أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - جحيم السرمدية: من ظلمات -إيرشكيجال- ومحارق -وادي هنوم- إلى سادية العذاب البيبلي الأبدي














المزيد.....

جحيم السرمدية: من ظلمات -إيرشكيجال- ومحارق -وادي هنوم- إلى سادية العذاب البيبلي الأبدي


سامر مليح

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 15:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في أروقة الفلسفة الدينية وعلم النقد النصي، لا تمثل الإبادات الجماعية والحروب العرقية في العهد القديم سوى "العنف البدائي المؤقت". أما الذروة الدراماتيكية للترهيب الأخروي فتتجلى في العهد الجديد؛ حيث ينتقل العقاب من حيز الجغرافيا والتاريخ الأرضي إلى فضاء الميتافيزيقا السرمدية. هنا، يتحول المفهوم من مجرد "قصاص" إلى منظومة تعذيب سيكولوجي وجسدي أبدي، صُممت نصوصها لتهز الوعي البشري بعنف، واصفة عذاباً "لا ينقطع ليلاً ولا نهاراً".
غير أن هذا الرعب الميتافيزيقي لم يولد من فراغ؛ بل تمتد جذوره اللاشعورية والأنثروبولوجية إلى رافدين أساسيين: الأساطير السومرية لبلاد الرافدين، والجغرافيا الدامية لوادي "جي-هينوم" الكنعاني.
1. من "كور" السومري إلى الجحيم البيبلي: التطور الأنثروبولوجي للرعب
عند مقارنة رحلة الهبوط إلى العالم السفلي (مثل رحلة إنانا/عشتار) بمشهد الجحيم الكتابي، نلاحظ تحولاً جذرياً في سيكولوجية الآلهة وعقليتها العقابية:
عالم "إيرشكيجال" (الرعب الرمادي الكئيب): في الأساطير السومرية، كان العالم السفلي "كور" أو "إيركالا" مكاناً مظلماً، ترابياً، يأكل فيه الموتى الطين ويشربون الماء الآسن. "إيرشكيجال"، إلهة الموت القاسية، لم تكن تُعذب الأرواح بدافع التلذذ بالألم (السادية)، بل كانت حارسة لنظام كوني صارم: من يدخل مملكتها لا يخرج أبداً، والجميع (ملوكاً وصعاليك) يتساوون في هذا المصير الصامت.
القفزة البيبلية (الرعب الحركي النشط): أخذ الفكر الكتابي فكرة "العالم السفلي الذي لا خروج منه" (الذي سُمي في العهد القديم "شيول")، لكنه شحنها بطاقة انتقامية هائلة في العهد الجديد. لم يعد الجحيم مكاناً رمادياً هادئاً للأرواح، بل تحول تحت السيادة الإلهية المطلقة إلى مسرح تعذيب نشط، يُستخدم فيه الحرق والمواد الكيميائية الخانقة، ليتحول الإله من "حارس للنظام" إلى "مهندس لعذاب سرمدي".
2. الجغرافيا الدامية: وادي هنوم ومحارق الأطفال الحية
لكي تتجسد فكرة الجحيم في المخيال اليهودي والمسيحي المبكر، استعار الفكر الديني جغرافيا حقيقية ومرعبة من أرض الواقع: "وادي هنوم" (Gehenna / جي-هينوم) الواقع جنوب أورشليم:
مسرح القرابين البشرية لمولوخ: في التاريخ الكنعاني واليهودي القديم، كان هذا الوادي مكاناً مقدساً ومروعاً في آن واحد، حيث كان عبدة الإله "مولوخ" (وبعض بني إسرائيل المرتدين) يمارسون طقس "التمرير في النار"، وهو تقديم أطفالهم الرضع كقرابين بشرية حية تُحرق بالكامل في أحضان تمثال مولوخ البرونزي المشتعل.
اللعنة التاريخية ومكب النفايات: بسبب هذه الفظائع، لعن الأنبياء (مثل إرميا) هذا الوادي، وتحول لاحقاً إلى مكب لنفايات أورشليم وجثث المجرمين والحيوانات. ولكي تمنع الأوبئة، كانت النيران تُشعل فيه باستمرار، والدود ينهش الجثث التي لم تصلها النار.
التأصيل الميتافيزيقي للجحيم: أخذ العهد الجديد هذا المشهد الجغرافي الحي (نار وادي هنوم التي لا تنطفئ، ودوده الذي لا يموت) ورفعه إلى مستوى كوني؛ فصار "جي-هينوم" هو الاسم الرسمي للجحيم، وتحولت النار التي كانت تحرق النفايات والأطفال تاريخياً، إلى نار إلهية أبدية تحرق أرواح الأشرار وأجسادهم للأبد.
3. سريالية المشهد الأخروي: هندسة الآلة التدميرية
لا يترك النص البيبلي مساحة للمجاز عندما يتعلق الأمر بالترويع الحسي؛ بل يعتمد على عناصر بصرية وسمعية بالغة القسوة في سفر الرؤيا والأناجيل، متفوقاً بمراتب على قسوة "إيرشكيجال" ومحارق "مولوخ":
الدخان السرمدي وصناعة اليأس: "ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين، ولا تكون راحة نهاراً وليلاً" (رؤيا 14: 11). يكمن الرعب هنا في إلغاء الهدنة؛ فالعذاب لا يعرف التوقف، والدخان المتصاعد هو الإعلان البصري المستمر لانتصار الألم اللانهائي.
المسرح الكيميائي للألم: العقاب لا يتم بنار عادية، بل بـ "البحيرة المتقدة بالنار والكبريت" (رؤيا 20: 10)، وهو مزيج يضمن استدامة الحرق والاختناق دون فناء الجسد المعذب، ما يحول الكينونة البشرية إلى مادة قابلة للاشتعال الدائم.
السقوط السيكولوجي: التوصيف المتكرر بـ "الظلمة الخارجية.. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى 22: 13)، يعكس ذروة العزلة النفسية. إنه عذاب مركب: جسدي بالنار المستعارة من وادي هنوم، ونفسي بالندم والعزلة التامة عن مصدر الوجود.
4. التفكيك الفلسفي: العقاب الأبدي كسادية ميتافيزيقية
عند إخضاع هذه النصوص لمشرط علم الأديان والتحليل الفلسفي، تبرز معضلة أخلاقية ضخمة تضع مفهوم "العدالة الإلهية" في مأزق، وتفتح الباب لتأويلات "القسوة والسادية المطلقة":
غياب الغاية التقويمية: في الفلسفة الجنائية والأخلاقية، يُشرّع العقاب للإصلاح أو الردع. أما في الجحيم الأبدي، فتنتفي الغاية التقويمية تماماً؛ فالتعذيب مستمر لمجرد التعذيب واستدامة الألم، دون أي فرصة للتوبة أو الخروج، مما يجعله -في المنظور النقدي- انتقاماً سادياً لا نفع منه سوى التلذذ الميتافيزيقي بمعاناة المخلوق.
مفارقة اللا-تكافؤ: كيف لخطايا اقترفها كائن فاني ومحدود، في زمن أرضي لا يتجاوز عقوداً قليلة، أن تستوجب خطة تعذيب تمتد لمليارات السنين ولأبد الآبدين؟ هذا الخلل الرهيب في ميزان القصاص هو المرتكز الأخلاقي الذي يستند إليه الفلاسفة الوجوديون لوصف الإله البيبلي بالسادية، مقارنة بآلهة العالم القديم (كإيرشكيجال) التي كانت عقوباتها تنتهي بموت الإنسان وفنائه، أو تكتفي بحبسه في عالم رمادي صامت.
5. خاتمة
إن دخان الجحيم البيبلي الذي لا ينقطع ليلاً ولا نهاراً هو التطور الميتافيزيقي المرعب لعالم "إيرشكيجال" السومري المظلم ومحارق "وادي هنوم" الدامية. لقد دمج العقل الديني القديم أساطير بلاد الرافدين مع التاريخ الجغرافي الأسود لقرابين الأطفال، لإنتاج أداة سيكولوجية مشحونة بأقصى درجات التخييل السادي، بهدف ضبط القطيع البشري وإخضاع الإرادة الإنسانية لسلطة الغيب عبر آلية "الرعب الوجودي المطلق"



#سامر_مليح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك البنية البطرياركية: المرأة السعودية بين ثورة التشريع و ...
- رسالة مفتوحة إلى الكاتبة ماجدة منصور: عن ألم العودة وسؤال ال ...
- وَهْمُ الإلٰهِ الرَّقَمِيّ: لِمَاذَا لَنْ تُغْنِي الخَ ...
- صنم الأناضول: تفكيك الأسطورة العلمانية للإسلام السياسي في تر ...
- لاهوت الخراب: المتأسلمون وجدلية تقويض الأوطان – -جماعة الحوث ...
- تفكيك البنية الفقهية لفتاوى المرأة: من العُرف النَّجدي إلى ق ...
- تهافت النقد السجالي في ضوء إنجيل مرقس
- تهافت الميثولوجيا المسيحية
- سامي لبيب ما رأيك نتكلم بصدق وصراحة ؟


المزيد.....




- العميد محمد أكرمي نيا: لا توجد أي مواجهة بين إيران ودول الجو ...
- تعاون مع الموساد ودخل المسجد.. من سلسلة اعترافات خطيرة لضابط ...
- خدعة بصرية في مقبرة إسلامية بطلها ضابط استخبارات أوكراني
- منهج اختياري عن الإسلام والعرب يثير عاصفة يمينية بأمريكا.. م ...
- الجيش الإيراني: لحقت أضرار جسيمة بهذه القاعدة، التي تضم أيضا ...
- حرس الثورة الاسلامية: على العدو ألا يظن أنه قادر على جعل الح ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية: يجب ألا يعتقد العدو أنه ي ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية: العمليات الإيرانية تركز ح ...
- حرس الثورة الاسلامية: الأصوات التي سُمعت في -باكدشت- ناجمة ح ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا رادار الإنذار المبكر لمنظومة الد ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - جحيم السرمدية: من ظلمات -إيرشكيجال- ومحارق -وادي هنوم- إلى سادية العذاب البيبلي الأبدي