أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - صنم الأناضول: تفكيك الأسطورة العلمانية للإسلام السياسي في تركيا














المزيد.....

صنم الأناضول: تفكيك الأسطورة العلمانية للإسلام السياسي في تركيا


سامر مليح

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 20:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


طوال العقدين الماضيين، ظلَّت الساحة الفكرية والسياسية العربية تعيش تحت وطأة "غيبوبة معرفية" ترتدي ثوب الانبهار. صُنعت في مخيلة العاطفة الدينية أسطورة سحرية اسمها "المعجزة التركية بقيادة الإسلام السياسي"، وحُوِّلت تجربة حزب العدالة والتنمية وزعيمه إلى "وثن أيديولوجي" يُرفع في وجه كل من يطالب بالدولة المدنية والعلمانية. يتغنى الدراويش بنجاح تركيا الاقتصادي وعنفوانها الجيوسياسي، ناسبين الفضل كله إلى "بركة الخلافة والتمكين الإلهي"، في عملية تزييف تاريخي قلَّ نظيرها.
لكن، عندما ننزع مساحيق التجميل الأيديولوجية عن وجه التجربة التركية، ونخضعها لمشرط النقد البنيوي العاري، يتهاوى هذا الصنم التراثي فوراً. إن النجاح التركي لم يكن يوماً ثمرة للفقه أو الفتاوى أو الصعود الروحي، بل كان - ويا للمفارقة - النتاج الصافي لـ "العلمانية البراغماتية" والرأسمالية المتوحشة.
1. دجل الشعار وحتمية الدستور العلماني
أولى المغالطات الصادمة التي يتجاهلها عشاق "الخلافة المتخيلة" هي أن تركيا أردوغان لم تطبق، ولم تجرؤ على تطبيق، بند فقهي واحد في إدارة الدولة. الدستور التركي في مادته الثانية يحمي العلمانية بنص جامد لا يمكن تعديله أو حتى اقتراح مسه .
المعاملات التجارية، البنوك، القوانين المدنية، قانون العقوبات، والتشريعات الاجتماعية كلها قوانين وضعية بالكامل مستمدة من التجربة الأوروبية الحديثة. لقد نجحت تركيا لأنها أدارت شؤونها بعقول بشرية ووفق شروط الدولة الحديثة، بينما ظل "الإسلام" في هذه التجربة مجرد "بخور ثقافي" يُشعل في المواسم الانتخابية لاستثارة عواطف الجماهير وتأمين صناديق الاقتراع. إنها علمانية برداء محافظ، وليس إسلاماً سياسياً أدار دولة.
2. معجزة الفائدة البنكية والرأسمالية الغربية
يتحدثون عن "الاقتصاد الإسلامي" البديل، بينما قامت الطفرة الاقتصادية التركية في عقدها الأول على تبني النيوليبرالية الرأسمالية الغربية بحذافيرها. انفتحت تركيا على الاستثمارات الأجنبية، والتزمت بصارم تعليمات صندوق النقد الدولي، واعتمد بنكها المركزي نظام الفوائد البنكية التقليدي (الذي يسميه الفقهاء رباً).
لم تصعد تركيا بالزكاة أو بالاقتصاد التكافلي، بل صعدت عبر عولمة الإنتاج والاندماج الكامل في المنظومة الرأسمالية العالمية التي يقودها الغرب. وعندما حاول الحزب الحاكم التدخل بأيديولوجية "البركة والتشريع الروحي" في آليات السوق وعمل البنك المركزي، كانت النتيجة سريعة وحاسمة: انهيار تاريخي لليرة، وتضخم قياسي طحن الطبقات الوسطى، مما أثبت أن قوانين الاقتصاد المادية لا تجامل الدعاية الدينية .
3. البراغماتية الجيوسياسية وسقوط الوعظ الأخلاقي
في حقل السياسة الخارجية، تسقط ورقة التوت تماماً عن جسد الشعارات العاطفية. لم تُدر تركيا يوماً علاقاتها الدولية بناءً على مفاهيم "الأمة الإسلامية" أو الولاء والبراء العقائدي، بل بناءً على مصالح قومية بحتة.
احتفظت تركيا بعضويتها الفاعلة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحمت المصالح العسكرية الغربية، وأقامت علاقات تجارية وعسكرية حيوية مع قوى يراها الخطاب الإسلامي تقليدياً في خانة "الأعداء". الدولة التركية تتحرك كدولة قومية حديثة شديدة الذكاء والبراغماتية، بينما يبتلع "الجمهور المغيب" الخطابات الحماسية الجوفاء التي تداعب مشاعره دون أن تغير من واقع التحالفات الصلبة شيئاً .
الخلاصة: انتصار أدوات الأرض على وعود السماء
إن التغني بـ "نجاح الإسلام السياسي في تركيا" هو اعتراف مضمر - من حيث لا يدري أصحابه - بجدوى العلمانية. لقد نجحت تركيا عندما تصالحت مع أدوات الحداثة، وقوانين السوق، والتشريعات الوضعية، والآليات التكنوقراطية لخدمة المواطن.
الصنم التركي الذي يعبده الإسلاميون ليس دليلاً على صحة أطروحتهم، بل هو إدانة صارخة لها؛ فهو يثبت أن الدين يعجز عن إدارة دولة حديثة ما لم يتنازل عن إطلاقيته الغيبية ويخضع لشروط العلمانية البراغماتية. لقد حان الوقت لتستفيق الشعوب المأزومة من أوهامها، وتدرك أن بناء الأوطان يتم بنقاء العقل والمؤسسات المدنية، وليس بالاتجار بأقنعة السماء على أرض الواقع المعاش.



#سامر_مليح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لاهوت الخراب: المتأسلمون وجدلية تقويض الأوطان – -جماعة الحوث ...
- تفكيك البنية الفقهية لفتاوى المرأة: من العُرف النَّجدي إلى ق ...
- تهافت النقد السجالي في ضوء إنجيل مرقس
- تهافت الميثولوجيا المسيحية
- سامي لبيب ما رأيك نتكلم بصدق وصراحة ؟


المزيد.....




- قائد قوة الجو فضاء بالحرس الثوري سيد مجيد موسوي: سيكون مصدر ...
- نواب إيرانيون يدعون إلى الانتقام لاغتيال المرشد الأعلى علي خ ...
- حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقيم مراسم إحياء ذكرى إم ...
- مستشار قائد الثورة اللواء رحيم صفوي: مضيق هرمز حق قانوني للج ...
- 67 مستوطناً اقتحموا باحات المسجد الأقصى المبارك، خلال فترة ...
- الاحتلال يغلق المسجد الأقصى ويشن حملة اعتقالات واسعة في الضف ...
- عندما ألف شيخ الأزهر كتابين في التشريح والكيمياء
- الخارجية الايرانية: بريطانيا ستتحمل تبعات قرارها المعادي لحر ...
- الخارجية الإيرانية: حرس الثورة هو جزء لا يتجزأ من القوات الم ...
- جيش الاحتلال يغلق أبواب المسجد الأقصى بذريعة تنفيذ تدريبات ع ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - صنم الأناضول: تفكيك الأسطورة العلمانية للإسلام السياسي في تركيا