أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ساجد شرقي المشعان - مقاربة نقدية في فلسفة الوجوه والاحتمالات.. قراءة في نص الدكتور محمد السباهي (ستة وجوه لرجل ستيني).














المزيد.....

مقاربة نقدية في فلسفة الوجوه والاحتمالات.. قراءة في نص الدكتور محمد السباهي (ستة وجوه لرجل ستيني).


ساجد شرقي المشعان

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 12:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هذا النص لا يطرح "رجلا ستينيا" بوصفه شخصية سردية فحسب، بل يجعله استعارة وجودية للانسان في لحظة وعيه المتأخر بذاته، وهو نص يتكئ على خلفية فلسفية وجمالية عميقة تستعير من التكعيبية الفنية آلياتها، لكنها تتجاوز الفن التشكيلي الى مساءلة طبيعة الادراك الانساني نفسه.
فالعنوان "ستة وجوه لرجل ستيني" يضعنا الكاتب أمام مفارقة مركزية مفادها، هل الانسان واحد ام مجموعة ذوات؟
والنص يوظف هذا المبدأ ليقول ان الذات الانسانية ليست كيان متجانس، انما تراكم زوايا وتجارب واحتمالات..لذلك فان عبارة "الانسان ليس صورة جاهزة، بل مجموع احتمالات" ليست جملة افتتاحية فقط، بل هي المفتاح الفلسفي الذي يفتح مغاليق النص كله، فعلى المستوى الرمزي، تتحول المرايا المتكسرة الى صورة بليغة للوعي الإنساني، اذ ان المرآة التقليدية تمنح انعكاسا واحدا، أما المرآة المتكسرة فتنتج ذواتا متعددة.
هنا يبدو السباهي متأثرا، ولو ضمنيا، بالفلسفات الوجودية التي ترى ان الانسان مشروع مفتوح لا جوهرا مكتمل التكوين.. لان كل قطعة من المرآة لا تعكس الحقيقة كلها، لكنها لا تكذب ايضا، فهي تمنح جزءا من الحقيقة.
وهنا تكمن احدى اهم اشكاليات النص "الحقيقة ليست غائبة، لكنها موزعة" .
أما الرجل الستيني فهو ليس اختيارا اعتباطيا، فالستون في مخيلة الانسان تمثل مرحلة مراجعة الحسابات الوجودية، إنها السن التي يصبح فيها الماضي أكبر من المستقبل، ولذلك فان وقوفه على "رصيف الشارع المتآكل" ليس مشهدا واقعيا بقدر ما هو صورة للزمن نفسه، فالرصيف المتآكل هو العمر الذي عبرته الخطوات، وهو التاريخ الشخصي الذي لم يعد صلبا كما كان.. والرجل لا يعبر الشارع، بل يعبر ما تبقى منه نحو "الزمن المفقود".
وهنا تتجلى شاعرية النص في قدرته على تحويل المكان إلى زمن، والحركة الى تأمل.
اللافت نقديا أن النص ينتقل من سؤال الهوية الى سؤال المعرفة، فبعد الحديث عن تعدد الوجوه يعلن السباهي موقفا يبدو للوهلة الأولى مضادا لمنطق التكعيبية.. "صورة واحدة تكفي".
هنا يولد التوتر الفكري الأهم في النص، فهو (الكاتب)، لا يحتفي بتعدد الاحتمالات احتفاء مطلقا، انما يحذر من الضياع داخلها، وكأنه يقول ان الوعي البشري محدود، وان البحث عن كل الوجوه قد يحرمنا من رؤية الوجه الحقيقي، وهذه الفكرة تقترب من نقد الحداثة المتاخرة التي أغرقت الانسان في وفرة الصور لدرجة حتى فقد القدرة على الامساك بالمعنى.
ان الجملة الاشد عمقا في النص هي، "العين التي تحاول أن ترى كل شيء تفقد قدرتها على رؤية شيء واحد". فهنا ينتقل الكاتب من التامل الجمالي إلى الحكمة المعرفية، انها اشارة الى مأزق الانسان المعاصر الذي يعيش وسط فيض من المعلومات والصور والاحتمالات، لكنه يزداد جهلا بذاته، فالمعرفة المطلقة تتحول الى استحالة، والرغبة في الاحاطة بكل شيء تنتهي غالبا إلى العجز عن فهم أي شيء بعمق.
ومن أجمل ما يحققه النص أنه ينقل التكعيبية من كونها تقنية فنية إلى كونها اشكالية ، فالوجه ليس وجها، بل مجموعة زوايا متزامنة، والانسان لا يدرك من هذه الزوايا الا ما يسمح به عمره وتجربته وحدود وعيه..
هنا يتقاطع النص مع فلسفات التأويل الحديثة التي ترى ان الحقيقة لا تظهر كاملة لاحد، وان كل رؤية هي رؤية جزئية مشروطة بموقع الراوي.
اما الخاتمة فهي ذروة النص فكرا ، حيث السؤال - "كيف نطلب من الانسان أن يرى العالم كاملا وهو لا يستطيع أن يرى نفسه، أو حقيقتها كاملة؟" لا يخص الرجل الستيني وحده، بل يخص الحضارة الإنسانية كلها.. انه سؤال معرفي وأخلاقي في ان واحد. لان العجز عن معرفة الذات يصبح مقدمة طبيعية للعجز عن معرفة العالم.
ومع كل هذه القوة الفكرية، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية واحدة هي " ان النص يميل احيانا الى التصريح الفلسفي أكثر من تجسيده سرديا"، ففي بعض المواضع تتقدم الفكرة على الصورة، فيقترب النص من المقالة التأملية أكثر مما يقترب من النص الأدبي الخالص، غير ان هذه السمة لا تضعف النص بقدر ما تكشف عن انحيازه الواعي إلى ما يمكن تسميته "الأدب التفكري"، حيث تصبح اللغة اداة للتامل الفلسفي بقدر ما هي أداة للتخييل...
وخلاصة القول ان النص ينجح في بناء استعارة مركبة عن الانسان بوصفه كائنا متعدد الوجوه، محدود الرؤية، ومطاردا بهاجس معرفة ذاته.. وهو نص يطرح سؤالا وجوديا عميقا، لسنا عاجزين عن رؤية العالم لأن العالم معقد فحسب، بل لأننا لم نكتمل بعد في أعين أنفسنا.. وهذه هي المأساة الإنسانية التي يلمح إليها السباهي بذكاء وجمال.



#ساجد_شرقي_المشعان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في تناقض الخطاب السياسي العراقي
- جنوب العراق (البصرة ).. قراءة بين السطور
- الوحدة الوطنية واشكالية الصراع على السلطة
- الثقافة السياسية ..ضرورة ملحة .. للبناء الديمقراطي في الدولة ...
- دور الجامعات في تطوير وتنمية المجتمع
- الاضطرابات السلوكية للأطفال العراقيين ... بين الأسرة والدولة ...
- الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني …الحقائق المعاصرة وا ...
- المصالحة .. المسائلة ..إلى أين ؟


المزيد.....




- سحقت سياراتهم.. شاهد كيف عاقبت الشرطة سائقين متهورين في لاس ...
- محلل يبين لـCNN -مصلحة راسخة- تتشاركها إيران وأمريكا تدفعهما ...
- الجيش الإسرائيلي يكشف عن اسم أحد جنوده القتلى في جنوب لبنان ...
- الدفاع الروسية تعلن إسقاط 239 مسيرة أوكرانية وتؤكد استمرار ا ...
- العثور صدفة على لوحة لبيكاسو خلال مداهمة للشرطة الفرنسية بحث ...
- ممداني يصف أعضاء منظمة -إيباك- بالوحوش ويتهمهم بتمويل الحرب ...
- تناول خليط من المكملات الغذائية يومياً قد يسبب لك ضرراً أكثر ...
- مباشر: الولايات المتحدة وإيران تستعدان لبدء جولة مفاوضات جدي ...
- في محاولة لاحتواء التراشق.. نتنياهو يطلب من وزرائه الامتناع ...
- دي فانس يصل إلى سويسرا لإجراء المفاوضات مع إيران


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ساجد شرقي المشعان - مقاربة نقدية في فلسفة الوجوه والاحتمالات.. قراءة في نص الدكتور محمد السباهي (ستة وجوه لرجل ستيني).