وفاء الفرشيشي
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 06:37
المحور:
الادب والفن
أحببتُهُ بطريقةٍ لم تكن تُشبه الحبّ بقدر ما كانت تُشبه الرعاية.
كنتُ أقتسمُ معه التمرةَ كأنّ بيننا سنواتٍ من الجوع القديم، وأصنعُ له الخبزَ بيدي، لا لأنّه كان يحتاجُ إلى الخبز، بل لأنّني كنتُ أحتاجُ أن أضع شيئًا من قلبي على مائدته.
أحيانًا كنتُ أناديه: "يا ولدي"، ثم أضحك من نفسي. وحين يغضبني أقول له: "من علّمك عقوق الأمهات؟" كأنّ الحبّ قد اختلط عليّ حتى لم أعد أفرّق بين الحبيب والابن، بين الشوق والغريزة القديمة التي تجعل امرأةً ما تحاول أن تحمي ما تحبّ من العالم.
وحين خانني...
لم تكن الخيانةُ تلك المرأة.
ولم يكن الوجعُ في سريرٍ اقتسمه معها.
لقد غفرتُ كلَّ ذلك تقريبًا.
أما الذي لم أستطع غفرانه أبدًا، فهو أنّه اقتسم معها خبزي.
ذلك الخبزُ الذي كنتُ أعجنه في ليالٍ طويلة من الانتظار، وأتركُ فيه شيئًا من يدي، وشيئًا من تعبي، وشيئًا من لهفتي إليه.
كان دقيقًا وماءً في نظر الآخرين، أمّا في نظري فكان قلبًا يُخبَز.
كان رسالةً لا تُكتب، وحضنًا لا يُرى، ووطنًا صغيرًا يُؤكل.
لذلك حين رأيتُه يقتسمه مع أخرى، شعرتُ أنّه لم يسرق منّي رغيفًا، بل أخذ تلك الأيّام كلّها، وأجلسها إلى مائدةٍ لا تعرف عنها شيئًا.
منذ ذلك اليوم فهمتُ أن بعض الخيانات لا تأتي من الجسد، بل من التفاصيل الصغيرة التي نُودِع فيها أرواحنا.
فالقبلةُ قد تُنسى، والسريرُ قد يُغفر، لكنّ الرغيف الذي خُبِز بالحبّ...
يبقى شاهدًا على الجريمة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟