصَرُ بين جدران السِّجن؟ وكيف يستطيع أنْ يحافظ على إنسانيَّته في مثل تلك الظُّروف القهريَّة القاسية؟
ولم تكن الإجابة على هذا التَّحدِّي الكبير بالكتابة وحدِها، بل بالانغماس التَّامّ في الحياة اليوميَّة داخل السِّجن؛ عن طريق اللقاءات مع السُّجناء الأخرين، والقراءة، والتَّدريس في مدرسة السِّجن، والانهماك بالنِّقاشات الطَّويلة، وإنتاج الأعمال المسرحيَّة للسُّجناء. وهذه، كُلُّها، لم تكن وقائعَ هامشيَّة، وإنَّما كانت تعبيراً عن مقاومةٍ صامتة.. مقاومة ضدَّ تحويل الإنسان إلى مجرَّد رقم أو ملفّ. كما أنَّها كانت تأكيداً على أنَّ الإنسان قادرٌ على صُنع الحياة، حتَّى في أكثرِ الأماكنِ قسوةً وأقلِّ الظُّروفِ ملاءمةً.
ومِنْ أبلغِ الأمثلةِ على ذلك، مدرسةُ السِّجن، الَّتي تزاملنا (هاشم وأنا) في العمل فيها كمدرِّسَين سنين طويلةً. تلك المدرسة لم تكن مجرَّدَ مكانٍ لتعليم القراءة والكتابة والعلوم المدرسيَّة الأخرى؛ بل كانت، أكثرَ مِنْ ذلك، تعبيراً عن إيمانٍ حقيقيّ بأنَّ تقديمَ المعرفةِ وتحصيلَها إنَّما هما جزءٌ مِنْ مقاومةِ الانكسار تحت وطأة شروط السِّجن.
وفي مدرسة السِّجن، كان المحكومُ بالإعدام على جريمة قتل أو سواها، يجلس على مقاعد الدَّرس (أو يُدرِّس) إلى جانب المحكوم بقضية سرقة، وإلى جانب السَّجين السِّياسيّ، ويقدِّمون أو يتلقّون المعرفةَ، كما يشتركون في التَّجربة الإنسانيَّة نفسِها.
وهذه التَّجربةُ، جعلت هاشمَ يرى البشرَ بعيداً عن الأحكام المسبقة، ويتجنَّبُ تقسيمَهم إلى أخيارٍ وأشرار، أو إلى أبطالٍ وخونة، بل ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً معقَّداً، تتجاورُ فيه القوَّةُ والضَّعفُ، والشَّجاعةُ والخوفُ، واليقينُ والشَّكُّ، والإقدامُ والتَّردُّدُ. ولهذا، جاءت شخصيَّاتُه أقلَّ يقيناً وأكثرَ إنسانيَّة، وجاء أدبُه منحازاً للفهم قبل الإدانة.
ولهذا، أيضاً، رغم انخراطه في العمل السِّياسيّ، لم يجعل الأدبَ امتداداً للمنشور السِّياسيّ، ولم يحوِّل شخصيَّاته الأدبيَّة إلى ناطقٍ باسم الحزب، ولم يختزل الصِّراعَ الفنِّيَّ في مواجهةٍ حامية بين ملائكة وشياطين. كانت شخصيَّاته تعيش السِّياسةَ، وتتأثَّرُ بها، لكنَّها لا تُختَزلُ فيها؛ وكان المركز، في النِّهاية، هو الإنسان الَّذي يحاول أنْ يحتفظ بكرامته وإنسانيَّته وسط العنف والقهر والتَّحوُّلات الكبرى.
ومِنْ أجمل ما يكشف هذه الرُّوح، لدى هاشم غرايبة، نشاطُه المسرحيّ داخلَ السِّجن؛ حيث كتب وأعَدَّ وأخرج عروضاً شارك فيها سجناءُ سياسيّون وجنائيّون معاً. ولم تكن تلك العروض مجرَّدَ تسلية، بل فعلاً ثقافيَّاً يؤكِّد قدرةَ الإبداع على اختراق الجدران، وقدرةَ الإنسان على إنتاج الجمال حتَّى في أقسى الظُّروف.
لهذا كُلِّه، لا يظهرُ السِّجنُ بطلاً في أعماله الأدبيَّة، ولا رمزاً مجرَّداً للقمع، بل بيئة تُختَبر فيها الطَّبيعة الإنسانيَّة بأقصى درجات القسوة، بينما تتقدَّم إلى الواجهة الأسئلةُ الكبرى المتعلِّقة بالحُرِّيَّة والكرامة والمعنى الوجوديّ.
الواقعيَّة.. بوصفها إعادة اكتشاف الواقع
كثيراً ما وُصِفتْ كتابةُ هاشم غرايبة بأنَّها كتابة واقعيَّة؛ وهذا الوصف صحيح، إذا فهمنا الواقعيَّة فهماً صحيحاً؛ أي إذا فهمناها بوصفها إعادةَ اكتشاف الواقع، لا مجرَّدَ نَقْلِه. فالأدب لا يتحوَّل إلى فنّ بمجرَّدِ تسجيل الحياة كما هي في صورتها الخام، وإنَّما حين يعيد الكاتب بناءها وفق رؤية تكشف ما هو خفيّ أو غامض في التَّجربة الإنسانيَّة.
ولهذا، لا يكتفي هاشم بتسجيل ما يراه، بل يعيد ترتيب عناصر الواقع بحيث تصبح أكثرَ قُدرةً على الكشف عن الإنسان. كما أنَّه لا يصف المكان لذاته، وإنَّما يبيِّن أثرَه في تكوين البشر؛ ولا يتتبَّع الأحداث لأنَّها وقعت، بل لأنَّها تكشف طبقاتٍ أعمقَ من التَّجربة الإنسانيَّة. الأمر الَّذي يجعلُ القارئَ يشعر، وهو يقرأُ أعمالَه، بأنَّه يعرف هذا العالم معرفةً سابقة، مع أنَّه يراه للمرَّة الأولى.
ويتجلَّى هذا أيضاً في تعامله مع التَّفاصيل الصَّغيرة كجزءٍ من البناء الدَّلاليّ للنَّصّ، وليس بكونها حشواً وصفيَّاً؛ فالنَّظرة العابرة، أو الصَّمت، أو حركة اليد، قد تكون عندَه أبلغَ مِنْ صفحاتٍ طويلةٍ من الشَّرح. وهذا الاقتصاد في الوسائل التَّعبيريَّة يعكس ثقتَه بقوَّة السَّرد، وبقدرة القارئ على المشاركة في إنتاج المعنى.
وفي هذا السِّياق نفسِه، جاءت لغتُه شفَّافة، ومنضبطة، وبعيدة عن الزَّخرفة والخطابة. فهي لا تستعرض نفسَها، بل تقود القارئَ بسلاسة إلى العالم الَّذي تصنعه. وبلاغتُها ليست في كثرة الصُّور والاستعارات، وإنَّما في دقَّة التَّعبير، مِنْ غير تَزيّد أو افتعال.
كما أنَّه لا يفرض على القارئ تفسيراً نهائيَّاً مضمَّناً في نصِّه، ولا يقدِّم أحكاماً جاهزةً على شخصيَّاته، وإنَّما يترك مساحةً واسعةً للتَّأويل؛ لأنَّ الإنسانَ أعقدُ مِنْ أنْ يُختزل في حُكمٍ واحد، والحياة أغنى مِنْ أنْ تُقرأ مِنْ زاويةٍ واحدة. ومِنْ هنا، اكتسبت أعمالُه قدرةً على مقاومة الزَّمن؛ وهي لا تعيش لأنَّها وثَّقت مرحلةً تاريخيَّة، بل لأنَّها نفذت إلى الطَّبيعة الإنسانيَّة الكامنة وراء تلك المرحلة.
الخاتمة
عندما أتأمُّلُ تجربةَ هاشم غرايبة، يبدو لي أنَّ القيمةَ الأساسيَّة لمشروعه الأدبيّ تكمن في وفائها الدَّائم لسؤالٍ واحدٍ، هو: سؤال الإنسان. وهذا، أيضاً، ما يمنحها وحدتَها وعُمقَها.
وربَّما لهذا السَّبب، احتفظتْ أعمالُه بحيويَّتها، ولا تزال شخصيَّاته قادرةً على مخاطبة قارئ اليوم. فالأدب لا يعيش لأنَّه تناول أحداثاً كبيرة، ولا لأنَّه عبَّر عن مرحلةٍ تاريخيَّة بعينها، وإنَّما لأنَّه استطاع أنْ يكشفَ شيئاً جوهريَّاً في الإنسان. وهذا هو ما تميَّزت به تجربة هاشم غرايبة الأدبيَّة. ولذلك، فإنَّ الاحتفاءَ بتجربته هو، في جوهره، احتفاءٌ بالأدب بمجمله، وبقدرته المتجدِّدة على تعميق معرفتنا بالإنسان، وإبقاء أسئلته الكبرى حيَّةً عبر الزَّمن.
#سعود_قبيلات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في المرَّة الأولى كمأساة، وفي المرَّة الثَّانية كمهزلة..
-
الإرادة الأميركيَّة – «الإسرائيليَّة» ليست قدراً لا يُردّ
-
بخصوص القواعد الأميركيَّة
-
من ترامب إلى ممداني.. أميركا إلى أين؟
-
شُروط نيل جائزة صانع الدِّيناميت
-
-وُلِدنا بسيقان طويلة في غابات قزمة-*
-
أزمة اليسار وحركة التَّحرُّر العربيّ.. إلى أين؟ وما الحلّ؟
-
في ذِكْرَى اغْتِيَالِ صَدِيقِي وَرَفِيقِي الْغَالِي نَاهِض ح
...
-
مشهد مؤلم بارتدادات أكثر إيلاماً
-
وَقْفُ إطلاقِ النَّارِ على وَقْعِ دَويّ الصَّواريخ
-
ابنُ لنكك.. نفسٌ مليئة بالغضب ولسانٌ سليطُ
-
كلمات موجزة عن سُخرية التَّاريخ
-
وْسومها على خْشومها!
-
تنازلاتُ حركةِ التَّحرُّرِ العربيَّةِ الأساسيَّةِ ونتائجُها
...
-
قريباً.. سيعرف الَّذين فرحوا مع مَنْ فرحوا وما الَّذي فرحوا
...
-
يبذلون لغزَّة الكلام فقط.. وأمَّا فعلهم ففي سوريا..
-
وقف إطلاق النَّار ووحدة السَّاحات وإسناد غزَّة
-
أُمَّةٌ حيَّةٌ.. أُمَّةٌ تُقاوِمُ.. كلمة في ملتقى تونس لدعم
...
-
تقرير من الأمين العامّ للحزب الشُّيوعيّ الأردنيّ إلى اللجنة
...
-
برنامج الحزب الشُّيوعيّ الأُردنيّ الجديد والقضيَّة الفلسطيني
...
المزيد.....
-
“سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في
...
-
بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل
...
-
نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
-
ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها
...
-
مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
-
كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي
...
-
كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام
...
-
الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس
...
-
متحف الإرميتاج يحصل على حماية قانونية لاسمه كعلامة تجارية مش
...
-
الموت يفجع الفنان تامر حسني
المزيد.....
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
المزيد.....
|