أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهنا المهنا - بين التدين الروحي والهيمنة الكهنوتية: قراءة فلسفية في العلمانية المسلمة














المزيد.....

بين التدين الروحي والهيمنة الكهنوتية: قراءة فلسفية في العلمانية المسلمة


مهنا المهنا

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 11:03
المحور: قضايا ثقافية
    


يواجه العقل العربي المعاصر مأزقاً بنيوياً حاداً يكمن في عجزه التاريخي عن الفصل بين جوهر الإيمان الروحي وبين التوظيف الأيديولوجي للمقدس. لعقود طويلة، نجحت تيارات الإسلام السياسي وفلول الصحوة في تحويل الدين من فضاء قيمي وأخلاقي جامع، إلى "مُعلّبات عقائدية" جاهزة للاستخدام الحزبي، وأداة لاحتكار المجال العام وإقصاء الآخر. هذا التوظيف الحزبي أنتج بنية سلوكية مأزومة تحاكم القوانين المدنية بمقاييس تكفيرية، مما جعل من تفكيك هذه البنية ضرورة سيادية ملحة لحماية أمن المجتمعات ومستقبلها.

من هنا، تبرز الأطروحات الفكرية الجريئة التي تحاول كسر هذا الانسداد، ولعل أبرزها ما يطرحه الباحث والمؤرخ عبدالله مطلق القحطاني حول مفهوم "العلمانية المؤمنة" كأداة تشريحية لمواجهة التطرف والأدلجة، وتحديداً في البيئة الخليجية والسعودية. إن هذه المقاربة لا تسعى إلى استيراد علمانية صلبة أو يعقوبية إقصائية تصطدم مع وجدان المجتمع، بل تقدم "مشرطاً بارداً" يفصل بحذر وعمق بين آليات الإدارة المدنية الحديثة وبين التدين الفردي الأخلاقي.
الجذور الفلسفية والتاريخية: من "لوك" إلى "كانط"
تاريخياً وفلسفياً، لم تكن العلمانية يوماً مجرد موقف معادٍ للمقدس، بل كانت آلية لتنظيم الفضاء العام وحماية الدين نفسه من دنس الصراعات السياسية.
يجادل الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في رسالته الشهيرة "في التسامح" بأن رعاية النفوس ليست من اختصاص الحاكم المدني، وأن القوة المادية للدولة لا يمكنها إجبار الضمائر على الإيمان.
في عمق الفلسفة العقلانية، يبرز إيمانويل كانط كأحد أهم مفككي الأدلجة؛ ففي مقالته التاريخية "ما هو التنوير؟"، يعرّف التنوير بأنه خروج الإنسان من حالة "القصور العقلي" التي تفرضها عليه سلطات الوصاية. ويطالب كانط بالاستخدام الحر والعلني للعقل في كل الشؤون، معتبراً أن فرض عقائد جامدة ومحصنة ضد النقد هو "جريمة في حق الطبيعة البشرية".
وفي أطروحته "الدين في حدود مجرد العقل"، يميّز كانط بين "الدين الأخلاقي الخالص" الذي يخاطب ضمير الفرد ويدفعه للخير، وبين "دين العبادات الكهنوتي" الذي يتحول إلى أداة للهيمنة السياسية والاجتماعية عبر طقوس يفرضها سدنة الوعي.
هذا التمييز الفلسفي الكانطي يلتقي تماماً مع جوهر أطروحة "العلمانية المؤمنة"؛ إذ يُعاد دمج الإيمان كقيمة عليا تحمي الأخلاق الفردية وتحرر العقل من وصاية الجماعات الحركية، بينما تُترك السياسة والتنمية لآليات العلم والتجربة الإنسانية، وهو ما يتناغم مع الرؤية الوطنية المعاصرة القائمة على الوسطية والاعتدال.
تجليات "العلمانية الإجرائية" في المشهد السعودي الحالي
إن العقدة الكبرى التي واجهت الفكر العربي طويلاً هي الاستغراق في المعارك "المفاهيمية" حول مصطلح العلمانية، وهي معارك كلامية حسمتها السعودية الحديثة عبر تجاوز الجدل اللفظي والذهاب مباشرة نحو "العلمانية الإجرائية" (Procedural Secularism).
العلمانية الإجرائية هي تحييد المؤسسة الدينية عن مفاصل الإدارة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وتحويل فضاء الدولة إلى فضاء محايد يقف على مسافة واحدة من الجميع. ويتجلى هذا التجريف العملي لبنى الأدلجة والصحوة في ممارسات وتطبيقات واضحة داخل المشهد السعودي الحالي:
هيكلة المنظومة التشريعية والقضائية: الانتقال من فوضى "الاجتهادات الفقهية الفردية" المتأثرة أحياناً بأدلجة حركية، إلى تقنين الأحكام القضائية وإصدار نظام الأحوال الشخصية والمعاملات المدنية. هذا التحول يمثل جوهر العلمانية الإجرائية؛ حيث تصبح الدولة والتشريع الوضعي المنظم هما المرجعية السيادية العليا.
تفكيك أدوات الضبط الاجتماعي المؤدلجة: إن إلغاء الصلاحيات التنفيذية لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحصر الضبط في يد وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية الرسمية، أنهى عقوداً من الوصاية الأخلاقية والاجتماعية التي كانت تتغذى عليها التيارات الحركية لفرض نموذج سلوكي أحادي.
إصلاح الفضاء التعليمي والثقافي: تطهير المناهج التعليمية من أدبيات الحركيين، والانفتاح على الفنون، والموسيقى، والسياحة العالمية، والابتعاث. هذه الإجراءات أعادت بناء الهوية الوطنية على أسس تنموية وإنسانية منفتحة، وحرمت المؤدلج من استغلال المؤسسة التعليمية كمنصة للاستقطاب وتفريخ التطرف.
تمكين المرأة كشريك مدني: كسر القيود العرفية التي كانت تُغلّف بغطاء ديني متشدد (مثل قيود السفر والقيادة والعمل) وإدماج المرأة الكامل في الحراك الاقتصادي، يمثل إعلاناً صريحاً عن تفوق المعيار التنموي المدني على التأويلات الفقهية المنغلقة.
خاتمة
إن مواجهة التطرف لا تتم بالخطب الوعظية المضادة، بل بمشرط فكري وسياسي بارد يفكك الأدلجة من جذورها البنيوية. وتثبت التجربة الواقعية أن "العلمانية الإجرائية" التي تمارسها الدولة السيادية كأدوات إدارة وتنمية، هي الترياق الأكثر فاعلية لتبديد وهم "معلبات العقيدة" وتحرير الإنسان من قصوره العقلي -بتعبير كانط-. إنها الآلية التي تضمن بقاء الدين طاهراً نزيهاً في محرابه الروحي، وتضمن للدولة ديناميكيتها وقوتها في سياستها التنموية الحديثة.



#مهنا_المهنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجراحة المعرفية: دور المثقف التنويري في تفكيك -الأدلجة- بال ...
- تفكيك الإمبراطوريات الموازية: المراكز الإسلامية في الخارج من ...
- المسلم المؤدلج في الفضاء الغربي: تفكيك البنية السلوكية، خرائ ...
- ديمقراطية المشرط البارد: كيف يفكك العقل الغربي -مُعلّبات الع ...
- سدنة الوعي في مهب العاصفة: دور المثقف وترشيد الرأي العام وقت ...


المزيد.....




- وعود ترامب بأن يكون -صانع السلام- تصطدم بالواقع.. كيف سيخرج ...
- قبة حرارية قياسية تضرب غرب الولايات المتحدة وتهدد بأيام شديد ...
- نتنياهو يلتزم الصمت عقب إعلان ترامب اتفاق نزع سلاح حماس
- سوريا.. اختطاف طفل أمام عيني والدته في ريف حلب تحت تهديد الس ...
- مكتب نتنياهو يحدد شرط انسحاب إسرائيل من الخط الأصفر في قطاع ...
- -حزب الله-: كان الأجدر بالسعودية اللجوء للحوار مع العراق بدل ...
- الجزائر تعلن الحداد 3 أيام على ضحايا حادث حافلة بومرداس
- ماكرون يعرض على إسبانيا مساعدتها في مواجهة أزمة سبتة
- قاذفات -سو-34- روسية تدمّر 4 مواقع عسكرية هامة شرق وجنوب أوك ...
- عارضو الأزياء التنكرية يقدمون عروضا ويلتقطون صورا في مهرجان ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهنا المهنا - بين التدين الروحي والهيمنة الكهنوتية: قراءة فلسفية في العلمانية المسلمة