ساجد شرقي المشعان
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 00:12
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
البروفسور ساجد الشرقي
حين نتحدث عن ثورة 14 تموز 1958, لا ينبغي ان ننظر اليها بوصفها حدثا عراقيا معزولا, ولا ان نبدأ من تاريخ وقوعها ومكان انطلاقها كما جرت العادة في الكتابات التقليدية, لان فهمها لا ينفصل عن السياق الدولي الذي تشكلت فيه, كونها جاءت في مرحلة كانت تموج بحركات التحرر الوطني في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية, وكانت الحرب الباردة قد قسمت العالم بين مشروعين عالميين متنافسين, الرأسمالية والاشتراكية, وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد لم تكن الانظمة السياسية في كثير من دول العالم الثالث تمتلك مرونة تداول السلطة, لأنها كانت انظمة مغلقة, الامر الذي جعل المؤسسة العسكرية تتحول في عدد من تلك الدول الى الحاضنة الاكثر قدرة على التعبير عن المزاج الوطني, مستندة الى قاعدة شعبية واسعة تتطلع الى الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية..
وفي العراق تحديدا, لم يكن النظام الملكي مجرد خيار داخلي نشا بصورة طبيعية, بل كان جزءا من الترتيبات التي فرضتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الاولى, ضمن مشروع اعاد تشكيل الدولة العراقية بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية, فانتقلت من الاحتلال المباشر الى ادارة النفوذ عبر نظام ملكي حليف, ومؤسسات دستورية وبرلمانية استلهمت النموذج البريطاني شكلا, لكنها ظلت محكومة في كثير من مفاصلها بميزان المصالح الدولية اكثر من تعبيرها عن الارادة الوطنية..
ومن هنا, فان 14 تموز لا يمكن اختزالها في ساعات قليلة تحركت فيها القطعات العسكرية نحو بغداد, لان الثورات الحقيقية لا تحسم في يوم واحد, بل تمتد معاركها في الوعي والذاكرة والسياسة لعقود طويلة, وهذا ما حدث مع ثورة تموز, فهي لم تكن مجرد تغيير للنظام الملكي, بل مثلت محاولة لإعادة تعريف الدولة العراقية, وطبيعة علاقتها بالمجتمع, وبالثروة, وبالقرار الوطني, ولهذا بقيت حتى اليوم واحدة من اكثر محطات التاريخ العراقي اثارة للجدل, ليس بسبب طريقة ولادتها فحسب, بل بسبب عمق التحولات التي اطلقتها, والانقسامات الفكرية والسياسية التي ما زالت تتمحور حولها بعد اكثر من نصف قرن ..
هل هي ثورة ام انقلاب ؟
لعل السؤال الاكثر حضورا منذ الرابع عشر من تموز 1958 هو، هل ما جرى كان ثورة ام انقلاب، وهو سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه في حقيقته يعكس اختلافا في تعريف الثورة نفسها، فاذا كان الانقلاب في الادبيات السياسية يعني الاستيلاء على السلطة بالقوة، وغالبا ما يتم من داخل المؤسسة العسكرية، فان الثورة لا تقاس بوسيلة الوصول الى السلطة، بقدر ما تقاس بعمق التحولات التي تتركها في بنية الدولة والمجتمع، وبقدرتها على اعادة صياغة منظومة القيم والاقتصاد والعلاقات السياسية.
ومن هذا المنطلق، فان ما حدث في الرابع عشر من تموز بدأ بالفعل كحركة عسكرية، لكنه تجاوز مفهوم الانقلاب بمجرد ان شرع في تفكيك البنية التي كان يقوم عليها النظام الملكي، فالغى الملكية، واعلن النظام الجمهوري، واصدر سلسلة من التشريعات التي مست بنية المجتمع والاقتصاد والدولة، ولذلك فان توصيفه الادق هو، انقلاب في اداته، وثورة في نتائجه، لان التاريخ لا يحاكم الاحداث من لحظة انطلاقها، وانما من حجم التحولات التي احدثتها.
وهنا يبرز سؤال اكثر عمقا، هل يشترط في الثورة ان تنجح في الاحتفاظ بالسلطة حتى تستحق هذا الوصف، ان التاريخ يجيب بالنفي، فثورة الامام الحسين في كربلاء لم تغير السلطة القائمة، ولم تسقط الدولة الاموية، ولم تؤسس نظاما سياسيا جديدا، بل بقيت السلطة ذاتها تمارس ادواتها، ومع ذلك اجمع التاريخ على تسميتها ثورة، لانها احدثت تحولا جذريا في الوعي، واعادت تعريف العلاقة بين السلطة والشرعية، وبين القوة والحق، فاصبح اثرها الحضاري والفكري اعظم من اثر كثير من الثورات التي انتصرت عسكريا ثم انتهت بانتهاء حكامها.
ومن هنا، فان معيار الثورة لا يكمن في عدد الدبابات التي شاركت فيها، ولا في مدة بقائها في الحكم، بل في قدرتها على تغيير مسار التاريخ، وعلى انتاج افكار وقيم تستمر بعد زوال قادتها، وهذا ما يجعل ثورة تموز، بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معها، حدثا يتجاوز حدود الانقلاب العسكري، لان اثرها ظل حاضرا في بنية الدولة العراقية، وفي الجدل السياسي والفكري الذي لم ينقطع حتى يومنا هذا.
ولعل من المفارقات ذات الدلالة ان هذه المناسبة تتزامن كل عام مع شهر محرم، الشهر الذي ارتبط في الوجدان الاسلامي بثورة الامام الحسين، وليس المقصود هنا عقد مقارنة بين الحدثين في دوافعهما او ظروفهما، فلكل منهما سياقه التاريخي المختلف، وانما الاشارة الى حقيقة فلسفية واحدة، وهي ان الثورات لا تقاس دائما بما تحققه في لحظة وقوعها، بل بما تتركه من اثر في الذاكرة الجمعية، وبما تثيره من اسئلة حول العدالة، والشرعية، وحق الشعوب في تغيير الواقع، ولذلك بقيت ثورة الحسين حية رغم انتصار خصومها عسكريا، وبقيت ثورة تموز موضع جدل بعد اكثر من ستة عقود، لان كلتيهما خرجتا من اطار الحدث العابر، لتدخلا فضاء التاريخ والذاكرة.
لماذا وقع التغيير، ولماذا ما زال الجدل قائما؟
لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز انفجارا سياسيا مفاجئا، بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الاختلال بين الدولة والمجتمع، فكل الثورات الكبرى لا تولد من فراغ، بل تنشأ عندما تعجز البنية السياسية عن استيعاب التحولات الاجتماعية، وتفقد السلطة قدرتها على تجديد شرعيتها، وهذا ما شهدته فرنسا قبل ثورة 1789، وروسيا قبل ثورة 1917، ومصر قبل ثورة تموز 1952، والعراق لم يكن استثناء من هذه القاعدة التاريخية.
لقد ولد النظام الملكي العراقي في ظل المشروع البريطاني الذي اعاد تشكيل العراق بعد الحرب العالمية الاولى، فكانت شرعيته الدستورية ترتكز على معادلة دقيقة، الحفاظ على مؤسسات الدولة الحديثة من جهة، وضمان استمرار المصالح البريطانية الاستراتيجية، ولا سيما النفط، والامن الاقليمي، والارتباط بالمنظومة الغربية من جهة اخرى، ولذلك لم يكن الانضمام الى حلف بغداد عام 1955 حدثا عابرا، بل كان تعبيرا عن تموضع العراق داخل الاستراتيجية الغربية في ذروة الحرب الباردة، وهو ما ولد شعورا واسعا بان القرار الوطني لم يعد مستقلا بصورة كاملة.
وفي الداخل، لم تكن الازمة تقتصر على شكل النظام السياسي، بل امتدت الى البنية الاجتماعية نفسها، حيث تركزت الثروة الزراعية بيد الاقطاع، واتسعت الفجوة بين الطبقة الحاكمة والاغلبية الشعبية، فبدت الدولة وكأنها تعبر عن مصالح طبقة سياسية محدودة اكثر مما تعبر عن المجتمع بكل مكوناته، وهنا تبلورت فكرة التغيير بوصفها ضرورة تاريخية، لا مجرد طموح لفئة من الضباط.
ولعل المفارقة الاكثر اثارة ان الجدل حول الثورة لم ينته بسقوطها، بل ازداد بعد عام 2003، لان الدولة الجديدة قامت على مرتكزات فكرية وسياسية تختلف جذريا عن المرتكزات التي قامت عليها ثورة تموز، فالثورة قدمت نفسها بوصفها مشروعا وطنيا مركزيا، يجعل الهوية الوطنية فوق الانتماءات الفرعية، ويربط شرعية الدولة بالسيادة والعدالة الاجتماعية، بينما اعتمد النظام السياسي الجديد على التعددية الحزبية، والمحاصصة السياسية، وتمثيل الهويات الفرعية بوصفها احد اسس بناء السلطة، وهو ما جعل مفهوم المواطنة يتراجع امام الانتماءات المذهبية والقومية والحزبية.
ومن هنا يمكن فهم سبب غياب الرابع عشر من تموز عن الذاكرة الرسمية للدولة، فالمسألة لا تتعلق بتاريخ مناسبة وطنية فحسب، بل باختلاف في فلسفة الدولة ذاتها، اذ يصعب على نظام سياسي يقوم على مرجعيات ايديولوجية ودينية وحزبية متعددة، وينتمي اقتصاديا الى النموذج الليبرالي، وسياسيا الى النظام البرلماني ذي الجذور الغربية، ان يتبنى رمزية ثورة قامت اصلا لمواجهة النظام الملكي المرتبط بالغرب، ورفعت شعار الدولة الوطنية المركزية، والاقتصاد ذي البعد الاجتماعي، وتقليص النفوذ الاجنبي.
ولذلك، فان تجاهل هذه المناسبة لا يبدو مجرد قرار بروتوكولي، بل يعكس صراعا بين مشروعين للدولة، مشروع يرى ان شرعية الدولة تنبع من استقلالها الوطني وعدالتها الاجتماعية، ومشروع اخر يرى ان شرعية الدولة تستند الى التعددية السياسية، والاقتصاد الحر، والتوازنات التي افرزها النظام الدولي بعد عام 2003، ولهذا بقي الرابع عشر من تموز حاضرا في الذاكرة الشعبية، وغائبا عن الذاكرة الرسمية، لان الخلاف لم يكن يوما على التاريخ، بل على الفكرة التي يمثلها هذا التاريخ
لماذا لم تستقر الثورة ؟
تكشف التجارب التاريخية ان نجاح الثورات في الوصول الى السلطة لا يعني بالضرورة نجاحها في بناء الدولة، فاللحظة الاصعب ليست اسقاط النظام السابق، بل ادارة التناقضات التي تظهر بعد سقوطه، وقد واجهت ثورة الرابع عشر من تموز هذا التحدي منذ ايامها الاولى.
ففي الداخل، وجدت الثورة نفسها امام قوى سياسية اشتركت في اسقاط النظام الملكي، لكنها لم تكن تمتلك مشروعا واحدا لإدارة الدولة، فقد كان القوميون ينظرون الى العراق بوصفه جزءا من مشروع الوحدة العربية، بينما كان عبد الكريم قاسم يرى ان بناء الدولة العراقية يجب ان يسبق اي مشروع وحدوي، في حين اعتبر الحزب الشيوعي الثورة فرصة لترسيخ مشروع العدالة الاجتماعية وتوسيع نفوذه الشعبي، وهكذا تحول التحالف الذي اسقط النظام الملكي الى ساحة صراع بين رؤى متعارضة لمستقبل العراق.
وعلى المستوى الاقليمي، دخلت الثورة منذ ايامها الاولى في مواجهة مع مشاريع متنافسة، فقيام الجمهورية العراقية مثل صدمة سياسية في المنطقة، ولا سيما بعد انسحاب العراق من حلف بغداد، الامر الذي اخل بتوازنات اقليمية ودولية كانت ترى في العراق ركنا مهما ضمن منظومة الاحتواء الغربية، ولذلك لم تعد الثورة شأنا عراقيا خالصا، بل اصبحت جزءا من صراع الحرب الباردة، تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الاقليمية..
ولعل احد ابرز مظاهر هذا الصراع تمثل في العلاقة المتوترة بين عبد الكريم قاسم والرئيس المصري جمال عبد الناصر، فلم يكن الخلاف شخصيا، بقدر ما كان خلافا بين مشروعين سياسيين، الاول يضع اولوية بناء الدولة الوطنية العراقية، والثاني يجعل الوحدة العربية المدخل الرئيس لبناء القوة، وقد انعكس هذا الخلاف على مجمل الحياة السياسية، وفتح الباب امام تدخلات اعلامية وسياسية وامنية عمقت الانقسام الداخلي، وانتهت بسلسلة من المحاولات الرامية الى اسقاط النظام.
وفي المقابل، شكل الحزب الشيوعي العراقي احد اهم القوى الشعبية التي دافعت عن الثورة، مستندا الى حضوره بين العمال والطلبة والمثقفين، غير ان اتساع نفوذه ولد مخاوف لدى قوى داخلية وخارجية رأت في ذلك اقترابا من المعسكر الاشتراكي، في ذروة الصراع بين الشرق والغرب، وهو ما جعل العراق يتحول الى ساحة تنافس دولي، اكثر منه ساحة خلاف داخلي.
لقد دفعت الثورة ثمنا باهظا لوقوعها في قلب الحرب الباردة، فالقرار الوطني لم يعد محكوما بالعوامل الداخلية وحدها، بل اصبح اسير شبكة معقدة من المصالح الدولية والاقليمية، وهو ما تؤكده تجارب كثيرة في العالم الثالث، ففي غواتيمالا عام 1954، والكونغو عام 1961، وتشيلي عام 1973، تعرضت مشاريع التغيير الوطني الى ضغوط وانقلابات وتدخلات خارجية عندما اصطدمت بموازين القوى الدولية، ولم يكن العراق بعيدا عن هذه القاعدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول ان ثورة تموز لم تسقط بسبب خصومها وحدهم، بل بسبب التقاء ثلاثة عوامل في لحظة واحدة، الانقسام الداخلي، والاستقطاب العربي، والصراع الدولي، وهي معادلة نادرا ما استطاعت اي ثورة في العالم الثالث ان تتجاوزها دون ان تدفع ثمنا باهظا.
#ساجد_شرقي_المشعان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟