أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - لاهوت الخراب: المتأسلمون وجدلية تقويض الأوطان – -جماعة الحوثي- نموذجاً تفكيكياً















المزيد.....

لاهوت الخراب: المتأسلمون وجدلية تقويض الأوطان – -جماعة الحوثي- نموذجاً تفكيكياً


سامر مليح

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 16:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا يكمن المأزق الأكبر الذي واجهته الدولة الوطنية الحديثة في شرقنا المعقد في شُح الموارد المادية أو عجز النخب الإدارية، بل في مواجهتها الوجودية المستمرة مع طاعون فكري مسيس يُعرف بـ "الإسلام الحركي" أو "المتأسلمون". إن المتأمل في مسارات القرن الفائت، وصولاً إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، يدرك بيقين الباحث والمؤرخ أن دخول أدبيات "المتأسلمين" وجماعات الإسلام السياسي إلى أي جغرافيا سياسية لم يكن يوماً مقدمة لبناء أو نهضة، بل تذكرة عبور حتمية نحو التفتيت والخراب. وتبرز جماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن كأوضح نموذج تاريخي معاصر يعكس كيف يمكن لأيديولوجيا تأسلمية حركية، ذات بعد سلالي وعقائدي متطرف، أن تحول وطناً بأكمله من مهد للحضارة الإنسانية إلى بؤرة للبؤس، والتشظي، والتراجع الحضاري.
1. وهم الولاية العابرة للحدود وجناية تفكيك المواطنة
تبدأ الجريمة المعرفية والوجودية لتيارات التأسلم الحركي من نقطة تدمير مفهوم "المواطنة المتساوية" وإحلال الولاءات المذهبية أو الأممية الجوفاء مكانها. وفي نموذج جماعة الحوثي، نجد تطوراً خطيراً وممزوجاً لهذه الفكرة؛ حيث دُمج الفكر الحركي المعاصر وبنيته التنظيمية بنظرية "الولاية السلالية الحصرية"، ليتشوه مفهوم الولاء وينتقل من الدولة والجمهورية والدستور والمصلحة الوطنية العليا لليمن، إلى ولاء عابر للحدود يربط جغرافيا اليمن بالمشروع الإقليمي الإيراني ونظرية (ولاية الفقيه).
إن هذا التفكيك الممنهج لأواصر الانتماء يصنع فرداً ممزق الهوية؛ فرداً يعيش بجسده داخل حدود وطنه، بينما يقع ولاؤه العقائدي، والفكري, والتنظيمي تحت توجيهات مملاة من عواصم خارجية. عندما تسقط قدسية الوطن ومؤسساته السيادية في وعي هذه الجماعات، يسهل جداً التضحية بمقدراته، وتجويع شعبه، وتدمير بناه التحتية، وتحويل التراب الوطني إلى مجرد منصة لإطلاق الصواريخ وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بالوكالة، دون أي اعتبار لمعاناة الإنسان المحلي وحقه في الاستقرار والأمان.
2. تجريف وعي الأجيال واحتكار الحقيقة الإلهية
يعتمد مشروع الحوثيين كنموذج للمتأسلمين على آليات "تزييف المقدس" واختطاف الدين لخدمة السياسة؛ فهم لا يطرحون أنفسهم كحركة سياسية مدنية تخضع أفكارها وممارساتها للنقد والخطأ، بل يتلفعون وراء شعارات دينية ثيوقراطية مدعين احتكار الحقيقة الإلهية، والحق الحصري والشرعي في الحكم، والوصاية الأبدية على عقول الناس، وأرواحهم، وأموالهم.
ويتجلى خراب الأوطان هنا في أبشع صوره الفكرية عبر "المراكز الصيفية الممنهجة" وإعادة هندسة المناهج التعليمية وتفخيخها؛ حيث يجري غسل أدمغة مئات الآلاف من الأطفال والشبان، وتعبئتهم بثقافة الموت، والكره، والفرز المجتمعي، بدلاً من تلقينهم قيم البناء، والإنتاج، والعلوم والآداب الحديثة. الكارثة هنا تكمن في تجفيف منابع العقلانية والتفكير العلمي؛ فالمجتمع الذي يُحاصر فيه السؤال الفلسفي والنقدي، ويُستبدل بـ "السمع والطاعة الأعمياء" للمشرف العقائدي والنائب السلالي، هو مجتمع يخرج طوعاً من التاريخ المعاصر، ويفقد أسلحة المنافسة الحضارية والاقتصادية ليتحول إلى خزان بشري للوقود الحربي.
3. ثقافة المليشيا واغتيال مؤسسات الدولة الحديثة
لا يمكن لتيارات الإسلام الحركي، ولا لجماعة الحوثي على وجه الخصوص، التعايش مع مفهوم "الدولة الحديثة" القائمة على سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والمؤسسات الدستورية المستقلة. إن التركيبة النفسية والتنظيمية لهذه الجماعة تقوم على عقلية "الفيد، والغنيمة، والتمكين القبلي العقدي"؛ وهو ما أدى حرفياً إلى اغتيال مؤسسات الدولة اليمنية عقب انقلابهم المشؤوم على التوافق الوطني.
لقد تتبعنا بنمط تدميري موحد كيف حلت "اللجان الثورية والمشرفون العقائديون" بدلاً من الكفاءات الإدارية والأكاديمية المعترف بها في الوزارات والهيئات، وكيف جرى تفكيك الجيش الوطني والمنظومة الأمنية الرسمية لإحلال مليشيا عقائدية مرتهنة مكانها. هذا التجريف للمؤسسات لم يقتصر على المفاصل السياسية، بل امتد لنهب الاحتياطيات النقدية، ومصادرة الممتلكات الخاصة، وفرض إتاوات وجبايات خانقة تحت مسميات "الخمس والمناسبات الطائفية"، مما أدى إلى انهيار كامل للاقتصاد المحلي، وتوقف الرواتب، وتفشي الفقر والمجاعة، وتحول الدولة إلى كيان فاشل ومعزول يعيش على الهامش الإنساني الدولي.
4. ضرب النسيج الاجتماعي وإذكاء الصراعات الهوياتية والقبلية
من أخطر المحاور التي تتشارك فيها تيارات التأسلم مع جماعة الحوثي هو العمل الممنهج على تفتيت "السلم الأهلي" وضرب النسيج الاجتماعي والقبلي من الداخل. فالأمة المستقرة تعتمد على روابط اجتماعية متينة وقيم تعايش تاريخية، لكن لاهوت الخراب يعتاش بالأساس على الفتنة والفرز. لقد قامت الجماعة بإحياء النعرات السلالية والطبقية والمذهبية التي تجاوزها العقل اليمني المعاصر لقرون، وقسمت المجتمع إلى "سادة" يملكون حقاً إلهياً مزعوماً، و"عوام" مستهلكين ومسخرين لخدمة هذه السلالة.
علاوة على ذلك، جرى استخدام شبكة القبائل التاريخية وتفكيك بنيتها؛ من خلال ضرب المشايخ والوجهاء الوطنيين ببعضهم البعض، وتعيين حلفاء عقائديين مطيعين (مشايخ ضمان موالين) لتسهيل عمليات الحشد القسري للشباب نحو جبهات القتال. هذا الشرخ الاجتماعي الحاد لا ينتهي بانتهاء المعارك العسكرية، بل يزرع أحقاداً وضغائن وثارات تاريخية غائرة بين أبناء الوطن الواحد والقبيلة الواحدة، مما يجعل إمكانية إعادة بناء الدولة والوئام الاجتماعي في المستقبل أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد.
5. تدمير رأس المال الوطني وتجفيف البيئة الاقتصادية والتنموية
لا يمكن لبناء تنموي أو اقتصادي أن يزدهر تحت حكم جماعة تؤمن بـ "الاقتصاد الطفيلي الريعي". لقد مارست جماعة الحوثي عملية تجريف واسعة لبيئة الأعمال ورأس المال الوطني اليمني؛ حيث تعرضت الشركات الكبرى والمؤسسات التجارية لعمليات ابتزاز ممنهجة، وتم إجبار التجار ورجال الأعمال على التنازل عن حصص من شركاتهم لصالح قيادات حوثية أو مواجهة السجن والتشهير ومصادرة الأموال بتهم ملفقة مثل "الخيانة والعمالة".
هذا الإرهاب الاقتصادي دفع برؤوس الأموال الوطنية والشركات العريقة الممتدة لعقود إلى الهجرة الفرار خارج البلاد، مما تسبب في فقدان ملايين الوظائف وزيادة نسب البطالة بشكل مرعب. وبدلاً من الاقتصاد الإنتاجي المنظم، أنشأت الجماعة اقتصاداً موازياً يعتمد على الأسواق السوداء لبيع المشتقات النفطية والغاز المنزلي والمواد الغذائية التي يجري التلاعب بأسعارها لتمويل المجهود الحربي وإثراء الطبقة الحاكمة الجديدة، ليتضح بصورة جلية أن غاية هذه الأيديولوجيا ليست إغناء المواطن، بل إفقاره وتجويعه ليبقى منشغلاً بلقمة العيش وعاجزاً عن التفكير في التحرر الفكري أو السياسي.
6. ارتهان الجغرافيا الوطنية وعسكرة البحار كمهدد للاستقرار الدولي (محور جديد)
لا يتوقف أثر لاهوت الخراب عند حدود تقويض الدولة الوطنية من الداخل وحسب، بل يمتد ليرهن الجغرافيا الاستراتيجية للأوطان لصالح حسابات مدمرة تعزل الدولة عن محيطها وتجعلها مصدراً لتهديد الاستقرار الإقليمي والعالمي. وتبرز عسكرة البحر الأحمر ومضيق باب المندب من قبل مليشيا الحوثي كشاهد حي على تحويل الممرات المائية الحيوية للتجارة العالمية إلى مسرح لقرصنة ممنهجة وإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ غير الموجهة.
هذا السلوك المغامر المعزول عن المصلحة الوطنية العليا لا يخدم المواطن الذي يرزح تحت وطأة الجوع والمرض، بل يُوظف جغرافيا الوطن كورقة ضغط تفاوضية رخيصة لصالح رعاتهم الإقليميين. إن النتيجة المباشرة لهذه العسكرة الطائشة هي استدعاء القوى والأساطيل الدولية إلى المياه الإقليمية الوطنية، ورفع تكاليف الشحن والتأمين البحري على المواد الإغاثية والغذائية الأساسية المتجهة للموانئ المحلية، مما يضاعف من بؤس الإنسان البسيط ويقضي على ما تبقى من وشائج اقتصادية تربط الدولة بالاقتصاد العالمي، ليتأكد للباحث والمؤرخ أن عقلية المليشيا عاجزة بنيوياً عن إدراك مفهوم الدولة المسؤولة وعلاقاتها الدولية المتوازنة.
7. حتمية المواجهة التنويرية والمعرفية لإنقاذ المستقبل
إن مواجهة خطر لاهوت الخراب الحوثي والتأسلمي الحركي عموماً لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقتصر على الأدوات العسكرية أو الترتيبات والصفقات السياسية الفوقية وحسب، رغم أهميتها القصوى لحفظ كيان الجغرافيا والحدود؛ بل تتطلب بالأساس خوض معركة فكرية وتفكيكية شجاعة في ميدان الثقافة، والوعي، والتعليم. يجب على النخبة المثقفة، والمفكرين العقلانيين، والباحثين، تحمّل مسؤوليتهم التاريخية في تعرية الجذور الأيديولوجية والسياسية الفاسدة لهذه الجماعات، وفصل الجوهر المقاصدي الحقيقي للدين في عدالته ورحمته وحفظه لكرامة الإنسان، عن المتغير البشري المسيس النفعي الذي تقتات عليه هذه المليشيات والتيارات المتطرفة.
إن تحصين المجتمعات من الارتداد نحو دروب التخلف والتبعية والعبودية السلالية يبدأ من إعلاء قيم المواطنة المتساوية، وغرس آليات التفكير النقدي الحر في الفضاء العام والتعليمي، وبناء هوية وطنية صلبة تعتز بتراثها الحضاري والإنساني العريق وتتطلع للمستقبل بعقلية العصر الحديث المفتوح. لا يمكن لخطاب يقوم على ثقافة الموت، والتقديس الزائف للأشخاص، وبكائيات الماضي، وتقويض الحاضر، أن يبني وطناً أو يسعد شعباً؛ لاهوت الخراب يجب أن يسقط معرفياً لكي تحيا الأوطان وتتنفس شعوبها الحرية، والعدالة، والازدهار والتنمية المستدامة.



#سامر_مليح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك البنية الفقهية لفتاوى المرأة: من العُرف النَّجدي إلى ق ...
- تهافت النقد السجالي في ضوء إنجيل مرقس
- تهافت الميثولوجيا المسيحية
- سامي لبيب ما رأيك نتكلم بصدق وصراحة ؟


المزيد.....




- الخارجية الايرانية: بريطانيا ستتحمل تبعات قرارها المعادي لحر ...
- الخارجية الإيرانية: حرس الثورة هو جزء لا يتجزأ من القوات الم ...
- جيش الاحتلال يغلق أبواب المسجد الأقصى بذريعة تنفيذ تدريبات ع ...
- المتحدث باسم الجيش الإيراني: نحن مكلّفون بالثأر لدماء الشهدا ...
- فارس: تنفيذ حكم الإعدام بحق إرهابيَّين من تنظيم داعش، بعد إد ...
- حرس الثورة الإسلامية: الجيش الأمريكي حرض سفنا ودفع بعضها لمح ...
- حرس الثورة الاسلامية: ناقلتا نفط مخالفتان انخدعتا بالتحريض ا ...
- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا بالصواريخ والمسيّرات مقر الأس ...
- حرس الثورة الاسلامية: التعاون مع العدو سيؤدي إلى تأخير إعادة ...
- حرس الثورة الاسلامية: تم تدمير رادار باتريوت، ورادار التحكم ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر مليح - لاهوت الخراب: المتأسلمون وجدلية تقويض الأوطان – -جماعة الحوثي- نموذجاً تفكيكياً